المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣١
  نسخة غير مصححة

الفصل الرابع

في

أن الصادر الأول عن الله. ما هو؟

على قول من يقول : الواحد ، لا يصدر عنه الا الواحد

قالوا : ثبت : أنه تعالى فرد منزه عن جميع جهات الكثرة ، وثبت : أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد ، فوجب القطع بأن الصادر [الأول (١)] عن الله تعالى شيء واحد. فنقول : ثبت أن كل ممكن فهو إما جوهر وإما عرض ، فذلك الصادر الأول إما جوهر وإما عرض. لا جائز أن يكون عرضا ، لأن العرض محتاج إلى الجوهر ، ومتأخر بالرتبة عن الجوهر. فلو كان الصادر الأول عرضا ، لكان علة للجواهر ، فحينئذ يكون العرض سابقا على الجوهر ، مع أن الجوهر كان سابقا على العرض ، فيلزم الدور ، وهو محال. فيثبت : أن الصادر الأول جوهر. فنقول : ذلك الجوهر إما أن يكون جسما ، أو جزءا من أجزاء ماهية الجسم ، أو لا جسما ولا جزءا من أجزاء ماهية الجسم. والأول باطل. لأن الجسم مركب من الهيولى والصورة. فتكوين الجسم لا يمكن إلا بتقدم تكوين أجزائه. وإذا كان كذلك ، امتنع أن يكون الصادر الأول جسما. ولا جائز أن يكون الصادر الأول جزءا من أجزاء ماهية الجسم ، لأن ذلك الجزء إما الهيولي أو الصورة ، ولا جائز أن يكون الصادر الأول : هو الهيولى ، لأن الصادر الأول يكون علة لما بعده ، فلو كان الصادر الأول هيولى ، لزم كون الهيولى علة مؤثرة ، موجدة لسائر الأشياء. لكن الهيولى موجود قابل ، فيلزم أن

__________________

(١) من (ط ، س).

٣٨١

يكون الشيء الواحد قابلا وفاعلا معا. وهو محال. ولأن الهيوليات متساوية ، فلو فرضنا هيولى تكون علة لهذه المعلولات ، لكان كل هيولى كذلك. ومعلوم أنه باطل. ولا جائز أن يكون الصادر الأول : صورة ، وذلك لأنه لو كان [الأمر (١)] كذلك ، لكانت الصورة علة لوجود الهيولى ، فيكون تأثيرها في وجود الهيولى ليس بشركة من الهيولى. وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه ، وهو محال. فعلى هذا الصورة غنية في تأثيرها عن المادة ، وكل ما كان غنيا في تأثيراته عن المادة ، كان غنيا في وجوده عن المادة. فيلزم : أن لا تكون الصورة : صورة. هذا خلف : فيثبت أن الصادر الأول ليس بجسم ولا بجزء من أجزاء (٢) الجسم. فنقول : فيجب أن يكون جوهرا مجردا. ثم نقول : الجوهر المجرد ، إما أن يتوقف صدور الآثار عنه على آلة (٣) جسمانية ، أو لا يتوقف. والأول : هو النفس. والثاني : هو العقل. فنقول لا جائز أن يكون الصادر الأول نفسا. لأن الصادر الأول علة لجميع الأجسام ، وكونه علة لجميع الأجسام ، يمتنع أن يكون موقوفا على حصول آلة جسمانية. وإلا لزم تقدم الشيء على نفسه ، وهو محال. وإذا بطل هذا ، بطل كون الصادر الأول نفسا. وإذا بطل هذا ، ثبت أن الصادر الأول عقل مجرد. وهو المسمى في لسان الشرع (٤) : بالروح الأعظم. حيث قال سبحانه وتعالى : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا) (٥) وحيث قال : عليه الصلاة والسلام : «أول ما خلق الله العقل (٦)».

هذا تلخيص كلام القوم على أحسن الوجوه.

والاعتراض على هذا الكلام من وجوه :

__________________

(١) من (ط ، س).

(٢) من أجزاء قوام الجنس (ط ، س).

(٣) صورة (ط).

(٤) بلسان الشريعة (ت).

(٥) النبأ ٣٨ والتفسير فيه تكلف شديد.

(٦) لا ينبغي الاستدلال بروايات الآحاد على أصول العقائد.

