المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣١
  نسخة غير مصححة

تحصل في ذاته عين الحرارة [بل نقول] (١) تحصل في ذاته مثال الحرارة [وشبحها (٢)] وصورتها ورسمها. كما [أنا] (٣) إذا نظرنا في المرآة ، فإنه يحصل فيها : مثال المرئي وشبحه وصورته ، لا عين ذاته. ثم نقول : سلمنا أنه لا بد وأن يكون ذلك المعلوم موجودا في الخارج. فلم لا يجوز أنه حصل في الخارج من كل ماهية : صورة كلية ، مجردة قائمة بنفسها؟ وهذا هو الذي نقل عن [الحكيم (٤)] الإلهي «أفلاطون» أنه كان يثبت لكل ماهية مثالا كليا ، قائما بالنفس ، مجردا عن التغيرات. وعلى هذا التقدير فإنه يكفي في حصول العلم بالماهيات ، وحصول هذه المثل في الخارج. ولا حاجة إلى القول : بإثبات هذه الأعيان في الخارج. ثم نقول : هب أن قائلا يقول : كان العلم موجودا مع الله في الأزل. إلا أنه لا نزاع في أن هذه الحوادث اليومية ، ما كانت موجودة في الأزل. مع أنه سبحانه كان في الأزل عالما بها. فما ذكرتموه في الجواب عن هذه الحوادث اليومية ، فهو جوابنا عن العلم بكلية العالم [والله أعلم (٥)].

والجواب :

أما النقض بالمحالات. فالجواب عنه (٧) من وجهين :

الأول : إنا لا ندعي أن كل ما كان معلوما ، وجب أن يكون موجودا. بل ندعي أن المعلوم لا يكون معلوما ، إلا إذا كان في نفسه واقعا على الوجه الذي باعتباره كان معلوما. فإن كان المعلوم عدما ، وجب أن يكون ذلك المعلوم في نفسه عدما. وإن كان وجودا ، وجب أن يكون في نفسه وجودا. إذ لو لم يكن الأمر كذلك ، لما كان العلم مطابقا للمعلوم. فحينئذ يكون جهلا لا علما. إذا ثبت هذا فنقول : إذا علمنا أن شريك الإله ممتنع ، فههنا المعلوم هو كون شريك الإله ممتنعا ، فوجب أن يكون شريك الإله ممتنعا في نفسه ، حتى

__________________

(١) من (ط)

(٢) من (ت)

(٣) من (ت)

(٤) من (ت)

(٥) عنها (ط)

١٦١

يكون العلم المتعلق به [علما] (١) مطابقا [للمعلوم] (٢) فكذلك إذا علمنا أن السواد ما هو؟ وأن البياض ما هو؟ وأن الفلك ما هو؟ وأن العالم ما هو؟ فهذا العلم لا يكون علما إلا إذا كان السواد في نفسه سوادا ، وإذا كان البياض في نفسه بياضا ، وكان الفلك في نفسه فلكا ، وكان العالم في نفسه عالما. إذا لو لم يكن كذلك ، ما كانت الصورة الذهنية مطابقة للأمر الخارجي. وذلك في كون [تلك] (٣) الصورة علما ، وتوجب كونها جهلا.

إذا ثبت هذا ، فنقول : حصول هذا الامتياز في النفي المحض ، والعدم الصرف : محال. فهذه المعلومات المتميزة أمور موجودة ، ولما [لم] (٤) تكن موجودة في الأذهان ، وجب كونها موجودة في الأعيان. وذلك يدل على أن قدم العلم بالأشياء ، يدل على قدم تلك المعلومات.

الوجه الثاني في الجواب : الحكم على الشيء بالوجوب تارة ، والإمكان ثانيا ، وبالامتناع ثالثا : اعتبارات ذهنية لا حصول لها في الأعيان [بل في الأذهان] (٥) بخلاف ما إذا عقلنا : أن الفلك ما هو؟ وأن العالم ما هو؟ فإن هذه المعلومات موجودات في الأعيان ، وليست اعتبارات ذهنية. فظهر الفرق بين البابين [والله أعلم] (٦)

قوله : «لم قلتم (٧) : إن المعلوم يجب كونه متميزا عن غيره»؟

قلنا : هذه المقدمة بديهية. لأن العلم بالشيء [إن (٨)] لم يميز بين ذلك المعلوم وبين غيره ، كان غافلا عنه ، من حيث إنه هو. ومن كان كذلك ،

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (س)

