المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣١
  نسخة غير مصححة

في تقرير هذه الحجة ، على حكم البديهة (١) العقلية ، ثم وجدنا البديهة العقلية : حكمت بالفرق بين الصورتين ، فقد زال السؤال.

وأما قوله ثالثا : «الهيولى ليس لها حجم ، [ولا مقدار. وما كان كذلك ، امتنع حدوث الجسم عنه» فنقول : إن هذا يلزم على من يقول : إن هيولى الأجسام جوهر مجرد ، ليس له حجم (٢)] ولا تحيز ، أما من يقول : هيولى الأجسام هي الأجزاء التي لا تتجزأ ، وهي التي يسميها القدماء بالهباءات. فالسؤال زائل ، لأنه تقرر في عقل كل أحد : أن هذا القصر إنما تركب عن أجسام كل واحد منها في نفسه شيء صغير ، إلا أنه لما انضم البعض إلى البعض حصل (٣) الجسم الكبير.

وأما قوله رابعا : هذه الهيولى لا تخلو عن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق. وهذه الأعراض حادثة ، وما لا ينفك عن الحادث فهو حادث. فسيأتي الجواب عنه في باب دلائل القائلين بحدوث الأجسام.

أما قوله خامسا : «دعوى البديهة في محل الخلاف : باطل» فنقول : قد دللنا على أنه لا بد من الاعتراف بوجود العلوم البديهية ، ودللنا على أنه لا يمكن كون العلم بديهيا إلا الأمور التي تحكم بصحتها [جميع (٤)] العقول السليمة ، وقد بينا : أن القول بأن هذا القصر العالي إنما حدث الآن من غير سابقة وجود الأحجار والخشب واللبن : قول يدفعه العقل ، ويقضي على قائله بالجنون. فيثبت : أن هذه المقدمة من المقدمات البديهية الضرورية.

أما قوله سادسا : «لم لا يجوز أن يقال : إنا وإن قطعنا بعدم الوقوع ، أنا مع ذلك نحكم بجواز الوقوع» فنقول : هذا باطل. لأن الشيء إذا كان جائز الوجود ، وجائز العدم ، فلا يلزم من فرض وجوده ، ولا من فرض عدمه :

__________________

(١) بديهة العقل (ط)

(٢) من (ط ، س)

(٣) صار (ت)

(٤) من (ط)

١٨١

محال. فالعقل وحده لا يمكنه في هذا الموضع أن يجزم بأن أحد الطرفين ، لا محال : واقع. لأن حكم العقل (١) هاهنا : استواء الطرفين. والحكم بوقوع أحد الطرفين لا محال : جزم بحصول (٢) الرجحان. والجمع بين الاستواء وبين الرجحان : مال. فيثبت : أن العقل لما تقرر عنده هذا الاستواء : امتنع أن يحكم بالرجحان (٣) إلا بدليل منفصل ، وهو الدليل السمعي. وعلى هذا التقدير يكون [هذا (٤)] العلم بحصول ذلك الرجحان مستندا إلى الدليل السمعي. فوجب أن يكون الجاهل بذلك الدليل السمعي : جاهلا بذلك الرجحان. ومعلوم أنه ليس كذلك ، لأن الملحد والموحد كلهم قاطعون ، بامتناع حصول القصر ، إلا عن المادة السابقة.

وأما قوله سابعا : «إن المتكلمين حكموا بافتقار البناء إلى الباني ، وحكموا باستغناء البناء عن المادة والمدة» فنقول : إنه لا عبرة في تمييز البديهيات عن النظريات بقول المتكلمين. وذلك لأنهم عند الإلزامات القوية ، قد اعتادوا التزام المحالات ، وارتكاب المنكرات. ألا ترى أن الجبرية لما ألزموا على المعتزلة : أن القادر لما كان قادرا على الضدين ، امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح ، وحينئذ يلزم الجبر.