٣٨٢

[السؤال (١)] الأول : إنكم إنما أبطلتم كون المعلول الأول جسما ، بالبناء على أن الجسم مركب من الهيولى والصورة. وسنبين أن كلام القوم في تقرير هذا الأصل في غاية الضعف ، وحينئذ يبطل هذا الكلام. ثم نقول : الأولى أن يقال : الدليل على أن المعلول الأول ليس هو الجسم : أن كل جسم فإنه يقبل القسمة الوهمية ، وكل ما كان قابلا للقسمة الوهمية ، فإنه لا بد وأن يكون في نفسه مؤلفا من الأجزاء والأبعاض ، فإن القسمة ليست عبارة عن إحداث الاثنينية والتعدد ، بل القسمة عبارة عن تفريق المتجاورين. إذا ثبت هذا فنقول : إن قلنا : إنه تعالى علة لجميع تلك الأجزاء ، فقد صدر عن الواحد أكثر من الواحد ، وهو محال. وإن قلنا : إنه تعالى علة لجزء واحد منها ، ثم ذلك الجزء علة للجزء الثاني ، إلى آخر الأجزاء. فههنا يلزم منه مجالان :

الأول : إنه يلزم في جميع ذوات (٢) العالم أن يكون كل واحد منها بالنسبة إلى الآخر. إما أن يكون علة له ، أو معلولا له. وهو باطل.

والثاني : وهو أن الأجزاء متماثلة في تمام الماهية ، فيمتنع كون بعضها علة للبعض. وبهذا الطريق يثبت : أن المعلول الأول [يمتنع أن يكون جسما. وهذا الدليل جيد ، إلا أنه لا يلائم أصول الفلاسفة.

السؤال الثاني : سلّمنا أن المعلول الأول (٣)] ليس جسما. فلم لا يجوز أن يكون هو الهيولى؟ أما قوله : «يلزم أن يكون الشيء الواحد ، قابلا وفاعلا معا. وهو محال» فنقول: لا نسلم أن هذا محال. فإن الدليل الذي تعوّلون عليه في إبطال هذه القاعدة هو قولكم : «لو كان الشيء قابلا وفاعلا معا ، لزم أن يصدر عن الشيء الواحد ، أثران : الفعل والقبول. وهو محال» إلا أن هذا الكلام مبني على أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد. وقد سلف إبطاله.

سلمنا : أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد. فلم قلتم : إن القبول

__________________

(١) زيادة.

(٢) درجات (ط ، س).

(٣) من (ط ، س).

٣٨٣

أثر؟ والدليل عليه : أنه لو كان القبول أثرا ، لكان القابل مؤثرا ، فحينئذ يصدق أن القابل فاعل. وهو عندكم محال. سلمنا ما ذكرتم من الدليل. إلا أنه منقوض على أصولكم بصور :

الأولى : إنه تعالى عالم بجميع المعلومات. والعلم عبارة عن حضور (١) صورة المعلوم في ذات العالم. فصور المعلومات مرتسمة في ذات الله تعالى ، فذاته قابلة لتلك الصور ، والمؤثر فيها هو ذاته. فالشيء الواحد قابل وفاعل معا ، وذلك ينقض هذا الكلام.

الثانية : إن كون المؤثر مؤثرا [في الأثر (٢)] صفة مغايرة لذات المؤثر. لأن ذات المؤثر جوهر قائم بالنفس ، والمفهوم من كونه مؤثرا في الغير حالة نسبة إضافية. فأحدهما يغاير الآخر ، فهذه المؤثرية صفة زائدة على الذات ، وهي قائمة بتلك الذات. والموجب لتلك المؤثرية هو تلك الذات ، فالشيء الواحد بالنسبة إلى تلك المؤثرية فاعلة لها ، وقابلة لها.

والثالثة : إن [ذات (٣)] واجب الوجود من حيث إنه هو واجب الوجود لذاته : متعينة متشخصة ، وماهية وجوب الوجود مغايرة لذلك التعين ، وإلا لكان كل من عرف الذات الواجبة (٤) لذاتها ، عرف أنها ليست إلا ذلك المتعين ، فوجب أن لا نحتاج في العلم بأن واجب (٥) الوجود واحد ، إلى دليل منفصل. ولمّا لم يكن الأمر كذلك ، علمنا : أن المفهوم من كونه واجب الوجود لذاته ، غير المفهوم من ذلك التعين ومن ذلك التشخص. إذا ثبت هذا فنقول : إنه لا يجوز أن يكون ذلك التعين مقتضيا لوجوب الوجود بالذات ، لما أن واجب الوجود لذاته ، يمتنع أن يكون واجب الوجود لغيره ، فلم يبق أن يقال : المفهوم من كونه واجب الوجود لذاته ، هو الذي يوجب ذلك

__________________

(١) عن ذلك حضور صورة (ط).

(٢) من (ط ، س).

(٣) زيادة.

(٤) الواحدة (ط).

(٥) بأن الواجب واحد (ط).

٣٨٤

التعين. فعلى هذا المؤثر في حصول ذلك التعين والقابل له : شيء واحد.

والرابعة : إن الثلاثة توجب الفردية ، [والأربعة توجب (١)] الزوجية [والدليل عليه: أنه لو كان الموجب لهذه الفردية والزوجية (٢)] شيئا آخر ، لكان عند ارتفاع ذلك الشيء ، وجب أن لا تبقى الثلاثة (٣) فردا ، والأربعة زوجا. وإنه محال. فيثبت : أن الموجب للفردية ، هو كون الثلاثة : ثلاثة ، والموجب للزوجية هو كون الأربعة : أربعة. ثم إن الموصوف بهذه الفردية هو الثلاثة. وبهذه الزوجية هو الأربعة. فالشيء الواحد فاعل وقابل معا. وهو المطلوب.

