المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣١
  نسخة غير مصححة

الفصل السابع

في

حكاية قول من يقول : ان سبب حدوث هذا

العالم عشق النفس على الهيولى

هذا المذهب كان قد اندرس خبره [وانمحى (١)] أثره عن أهل العالم ، فأحياه «محمد بن زكرياء الرازي» والناس أطلقوا ألسنتهم فيه ، وطولوا بما لا فائدة فيه.

وأنا أشرح الحال فيه على سبيل الاستقصاء ، مع البعد عن اللجاج والتعصب.

والكلام فيه إنما يتم بذكر مقدمات :

٤٠١
٤٠٢

المقدمة الأولى

قالوا (١) : الموجود إما أن يكون مؤثرا ، لا يتأثر ، وهو البارئ تعالى. أو متأثرا لا يؤثر ، وهو الهيولى. أو يكون متأثرا ومؤثرا وهو النفس. فإنها تقبل الأثر عن عالم الإله ، وتقوى على التأثير في الهيولى. وإما أن يكون مؤثرا ولا متأثرا ، وهو الفضاء والدهر.

قالوا : فهذه الأقسام الأربعة حاصلة بمقتضى تقسيم العقل. ثم الدليل دل على وجودها : أما البارئ تعالى. فنقول : حوادث العالم تدل على افتقارها إلى المحدث. والدلائل التي نقلناها عن القائلين بأن إله العالم يجب أن يكون فاعلا مختارا ، دالة على كونه فاعلا بالاختيار. فقد ثبت لهذا العالم : إله قادر حكيم.

وأما إثبات الهيولى : فقد ذكرنا دلائل القائلين بأن الحوادث لا بد لها من هيولى. ثم قال : «محمد بن زكرياء» : «وهذه الهيولى هي الأجزاء التي لا تتجزأ بحسب الوجود ، وإن كانت قابلة للتجزئة بحسب الوهم».

وسنذكر الحال فيها في مسألة الجوهر الفرد. قال : «وتلك الأجزاء كانت متفرقة وواقفة ساكنة [في الأزل (٢)].

__________________

(١) من (ط).

(٢) من (ط).

٤٠٣

وأما إثبات النفس ففيه مقامان :

الأول : إثبات أن النفس غير البدن ، ودلائل الفلاسفة في إثبات هذه النفس مشهورة.

والمقام الثاني : إثبات أنها قديمة. والدليل (١) على قدمها : أنه لما ثبت [بالدليل (٢)] أن إله العالم فاعل بالاختيار ، لا موجب (٣) بالذات ، امتنع أن يكون فعله أزليا. لأن الفاعل بالاختيار هو الذي يفعل بواسطة القصد [والاختيار (٤)] ومن كان فعله بواسطة القصد ، فإن فعله يكون محدثا مسبوقا بالعدم ، وكل ما كان كذلك ، فإنه لا بد وأن يصير فاعلا ، بعد أن كان غير فاعل من الأزل ، إلى ذلك الوقت. فإنه يستحيل (٥) أن يبتدئ بالفعل في ذلك الوقت ، إلا بعد أن يتقدمه فاعل جاهل ، شرع في الفعل بجهله ، وثبت أن ذلك [الفاعل (٦)] الجاهل هو النفس ، وهذا يقتضي أن النفس يجب أن تكون قديمة. وأما إثبات أن الخلاء والدهر موجودان في الأزل ، فسيأتي دلائل ذلك في كتاب «المكان والزمان».

وعند هذا ، قال «محمد بن زكرياء الرازي» : «فقد ثبت القول بهذه القدماء الخمسة» ثم زعم : أن كل واحد منها واجب الوجود لذاته ، وطعن في دلائل من قال : إن واجب الوجود يمتنع أن يكون أكثر من واحد» وزعم أن شيئا منها لا يبقى على البحث الصحيح.

فهذا هو إحدى المقدمات ، التي لا بد من الوقوف عليها في هذا الباب.

