المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣١
  نسخة غير مصححة

عليه : هو أن البارئ تعالى ، لما كان موجودا في الأزل ، وما كان العالم موجودا في الأزل ، لزم القطع بكون البارئ تعالى متقدما على العالم. ثم نقول : لا شك أن البارئ تعالى ، كان موجودا قبل حدوث العالم بتقدير ألف سنة. وكان أيضا موجودا قبل حدوث العالم بتقدير ألفي سنة. ولا شك أن التقدم الحاصل على أول العالم بتقدير ألفي سنة ، أزيد مقدارا من التقدم الحاصل على أول العالم بألف سنة. وهذه الزيادة ليست بمجرد فرضنا واعتبارنا ، لأن كل ما لا حصول له إلا بحسب الفرض والاعتبار ، كان واجب التغير ، بحسب تغير الفرض والاعتبار. ونحن بالبديهة نعلم : أن القدر الذي به يحصل التقدم على أول العالم ، بمقدار ألفي سنة : ضعف الذي به يحصل التقدم على أول العالم بألف سنة. ولا معنى للمدة والزمان إلا هذا المقدار ، القابل للمساواة والمقارنة. فيثبت : أنه لو كان العالم محدثا ، لكان البارئ متقدما عليه بمدة غير متناهية.

أما قوله : «لما جاز أن يتقدم بعض أجزاء الزمان على البعض الآخر ، لا بالمدة. فلم لا يجوز مثله في تقدم ذات البارئ [تعالى (١)] على أول العالم؟» قلنا : إنما صح [قولنا (٢)] إن هذا الجزء من الزمان ، متأخر عن الجزء الأول. لأنا نقول : [هذا (٣)] الجزء ما كان موجودا مع الجزء (٤) الأول. إلا أن هذا المعنى إنما يصح ، إذا كان الجزء الأول موجودا.

أما لو قلنا (٥) إنه ما حصل في الأزل شيء من أجزاء المدة والزمان ، امتنع القول بكون العالم متأخرا عن البارئ. فظهر الفرق. أما قوله ثانيا : «مجموع الزمان له فاعل مختار ، والفاعل المختار متقدم على فعله ، والمتقدم على الزمان ، لا يكون (٦) تقدمه بالزمان» قلنا : المؤثر متقدم على الأثر ، تقدما بالتأثير

__________________

(١) من (ت)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ط ، س)

(٤) أجزاء (ت)

(٥) قولنا (ت)

(٦) أن لا يكون متقدما (ت)

٢٠١

والعلية. فأما ثبوت تقدمه بوجه آخر ، سوى هذا الوجه : فممنوع.

وأما قوله ثالثا : «ماهية الزمان والحركة ، تقتضي المسبوقية بالغير ، والأزلية تنافي المسبوقية بالغير ، والجمع بينهما : محال» قلنا : سنجيب عن هذا الكلام في باب دلائلكم على أن للحركات أزلا (١) وبداية.

أما قوله رابعا : «بتقدير أن يفنى الآن الحاضر ، ولا يوجد عقيبه آن آخر ، فإنه ينقطع الزمان» قلنا : ليس كل ما كان عدمه من حيث هو هو جائز ، كان عدمه مطلقا جائزا. فربما امتنع عدمه ، لامتناع علته أما قوله خامسا : «الزمان إما أن يكون دائما ، أو منقضيا» قلنا : أما مذهب «أفلاطون» فهو أنه دائم في ذاته وجوهره ، ويتبدل بحسب نسبه. وأما مذهب «أرسطاطاليس» فهو أنه منقض في ذاته. وعلى التقديرين ، فالجواب قد سلف.

أما قوله سادسا : «إن البارئ تعالى ، يمتنع أن يكون زمانيا» قلنا : قد دللنا على أنه لما كان البارئ تعالى أزليا ، وكان العالم حادثا ، وجب القطع بكونه تعالى متقدما على العالم بالمدة [والله أعلم (٢)] الحجة الثانية : المدة والزمان. إما أن يقال : لا أول له ، ولا آخر له.

أو يقال : له أول وآخر. أو يقال : حصل [له (٣)] أحدهما دون الثاني. والأول هو المطلوب.