فالمعتزلة : خوفا من هذا الإلزام : جوزوا رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر ، لا لمرجح. مع أن العقلاء المحققين اتفقوا على أن هذه المقدمة بديهية. ولهذا الباب نظائر كثيرة.

بل نقول : العبرة في تمييز البديهيات عن النظريات : بالعقلاء الذين بقوا على الفطرة الأصلية ، والسلامة الخلقية ، وما مارسوا المحالات ، ولم يألفوا التزام المنكرات والمحالات ، في مواقف المناظرات. ومعلوم أن جميع عقلاء

__________________

(١) العقلاء (ت)

(٢) بوجود (ط ، س)

(٣) بين الرجحان (ت)

(٤) من (ت)

١٨٢

الدنيا إذا كانوا بالصفة المذكورة ، ثم عرضت عليهم : أنه هل يجوز حدوث إنسان شيخ دفعة واحدة ، من غير أن كان مسبوقا بالأبوين ، ومن غير أن كان مسبوقا بالطفولية والشباب؟ فإنهم يقطعون بامتناعه. وإذا عرضت عليهم قول من يقول : إن هذه الأنهار جرت في هذه المفازة من غير أن يقال : إنها سالت إليها من مواضع أخر وإنما جرت في هذه المفازة على سبيل أن هذه المياه حدثت في هذه المواضع ابتداء. فإن العقلاء بأسرهم يقطعون بكون هذا القول كذبا باطلا ، أو بأن قائل (١) هذا القول : صار مجنونا. وهذا يدل على أن هذه المقدمة من أقوى البديهيات.

وأما أن المتكلمين يجوزونه ، فليس الأمر كذلك ، لأن المتكلم لو سألته عن هذه الوقائع ، لا في وقت المناظرة ، بل في وقت سلامة عقله ، لأقر بذلك ، ولقضى على من ينكروه بالجنون والعته. فثبت : أن الأمر كما ذكرناه.

وأما قوله على الوجه الثالث : «إنه تعالى فاعل مختار ، فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد».

فنقول : أما القول بأنه [لا (٢)] مرجح لأحد الطرفين على الآخر. فهذا يقتضي أن يكون وقوع أحد الجانبين : اتفاقيا محضا. والأمور الاتفاقية ، إما أن تكون ممتنعة الوقوع ، أو إن كانت ممكنة الوقوع ، إلا أنها لا تكون دائمة ولا أكثرية.

وقوله : «إنما كانت لأنه أصلح للعباد» ففي غاية الضعف. لأن حدوث الحيوان والنبات والمعادن ، لما كان موقوفا في مجاري العادات ، على أحوال المواد ، والفصول الأربعة ، وتغير أحوال الكواكب : صار ذلك سببا لوقوع الشك العظيم ، في أن المؤثر في حدوث هذه الأشياء هو الطبائع ، لا [الفاعل (٣)]

__________________

(١) أو بأن هذا القائل صار (ط ، س)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (س)

١٨٣

القادر المختار. أما لو فرضنا أنها كانت تحدث من غير هذه الوسائط ، كانت العقول حاكمة. بأنه لا تعلق للطبائع بها البتة ، بل المؤثر فيها هو الفاعل المختار. فيثبت : أن هذا الطريق أصلح للمكلفين. وأيضا : فتعليل أفعال الله [تعالى] (١) بمصالح العباد ، قد أبطلناه في الفصول السالفة. والله أعلم.

__________________

(١) من (ت)

١٨٤

المقالة الثامنة

في

الوجوه المستنبطة

من الحركة والتغير والحدوث

١٨٥
١٨٦

في

الوجوه المستنبطة

من الحركة والتغير والحدوث

وفيها وجوه :

الحجة الأولى : قالوا : لو كان العالم حادثا ، لكانت الحوادث منتهية إلى الحادث الأول ، وذلك الحادث ، [الأول] (١) إما أن يكون له سبب حادث ، وإما ان يكون ، والقسمان باطلان. فالقول بانتهاء الحوادث إلى الحادث الأول : محال.