__________________

(١) والذي يدل (ط)

(٢) من (ط)

(٣) لا علة موجبة بالذات (ط).

(٤) من (ت).

(٥) يمتنع (ط).

(٦) من (ت).

٤٠٤

المقدمة الثانية

هي : إن المؤثر. إما أن يكون مؤثرا على سبيل الطبع والإيجاب. مثل : تأثير النار في الإحراق ، وتأثير الماء في التبريد. وإما أن يكون مؤثرا على سبيل القدر والاختيار. وهذا على قسمين :

أحدهما : الفاعل الحكيم الذي يكون فعله (١) على وفق الحكمة والمصلحة.

[والثاني (٢) : الذي يكون فعله على وفق العبث والاتفاق. مثل : الصبيان والمجانين. وقد سبق [جواز (٣)] صدور مثل هذا الفعل عن الرجل الحكيم. ومثاله : ما إذا كان الإنسان مشتغل الفكرة بمهم عظيم. فإنه في أثناء تلك الفكرة قد يعبث بشعرة واحدة من شعرات لحيته ، وقد يأخذ نبتة من الطريق ويعبث بها ، وهو وإن كان يعبث بتلك الشعرة ، وبتلك النبتة ، إلا أنه يكون كالغافل عن تلك الأفعال ، ولا يكون فعله (٤) وتركه منطبقا على قانون الحكمة والمصلحة ، بل على محض (٥) الاتفاق والعبث.

__________________

(١) حكمة (ت).

(٤) قوله (ت).

(٢) من (ط).

(٥) بعض (ط) نحو (ت).

(٣) من (ط).

٤٠٥
٤٠٦

المقدمة الثالثة

قالوا : قد ثبت بالدليل : أن إله العالم ليس علة موجبة بالذات ، بل فاعل بالاختيار ، وثبت : أنه متى كان فاعلا مختارا ، واجب أن يكون فعله محدثا. وإذا (١) ثبت أن فعله محدث ، لزم أن يقال : إنه كان تاركا للفعل من الأزل إلى ذلك الوقت ، وإذا ثبت هذا فنقول : إنه لا يجوز أن يبتدئ الإله الحكيم بالفعل ، بعد أن كان تاركا له مدة غير متناهية. والذي يدل (٢) عليه وجوه [من الشبهات :

الشبهة] الأولى : إنه إما أن يقال : بأن هذا الوقت اختص بخاصية ، لأجلها استحق أن يخصه الفاعل الحكيم بالشروع في التكوين والتخليق (٣) فيه. وإما أن يقال : إنه لم توجد هذه الخاصية. والأول باطل. لأن اختصاص ذلك [الوقت (٤)] بتلك الخاصية ، إما أن يكون لذات ذلك الوقت ، أو لشيء من لوازمه ، أو لا لذاته ، ولا لشيء من لوازم [ذاته (٥)] والأول والثاني باطلان. إذا لو جاز أن يكون ذلك الوقت المعين ، موجبا لتلك الخاصية المعينة ، جاز

__________________

(١) وإذا كان فعله (ط).

(٢) والذي لا يدل عليه وجود الأول (ت) والذي يدل عليه وجوه الأول (ط).

(٣) والتخليق والثاني أن يقال (ت).

(٤) من (ط).

(٥) من (ط).