وأما الثاني : فنقول : على هذا التقدير تكون المدة مسبوقة بعدم ، لا أول له ، وستصير ملحوقة بعدم لا آخر له. [بعدم (٤)] فهذان العدمان قد اشتركا في كون كل واحد منهما عدما ، وامتاز أحدهما عن الآخر بكون أحدهما متقدما

__________________

(١) أولا (ت)

(٢) من (ت)

(٣) من (ط)

(٤) من (ط ، س)

٢٠٢

على هذا الوجود (١) وبكون الآخر متأخرا على هذا الوجود ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة. فهذا التقدم والتأخر اللذان بهما [امتاز (٢)] أحد العدمين على الثاني ، لا بد وأن يكونا مغايران للعدم ، الذي هو القدر المشترك بين العدمين. ولا معنى للمدة والزمان ، إلا الأمر الذي به يمتاز أحد المثلين عن الآخر في معنى التقدم والتأخر ، ومفهوم القبلية والبعدية. ثم من المعلوم : أن أحد العدمين ، موصوف بالقبلية. والتقدم وصفا لا أول له. والعدم الثاني موصوف بالبعدية والتأخر ، وصفا لا آخر [له (٣)] فهذا يقتضي القطع بكون المدة والزمان حاصلين حصولا لا أول له ، ولا آخر له. فيثبت [أن (٤)] إثبات الأولية والآخرية للمدة ، يوجب نفي الأولية والآخرية عنها. وذلك محال. فيثبت : أن إثبات الأول والآخر للمدة : محال.

الحجة الثالثة : لو كان العالم حادثا ، لكان إما أن يكون وقت العدم متميزا عن وقت الوجود ، أو لا يحصل هذا الامتياز. فإن كان الأول ، فقد حصل قبل حدوث العالم أوقات مختلفة ، حتى تميز وقت العدم عن وقت الوجود. وهذا يقتضي قدم المدة والزمان.

وأما القسم الثاني فباطل (٥) لأنا ما لم نخصص العدم (٦) بوقت ، والوجود بوقت آخر ، فإنه لا يمكننا أن نعقل الحكم بأنه معدوم تارة ، وموجود أخرى. وكيف لا نقول ذلك وصريح العقل يشهد بأن الحادث إنما حصل وجوده بعد عدمه؟ وهذا الترتيب لا يحصل إلا إذا كان وقت العدم ، متميزا عن وقت الوجود.

الحجة الرابعة : إن المدة لو كانت حادثة ، لما حصل حدوثها إلا بإحداث

__________________

(١) الوجه (ت)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ط ، س)

(٤) من (س)

(٥) فهو باطل (ط)

(٦) العالم (ط)

٢٠٣

الفاعل. وعلى هذا التقدير ، فنقول : إنه تعالى إما أن يقصد إحداث تلك المدة ، بشرط أن يخصص ذلك الإحداث بوقت معين ، أولا بهذا الشرط. والأول محال. لأن الكلام في هذا الوقت ، كالكلام [في الأول (١)] ويلزم التسلسل [ثم ذلك التسلسل (٢)] إن وقع دفعة واحدة ، فهو محال. وإن وقع على أن يكون كل جزء منه مسبوقا بغيره ، لا إلى أول. فهو المطلوب. وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إنه تعالى قصد إحداث الوقت والزمان [لا بشرط أن يوقع ذلك في زمان معين ، بل قصد إحداث الوقت والزمان (٣)] من غير هذا الشرط [فعلى هذا التقدير (٤)] وجب أن لا يتأخر وقوع الأثر عن ذلك القصد. فلما كان القصد إلى تكوين المدة والزمان : أزليا. وجب كون المدة والزمان : أزليا. وهو المطلوب.

الحجة الخامسة : إن صريح العقل يشهد بأنه لا حادث ، إلا ويحصل قبله ، إما عدم وإما وجود. فعلى هذا ، فكل حادث ، فقد حصل قبله قبل آخر ، لا إلى أول. ولا معنى للمدة والزمان [إلا ذلك (٥)] فالمدة لا أول لها.