الخامسة : إن الهيولى قابلة للصورة. فإما أن يكون كونها قابلة للصورة : عين تلك الذات ، أو أمر زائد عليه. والأول باطل. لأن ذات القابل جوهر قائم بالنفس ، والقابلية صفة نسبية ، فوجب التغاير. وإذا ثبت التغاير. فنقول : هذا القبول لا يجوز [أن يكون عدميا (٤)] لأنه نقيض اللاقبول ، وهو عدم ، ونقيض العدم : وجود. فيثبت : أن القبول صفة موجودة ، مغايرة لتلك الذات. فنقول : المقتضي لهذه الصفة ، إما تلك الذات أو غيرها ، والثاني (٥) باطل ، لأنه لو كان حصول تلك القابلية ، لأجل سبب منفصل ، لوجب كون تلك الذات ، قابلة لتلك القابلية ، فتكون كل قابلية مسبوقة ، بقابلية أخرى. إلى غير النهاية. وهو محال. فيثبت : أن المقتضي لتلك القابلية هو تلك الذات ، والموصوف بها أيضا تلك الذات. فالذات الواحدة قابلة وفاعلة معا. وهو المطلوب (٦).

السادسة : إن القوة الحافظة التي تحفظ مثل المحسوسات ، ورسومها وأشباحها. هل قبلت تلك الرسوم والأشباح ، أم لم تقبلها؟ فإن لم تقبلها ،

__________________

(١) من (ط).

(٢) من (س).

(٣) الثلاثة هؤلاء أولا الأربعة (ت).

(٤) من (ت).

(٥) والأول (ت).

(٦) وهو محال (ت).

٣٨٥

فكيف تحفظها؟ وإن قبلتها ، فتلك القوة قابلة لتلك الصورة ، وحافظة لها. والقبول غير الحفظ. فيكون الشيء الواحد قابلا وفاعلا معا.

السابعة : إن القوة المفكرة التي تتصرف في الصورة المدركة ، والمعاني المدركة بالتحليل والتركيب ، لا شك أنها فاعلة لذلك التركيب ، ولذلك التحليل. فهذه القوة المتصرفة الفاعلة ، هل أدركت تلك الماهيات ، أو ما أدركتها؟ فإن كان الأول وهو أنها أدركتها ، فالإدراك [عبارة (١)] عن قبول العلم بها ، فتلك القوة من حيث إنها قبلت تلك العلوم قابلة ، ومن حيث إنها تصرفت (٢) فيها بالتحليل والتركيب فاعلة.

وإن كان الثاني. وهو أنه ما أدركتها. فالذي لا يكون مدركا كيف يعقل إيقاع التصرف فيه بالتحليل والتركيب؟.

الثامنة : وهي أن القوة التي تحكم بإيجاب المحمول على الموضوع ، أو بسلبه عنه. لا شك أنها فاعلة (٣) فإن هذا الحكم : فعل. فهذه القوة الحاكمة ، هل أدركت ماهية الموضوع وماهية المحمول أم لا؟ فإن أدركت ، فهل قبلت هاتين الصورتين ، ثم أسندت إحداهما إلى الأخرى؟ فالقوة الواحدة قابلة لتلك التصورات ، وفاعلة لأجل ذلك الحكم. وإن قلنا : إن ذلك المصدق ، ما حضر عنده ماهية الموضوع ، وماهية المحمول ، كان هذا تصديقا بدون التصور ، وإنه محال.

التاسعة : أليس أن عندكم العقل الأول علة للعقل الثاني؟ فنقول : العقل الأول ممكن لذاته ، فيكون فاعلا قابلا للوجود من (٤) العلة الأولى. ثم إنه مؤثر في وجود المعلول الثاني ، فهو فاعل. فالشيء الواحد قابل وفاعل معا.

__________________

(١) من (ط ، س).

(٢) منصرفة (ت).

(٣) أنه فاعل (ت).

(٤) من (ط) : (في).

٣٨٦

العاشرة : قد دللنا على أن الفاعلية صفة مغايرة للمفعول ، وهي قائمة بذات الفاعل ، فتلك الذات مؤثرة في حصول تلك الفاعلية وقابلة لها ، فالفاعل قابل. وقد دللنا على أن القابلية صفة قائمة بذات القابل. والمؤثر في حصولها تلك الذات ، والقابل (١) فاعل. فعلى كلا التقديرين : الشيء الواحد قابل وفاعل معا.