٤٠٧

أيضا أن يوجب سائر الحوادث. وإذا جوزنا ذلك ، فحينئذ لا يمكننا الاستدلال بحدوث الحوادث على وجود الإله الحكيم. والثالث أيضا باطل. لأن الكلام الذي ذكرناه في تخصيص ذلك الوقت ، بالشروع في إحداث العالم ، عائد بعينه في تخصيص ذلك الوقت بتلك الخاصية. وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : الإله الحكيم شرع في الإحداث والتكوين في ذلك الوقت ، بعد أن كان تاركا له مدة غير متناهية ، من غير سبب اختص به ذلك الوقت: كان ذلك محض العبث. ومثل هذا الفعل لا يليق البتة بالفاعل الحكيم. ألا ترى أنا إذا رأينا رجلا حكيما عاقلا ، أمسك عن نوع من أنواع الفعل سنين طويلة ، وجلس في زاوية داره (١) ساكتا ، تاركا [لذلك (٢)] الفعل بالكلية ، ثم إنه بعد الأدوار الطويلة قفز دفعة واحدة ، وشرع في العمل بالجد العظيم ، والاجتهاد التام. فإن كل عاقل يقول له : ما السبب الذي اقتضى انتقالك من الإعراض إلى الشروع ، ومن الترك إلى الفعل؟ فإن قال : لم يحدث البتة سبب اقتضى ذلك ، فكل أحد من العقلاء يقول : إن هذا لا يليق بالعقلاء والحكماء، فإنه إن كان الترك أصوب ، فلم انتقلت منه إلى الفعل لا لسبب؟ وإن كان الفعل أصوب ، فلم تركته قبل ذلك لا لسبب؟ فيثبت : أن الانتقال من الترك الأزلي ، إلى الفعل من غير [سبب (٣)] البتة لا يليق بالفاعل الحكيم البتة. أما الفاعل السفيه ، فإنه لا يليق به ذلك. ألا ترى أن الصبيان والمجانين قد ينتقلون من الفعل إلى الترك تارة ، ومن الترك إلى الفعل أخرى ، من غير سبب يقتضي [ذلك (٤)] ومن غير موجب يوجبه. والعقلاء لا يستبعدون حدوث (٥) مثل هذه الحالة عن الفاعل الجاهل العابث. فيثبت أن ابتداء القصد إلى التكوين لا يليق بالفاعل الحكيم. وإنما يليق بالفاعل الجاهل. فوجب إثبات

__________________

(١) بيته (ط).

(٢) من (ط).

(٣) من (ت).

(٤) من (ت).

(٥) من صدور (ط).

٤٠٨

فاعل جاهل قديم ، هو الذي ابتدأ بالشروع في الفعل ، بعد أن كان تاركا له على سبيل العبث والجهل والاتفاق.

والشبهة الثانية : قال : «محمد بن زكرياء الرازي» : «ومما يدل [أيضا (١)] على أن القصد إلى تكوين العالم لا يليق بالفاعل الحكيم : وذلك لأن هذا العالم مملوء من الآلام والأسقام. والبقاء على العدم يفيد الخلاص من هذه الآلام ، وما كان يضره فوت هذه اللذات. وأما التكوين والتخليق فإنه يقتضي الوقوع في آلام الدنيا ، وعذاب الآخرة. ومتى كان الأمر كذلك ، فالحكمة تقتضي ترك الإيجاد والتكوين».

والشبهة الثالثة : قال : «إن بتقدير أن يقال : كل ما أراده الإنسان ، فإنه يجده ، فإن التكوين والتخليق غير لائق بحكمة الفاعل الحكيم. وذلك لأنه لو لا سابقة الاحتجاج إليه لم ينتفع به. فإذا خلق العبد فإن لم تخلق فيه الحاجة والشهوة ، لم يحصل الانتفاع ، فكان ذلك الخلق عبثا. وإن خلق فيه الحاجة والشهوة ، ثم أعطاه التشهي ، كان ذلك جاريا مجرى ما إذا أوصل إليه نوعا من الضرر ، ثم إنه يشتغل بإزالته. وذلك عبث. فيثبت : أن بتقدير أن يجد كل أحد كل ما يتمناه ويهواه ، فإن الخلق يكون عبثا. وذلك لا يليق بحكمة أحكم الحاكمين. فيثبت : أن الابتداء بالخلق لا يليق بالإله الحكيم الرحيم».

فهذه هي الكلمات التي عولوا عليها في إثبات أن الابتداء بالخلق لا يليق بحكمة الإله الحكيم.

__________________

(١) من (ط).