(٣) من (س)

(٤) من (س)

(٥) سقط (ط)

(٦) من (ت)

(٧) علمتم (ت)

(٨) من (س)

١٦٢

امتنع كونه عالما بذلك الشيء. أما إذا علمنا أن لنا أختا من الرضاع في هذه البلدة ، وإن كنا لا نعرفها بعينها ، فهذا لا يصلح أن يكون نقضا على ما ذكرناه [وذلك (١)] لأن هاهنا المعلوم : وجود شخص من الأشخاص الإنسانية ، موصوف بكونه أختا من الرضاع. فهذا القدر ، هو المعلوم. وهذا المعلوم متميز عن سائر المعلومات. فأما أن ذلك الشخص من هو؟ فغير معلوم. فظهر : أن القدر الذي هو معلوم ، فهو متميز. والذي هو غير متميز ، فهو غير معلوم.

قوله : «لم لا يكفي في حصول العلم الأزلي ، حصول الامتياز في المعلومات في لا يزال»؟ قلنا : هذا ظاهر الفساد. لأن العلم يجب أن يكون مطابقا للمعلوم ، وإلا لكان جهلا. وعلى هذا التقدير ، فيمتنع كون العالم (٢) عالما بامتياز ذلك المعلوم عن غيره ، إلا إذا كان ذلك المعلوم ممتازا عن غيره. فلما كان كون المعلوم ، ممتازا عن غيره ، شرطا لتعلق العلم بامتيازه عن غيره ، وثبت أن الشرط متقدم على المشروط في الرتبة ، امتنع أن يكون حصول الامتياز في المعلومات ، متأخرا عن تعلق العلم بهذا الامتياز.

فإن قالوا : إنه تعالى لا يعلم في الأزل : أن السواد متميز عن البياض في الحال [بل يعلم (٣)] أن السواد إذا وجد في لا يزال ، فإنه عند وجوده [يكون (٤)] متميزا عن البياض عند وجوده ، وعلى هذا التقدير فيسقط الإشكال».

فنقول : هذا لا يدفع الإشكال ، لأن العلم بأن السواد (٥) سيوجد في لا يزال : حكم على السواد. والحكم على الماهية المخصوصة ، مشروط بكون

__________________

(١) من (س)

(٢) العلم علما (ط)

(٣) من (ط)

(٤) من (س)

(٥) بالسواد (ط)

١٦٣

المحكوم عليه : متصورا. لأن التصديق مسبوق بالتصور لا محالة. ينتج : أن الحكم على السواد بأنه سيوجد : مسبوق بتصور هذه الماهية لا يتم إلا بعد العلم بامتياز هذه الماهية عما سواها. فلو كان حصول هذا الامتياز موقوفا على دخولها في الوجود ، لزم الدور. وهو محال.

أما قوله في السؤال الرابع : «لم قلتم : إن حصول الامتياز في النفي المحض : محال».

قلنا : هذا السؤال مدفوع من وجهين :

الأول : إنه لا معنى لكون هذه الحقيقة ، ممتازة عن تلك الحقيقة الأخرى ، إلا أن هذه الحقيقة في نفسها ، ليست مثل الحقيقة الأخرى. فما لم يكن ذلك الشيء في نفسه حقيقة من الحقائق ، ومخالفة لسائر الحقائق ، لم يكن الامتياز [حاصلا (١)] وأما السلب المحض والنفي الصرف ، فهو الذي لا يكون في نفسه حقيقة ولا ماهية أصلا. فيثبت : أن كونه نفيا محضا ، ينافي حصول الامتياز.

الثاني : هب أنه يعقل الامتياز والاختلاف في النفي المحض والسلب الصرف ، إلا [أنا] (٢) نعلم بالبديهة أو حقيقة العالم والفلك والإنسان ، والفرس : ليست سلوبا محضة ، وإعداما صرفة. بل هذه الحقائق [حقائق (٣)] متعينة ، وماهيات متمايزة. وكل واحد منها يخالف الحقيقة الأخرى بتعينها وتميزها ، العلم بأن الأمر كذلك علم ضروري. فزال هذا السؤال.

وأما السؤال الخامس : وهو قولهم : «لم لا يجوز أن يقال : إن هذه الحقائق معدومة، ومع أنها معدومة فهي أشياء وحقائق؟.