الحجة السادسة : كل محدث ، فإنه (٦) مسبوق بعدمه ، وكل ما كان مسبوقا بعدمه ، كان عدمه سابقا عليه. وكون [ذلك (٧)] العدم سابقا عليه ، ليس نفس العدم [لأن العدم (٨)] السابق ، والعدم اللاحق يتشاركان ، في كون كل واحد منها عدما ، ويتخالفان في التقدم والتأخر [فمفهوم التقدم (٩)] والتأخر أمر زائد على العدم المحض. فهما وصفان ثبوتيان

__________________

(١) من (ت)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ط ، س)

(٤) من (ط ، س)

(٥) من (ت)

(٦) فهو (ط)

(٧) من (ت)

(٨) من (ط ، س)

(٩) من (ت)

٢٠٤

[متنافيان (١)] ولا بد من فرض شيء ، تلحقه هذه القبلية والبعدية لذاته ، قطعا للتسلسل. وذلك الشيء هو الزمان. فقبل كل حادث (٢) : زمان لا أول [له (٣)] وهو المطلوب.

فإن قيل : لا نسلم أن تقدم الشيء على غيره : صفة ثبوتية. ويدل عليه وجوه :

الأول : إنكم وصفتم عدم الشيء بكونه متقدما على غيره. وصفة العدم يمتنع أن تكون موجودة. وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم ، وهو محال.

الثاني : إن التقدم والتأخر لو كانا صفتين موجودتين ، لكانت تلك الصفة متأخرة أيضا على عدمها ، فيلزم : أن تكون لتلك الصفة : صفة أخرى إلى غير النهاية ، دفعة واحدة. وهو محال.

الثالث : لو كان التقدم والتأخر صفتين موجودتين ، لكانا من مقولة المضاف. والمضافان يوجدان معا. فالتقدم والتأخر يوجدان معا ، فيلزم : كون المتقدم والمتأخر معا ، وهو محال. وإذا ثبت أن التقدم والتأخر ، ليسا صفتين موجودتين ، لم يلزم افتقارهما إلى محل موجود.

أجابوا عنه : بأنه لا حاجة بنا في هذا الدليل إلى بيان كون التقدم والتأخر صفتين موجودتين. بل يمكننا إثبات مطلوبنا مع قطع النظر عن هذه المقدمة. وتقريره : إن التقدم والتأخر لا يعقل حصولهما ، إلا عند تبديل حالة بحالة ، وإلا عند تغيره من صفة إلى صفة. فإنه لو لم يحدث أمر من الأمور ، ولم تتغير حالة من الأحوال ، لم يحصل هناك شيء يحكم عليه بأنه صار ماضيا ، ولا على شيء بكونه مستقبلا. وذلك لأن الماضي هو الذي كان موجودا ، ثم زال الآن. والمستقبل هو الذي يتوقع حضوره ، وهو الآن لم يحضر. فالماضي

__________________

(١) من (ت)

(٢) محدث (ت)

(٣) من (ط)

٢٠٥

والمستقبل والحال لا يتقرر مفهوماتهم (١) إلا عند وجود بعد عدم ، أو عدم بعد وجود. فلما ثبت حصول معنى القبلية والبعدية قبل أول الزمان ، علمنا : أن حدوث الحوادث كان حاصلا قبل ذلك الأول. وهذا يناقض كون ذلك الأول : أولا. [والله أعلم (٢)]

الحجة السابعة : لا شك أنه يصدق على ذات الله تعالى : أنه كان موجودا في الأزل، وأنه سيكون [موجودا (٣)] في الأبد. فهل يتميز في حقه : مفهوم أنه كان موجودا في الأزل ، عن مفهوم أنه [موجود أو (٤)] سيكون في لا يزال ، أو لا يتميز؟

وهذا القسم الثاني : باطل في بديهة العقل ، لأنه إن لم يتميز أحد المفهومين عن الثاني ، لكان المفهوم من هذين الكلامين مفهوما واحدا ، ولكان التعبير عنه بهذين اللفظين : مخض في العبارة. وبديهة العقل : حاكمة بأنه ليس كذلك. فإن المفهوم من قولنا : كان في الأزل : إشارة إلى الماضي. والمفهوم من قولنا : سيكون في لا يزال : إشارة إلى المستقبل. ولو غيرنا العبارة ، وقلنا : إنه كان في المستقبل ، وسيكون في الماضي ، فإن صريح العقل يشهد بفساده. فعلمنا : أن التغاير بين هذين المفهومين : حاصل في بديهة العقل. إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى : محكوم عليه بالوجود. والحصول مع كل واحد من هذين. المفهومين [لكن واحدا من هذين المفهومين (٥)] : غير محكوم عليه بالحصول ، مع المفهوم الآخر. وذلك يوجب كون كل واحد من هذين المفهومين مغايرا لذات الله تعالى. وأيضا : فهما مغايران للمفهوم من كون العالم معدوما. فإن المفهوم من العدم ، يمكن تعقله مع الأزل تارة ، ومع الأبد أخرى. فيثبت : أن المفهوم من الأزل ، وأن المفهوم من الأبد : [أمر (٦)]