٤٠٩
٤١٠

المقدمة الرابعة

قال «محمد بن زكرياء» : «لما ثبت بالدليل : أن العالم محدث ، وثبت : أن الابتداء بخلق العالم لا يليق بحكمة الله [تعالى (١)] وجب أن يكون المبتدئ بإحداث العالم فاعلا جاهلا ، وذلك هو النفس. وتقريره : أن النفس كانت غافلة عن الهيولى من الأزل إلى الأبد ، ثم اتفق لها التفات إلى الهيولى ، واعتقدت أنها إذا اختلطت بالهيولى قدرت على استيفاء اللذات ، فحصل للنفس عشق طبيعي غريزي على هذه الهيولى ، وهذا العشق لا شك في حصوله. ألا ترى أن عشق كل نفس على جسده عشق كامل تام ، لا يمكن حصول عشق أكمل منه ، فلما حصل للنفس ذلك الالتفات الاتفاقي ، والإدراك الغيبي ، وتفرع على حصول ذلك الالتفات حصول هذا [العشق (٢)] الغريزي ، لا جرم تعلقت النفس بالهيولى ، وحصل من تركيبهما : الحيواني (٣). وعلم الإله الحكيم أن ذلك التعلق سبب لفتح باب الآفات والشرور والمضار ، وبسبب أن الهيولى لا يقبل التركيب المحكم المتقن ، الخالي عن جميع جهات المضار. إلا أن البارئ [تعالى (٤)] كما علم ذلك ، علم أيضا : أنه لا يمكن منع النفس عن

__________________

(١) من (ط).

(٢) من (ط).

(٣) أي الغضب والشهوة.

(٤) من (ط).

٤١١

ذلك التعلق ، لأن العشق قد بلغ في القوة والكمال ، إلى حيث لا يمكن إزالته. وعلم الإله الحكيم أيضا أمرا ثالثا ، وهو : أن النفس لا (١) تقدر على التركيب الجيد ، بل لو وقع الاقتصار على ما تتولاه النفس بذاتها ، لكانت [تلك (٢)] التركيبات فاسدة ، سريعة البطلان. فكان تحصل الآلام الشديدة الكثيرة (٣) بسرعة تلك التركيبات ، فلما علم الإله الحكيم الرحيم هذه المعاني الثلاثة (٤) ، علم بأن الأصوب الأصلح : أن تركب [الأجسام (٥)] التي حاولت النفس التعلق بها على التركيب الأقرب إلى الصلاح ، والأبعد عن قبول الفساد ، حتى تكثر الخيرات ، وتقل الآفات ، بحسب الإمكان. ثم إنه تعالى يفيض نور العقل على جوهر النفس ، حتى يظهر له بسبب نور العقل : أن الآفات الحاصلة [في هذا التركيب (٦)] أكثر من الخيرات الحاصلة فيه. فحينئذ ينفر طبع النفس عن الاختلاط بالهيولى، وتعود إلى عالمها فارغة ، مطهرة عن الالتفات إلى عالم الهيولى» قال : «وعلى هذا الطريق فتلك الدلائل الثلاثة غير واردة».

أما الحجة الأولى : وهي [قولهم (٧)] «إنه كيف يليق بالفاعل أن ينتقل من الترك [إلى الفعل (٨)] لا لحكمة». فهذا غير وارد هاهنا. لأن هذا ، وإن كان غير لائق بالفاعل الحكيم ، إلا أنه لا يليق بالفاعل الجاهل العابث. ثم إذا أقدم الفاعل الجاهل العابث على فعل لا ينبغي ، وعلم الفاعل الحكيم أنه لا يمكن دفعه عنه ، كان الفاعل الحكيم معذورا في أن يصرف ذلك الفعل إلى الوجه الأصوب الأصلح فيه بحسب الإمكان.

__________________

(١) كما تقدر على التركيب الجبلي (ت).

(٢) من (ط).

(٣) الكثيرة شرعا وفساد تلك (ت).

(٤) الثابت (ت).

(٥) من (ط).

(٦) من (ت).

(٧) من (ط).

(٨) من (ط).