فنقول : هذا أيضا مدفوع من وجهين :

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (س)

١٦٤

الأول : إن القائلين بأن المعدوم شيء ، لا يقولون : الفلك من حيث إنه فلك ثابت في العدم ، والجبل من حيث إنه جبل في العدم. إنما يقولون : ذلك في الماهيات البسيطة ، كالسواد والبياض والجوهر.

والثاني : إنكم سلمتم : أن هذه الماهيات ثابتة في أنفسها ، خارج الأذهان. فلا معنى للوجود إلا ذلك. والذي يدل على ما قلناه : أن هذه الماهيات بتقدير أن تكون ثابتة في أنفسها ، متقررة في حقائقها ، فإنها متشاركة في كونها متقررة [محصلة (١)] خارج الذهن ، ومختلفة بخصوصياتها. وما به المشاركة غير ما به المخالفة. فيلزم : أن يكون كونها ثابتة في أنفسها متقررة (٢) في حقائقها : أمرا زائدا على كل ما لكل واحد منها من الحقيقة المخصوصة. فيثبت : أن هذه الماهيات بتقدير أن يقال : إنها متقررة في أنفسها ، فإنها لا بدّ وأن تكون موصوفة بصفة الوجود.

وأما السؤال السادس : وهو قوله : «لم لا يجوز أن تكون هذه المعلومات صورا ذهنية»؟ فالجواب : [ما ذكرنا] (٣) [وهو] (٤) أنه لو كان كذلك ، لكان العالم بالاستقامة والاستدارة : مستقيما مستديرا. وهو محال.

أما قوله : «المرتسم في الذهن صورة المعلوم ومثاله» قلنا : هذا باطل ، وذلك لأن المعلوم هو [تمام] (٥) تلك الماهية. فإذا دللنا على أن ذلك المعلوم لا بد وأن يكون موجودا [ثم قلنا : إنه إما أن يكون موجودا (٦)] في الذهن [أو في الخارج ، فبتقدير أنه يبطل كونه في الخارج ، وجب أن يكون موجودا في الذهن (٧)] فحينئذ يجب أن تكون تلك الماهية بتمامها حاصلة في الذهن ، وحينئذ يعود الإلزام.

__________________

(١) من (ت)

(٢) متصورة (ط ، س)

(٣) من (ت)

(٤) من (ت)

(٥) زيادة

(٦) من (ط ، س)

(٧) من (س)

١٦٥

وأما السؤال (١) السابع : [وهو إثبات] (٢) المثل الأفلاطونية. فالجواب عنه : أن العالم إذا علم كون الجسم ممتدا في الجهات ، حاصلا فيها ، قابلا للحركة والسكون ، موصوفا بالشكل واللون ، فالمعلوم هو الذي يكون موصوفا بهذه الصفات. فهذا الذي سميتموه بالمثل الأفلاطونية ، هل هو موصوف بهذه الصفات أم لا؟ فإن كان موصوفا بهذه الصفات ، كان جسما موصوفا بالحركة والسكون. وذلك هو المطلوب. وإن لم يكن كذلك [بل] (٣) كان موجودا مجردا عن هذه الصفات ، لم يكن هذا الموجود هو ذلك المعلوم. وكلامنا ليس إلا في أن ذلك المعلوم يجب أن يكون موجودا.

وأما السؤال الثامن : وهو نقض هذا الدليل بالحوادث اليومية. فنقول : إن جمهور الفلاسفة ينكرون وجود هذا العلم المتغير الزماني ، فلا يكون هذا النقض واردا عليهم. وأيضا : فإذا سلمنا حصول هذا العلم إلا أنا نقول : الفرق ظاهر. وذلك لأن الذي ادعيناه ، هو أن تصور الماهيات مشروط بحصول تلك الماهيات ، فوجب من قدم العلم بهذه الماهيات ، قدم هذه الماهيات. فأما الحكم (٤) بأن الماهية الفلانية ستحصل غدا ، فإنه لا يتوقف على حصول تلك الماهية في الحال. وإلا لزم التناقض [فظهر الفرق (٥) والله أعلم.

__________________

(١) القول (ت)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ط)

(٤) فالحكم (ط)

(٥) من (ت)

١٦٦

المقالة السابعة

في

الوجوه المستنبطة من العلة المادية

وهي كون العالم ممكن الوجود لذاته

١٦٧
١٦٨

في

الوجوه المستنبطة من العلة المادية

وهي كون العالم ممكن الوجود لذاته

وهي أمور :

الحجة الأولى : لو كان العالم حادثا ، لكان قبل حدوثه ، إما أن يكون واجبا لذاته [أو ممتنعا لذاته] (١) أو ممكنا لذاته. والأول يقدح في كونه محدثا. والثاني يقتضي أنه انتقل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي. وإنه محال. والثالث يقتضي أنه كان قبل حدوثه ممكن الوجود لذاته.