__________________

(١) مفهوماتها (ت)

(٢) من (ت)

(٣) من (ط)

(٤) من (ت)

(٥) من (ط ، س)

(٦) من (ط ، س)

٢٠٦

مغاير لذات الله تعالى ، ولعدم العالم. بل المفهوم من الأزل : دوام لا أول له ، في طرفي الماضي. والمفهوم من الأبد : دوام لا آخر له في المستقبل. وهذان الأمران مغايران لذات الله تعالى ، ولعدم العالم. ولا معنى للمدة والدهر والسرمد إلا ذلك. فيثبت : أنه لا أول للدهر والمدة.

الحجة الثامنة : لو كان العالم حادثا ، لصدق قولنا : إنه تعالى كان موجودا مع عدم العالم. والمفهوم من قولنا : «كان» : إما أن يكون هو وجود البارئ [تعالى (١)] وعدم العالم فقط. أو المفهوم (٢) منه هذان الأمران ، بشرط خاص وكيفية خاصة. والأول باطل لأن قولنا : سيكون البارئ موجودا مع عدم العالم ؛ قد حصل فيه وجود البارئ وعدم العالم ، مع أنه [لم (٣)] يحصل منه ما هو المفهوم من قولنا : كان البارئ مع عدم العالم. فيثبت : أن قولنا : كان البارئ مع عدم العالم : إشارة إلى وجود البارئ وعدم العالم ، بشرط خاص وكيفية خاصة. ولا شك أن ذلك الشرط ، وتلك الكيفية : أمر دائم من الأزل إلى الآن. ولا معنى للمدة والزمان (٤) إلا ذلك [المفهوم (٥)]

الحجة التاسعة : إن صريح العقل يشهد بأنه لا مفهوم من كون الشيء محدثا ، إلا أن نقول : إن ذلك الشيء ما كان موجودا في الوقت المتقدم ، ثم صار موجودا [فلو حكمنا على الزمان : بكونه محدثا. لكان معنى كونه محدثا : أنه ما كان موجودا في الوقت المتقدم ، ثم صار موجودا (٦)] وهذا يقتضي : أن الوقت والزمان كان موجودا ، قبل أن كان موجودا. وهو محال. لأن كل ما أفضى فرض عدمه إلى فرض وجوده ، كان فرض عدمه محالا. وهذا الدليل كما تقرر في جانب الأول ، فهو بعينه قائم في جانب الآخر. فالمدة تمتنع أن يحصل لها أول وآخر.

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) والمفهوم (ت ، ط)

(٣) من (ط)

(٤) الأزل (ط)

(٥) من (س)

(٦) من (س)

٢٠٧

فإن قالوا : لا نسلم أن المعقول من الحدوث : هو أنه ما كان موجودا في الوقت المتقدم ، ثم صار موجودا. بل نقول : المعقول من الحدوث : أنه ما كان موجودا ، ثم صار موجودا من غير حاجة إلى تقرير مدة ، وفرض زمان. والدليل على صحة ما ذكرنا : أنه لو كان الأمر كما ذكرتم ، لزم أن يفتقر حدوث [كل (١)] واحد من أجزاء الزمان ، إلى زمان آخر ، إلى غير النهاية. وهو محال.

والجواب : إن قول القائل : إنه ما كان موجودا : ثم صار موجودا صريح في إثبات الزمان. لأن قولنا : «كان» : لفظ يدل على الماضي ولا يتصور العقل من الماضي ، إلا أمر من الأمور ، كان حاضرا ثم انقضى. وأيضا لفظ «ثم» : يدل على حصول شيء ، بعد حصول شيء آخر. وكل هذه الألفاظ : تدل على أن العقل لا يمكنه أن يتصور معنى الحدوث البتة ، إلا بعد فرض مدة مستمرة ، وزمان دائم. فإن قالوا : فهذا تمسك بمجرد الألفاظ. فنقول : ليس الأمر هذا تنبيه على أن العقل لا يمكنه أن يتلفظ بلفظ ، ولا أن يشير إلى معنى معقول ، إلا ويقرن حدوثه بزمان ، ويقرن عدمه السابق بزمان. وذلك يدل على أن الإقرار بدوام المدة ووجودها من الأزل إلى الأبد : مركوز في بدائه العقول.