٤١٢

وأما الحجة الثانية : فزائلة [أيضا (١)] على هذا المذهب. لأنه كان الواجب الاحتراز عن التركيب بين النفس والجسد ، حتى لا تنفتح أبواب الآفات والشرور ، إلا أن النفس لجهلها لما شرعت فيه ، فالإله الحكيم دبره على الطريق الأصوب الأصلح. فكل ما حصل في هذا العالم من الخيرات والراحات ، فهو بسبب تدبير الإله الحكيم ، وكل ما حصل فيه من الآفات والآلام ، فهو بسبب أن الهيولى لا تقبل الصلاح الكلي. والنفس لشدة جهلها وعشقها ابتدأت بالشروع فيه.

وأما الحجة الثالثة : فزائلة أيضا. لأنا لو قلنا : إنه تعالى هو الذي خلق الحاجة ثم أعطاها المحتاج إليه ، كان ذلك عبثا ، بمنزلة من يمزق بطن إنسان ، ثم يداويه. أما لما جاء فتح باب الشرور بسبب تعلق النفس بالهيولى ، وأما الإله الحكيم الرحيم ، فإنه يسعى في دفع الآفات وفي تحصيل الخيرات : كان ذلك جاريا مجرى ما إذا استولى مجنون أو معتوه على رجل ، وأوصل إليه أنواعا من المضار والآفات ، ثم إنه يأخذه رجل حكيم ، ويسعى في إزالة تلك الآفات عنه ، وفي إيصال الخيرات إليه ، بقدر الإمكان ، فإن هذا الحكيم على هذا التقدير يستحق الحمد والثناء.

هذه جملة الكلام في تقرير [مذهب (٢)] «محمد بن زكرياء الرازي».

ولا بد (٣) بعد تقرير هذا الكلام من سؤالات وجوابات ليتضح مقصود الرجل من هذا الكلام :

فالسؤال الأول : أن يقال : ذلك الالتفات الذي حصل لجوهر النفس ، حدث لا عن مؤثر ، أو عن مؤثر؟ فإن كان الأول فقد حدث الحادث لا عن مؤثر ، وذلك يسد باب إثبات الصانع. وإن كان عن مؤثر فذلك المؤثر لم (٤) لم

__________________

(١) من (ط).

(٢) من (ط).

(٣) ولا تقرير بعد هذا الكلام (ط).

(٤) لو لم يفعل ذلك الخاصية (ت).

٤١٣

يفعل ذلك الخاطر قبل ذلك الوقت؟ فإن كان ذلك لخاصية في ذلك الوقت ، فلم لا يجوز أن يقال : الفاعل [الحكيم (١)] خص ذلك الوقت بالإحداث لخاصية فيه؟ وإن كان لسبب آخر ، فلم لا يجوز مثله هاهنا؟

أجاب «محمد بن زكرياء» عنه فقال : «إن هذا السؤال لازم على الكل. لأنكم تقولون : إن الإله تعالى قصد إلى إيجاد العالم في ذلك الوقت المعين ، بعد أن كان تاركا للفعل (٢) مدة غير متناهية. فإذا عقلتم هناك ، فلم لا يجوز مثله هاهنا؟ بل نقول : قد بينا : أن مثل هذا العبث والخراف ، أليق بالجاهل السفيه منه بالحكيم العليم.

وأما الفلاسفة : فإنهم قالوا : إن الحركات الفلكية إنما حدثت جزءا فجزءا ، لأن كل حادث سابق ، يعدّ المحل لقبول الحادث اللاحق ، وهكذا لا إلى أول. وإذا عقل ذلك [هناك (٣)] فلم لا يعقل مثله هاهنا؟».

والسؤال الثاني : إن هذا الكلام يقتضي أن يكون الحكيم الكامل ، قصد إلى إيجاد هذا العالم الشريف ، والأفعال الكاملة التامة ، تبعا لفعل فاعل جاهل خسيس. وهو بعيد جدا.