إنما قلنا : إنه ممتنع أن لا يكون للحادث الأول : سبب حادث. لوجهين :

الأول : إن بديهة العقل وفطرة النفس شاهدة (٢) ، بأن كل حادث فلا بد له من سبب حادث. بدليل : أن كل من أحس بحدوث حادث ، فإنه يطلب له سببا ، ويقول : ما الذي حدث ، حتى حدث هذا الأثر (٣)؟ ولو قال قائل إنه حدث هذا الأثر لا سبب أصلا ، أو لسبب كان موجودا ، قبل ذلك بمدة طويلة. فإن كل العقلاء يكذبونه. ويقولون : إنه إما أن يكون كاذبا أو مجنونا. ولا بد لهذا الحكم من سبب حادث. فيثبت : أن افتقار لم الحادث

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) حاكمة شاهدة (ت)

(٣) الأمر (ت)

١٨٧

إلى السبب الحادث ، حكم ضروري في العقول ، بديهي في النفوس.

فكان القول : بأن الحكم الحادث غني عن السبب الحادث : قولا باطلا. فإن قالوا : أليس أن العقلاء يجوزون إسناد الحكم [الحادث] (١) إلى سبب كان موجودا قبل ذلك الوقت؟ فإنهم قد يقولون : إن هذا الذي حدث الآن ، إنما حدث عن ذلك الحقد القديم ، والعداوة القديمة. فهذا يدل على أنهم يجوزون إسناد الحكم الحادث ، إلى سبب كان موجودا قبله بزمان. فنقول في الجواب عنه : إن من يقول هذا الكلام [لا بد وأن] (٢) يعترف بأن تلك العداوة القديمة ، كانت موجبة (٣) لهذه المضار الحادثة ، إلا أن ظهور هذه الآثار عن تلك العداوة القديمة ، كانت موقوفة على شرائط ، ما حدثت إلا الآن. مثل القدرة على الإظهار ، ومثل زوال الموانع. فأما أن يقال : إن تلك العداوة القديمة ، كانت توجب هذه الأحوال ، ثم كانت الشرائط بأسرها حاصلة ، والموانع بأسرها ، كانت زائلة. ثم إن ذلك الأثر ، لم يحصل مدة طويلة ، ثم حدث الآن ، لا لتغير شرط ، ولا لزوال مانع. فذلك ممتنع في بدائه العقول. فيثبت : أنه قد تقرر في العقول الصحيحة : أن كل حكم (٤) حادث فلا بد له من سبب حادث.

الثاني : أن بتقدير أن لا يكون للحادث الأول سبب حادث ، لكان ذلك ، إما لأجل أن ذلك الحادث الأول له أصلا ، أو إن كان له سبب ، لكنه غير حادث. أما الأول فباطل بالاتفاق.

وأما الثاني : فباطل أيضا. لأن ذلك الشيء لما كان حاصلا قبل ذلك [حال (٥)] ما كان هذا الأثر معدوما ، وحصل الآن أيضا مقارنا لوجوده ، حكم صريح العقل بأنه لا يصلح لأن يكون سببا له ، وأنه لا بد لهذا الحادث من

__________________

(١) من (ت)

(٢) من (ط)

(٣) موجود لا (ت)

(٤) نقول ذلك (ت)

(٥) من (س)

١٨٨

سبب آخر. ومثاله : أن زيدا صار محموما [في هذا اليوم (١)] فإن قلنا : إن سبب حدوث حمّاه : هو كون السماء فوقنا ، والأرض تحتنا : فهذا معلوم الفساد بالبديهة. لأنه لما كان كون السماء فوقنا ، والأرض تحتنا : حاصل قبل حدوث هذه الحمى بسنين كثيرة ، ولم يكن له أثر في حدوث هذه الحمى ، إلى ذلك [الوقت يكون (٢)] مدفوعا في بديهة العقل. فيثبت : أن إسناد الأثر الحادث إلى المؤثر الدائم : معلوم الامتناع بالبديهة.