وأما قوله : «كان يلزم افتقار حدوث كل واحد من أجزاء الزمان ، إلى زمان آخر ، إلى غير النهاية» فنقول : وهكذا نقول ، لأنه لو لا أن الجزء السابق كان موجودا ، وإلا لامتنع أن يحكم على الجزء المتأخر : بكونه حادثا متأخرا [والله أعلم (٢)

الحجة العاشرة : لو كان العالم محدثا ، فوجد عالم آخر قبل هذا العالم ، بحيث ينتهي آخره إلى أول هذا العالم بعشرة أدوار ، [إما (٣)] أن يكون ممكنا ،

__________________

(١) من (س)

(٢) من (ت)

(٣) من (ط ، س)

٢٠٨

أو لا يكون [ممكنا (١)] والثاني يقتضي إما (٢) انتقال العالم من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي ، أو انتقال (٣) الخالق من العجز إلى القدرة. وكلاهما محالان. والأول يقتضي حصول الإمكان. ثم نقول : وكان أيضا : يمكن خلق عالم آخر ، وينتهي إلى أول هذا العالم بعشرين دورة. والدليل عليه أيضا : عين ما تقدم. ثم نقول : هذان الأمران المفروضان بتقدير وقوعهما [إما أن يبتدئا معا ، وينتهيا معا إلى أول هذا العالم ، وإما أن يقال : إنهما بتقدير وقوعهما (٤) يجب أن يكون ابتداء وجود أحدهما سابقا على وجود الآخر. والأول باطل ، وإلا لزم كون الزائد مساويا للناقص. وهو محال. والثاني يوجب القول بوجود المدة والزمان. لأنه كان قد حصل قبل وجود العالم إمكان يتسع لعشرة دورات ، ولا يتسع لعشرين دورة. وإمكان آخر يتسع لعشرين دورة ، ولا يمتلئ بعشرة دورات. وكان هذا الإمكان الثاني متقرر الوجود قبل الإمكان الأول. ولا معنى للمدة والزمان إلا ذلك. وهذا يقتضي أن لا يكون للمدة والزمان : أول وهو المطلوب [والله أعلم (٥)]

الحجة الحادية عشر : وهو أن من الأزل إلى أول خلق العالم : أقل من الأزل إلى وقت الطوفان. وأيضا : من الأزل إلى وقت الطوفان أقل من الأزل إلى هذا اليوم ، الذي نحن فيه ، وكلما ازداد يوم ، وحدث زمان ، صار من الأزل إلى ذلك الوقت : أزيد من الأزل ، إلى الوقت الذي كان قبله.

إذا ثبت هذا فنقول : ان من الأزل إلى الآن أمر يقبل الزيادة والنقصان. وكل ما كان كذلك فهو (٦) موجود. لأن العدم المحض ، والسلب الصرف ، لا يمكن وصفه بكونه زائدا وناقصا (٧) إذا ثبت هذا ، فنقول : القابل لهذه الزيادة

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) إما امتناع العالم الذاتي إلى الإمكان ... الخ (ت)

(٣) وانتقال (ت ، ط)

(٤) من (ط)

(٥) من (ت)

(٦) فهو أمر أنه موجود (ط)

(٧) أو ناقصا (ت)

٢٠٩

والنقصان ، إما أن يكون ذات الله [تعالى (١)] أو لعدم ، أو شيء ثالث. والأول باطل. لأن ذات الله منزه عن قبول الزيادة والنقصان. وأما العدم المحض ، فقد ذكرنا : أنه لا يقبل الوصف بالزيادة والنقصان. فلا بد من الاعتراف بوجود [أمر (٢)] آخر مغاير لذات الله تعالى وللعدم المحض. وذلك [الأمر (٣)] الذي يقبل [هذه (٤)] الزيادة والنقصان. وذلك هو المدة ، أو شيء يقع في المدة. وعلى التقديرين ، فالمطلوب حاصل [والله أعلم (٥)]