أجاب عنه : «بأن هذه الأفعال الشريفة الكاملة ، لو كانت خالية عن [جميع (٤)] جهات المفسدة والضرر ، لما كان بنا حاجة إلى إسناد أول الفعل إلى الفاعل الجاهل. أو لما دلت الوجوه الثلاثة المذكورة على أنه لا يجوز إسناد ابتداء هذا الفعل إلى الفاعل الحكيم ، لا جرم قلنا : بأن المبتدئ بالفعل هو الفاعل الجاهل ، ثم أسندنا كل ما حصل في هذا العالم من الخير والرحمة والصلاح والمنفعة ، إلى الفاعل الحكيم الرحيم ، كان ذلك هو الواجب (٥) الذي لا محيص

__________________

(١) من (ط).

(٢) للوقت مدة متناهية (ت).

(٣) من (ط).

(٤) من (ت).

(٥) الواحد (ت).

٤١٤

عنه. وعلى [هذا (١)] التقدير يكون الإله رحيما محسنا ، ناظرا لعباده ، ساعيا في دفع الشرور عنهم ، وفي إيصال الخيرات إليهم ، فكان مستحقا للحمد والشكر بغير نهاية».

السؤال الثالث : إن هذا المذهب لا يتم إلا بقدم النفوس ، وقدم الهيولى. وذلك باطل.

أجاب (٢) عنه : بأن دلائل القائلين بوجوب حدوث النفس : ضعيفة. وسيأتي بيان ضعفها في باب الكلام في أحوال النفس (٣).

[السؤال الرابع (٤)] : قالوا : لما علم الإله (٥) أن تعلق النفس بالهيولى ، يوجب فتح باب الآفات والمخافات ، فلم لم يمنع النفس من ذلك التعلق؟

أجاب «محمد بن زكرياء» عنه : «بأن ذلك العشق ، لما صار ذاتيا غريزيا لجوهر النفس ، كانت إزالة ذلك العشق ممتنعة. والبارئ تعالى إنما يقدر على الممكن ، لا على الممتنع. فعلم (٦) الله تعالى أنه لو منع النفس عن التعلق بالهيولى ، لم تمتنع عن ذلك التعلق ، ولم تنقطع مادة ذلك الشر. فلهذا السبب لم يقصد الإله الحكيم [الرحيم (٧)] منع النفس عن التعلق بالهيولى ، بل تركها حتى تعلقت بها ، ثم أوقع تلك التركيبات على الوجه الذي يكون أقرب إلى الخير والصلاح ، وأبعد عن الشر والفساد. ثم أفاض البارئ على جوهر النفس : نور العقل ، حتى أن النفس بقوة نور العقل وبكثرة التجارب لأحوال هذا العالم ، تعرف أنه لا فائدة في [تعلقها (٨)] بهذه الهيولى البتة. بل هذا

__________________

(١) من (ط).

(٢) أجبنا (ت).

(٣) الناس (ت).

(٤) من (ط).

(٥) الله تعالى (ت).

(٦) فعلم أنه تعالى (ط).

(٧) من (ط).

(٨) من (ط).

٤١٥

التعلق يصير فتحا لباب الآفات والمخافات. فإذا وقفت النفس على هذه المعاني ، وظهر عندها أن السعادة الكبرى في رجوع النفس إلى عالمها ، والاستسعاد بمعرفة البارئ ، ومجالسة الأرواح المقدسة الطاهرة ، فحينئذ يزول عنها ذلك العشق والميل. فإذا فارقت الجسد ، بقيت في تلك السعادات الدائمة».

قال : «ومثاله : مثال رجل حكيم له ولد ، فاتفق أن حصل في قلبه عشق شديد ، إلى أن يسافر إلى البلد الفلاني. وعلم ذلك الحكيم أن لو منعه منه ، فإنه لا يمتنع. فإن الحكمة تقتضي أن يمكن ذلك الحكيم ، ذلك الولد من الذهاب إلى ذلك البلد ، ويرسل معه إنسانا [فاضلا (١)] ينبهه على ما في تلك البلدة من الفضائح والقبائح ، وعلى ما في بلد أبيه من الخيرات والسعادات ، فإذا سافر الولد إلى تلك البلدة ، وشاهد ما فيها من الآفات.