الحادية عشر : أليس أن بعض الماهيات لازمة للبعض؟ فذلك اللزوم مغاير لذات الملزوم [ولذات اللازم (٢)] ثم المؤثر في ذلك الاستلزام هو تلك الذات ، والموصوف به أيضا تلك الذات ، فقد عاد الحديث من أن الواحد قابل وفاعل معا.

الثانية عشر : لا نزاع في أنّ في الممكنات ما يكون علّة لغيره. مثل : إن العفونة توجب الحمّى. فالسبب ممكن ، فيكون قابلا للوجود من غيره (٣) وهو علّة تغيّره ، فيكون فاعلا لغيره. فالشيء الواحد قابل وفاعل معا.

فهذه اثنتي عشرة صورة (٤) تدل على فساد قولهم : «إن الشيء [الواحد (٥)] يمتنع أن يكون قابلا وفاعلا معا».

أما قوله ثانيا : «الهيوليات متساوية ، فوجب أن يتشابه الأثر».

فنقول : هذا من العجائب. فإنكم أنتم الذين قلتم : إن هيولى كل فلك ، مخالفة بالماهية لهيولى الفلك الآخر. فكيف تركتم هذا المذهب في هذا المقام؟ [والله أعلم (٦)].

السؤال الثالث : لم لا يجوز أن يكون الصادر الأول هو الصورة؟

__________________

(١) فالقابل (ط).

(٢) من (ط ، س).

(٣) للغير (ت).

(٤) وجها صورة (ط).

(٥) من (ط).

(٦) من (ط ، س).

٣٨٧

قوله : «إن على هذا التقدير تكون الصورة علة لوجود الهيولى ، وحينئذ لا يكون تأثيرها في وجود الهيولى ، بشركة من الهيولى ، فتكون الصورة في فعلها غنية عن الهيولى ، وكل ما كان غنيا في فعله عن الهيولى ، كان غنيا في ذاته عن الهيولى» فنقول : هذا الكلام : باطل. وذلك لأن هذه الصورة. هل لها تأثير في تقويم الهيولى أم لا (١)؟ فإن لم يكن لها تأثير في تقويم الهيولى ، فحينئذ لا يبقى فرق بين العرض وبين الصورة ، فلا تكون الصورة قسما مغايرا للعرض. وإن كان لها تأثير في تقويم الهيولى ، فتأثيرها في تقويم الهيولى ، إن كان بشركة من الهيولى ، لزم تقدم الهيولى على نفسها ، لأن شرط التأثير أن يتقدم (٢) بالرتبة على الأثر. فيثبت : أن تأثير الصورة في تقويم هيولاها ، ليس بشركة من تلك الهيولى. ثم إن هذا لا يقدح في كون تلك الصورة : صورة هيولانية. فلم لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك؟ وأيضا : إن المتكلمين لما قالوا : الصورة لما كانت حالة في الهيولى ، كانت مفتقرة إلى (٣) الهيولى ، افتقار الحال إلى المحل ، فلو كانت علّة التقويم الهيولى ، لزم افتقار الهيولى إليها ، فيلزم الدور ، وهو محال ، فهذا يدل على أن القول بالصورة [محال (٤)].

ثم إنا تكلفنا جوابا عن هذا الكلام : فقلنا : لم لا يجوز أن يقال : إن الصورة توجب وجود الهيولى ، ثم إنها (٥) لا تؤثر في ذات الصورة ، بل تؤثر في جعل تلك الصورة حالة فيها ، وعلى هذا التقدير فالدور ساقط. أو يقال : لم لا يجوز أن يقال : الصورة توجب الهيولى ، ثم إنها توجب لنفسها كونها (٦) حالة في تلك الهيولى.

إذا عرفت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يقال : الصادر الأول صورة

__________________

(١) أو لا يكون (ط).

(٢) متقدم (ت).

(٣) إليها (ط).

(٤) من (ط ، س).

(٥) ثم إن الهيولى (ط ، س).

(٦) في كونها (ت).

٣٨٨

جسمانية ، ويكون الحال واقعا على هذا الوجه؟

السؤال الرابع (١) : لم لا يجوز أن يكون الصادر الأول نفسا؟ قوله : «لأن النفس هو الذي لا يؤثر في الأثر ، إلا بآلة جسمانية» قلنا : هذا الكلام خطأ. لأن تأثيرها في تلك الآلة الجسمانية. إن كان بآلة أخرى جسمانية ، لزم التسلسل ، أو يلزم تقدم الشيء على نفسه ، وهو محال. وإن كان تأثيرها في تلك الآلة ، لا بواسطة (٢) آلة أخرى ، مع أن هذا لا يقدح في كونها نفسا. فلم لا يجوز أن يكون الحال في سائر الصور (٣) كذلك؟.

السؤال الخامس : إن دل ما ذكرتم على أن الصادر الأول ليس إلا ذلك [العقل (٤)] الواحد ، إلا أن هاهنا ما يمنع منه. وذلك من وجهين :

الأول : إن مذهبكم أن الجوهر جنس واحد.