الحجة الثانية عشر : إنا لا نعقل حدوث شيء ، ولا دوام شيء ، إلا مع فرض الوقت والزمان. فإنا البتة لا نعقل من الحادث ، إلا أنه الذي حدث في وقت بعد أن كان معدوما (٦) في الوقت السابق عليه. ولا نعقل البتة من الدائم القديم ، إلا أنه الذي يفرض وجوده حاصلا في وقت ، إلا وقد كان موجودا قبل ذلك. فإذا كنا لا نعقل معنى الحدوث ، ومعنى البقاء إلا مع فرض الأوقات ، إما بهذه العبارة [المذكورة (٧)] أو بعبارات أخرى ، تفيد أيضا : معاني الأوقات. فحينئذ ظهر أنه لا يمكننا أن نعقل معنى الحدوث ومعنى الدوام، إلا مع تقدير [وجود (٨)] الأوقات. وإذا ثبت هذا ، ظهر أن القول بحدوث المدة والوقت : محال. إلا أنا إذا (٩) حكمنا بحدوثهما ، وثبت أن الحدوث لا يمكن تعقله إلا مع فرض الوقت ، لزم أنا متى فرضنا عدم الوقت ، فإنه يلزم من فرض عدمه ، فرض وجوده. وذلك يقتضي أن يكون فرض عدمه محالا.

فهذه الوجوه الاثني عشر في هذا الباب مذكورة لإثبات هذا المطلوب. ومن أراد الزيادة عليها ، فلينظر فيما كتبناه في تحقيق الكلام في المدة والزمان [والله أعلم بالصواب (١٠)].

__________________

(١) من (ط)

(٦) موجودا (ط ، س)

(٢) من (ت)

(٧) من (ط ، س)

(٣) من (ط)

(٨) من (ط ، س)

(٤) من (ط)

(٩) لأنا إذا (ط)

(٥) من (ت)

(١٠) سقط (ط)

٢١٠

المقالة العاشرة

في

الوجوه المستنبطة

في هذا الباب مما يتعلق بالمكان

٢١١
٢١٢

في

الوجوه المستنبطة

في هذه الباب مما يتعلق بالمكان

قالوا : قد دللنا على أنه لا بد من الاعتراف بوجود علوم بديهية أولية ، لا يحتاج في إثباتها أو في تقريرها إلى حجة وبينة. وذلك لأنه لا معنى للحجة والبينة : إلا تركيب علوم مسلّمة ليتوسل بها إلى الحكم بأمر مجهول الثبوت. فعلى هذا : الحجج والبينات : موقوفة الصحة على البديهيات. فلو وقفنا البديهيات على الأمور التي يحاول إثباتها بالدلائل والبينات ، لزم الدور. وإنه محال.

فيثبت : أن العلوم البديهية : مسلمة بأنفسها ، متقررة بذواتها ، من غير أن يحتاج إثباتها إلى الدليل والبينة. إذا ثبت هذا ، فنقول : والعلم الضروري [حاصل (١)] بأنه لا معنى للعلم الضروري ، إلا ما تشهد بصحته فطرة العقل ، وبديهة النفس. إذا ثبت هذا ، فنقول : وجود الأبعاد الممتدة طولا وعرضا وعمقا : أمر واجب [الوجود (٢)] لذاته. ومتى ثبت هذا ، كان الجسم موجودا : واجب الوجود لذاته. أما المقام الأول : فهو أن كل ما كان ممكنا ، فإنه لا يلزم من فرض وقوعه : محال. فلو كان ارتفاع الأبعاد الممتدة طولا وعرضا وعمقا : ممكنا لذاته ، لكنا إذا فرضنا ارتفاع هذه الأبعاد ، فعند

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (ط ، س)

٢١٣

هذا الفرض وجب أن لا يلزم المحال. إلا أن المحال لازم لا محالة ، لأن عند ذلك الفرض ، إذا فرضنا حيوانا واقفا [على طرف العالم (١)] فإما أن يتميز الجانب الذي يلي وجهه عن الجانب الذي يلي قفاه ، وإما أن لا يتميز. والقسم الثاني مدفوع في بديهة العقل. لأن فطرة النفس شاهدة بأن على جميع التقديرات ، فإنه لا بد وأن يتميز الجانب الأيمن عن الجانب الأيسر ، والجانب الذي يحاذي (٢) الوجه ، عن الجانب الذي يحاذي القفا. والقول بأنه تحصل حالة لا يحصل معها هذا الامتياز ، مما لا يقبله العقل ، وإذا ثبت حصول هذا الامتياز ، فقد حصلت الأبعاد الممتدة طولا وعرضا وعمقا. فيثبت : أن هذه الأبعاد موجودة ، وأنها غير قابلة للعدم البتة ، فكانت واجبة الوجود لذواتها.