وأما القسم الثاني : وهو أن الحادث الأول يفتقر إلى سبب حادث. فهذا أيضا باطل من وجوه :

[الأول (٣)] إن على هذا التقدير يكون سببه متقدما عليه ، فلا يكون الحادث الأول حادثا أولا. وهذا (٤) خلف.

الثاني : إن على هذا التقدير يجب إسناد كل حادث [إلى حادث (٥)] آخر [قبله (٦)] فهذه الأسباب التي لا نهاية لها ، إما أن توجد دفعة واحدة ، أو يكون كل متأخر مستندا إلى ما كان متقدما عليه ، لا إلى نهاية (٧)

و [القسم] (٨) الأول باطل لوجوه :

الأول: إن القول بوجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة : قول باطل على ما سبق في هذا الكتاب تقريره.

والثاني : إن على التقدير بكون مجموع تلك الأشياء ، إنما حدث في ذلك الوقت ، فيعود السؤال في أن حدوث ذلك المجموع في ذلك الوقت المعين ، لا

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (ت)

(٣) من (ط ، س)

(٤) وأنه (ط)

(٥) من (ط ، س)

(٦) من (ت)

(٧) أول (ت)

(٨) من (ت)

١٨٩

بد له من سبب حادث ، وذلك باطل ، لأن ذلك السبب ، لكونه سببا لمجموع الحوادث ، يجب أن يكون مغايرا لذلك المجموع. ولكونه حادثا يكون داخلا في مجموع. ولكونه حادثا يكون داخلا في مجموع الحوادث ، فيكون الشيء الواحد ، داخلا في ذلك المجموع ، وخارجا عنه. وهو محال.

والثالث : إن الحس يدل على أن أجزاء الحركة ما حصلت على الاجتماع دفعة واحدة ، والأشخاص التي [دخلت في الوجود (١)] بأسرها لم توجد مجتمعة في هذا الزمان المعين. ولما ثبت : أن كل حادث ، فلا بد من استناده إلى حادث آخر ، لا إلى نهاية. وثبت : أن تلك الأسباب والمسببات التي لا نهاية لها ، لم توجد دفعة : وجب أن يقال : إن كل واحد منها استند إلى ما قبله لا إلى أول. وذلك هو المطلوب.

فإن قالوا : فعلى هذا لتقدير ، يلزم أن [يكون (٢)] المعدوم علة للموجود. فنقول : ليس الأمر كذلك ، بل العلة المؤثرة في وجود المعلول : هو الموجود القديم الدائم ، وكل واحد من هذه الحوادث [فإنه (٣)] شرط لكون ذلك القديم مؤثرا في وجود الحادث المتأخر ، على ما سبق تقريره.

الحجة الثانية : أن نقول : لو كان الجسم حادثا ، لكان حدوثه إما أن يكون عين ذاته ، أو زائد عليه. والقسمان باطلان فالقول بحدوث : باطل. إنما قلنا : إنه يمتنع أن يكون حدوثه نفس ذاته لوجهين :

الأول : أن المراد من الحدوث خروجه من العدم إلى الوجود ، فالجسم حال بقائه ليس حادثا بهذا التفسير ، فلو كان حدوثه عين ذاته. ثم إن الحدوث غير حاصل في الزمان الثاني، وجب أن لا تبقى ذاته في الزمان الثاني. فهذا يقتضي أن يكون الجسم ممتنع البقاء. وذلك باطل.

__________________

(١) من (ط)

(٢) من (س)

(٣) من (ت)

١٩٠

والثاني : أنه لو كان حدوثه عين ذاته ، لكان العالم بذاته عالما بحدوثه. وذلك يوجب أن يكون العلم بحدوثه ضروريا ، كما أن العلم بوجوده ضروري. وإنما قلنا : إنه يمتنع أن يكون حدوثه زائد عليه ، لأنه يلزم أن يكون حدوث ذلك الحادث زائدا عليه ، ويلزم التسلسل. فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : حدوث الجسم عين ذاته؟ ويلزم كون الجسم حادثا ، حالا محالا. وأيضا : فهذا وارد في الصفات والأعراض. وأيضا : فهذا وارد عليكم في قدم الأجسام على ما سيأتي تقريره في باب دلائل القائلين بالحدوث.