وأنواعه : العقل. فعلى هذا ، العقل الأول [واحد (٥)] داخل تحت الجنس ، وكل ما كان داخلا تحت الجنس ، كان (٦) ماهية مركبة من الجنس والفصل. فالعقل الأول ماهية مركبة. فإذا جعلناه معلولا لذات الله تعالى ، فقد صدر عن الله أكثر من الواحد.

والثاني : إنه يقتضي أن يقال : [إنه تعالى (٧)] لم يقدر إلا على تكوين الأثر الواحد ، فيكون رتبة واجب الوجود في التكوين والتأثير ، أقل من رتبة جميع المؤثرات الحقيرة (٨) ومعلوم أن ذلك باطل.

__________________

(١) السابع (ط).

(٢) بواسطة (ط).

(٣) الأمور (ط).

(٤) من (ت).

(٥) من (ت).

(٦) فماهيته (ط ، س).

(٧) من (ت).

(٨) الحق (ط ، س).

٣٨٩
٣٩٠

الفصل الخامس

في

شرح مذهب هؤلاء الفلاسفة في أن

ذلك الصادر الأول. كيف تصدر

عنه الكثرة الحاصلة في الممكنات؟

اعلم أنا نعبّر عن كلام القوم بالوجه الأحسن ، فنقول : الصادر الأول. إما أن يقال : إنه لا يصدر عنه أيضا ، إلا الواحد ، فيكون الكلام في الثاني ، كما في الأول. فيلزم أن لا يوجد (١) موجودان في الممكنات ، إلا ويكون أحدهما علة [للثاني (٢)] ومعلوم أن ذلك باطل. فإن هذه الحبة من الحنطة ، ليست علة لتلك الحبة الأخرى ، ولا معلولة لها ، فإن وجب الاعتراف بأنه لا بد وأن يصدر عن المعلول الأول أكثر من الواحد ، وكل ما صدر عنه أكثر من الواحد ، ففيه كثرة. ينتج : أنه حصل في ذات المعلول الأول : كثرة. فتلك الكثرة إن كانت واجبة لذاته ، كان واجب الوجود أكثر من واحد ـ وإن كانت ممكنة فهي صادرة عن واجب الوجود. فالواحد قد صدر عنه أكثر من الواحد ، وهو محال. فلم يبق إلّا أن يقال : الماهية الممكنة. لها من ذاتها : الإمكان ، ولها من علّتها : الوجود. فإذا ضمّ ماله من ذاته إلى ماله من غيره ، حصلت كثرة (٣) يمكن جعلها مبدأ للمعلولات الكثيرة. إذا عرفت هذا فنقول : [المعلول (٤)] الأول حصل له الإمكان بذاته ، والوجود من غيره. والشيء ما

__________________

(١) أن يوجد (ت).

(٢) من (ط ، س).

(٣) حصلت له يمكن (ت).

(٤) من (ت).

٣٩١

لم يجب لم يوجد ، فقد حصل هاهنا أمور ثلاثة : الإمكان والوجود والوجوب بالغير. فوجب جعل هذه الاعتبارات الثلاثة عللا لموجودات ثلاثة ، ويجب جعل الأشرف علة للأشرف ، والأخس علة للأخس ، فالإمكان علة لهيولى الفلك الأقصى [والوجود علة لصورته ، والوجوب بالغير ، علة للفعل الثاني الذي هو العقل المحرك للفلك الأقصى (١)] وبهذا الطريق ، فإنه صدر عن كل عقل : عقل وفلك. حتى ينتهي إلى الفلك الأخير الذي هو العقل الفعال. واعلم أن الشيخ الرئيس قد أدرج في أثناء هذا الكلام نوعا آخر من التقرير. فقال : إن العقل الأول يعقل ماهية نفسه ، ويعقل وجود نفسه ، ويعقل وجوبه (٢) بالأول. ويعقل الأول فجعل (٣) عقله لماهية نفسه : علة لهيولى الفلك الأقصى ، وجعل عقله لوجود نفسه : علة لصورة الفلك الأقصى. وجعل عقله لوجوبه بالأول علة لنفس الفلك الأقصى. وجعل عقله بالأول ، علة لعقل الفلك الأقصى. لما ثبت : أنه يجب جعل الأشرف [علة (٤)] للأشرف.

فهذا تفصيل أقوالهم في هذا الباب.

والاعتراض عليه من وجوه :

الأول : إنا نقلنا عن القائلين بالفاعل المختار ، أنهم قالوا : لو كان موجبا ، لكان : معلوله إما أن يكون واحدا ، وإما أن يكون أكثر من واحد. والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونه علة موجبة. وإنما قلنا : إنه يمتنع أن يكون معلوله شيئا واحدا (٥) لأنه إما أن يكون معلول ذلك المعلول : أيضا واحدا. فيلزم أن لا يوجد في جميع الممكنات شيئان ، إلا وأحدهما علة للآخر ، ومعلول له. وهو محال. ثم أوردنا (٦) عليه سؤالا للفلاسفة : وهو أنه : لم لا

__________________

(١) من (ت).