فإن قيل : الكلام على هذا التقدير من وجهين :

الوجه (٣) الأول : وهو قول الحكماء : وهو أن الأبعاد متناهية ، وخارج العالم لا خلاء ولا ملاء. وقولكم : بأن الواقف على طرف العالم ، لا بد وأن يتميز فوقه عن تحته ، ويمينه عن شماله. فنقول : هذا الحكم وإن كان ضروري الثبوت في فطرة النفس ، إلا أنه حكم الوهم والخيال [وحكم الوهم والخيال (٤)] قد يكون كاذبا غير ملتفت إليه فيثبت : أن هذا الحكم ، وإن كان واجب الثبوت في فطرة النفس ، إلا أنه غير مقبول.

والوجه الثاني : وهو قول المتكلمين : وهو أن الامتياز في هذه الأحياز ، وفي هذه الجهات أمر حاصل لا يمكن إنكاره. إلا أن هذه الأحياز أشياء يفرضها العقل ، ويقدرها الوهم ، وليس لها في نفسها وجود ولا ثبوت.

والدليل عليه : وهو أنه لا معنى لهذا الشيء ، إلا أنه خلاء خالي ، وفضاء لم يحصل فيه شيء من الأجسام. فهذا عدم محض ، ونفي صرف ،

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) يلي (ت)

(٣) زيادة

(٤) من (ت)

٢١٤

وليس له من الوجود البتة [حظ (١)]

والجواب عن السؤال الأول : أن نقول : إنكم سلمتم (٢) أن الفطرة الأصلية شاهدة بصحة هذه القضية. فنقول : قولهم : إن في الفطرة حاكمان :

أحدهما : العقل [وحكمه صحيح (٣)]

والثاني : الوهم ، وحكمه باطل.

فنقول : علمنا بأن أحد الحاكمين صادق والآخر كاذب. إن كان علما بديهيا فيلزم(٤) أن لا يحصل الجزم القاطع في حكم الحاكم [الكاذب (٥)] وإن كان فطريا (٦) فحينئذ تتوقف صحة البديهيات على هذه المقدمة النظرية. ولا شك أنها موقوفة على القضايا البديهية. فيلزم وقوع الدور ، وإنه باطل. فيثبت : أن قول القائل : إن الأحكام الفطرية ، إن كانت [من (٧)] نتائج العقل فهي صحيحة. وإن كانت من نتائج الوهم ، فهي باطلة توجب السفسطة ، وتوجب القدح في جميع (٨) العلوم البديهية (٩) وإنه باطل. فيثبت : أن كل ما اعترف به أول الفطرة السليمة ، وجب الحكم بصحته قطعا. وتمام الكلام في هذا الباب : مذكور في المنطق ، عند الفرق بين المقدمات البديهية ، وبين المقدمات الأولية.

والجواب عن السؤال الثاني : إن الجسم إذا كان حاصلا في الحيز ، قبل فرض الفارضين ، واعتبار المعتبرين ، وبعد ذلك. وجب الحكم بأن الحيز أمر

__________________

(١) من (ت)

(٢) لما سلمتم (ت)

(٣) من (ت)

(٤) فيجب (ط)

(٥) من (س)

(٦) نظريا (ت)

(٧) من (ت)

(٨) جملة (ت)

(٩) والنظرية (ت)

٢١٥

موجود في نفسه ، وأنه سواء وجد الفرض أو لم يوجد ، فهو حاصل في نفس الأمر.