والجواب عن الأول : إنه قد اتفق العقلاء المعتبرون (١) على أن الأجسام باقية دائمة.

وأما الثاني : فكثير من الخلق ، التزموا أن بقاء : الأعراض محال.

وأما الثالث : فهو أن قدم الجسم ، لما كان عين ذاته ، لم يمتنع أن يقال : إنه قديم في كل الأوقات. أما لو قلنا : إن حدوثه عين ذاته ، لزم أن يكون حادثا في كل الأوقات. وذلك ينافي كونه باقيا ، مستمر الوجود (٢). فظهر الفرق.

الحجة الثالثة : اعلم أن المتقدمين كانوا يقولون : ما شاهدنا ليلا ، إلا وقبله نهارا ، ولا نهارا إلا وقبله ليل. فوجب أن يكون الأمر كذلك.

والمتكلمون شنّعوا عليهم ، وقالوا : هذا جمع بين الشاهد والغائب. بمحض التحكم ، وأنه باطل.

واعلم أن القوم لهم هاهنا مقامان :

المقام الأول : إنا لا نتمسك بهذا الدليل ، في إثبات القطع والجزم بهذا القول [بل (٣)] في إثبات أن هذا القول هو الأولى والأقرب والأخلق بالقبول.

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (ت)

(٣) الأول (ت)

١٩١

المقام الثاني : أن نتمسك بهذا الطريق في إثبات القطع والجزم.

أما المقام الأول : [فتقريره (١)] : أن الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان فإن قام دليل منفصل على وقوع التغير ، قضينا به. وإلا فالواجب هو الحكم ببقائه على ما كان فيفتقر هاهنا إلى بيان أمرين :

[إلى (٢)] بيان أن الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان. ثم إلى بيان أنه لما كان الأمر كذلك ، لزم القول بثبوت هذا المطلوب.

أما المقام الأول : وهو بيان أن الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان. فيدل عليه وجوه :

الأول : أن الباقي حال بقائه غني عن المؤثر ، وإلا لزم تكون الكائن. والحادث حال حدوثه مفتقر إلى المؤثر. وهو متفق [عليه (٣)] والغني عن المؤثر راجح الوجود ، بالنسبة إلى المحتاج إلى المؤثر. لأن الغنى إن لم يكن راجح الوجود لزم أن يكون [إما (٤)] مساويا ، أو مرجوحا. وعلى التقديرين فكان يلزم افتقاره إلى المرجح. مع أنا فرضناه غنيا عن المؤثر. هذا خلف. وأما المحتاج إلى المؤثر. فيلزم أن يكون المحتاج إلى المؤثر غنيا عنه. هذا خلف. وإذا ثبت كون الباقي راجحا على الحادث في نفس الأمر ، وجب أن يكون كذلك في الظن الصادق ، حتى يكون الظن مطابقا للمظنون.

الثاني : [أن (٥)] الحادث يفتقر حدوثه إلى أمور ثلاثة : إلى حدوث ذلك الشيء ، وإلى ذلك الزمان ، وإلى حدوث حصوله في ذلك الزمان.

وأمّا الباقي : فإنه لا يفتقر إلى حدوث ذاته ، وإنما يفتقر إلى حدوث [أمرين : إلى حدوث (٦)] ذلك الزمان ، وإلى حدوث حصوله في ذلك

__________________

(١) من (ط)

(٢) من (س)

(٣) من (ت)

(٤) من (ط ، س)

(٥) من (س)

(٦) من (ت)

١٩٢

الزمان. والمفتقر إلى أمور ثلاثة : مرجوح بالنسبة إلى ما يكون مكتفيا بأحد ذينك الأمرين.