وينبّهه ذلك المقارن ، على أسرار تلك الآفات ، فإنه يظهر له أن ذلك السفر كان خطأ. وحينئذ تقوى رغبته في بلدة أبيه. فإذا رجع إليها رجع عظيم النفرة عن تلك القرية ، شديد الرغبة في السكون ببلدة أبيه».

السؤال الخامس : أخبر عن كيفية هذا العشق؟.

أجاب عنه : «محمد بن زكرياء» فقال : «هذا العشق معلوم الثبوت بالضرورة ، فإن جميع الحيوانات مجبولة بطباعها على حب الحياة ، وعلى حب هذه اللذات الجسدانية ، فإذا فاز بهذه الخيرات الجسمانية ، كان ذلك عنده نهاية السعادة ، وإذا بقي محروما منها ، كان ذلك نهاية الشقاوة. وقد بلغ حب النفس لهذا الجسد ، إلى حيث نسيت النفس نفسها ، فإن الغالب على اعتقادات أكثر الخلق : أن الإنسان ليس إلّا هذا الجسد ، وأنه لا سعادة في الدنيا والآخرة ، إلا هذه اللذات الجسدانية ، حتى أن الزهاد الذين يعرضون عن هذه اللذات العاجلة ، إنما يعرضون عنها ، لينالوا لذة الأكل والنكاح في الآخرة. فيثبت بما ذكرنا : أن هذا العشق شديد. فإذا نالت النفس شيئا من هذه

__________________

(١) من (ت).

٤١٦

الطيبات الجسمانية ، جرى مجرى ما إذا تناول قدحا عظيما من الشراب المسكر ، فيصير كالسكران الطافح ، المخبل الغافل. ثم بعد انقضاء ساعة طويلة ربما عاد إليه نور العقل ، فيظهر للنفس قبائح هذا الشراب ، وفضائحه في تلك اللحظة اللطيفة ، ثم ربما ظهر له اشتغال بنوع آخر من هذه اللذات الجسمانية ، فيكون [ذلك (١)] كما إذا فتح السكران عينه لحظة ، ورأى بعض الأشياء ، وسمع بعضها. ثم إنه في الحال تناول قدحا آخر ، فعاد إلى غيبته المتقدمة ، وغفلته الأولى.

فهذا شرح عشق النفس على البدن ، ولا شك أن من تأمل فيه ، علم أن الأمر كذلك».

السؤال السادس : إنه [إن ماتت (٢)] إلى متى يبقى هذا التركيب الفاسد الباطل؟

أجاب عنه : «هذه النفوس العاشقة على [هذه (٣)] الهيولى ، إذا ماتت مع [بقاء (٤)] هذا العشق ، عادت إلى التعلق ببدن آخر ، ولا يزال يتكرر من بدن إلى بدن. حتى يتعلق ببدن خاص ، واتفق له في ذلك البدن إن قوي نور العقل ، وظهر له : أن العلائق الجسدانية كلها آلام في صورة لذات ، وجراحات في حلية راحات ، فحينئذ ينفر طبعه عنها ، ولا يبقى له ميل إليها ، فحينئذ يفارق هذه النفس على نفرة من هذه الجسمانيات ، وعلى رغبة في تلك الروحانيات. وحينئذ لا تعود [تلك (٥)] النفس بعد ذلك إلى التعلق بالبدن. ثم لا يزال يبقى هذا التكرر ، دورا بعد دور ، حتى تنكشف هذه الحقيقة لجميع النفوس المتعلقة بالأجساد ، فتصير النفوس بأسرها ، مفارقة للأجساد بأسرها ، وينحل التركيب ، وتقوم القيامة الكبرى ، ويعود الأمر

__________________

(١) من (ط).

(٢) من (ط).