فنقول : هذا الإمكان إما أن يكون صفة راجعة إلى ذاته المخصوصة ، وإما أن يقال: إنه لا معنى لهذا الإمكان إلا مجرد أن القادر [قادر (٢)] على إيجاده وتكوينه. والثاني باطل. لأن القادر يمكنه إيجاد الممكنات ، ولا يمكنه إيجاد الممتنعات ، فلولا امتياز الممكن عن الممتنع بأمر عائد إليه ، وإلا لما كان [كون (٣)] القادر قادرا على إيجاد الممكن ، أولى من كونه قادرا على إيجاد الممتنع. فيثبت [أن] (٤) كون الممكن ممكنا : عبارة عن صفة عائدة (٥) إليه.

__________________

(١) من (ط)

(٢) من (س)

(٣) من (ت)

(٤) من (ط ، س)

(٥) من (ط)

١٦٩

فنقول : هذه الصفة إما أن تكون سلبية أو ثبوتية. والأول باطل ، لأن الشيء إما أن يكون ممتنع الثبوت ، أو ممكن الثبوت بالإمكان العام. والامتناع عدم محض. إذ لو كان صفة ثبوتية ، لكان الموصوف بتلك الصفة أولى بأن يكون ثابتا ، فيلزم أن يكون ممتنع الثبوت لذاته ، واجب [الثبوت] (١) لذاته ، وهو محال ، وإذا ثبت أنه لا واسطة بين الامتناع ، وبين الإمكان العام ، وثبت أن الامتناع [ليس (٢)] صفة ثبوتية ، وجب أن يكون الإمكان العام صفة ثابتة. ضرورة أنه لا بد وأن يكون أحد النقيضين : أمرا ثابتا. فيثبت : أن الإمكان أمر عائد إلى الممكن ، مغاير لكون القادر متمكنا من إيجاده ، وثبت : أنه صفة ثبوتية ، وثبت: أنه سابق على وجود المحدث. فتلك الصفة لا بد لها من محل موجود ، وذلك المحل الموجود هو هيولى ذلك المحدث ومادته. فإنه لا معنى للهيولى إلا الذي حصل فيه إمكان حدوث تلك الصورة. فيثبت : أن كل محدث فإنه مسبوق بهيولى ، ومادة. فنقول : تلك الهيولى والمادة إما أن يكون متحيزا وإما أن لا يكون كذلك. فإن كان متحيزا فهو الجسم ، فهيولى الجسم جسم ، والهيولى قديمة. فالجسم قديم.

وإن لم يكن متحيزا ، فنقول : هذا باطل من وجهين :

الأول : إنه يلزم أن يكون البعد والامتداد حالا في محل ، لا حصول له في الحيز والجهة أصلا. وذلك محال.

والثاني : إن هذه الهيولي لو صح القول به ، فإن الفلاسفة أقاموا الدليل على أنه يمتنع خلوها عن الجسمية. وحينئذ لزم من قدم الهيولى ، قدم الجسم. فهذا تمام القول في تقرير هذه الشبهة.

واعلم أن الكلام على هذه الحجة : أن يقال : لا نسلم أن الإمكان صفة موجودة. ويدل عليه وجوه :

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (ت)

١٧٠

الأول : لو كان الإمكان موجودا ، لكان صفة للممكن ، وصفة الشيء مفتقرة إليه ، والمفتقر إلى الممكن. فيلزم : أن يكون للإمكان ، إمكان آخر ، لا إلى نهاية. وهو محال.

الثاني : وهو أن المحدث مسبوق بإمكان الوجود. فذلك الإمكان لو كان صفة موجودة ، لكان إما أن يكون قائما به أو بغيره ، والأول محال. لأنه يلزم قيام الموجود بالمعدوم. والثاني [محال (١)] لأن إمكان الشيء صفة قائمة به ، وصفة الشيء يجب أن تكون حاصلة فيه ، ويمتنع حصوله في غيره.

والثالث : إن كون الممكن ممكنا ، سابق على كونه موجودا ، لأنه ممكن لذاته ، وموجود بغيره. وما بالذات قبل ما بالغير. فاتصاف الماهية بالإمكان ، سابق على اتصافها بالوجود. فلو كان الإمكان صفة موجودة ، لزم أن يكون (٢) اتصافه بوجود غيره ، سابقا على كونه في نفسه موجودا.