(٢) وجوب الأول (ت).

(٣) فيجب (ت).

(٤) من (ط ، س).

(٥) إما يحتمل معها سقوط إما الثانية. أو العبارة الأصلية هي : لأنه قد يلزم.

(٦) أوردنا على الفلاسفة.

٣٩٢

يجوز أن يقال : المعلول الأول فيه : إمكان ، ووجود ، ووجوب بالغير. وهذه الثلاثة تكون عللا لمعلولات ثلاثة ، ثم إنا أجبنا عنه ، وبينا بالوجوه الكثيرة : أنه لا يجوز جعل الإمكان والوجود : عللا لهذه الموجودات. فمن انتهى إلى هذا الفصل ، وجب [عليه (١)] أن يتأمل في تلك الوجوه حتى يظهر له ضعف هذه المقالة.

ثم إنا نزيد في هذا المقام وجوها أخرى :

[فالسؤال] (٢) الأول : إن قولكم : «إن إمكانه حصول من ذاته ، ووجوده حصل من علته : مشعر بأن تلك الذات مغايرة للوجود» فنقول : تلك الذات من حيث هي هي [إما أن تكون غنية عن الفاعل ، أو تكون محتاجة إلى الفاعل. فإن كان الأول ، فالذات من حيث هي هي (٣)] واجبة التحقق لذاتها. وذلك محال. وإن كانت محتاجة إلى الفاعل ، وذلك الفاعل هو المبدأ [الأول (٤)] فحينئذ يكون المبدأ الأول علة لتلك الماهية ، وعلة لذلك الوجود ، فيكون قد صدر عنه أمران. وذلك يبطل أصلا (٥) كلامكم.

السؤال الثاني : وهو أنا إذا جعلنا تلك الذات علة لذلك الإمكان ، فإما أن يكون ذلك الإمكان عدما محضا ، أو صفة موجودة. فإن كان الأول امتنع جعله علة الفلك الأقصى ، لأن المعدوم لا يكون علة للموجود. وإن كان الثاني فنقول : اقتضاء الماهية لإمكان نفسها ، سابق على وجودها ، فيلزم أن يكون الشيء قبل وجود نفسه ، علة لقيام صفة موجودة [به (٦)] وذلك محال.

السؤال الثالث : وهو أنكم لو اكتفيتم بهذا القدر من الكثرة ، في كونه علة للمعلومات الكثيرة ، فاكتفوا بما هو أحسن منه. وذلك لأن البارئ تعالى

__________________

(١) من (ط ، س).

(٢) زيادة.

(٣) من (ت).

(٤) من (ط ، س).

(٥) مذهبكم (ط ، س).

(٦) من (ط ، س).

٣٩٣

عالم بجميع الماهيات الجنسية والنوعية. فقولوا : إنه تعالى : لأجل كونه عالما [بتلك الماهية يكون علة لها. ولأجل كونه عالما (١)] بالماهية الثانية يكون علة لها أيضا. ولما كان تعالى عالما بجميع [المعلومات ، لا جرم كان علة لجميع (٢)] الممكنات ابتداء من غير اعتبار هذه الوسائط. فإن هذا الكلام أدخل في العقل ، وأقرب إلى الصلاح والسداد مما ذكرتموه.

السؤال الرابع : وهو أنكم ذكرتم جهات ثلاثة في العقل الأول. وهي : الإمكان والوجود والوجوب [بالغير ، ثم ذكرتم (٣)] إن الفلك الأقصى ، ليس عبارة عن مجموع ثلاثة أشياء ، بل هو عبارة عن الهيولى ، والصورة الجسمية ، والصورة النوعية الفلكية ، والنفس الحيوانية المدركة للجزئيات المباشرة للحركات الجزئية ، والنفس الناطقة [فإن المختار عنده في كتاب «الإشارات» أن لكل فلك نفسين. إحداهما : الحيوانية (٤)] المدركة للجزئيات (٥) والثانية (٦) النفس الناطقة المدركة للكليات ، وأيضا : العقل الثاني. فهذه ستة أشياء. وهي الهيولى ، والصورة الجسمية ، والصورة النوعية ، والنفس الحيوانية ، والنفس الناطقة ، والعقل المجرد. فإسناد هذه الستة إلى الجهات الثلاث ، يقتضي أن يصدر عن الواحد أكثر من الواحد بل نقول : جوهر الفلك لا يخلو عن المقولات العشر (٧) التي هي أعراض (٨) فله مقدار خاص ، وله شكل خاص ، وله وضع [خاص (٩)] وله (١٠) من كل مقولة نوع واحد، أو أنواع. فإذا وزعنا

__________________

(١) من (ط ، س).

(٢) من (ط ، س).

(٣) من (ط ، س).