ولقائل أن يقول : لو كان الحدوث مفتقرا إلى هذه الأمور الثلاثة ، لافتقر كل واحد منها إلى ثلاثة أخرى.

الثالث : لو كان ظن التغير معلولا لظن البقاء ، لما فهم أحد شيئا من كلام أحد. لأنه لما كان احتمال بقاء تلك الألفاظ ، دالة على الموضوعات السابقة ، معادلة لزوال تلك الدلالة ، لم يسارع الفهم إلى جانب البقاء ، بل بقي مترددا وحينئذ يلزم أن لا يحصل الفهم. وحيث حصل ، علمنا أن ذلك ، إنما كان لأجل أن اعتقاد البقاء على ما كان : راجح على اعتقاد الزوال عما كان.

الرابع : أن من خرج عن بلد ، وكان قد شاهد بعض جوانب تلك البلدة معمورا ، والجانب الآخر [منه (١)] خرابا. فإنه بعد خروجه عن ذلك البلد ، وغيبته عنه بمدة مديدة، فإنه يبقى ظنه في الجانب الذي كان معمورا [أنه بقي معمورا (٢)] وفي الجانب [الذي رآه خرابا (٣)] أنه بقي خرابا ولا يرجع عن هذا الحكم إلا لدليل منفصل. [وذلك (٤)] يدل على أن البديهة حاكمة : بأن الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان.

الخامس : أنه إذا خرج من بلد ، فإنه يكتب إلى أقاربه ، [وأصدقائه (٥)] وما ذاك إلا لأن ظن البقاء ، راجح على ظن الزوال. فيثبت بهذه الوجوه : أن الأصل في كل أمر ، بقاؤه على ما كان. ويثبت : أن التغير لا يجوز إثباته إلا بدليل منفصل.

إذا ثبت هذا ، فنقول : الأصل في هذه الأجسام ، الموصوفة بهذه

__________________

(١) من (س)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ت)

(٤) من (ت)

(٥) من (ت)

١٩٣

التركيبات المخصوصة ، والصفات المخصوصة ، أنها كانت [معدومة ثم صارت (١)] موجودة هكذا ، فإن قام دليل قاهر من الخارج على أنها كانت معدومة ثم صارت موجودة ، قضينا بذلك. وإلا وجب القضاء بأنها كانت على هذه الحالة والصفة ، أبدا من غير تغير.

فالحاصل أن القول [بالدوام (٢)] متأيد ومتأكد بحكم الأصل. ولا حاجة فيه إلى دليل منفصل. وإنما المحتاج إلى دليل المنفصل هو القول بالتغير والحدوث.

المقام الثاني في تقرير هذه الحجة : أن نقول : قد بينا أن بديهة العقل تستبعد حدوث الإنسان ، لا عن الوالدين ، وتستبعد حدوث نهار لا يسبقه ليل ، ولا نهار.

وبينا : أن إطباق كل العقلاء على هذا الاستبعاد ، يدل على أن وقوع هذه الأحوال على هذه الوجوه المخصوصة ، لا بد وأن يكون من الواجبات. لأن لو لم تكن في أنفسها من الواجبات ، لامتنع أن يحصل الجزم بتعيين أحد الطرفين للوقوع ، وتعيين الطرف الثاني لعدم الوقوع. وذلك مما سبق تقريره [فلا فائدة في الإعادة. والله أعلم (٣)]

__________________

(١) من (ت)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ت)

١٩٤

المقالة التاسعة

في

الوجوه المستنبطة

في هذا الباب من الزمان

١٩٥
١٩٦

في

الوجوه المستنبطة

في هذا الباب من الزمان

فالحجة الأولى : أن يقال : البارئ والعالم. إما أن يقال : إنهما وجدا معا ، أو يقال: العالم متأخر عن البارئ بمدة غير متناهية ، أو متأخر عنه بمدة متناهية. والقسم الأول والثاني باطلان (١) فتعين الثالث.