(٣) من (ت).

(٤) من (ط).

(٥) من (ت).

٤١٧

إلى ما كان أولا ، من بقاء النفوس في عالمها خالية عن التعلق بالأجساد ، وبقاء الهيولى خالية عن مخالطة النفوس». فهذا جملة الكلام في حكاية حال هذا المذهب.

وزعم (١) «محمد بن زكرياء الرازي» : «أن كل الفلاسفة الإلهيين الذين كانوا قبل «أرسطاطاليس» كانوا على هذا المذهب» وزعم أيضا : «أن أديان جميع الأنبياء عليهم‌السلام ، إنما تستقيم على هذا المذهب. والدليل عليه : أن كل الأنبياء والرسل جاءوا بذم الدنيا ، وتقبيح أحوالها ، والتحذير عنها. ولو أن الله [تعالى (٢)] خلقها ابتداء ، وأحدثها فلم يذمها. وإذا خلق الخلق فيها ، وأحوجهم إليها ، ورغبهم فيها ، ووضع الأسباب الموجبة لميلهم إليها ، ولعشقهم عليها ، فكيف يعقل أن ينفرهم ، وأن يأمرهم بالمباعدة عنها؟ أما إذا قدرنا : أن النفس عشقت التعلق بهذه الجسمانيات ، ثم علم الإله الحكيم : أن ذلك التعلق سبب للعناء والبلاء ، فههنا يحسن منه أن يحذرهم عنها ، وأن يأمرهم بالاحتراز عنها. ومثاله : قوله تعالى : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) (٣) فقال : بعضهم ذلك المزين هو إبليس. فقيل : فيلزم أن يفتقر إبليس [إلى إبليس آخر (٤)] ولزم التسلسل. وإن كان المزين هو الله ، فكيف يليق بالرحيم [الكريم (٥)] الحكيم أن يسعى في تزيينه ، ثم يأمره بالاحتراز عنه. أما إذا حملناه على أن عشق النفس على الهيولى أمر اتفق له ، وصار لازما له ، فههنا يحسن من الله [تعالى (٦)] أن ينبه الإنسان على الحذر ، والاحتراز».

فهذا تمام الكلام في تقريره هذا القول.

واعلم : أن الفلاسفة الذين يقولون بأن إله العالم موجب بالذات.

__________________

(١) وزعم زكريا الرازي (ت).

(٢) من (ت).

(٣) آل عمران ١٤.

(٤) من (ط).

(٥) من (ت).

(٦) من (ت).

٤١٨

ينكرون هذا المذهب. لأجل أنه من فروع القائلين بالفاعل المختار. والفلاسفة ينكرون القول بالفاعل المختار ، فوجب أن يكون إنكارهم لهذا القول أشد.

وأما القائلون بإثبات [الإله (١)] الفاعل المختار :

فالذين يقولون : إنه لا يجب أن تكون أفعال الإله واقعة على وفق مصالح الإنسان لا يلتفتون إلى هذا المذهب. لأن مدار الحجة في هذا المذهب على أنه رحيم كريم ، فوجب أن لا يفعل فعلا ، يفضي إلى الألم والضرر. فإذا قلنا : إن تحسين العقل وتقبيحه باطل ، وأنه يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد. فهذا الكلام ساقط بالكلية.

أما المعتزلة : الذين سلموا : أن تحسين العقل وتقبيحه تجريان في أفعال الله ، وفي أحكامه. فكلام «محمد بن زكرياء» متوجه عليهم. وإلزاماته لازمة عليهم. وله مناظرة طويلة مع «أبي القاسم الكعبي» ولم يقدر «الكعبي» على الخروج من يده ، ومن الانفصال عن سؤالاته في مسائل التعديل والتجويز.

ولنكتف هاهنا بهذا القدر من الكلام. فإن أصول هذه المباحث لما سلفت ، لم يكن بنا حاجة إلى الإعادة. والله أعلم.

__________________

(١) (ت).

٤١٩
٤٢٠