(٤) من (ط ، س).

(٥) للجزئيات المباشرة للحركات الجزئية والنفس ... الخ (ت).

(٦) من (ط ، س).

(٧) التسعة (ت).

(٨) أعراض مقدار (ط ، س).

(٩) من (ط).

(١٠) وليس هو من مقولة [الأصل].

٣٩٤

هذه الاعتبارات على الجهات الثلاث ، لزم أن يصدر عن الواحد أكثر من الواحد. بل نقول: لا شك أن جوهر الفلك قابل للقسمة الوهمية ، وسنبين في مسألة الجوهر الفرد ، بالدلائل القاهرة (١) أن كل ما يقبل القسمة المقدارية الوهمية ، فإن ذاته مؤلفة ومركبة من الأجزاء. وإذا كان الأمر كذلك كانت ذات الفلك الأعلى ، مركبة من أجزاء كثيرة ، لا يعلم عددها إلا الله. فكيف يمكن إسنادها إلى الجهة الواحدة؟ وأيضا : فإن أصحاب علم الأحكام اتفقوا على أن طبائع الروح مختلفة بحسب التأثيرات. واختلاف الآثار والألوان ، يدل على اختلاف الملزومات. فهذا يقتضي أن تكون طبائع البروج مختلفة في الماهيات. فإسنادها بأسرها إلى الجهة الواحدة ، يقتضي أن يصدر عن الواحد أكثر من الواحد (٢).

السؤال الخامس : هب أنكم اكتفيتم في الفلك الأقصى بتلك الاعتبارات الثلاث. فكيف قولكم في فلك الثوابت ، مع أنه حصلت الكواكب الكثيرة فيه ، وكل واحد منها مخالف للآخر في الطبيعة وفي اللون والمقدار؟ فعند هذا. قال : الشيخ الرئيس أبو علي : إنه لم يظهر لي أن فلك الثوابت كرة واحدة ، بل كرات متعددة (٣) ينظر بعضها إلى بعض ، فإنه بتقدير [أن تكون (٤)] تلك الكرة : كرات مختلفة. وتكون لكل واحدة من تلك الكرات : عقل ونفس على حدة. فحينئذ يندفع السؤال. إلا أنه يبقى الاعتراض من وجه آخر ، وهو أن يقال : هب أنه كرات كثيرة ، إلا أنه لا بد وأن يحصل في كل كرة : كوكب. ولا شك أن جرم الكوكب ، ممتاز عن جرم الفلك. وحينئذ يحصل الإلزام فيه.

السؤال السادس : ألستم قلتم : إن العقل الفعال هو المدبر لما تحت فلك القمر؟ فقد حكمتم بأنه هو العلة لوجود كل ما يحدث في هذا العالم من الصور

__________________

(١) القاهرة. فإن يقبل القسمة المقدار الوهمية (ت).

(٢) واحد (ط).

(٣) أو كرات ينظر بعضها (ت) بل كرات متعددة بعضها (ط).

(٤) من (ط ، س).

٣٩٥

والأعراض ، مع أنه لم يحصل فيه إلا الجهات الثلاث. فإن قالوا : العقل الفعال مبدأ للوجود، والوجود من حيث هو إنه وجود : معنى واحد ، وإنه إنما يتكثر بحسب القوابل. فعلى هذا لا يلزم أن يصدر عن الواحد أكثر من الواحد. فنقول : إذا جوزتم (١) هذا فلم لا يجوز مثله في واجب الوجود ، حتى نقول (٢) : الصادر عن واجب الوجود لذاته ، هو الوجود فقط ، وهو شيء (٣) واحد. والتكثر إنما يحصل بسبب الماهيات القابلة؟ فإن هذا الكلام إن كان مقبولا في حق العقل الفعال ، فذكره في واجب الوجود أولى.

السؤال السابع : إنه إذا كانت الجهات الثلاث في العقل الأول موجبة ، لعقل ونفس وفلك. فهذه الجهات الثلاث حاصلة في [العقل (٤)] الفعال ، الذي هو العقل الأخير. فلم لا يصدر عن هذه الجهات الثلاث الموجودة في العقل الفعال : تلك المعلولات الثلاثة وهكذا إلى ما لا آخر له؟.

أجابوا عنه فقالوا : إن ماهيات العقول مختلفة ، فلا يلزم من كون الجهات [الثلاث (٥)] الحاصلة في بعضها عللا لهذه المعلولات الثلاثة. أن تكون هذه الجهات الثلاث الحاصلة في كلها عللا لهذه المعلولات الثلاثة. فنقول : هذا الكلام حسن. إلا أن على هذا التقدير لا يصير عدد العقول معلوما. فإنه لا يبعد ، إنه وإن حصلت الجهات الثلاث في العقل الأول ، إلا أنه لا يصدر عنه إلا عقل واحد. وكذلك يصدر عن العقل الثاني عقل واحد ، وهو العقل الثالث. وهكذا إلى ألف [ألف (٦)] مرتبة ، ثم إنه يحصل بعد ذلك عقل ، تكون الجهات الثلاث الحاصلة فيه عللا للفلك والنفس والعقل. ثم يحصل من ذلك العقل : عقول مترتبة إلى العدد الذي لا يعلمه إلا الله

__________________

(١) قررتم (ت).