وإنما قلنا : إن القسم الأول باطل. إذ لو كان البارئ والعالم معا ، لزم أن يكونا معا قديمين (٢) أو يكونا معا محدثين. وإنما قلنا : إن القسم الثاني باطل. لأن المتقدم على المحدث بمدة متناهية ، يكون محدثا. فيلزم حدوث البارئ. فبقي الثالث وهو أن يقال : البارئ متقدم على العالم بمدة غير متناهية ، فهذا يوجب القول بأن تلك المدة التي بسببها تقدم البارئ على العالم ، تقدما لا نهاية له تكون قديمة. فهذا يوجب قدم المدة.

ويمكن ذكر هذا الكلام في تقرير قدم المدة ، بحيث لا يحتاج فيه إلى ذكر قدم العالم. فيقال : لا شك أن البارئ متقدم على الحوادث الحادثة في هذا اليوم ، فإما أن يكون تقدمه عليها بمدة متناهية ، أو بمدة غير متناهية. والأول يوجب حدوث البارئ ، والثاني يوجب قدم المدة. فإن قيل : هذا بناء على أن تقدم البارئ على العالم ، أو على هذا الحادث المعين بمدة، حتى يقال بعد

__________________

(١) باطل (ت)

(٢) قديمين ، وأن يكونا محدثين (ت)

١٩٧

ذلك : إن تلك المدة ، إما أن تكون متناهية أو غير متناهية. وذلك باطل.

فإنه لا يجوز أن يقال : البارئ تعالى متقدم على العالم (٣) بالمدة. والدليل على بطلان هذا القول وجوه :

الأول : إن تقدم الأمس على اليوم ليس بالزمان والمدة. وإلا لزم وقوع المدة في مدة أخرى ، إلى ما لا نهاية له.

وإذا عقل أن يكون تقدم الأمس على اليوم لا بالمدة [فلم لا يعقل أن يكون تقدم وجود البارئ على وجوه العالم ، لا بالمدة؟ (٢)]

الثاني : إن المدة عبارة عن آنات منقضية سيّالة ، فكل واحد من تلك الآنات ، قد كان معدوما ، ثم صار موجودا. وكل ما كان كذلك ، فهو ممكن [وكل ممكن (١)] فله محدث. فلمجموع الزمان (٤) محدث ، هو فاعل مختار. والفاعل المختار لا بد وأن يكون متقدما على مفعوله ، فيكون البارئ متقدما في الوجود على وجود المدة والزمان. وتقدمه على المدة يمتنع أن يكون بالمدة ، وإلا لزم كون المدة : موجودة ، حال كونها معدومة. وذلك محال.

الثالث : إن ماهية المدة متعلقة بالتغير من حال إلى حال. والتغير ماهيته تقتضي المسبوقية بالحال المتنقل عنه فماهية المدة تقتضي المسبوقية بالغير ، وماهية الأزل تنافي المسبوقية بالغير. والجمع بينهما محال.

الرابع : [إن (٥)] الآن الحاضر ما كان موجودا قبل حضوره ، وسيعدم بعد دخوله في الوجود. وكل ما كان كذلك ، فإنه ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته ، فإنه لا يمتنع أن يفنى ويوجد (٦) مثله عقيبه.

__________________

(١) العالم بمده. والذي يدل على بطلان (ت)

(٢) من (ط)

(٣) من (س)

(٤) الزماني (ط)

(٥) من (ط ، س)

(٦) ولا يوجد (ط ، س)

١٩٨

إذا ثبت هذا ، فنقول : إن بتقدير أن يفنى هذا الآن الحاضر ، ولا يوجد بعده آن آخر ، فإنه تكون المدة منقطعة وفانية. ومع هذا التقدير ، فإنه يكون عدم الزمان متأخرا عن وجوده، لا بالزمان. وإلا لزم عدمه عند وجوده. وذلك محال.

فقد عقلنا حصول التقدم والتأخر ، لا بسبب الزمان والمدة.