وتمام الكلام في هذا المعنى سيأتي في مسألة الخلاء. فيثبت بما ذكرنا : أن هذه الأبعاد الممتدة طولا وعرضا ، وعمقا : [أمور (١)] لا تقبل العدم ، ولا يصح تبدل وجودها بالعدم. وإذا ثبت هذا ، فنقول : لزوم القول بكون الأجسام واجبة [الوجود (٢)] لذواتها. لأن تلك الأبعاد لما كانت أمورا موجودة في أنفسها ، متحققة في ذواتها ، فهي إما أن تكون قابلة للحركة [أو لا تكون قابلة للحركة (٣)] والثاني باطل. فتعين الأول. وإنما قلنا : إن الثاني باطل ، لأن طبيعة البعد ، قابلة للحركة [إذ لو لم تكن قابلة للحركة (٤)] لما كان الجسم قابلا للحركة. وإذا ثبت هذا فنقول : إما أن تبقى (٥) ذاته في قول الحركة ، أو لا بد من شيء آخر. فإن كان الأول فهو قابل للحركة على الإطلاق. فكل بعد فهو قابل للحركة. وإن كان الثاني ، فذلك الشيء إما أن يكون حالا في البعد أو محلا له. أو لا حالا فيه ولا محلا له. فإن كان الأول ، فنقول : اتصاف البعد بذلك الحال ممكن ، وبتقدير حصول هذا المعنى يكون قابلا للحركة ، والموقوف على الممكن ممكن ، فهذا البعد قابل للحركة. وإن كان الثاني ، فهذا يقتضي كون البعد حالا في محل ، وذلك محال. لأن ذلك المحل ، إما أن يكون مختصا بالحيّز والجهة ، وإما أن لا يكون. فإن كان الأول ، فهو أيضا بعد ، فيكون محل البعد : بعدا. وهو محال ، وإن كان الثاني فهو باطل من وجهين :

الأول : إن حلول ما يكون مختصا بالحيز والجهة ، فيما لا اختصاص له بالحيز والجهة : محال.

__________________

(١) من (ت)

(٢) من (ط)

(٣) من (س)

(٤) من (ط ، س)

(٥) يكفي (ت)

٢١٦

والثاني : إن ما لا يكون مختصا بالحيز والجهة ، كانت الحركة عليه ، ممتنعة. وما كان مانعا من قبول الحركة ، يمتنع أن يكون شرطا لقبول الحركة. وإن كان الثالث ، وهو أن يكون شرط كون البعد قابلا للحركة ، شيء لا يكون [حالا (١)] فيه ولا محلا له. فهذا أيضا باطل ، لأن ذلك الشيء يجب أن لا يكون جسما ولا جسمانيا ، وحينئذ يعود البحث الأول فيه. فيثبت بما ذكرنا : أن البعد واجب الوجود لذاته ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان ذلك البعد قابلا للحركة [وكل بعد قابل للحركة (٢)] فهو جسم. ينتج : أن الجسم واجب الوجود لذاته. وهذا يفيد أمرين :

أحدهما : أنه لا نهاية للأجسام (٣) لأنه لو حصلت لها نهاية ، لوجب أن يحصل في الخارج [امتياز أحد الجانبين عن الآخر (٤)] فيكون الجسم (٥) موجودا في الخارج عنه. فذلك الذي فرضناه نهاية للأجسام. لم يكن نهاية لها. هذا خلف.

والثاني : أنه لا أول لوجود الأجسام ، وإلا فقبل ذلك الأول ، لا بد وأن تتميز الجوانب بعضها عن البعض. وإذا حصل هذا الامتياز ، كانت الأبعاد موجودة [وإذا (٦)] كانت الأبعاد (٧) موجودة ، فقد وجد الجسم قبل وجود الجسم. هذا خلف. فثبت : أن هذا الكلام يدل على أن الأجسام الموجودة في هذا الوقت : غير متناهية. وثبت أيضا : أنه لا أول لوجودها ، ولا آخر لوجودها. فهذا هو الشبهة المذكورة في قدم الأجسام المستنبطة من البحث عن ماهية المكان [والله أعلم (٨)].

__________________

(١) من (س)

(٢) من (س ، ط)

(٣) للإجابة (ط)

(٤) سقط (ط)

(٥) البعد (ت)

(٦) من (ت)

(٧) الأجسام (ط ، س)

(٨) من (ت)

٢١٧
٢١٨

المقالة الحادية عشر

في

بيان أنه يجب أن يكون العالم أبديا ، ثم

بيان أنه لما وجب

كونه أبديا ، وجب كونه أزليا ،

٢١٩
٢٢٠