(٢) أو قولوا (ط).

(٣) شيء شيء (ط).

(٤) من (ط).

(٥) من (ت).

(٦) من (ط ، س).

٣٩٦

[تعالى (١)] ثم يحصل عقل تكون الجهات الثلاث التي فيه صالحة لعلية الفلك الثاني ولعقله ولنفسه. وعلى هذا التقدير فيفسد قولهم بالعقول العشرة ، أو الخمسين.

فهذه السؤالات كلها واردة على ما ذكروه في الإمكان والوجود والوجوب بالغير.

أما قوله ثانيا : «إن العلوم الأربعة هي المبادي للموجودات الأربعة» فنقول : علمه بالإمكان وبالوجود. إن كان نفس الإمكان والوجود. فكل ما أوردناه على الإمكان والوجود فهو وارد على هذا العلم ، وإن كان مغايرا لهما ، عاد البحث في علة [وجود (٢)] هذه التعقلات الكثيرة. فقد ظهر بما ذكرنا : أن الذي قالوه في ترتيب الوجود : كلام في غاية الضعف والخبط.

والتحقيق في هذا الباب : أن الأصل الذي فرعوا عليه هذه الكلمات. هو قولهم : «الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد» وقد (٣) بينا ضعف دلائلهم في تقرير هذا الأصل ، وأما الإشكالات اللازمة (٤) على هذا الأصل فهي هذه الأسئلة ، التي لا محيص عنها البتة. فكان اللائق بالقائلين بالموجب ، أن يقولوا : إنه تعالى هو المبدأ لوجود جميع الممكنات ، أجناسها وأنواعها وأشخاصها. كما جاء في الكتاب الإلهي : (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) (٥) وكما أنه سبحانه هو المؤثر في وجود الكل ، فهو المؤثر في ماهية الكل. على ما بينا بالدلائل القاهرة : إن المؤثر كما يؤثر في الوجود ، فهو المؤثر أيضا في الماهيات.

وهاهنا آخر الكلام في تفاصيل أقوال القائلين بالموجب [والله ولي التوفيق (٦)]

__________________

(١) من (ت)

(٤) الواردة (ت).

(٢) من (ط).

(٥) مريم ٩٣.

(٣) وقد ثبت أكثر (ت).

(٦) من (ت).

٣٩٧
٣٩٨

الفصل السادس

في

الرد على القائلين بأن للعالم إلهين

أحدهما خيّر ، والاخر شرير

من الناس من قال : الله [تعالى (١)] وإبليس أخوان. إلا أن الله هو الإله الرحيم الكريم المحسن ، وإبليس هو [الإله (٢)] الشرير [الخبيث (٣)] القاسي. ثم إن القائلين بهذا القول اختلفوا. فمنهم من قال : كل واحد منهما قديم أزلي ، واجب الوجود لذاته. وهما ليسا بجسمين ولا بجسمانيين. ومنهم من قال : إن الإله الخبيث الشرير إنما تولد من فكرة خطرت ببال الإله الكريم الرحيم. ومنهم من قال : إله العالم هو النور والظلمة. فالنور : هو الإله الرحيم ، وجنده : الملائكة. والظلمة : هو إبليس ، وجنده : الشياطين.

وفي هذه المذاهب كثرة لا حصر لها.

واعلم : أنا قد ذكرنا الدلائل [الدالة (٤)] على توحيد الإله (٥) تعالى. والذي نذكره الآن أن نقول : الإله الخيّر الرحيم ، إن لم يقدر على دفع الإله الشرير [الخبيث (٦)] فهو عاجز ، والعاجز لا يصلح للإلهية. وإن قدر على

__________________

(١) من (ت).

(٢) من (ط).

(٣) من (ت).

(٤) من (ط).

(٥) الله (ط).

(٦) من (ط).

٣٩٩

دفعة [ولم يدفعه (١)] كان راضيا بالشر ، والراضي بالشر شرير. فالإله الخير : شرير. هذا خلف. وإن دفعه فحينئذ يكون الإله الشرير ، المدفوع عن فعل الشر : عاجزا. والعاجز لا يصلح للإلهية. ولأنا إذا قلنا : الشر لا يصدر إلا عن ذلك الشرير ، ثم إن إله الخير دفعه [دفعة (٢)] واحدة عن ذلك الشر ، فوجب أن لا يبقى في العالم شيء من الشرور والآفات [ومعلوم أن ذلك باطل (٣)].

__________________

(١) من (ت).

(٢) زيادة.

(٣) من (ت).

٤٠٠