والخامس : إن المدة والزمان. إما أن تكون في نفسه وذاته من الأمور الدائمة الباقية ، أو تكون من الأمور الحادثة المتبدلة. فإن كان الأول ، فنقول : هذه المدة أمر دائم. ودوامها ليس بسبب مدة أخرى. وإلا لزم التسلسل. فقد عقلناه دواما ، لا بسبب المدة ، وإذا عقل ذلك ، فلم لا يعقل الدوام والاستمرار في سائر الأشياء من غير حاجة إلى فرض زمان ومدة؟ وإن كان الثاني ، فحينئذ يكون كل واحد من أجزاء الزمان ، سابقا على غيره ، أو متأخرا عنه. وذلك التقدم والتأخر ، ليس بسبب المدة وإلا لزم التسلسل.

وإذا عقل ذلك ، فلم لا يعقل حصول التقدم والتأخر في سائر الأشياء ، لأجل المدة والزمان؟

السادس : إن المدة لا يعقل حصولها ، إلا حيث حصل فيه الماضي والحاضر والمستقبل. فالذي يكون مستقبلا ، يصير بعده حالا ، ثم يصير الحال ماضيا. وهذا لا يحصل إلا حيث حصل فيه التغير والتبدل. والبارئ تعالى منزه (١) عن التبدل والتغير ، فامتنع [أن يدخل تحت الزمان ، فامتنع (٢)] أن يكون تقدمه على العالم بالمدة والزمان.

فثبت بهذه الوجوه الستة : أنه لا يجب أن [يكون (٣)] تقدم البارئ على العالم [بالمدة (٤)] والزمان. والله أعلم.

__________________

(١) مبرأ (ط)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ط ، س)

(٤) من (ت)

١٩٩

والجواب : إن هذه الإشكالات بأسرها ، إنما تتوجه على من يقول : الزمان عبارة عن مقدار الحركة ، وأنه حالة منقضية سيّالة ، وتحصل فيها آنات متعاقبة. ونحن لا نقول : بشيء [من ذلك (١)] بل الحق : أن المدة في ذاتها : جوهر باق ، [فإن (٢)] لم يقارنه شيء من الحوادث ، فهناك حصل الدوام الواحد ، والاستمرار الواحد ، من غير [فرض (٣)] تبدل أحوال ، ومن غير حصول تغير صفة. وذلك هو [المسمى بالدهر (٤)] والأزل والسرمد. وأما إن قارنه حدوث الحوادث المتعاقبة المتلاصقة ، فحينئذ يحصل هناك بسبب حصول تلك الحوادث المتعاقبة ، مع وجود تغيرات في نسب ذلك الشيء ، وفي إضافاته الخارجة عن ماهيته. فلهذا السبب يظن في ذات المدة : أنه أمر سيّال منقض. وليس الأمر كذلك ، وإنما السيلان والتقضي يحصلان في نسب ذلك الشيء ، وإضافاته العارضة لجوهره. وعلى هذا المذهب ، فالأسئلة بأسرها ساقطة.

واعلم أن أصحاب «أرسطاطاليس» يحتجون على قدم الزمان. ثم لما كان مذهبهم : أن الزمان مقدار الحركة ، لا جرم أمكنهم أن يستدلوا بقدم الزمان على قدم الحركة ، وبقدم الحركة على قدم الجسم.

فإذا (٥) قلنا المدة والزمان : جوهر قائم بنفسه ، وأنه ليس من لواحق الحركة ، فحينئذ لا يمكن الاستدلال بقدم المدة على قدم الحركة [والجسم (٦)] فلتكن هذه الدقيقة معلومة.

ثم نرجع إلى بيان الجواب عن السؤالات المذكورة : أما قوله : «لا نسلم أن تقدم البارئ [تعالى (٧)] على العالم يكون بالمدة» قلنا : الدليل

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (ت)

(٣) من (ط)

(٤) من (ت)

(٥) أما إذا (ط ، ت)

(٦) من (ط ، ت)

(٧) من (ط ، ت)

٢٠٠