الرابع : إنه لا معنى للإمكان ، إلا قابليته للوجود. ولو كانت قابلية الوجود ، صفة موجودة ، لكانت قابلية تلك القابلية زائدة عليها. ولزم التسلسل.

الخامس : إن تلك الهيولى ممكنة لذاتها ، فيلزم افتقار ذاتها (٣) إلى هيولى أخرى. لا إلى نهاية. وهو محال.

أجابوا عنه : بأن الافتقار إلى الهيولى إنما يحصل للمحدث ، وذلك لأنه لما كان محدثا ، امتنع قيام إمكانه به. فلا بد من شيء آخر ، ليكون محلا لإمكانه. أما القديم فإن وجوده يكفي في أن يكون محلا لإمكانه ، فلا حاجة [به] (٤) إلى الهيولى.

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) أن يكون اتصاف الشيء بوجود غيره سابقا (ت)

(٣) إمكانها (ط)

(٤) من (ت)

١٧١

وأجيب عن هذا الجواب : بأن ثبوت الإمكان للممكن. واجب لذاته. ووجوده شرط لكونه موصوفا بهذا الإمكان الموجود. وما كان شرطا لما كان واجبا لذاته ، [فهو أولى أن يكون واجبا لذاته] (١) فيلزم كون الهيولى واجبة لذاتها.

واعلم أن من المتقدمين من التزم ذلك. وقال : ثبت أن الجسمية يمتنع حلولها في محل.

فالجسم ذات قائمة بنفسها ، فلو كان ممكنا ، لكان محل إمكانه إما يكون نفس ذاته، أو شيئا آخر يكون له كالهيولى ، والأول محال. لأن الممكن ممكن لذاته لا لغيره. وكون ذاته موجودة ، شرط لكونها قابلة لذلك الإمكان ، وما كان شرطا لما يكون واجب الثبوت لذاته ، فهو أولى أن يكون واجبا لذاته ، فيلزم أن يقال : الممكن لذاته ، واجب لذاته. وهو محال. والثاني أيضا : محال ، لأنه على هذا التقدير تكون الجسمية مفتقرة إلى الهيولى. وقد دللنا على أن ذلك محال. وأيضا : فبتقدير أن تكون مفتقرة إلى الهيولى ، فتلك الهيولى إن كانت ممكنة ، افتقرت إلى هيولى أخرى. ويمر ذلك إلى ما لا نهاية له ، وهو محال. وإن انتهت بالآخرة إلى هيولى غنية عن هيولى أخرى ، فحينئذ يسقط هذا الاحتمال.

واعلم : أن هذه الشبهة قوية ، لو ثبت أن الإمكان صفة موجودة ، إلا أن الكلام فيه ما تقدم [والله أعلم] (٢)

الحجة الثانية : العالم ممكن الوجود في الأزل ، فوجب أن يكون واجب الحصول في الأزل. أما بيان المقام الأول ، فهو أنه لو كذب قولنا : إنه ما كان ممتنع الوجود لذاته في [الأزل (٣)] صدق نقيضه ، وهو أنه كان ممتنع الوجود في الأزل ، فيلزم أن يقال : إنه انتقل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي. وقد بينا بالدلائل الكثيرة : أن ذلك محال. فيثبت بما ذكرنا : أن العالم ما كان ممتنع

__________________

(١) من (ط)

(٢) من (ت)

(٣) من (ط ، س)

١٧٢

الوجود في الأزل ، بل كان صحيح الوجود في الأزل. وأما بيان أنه متى كان كذلك ، لزم أن يكون موجودا في الأزل : فلأن كل ما لا يكون موجودا في الأزل ، استحال (١) عقلا أن يكون عدمه أزليا. فإن غير الأزلي يمتنع عقلا أن ينقلب (٢) أزليا.

وهذا الكلام يستدعي مزيد تقرير فنقول : الذي لا يكون حاصلا قسمان : أحدهما :

الذي لا يكون حاصلا مع أنه يمكن أن يصير حاصلا. وذلك مثل الجسم الذي لا يكون متحركا (٣) ، فيصير بعد ذلك متحركا.

والقسم الثاني : الذي لا يكون حاصلا ، مع أنه يمتنع أن يصير حاصلا وهذا مثل الشيء الذي يصدق عليه : أنه ما كان أزليا. فإن ذلك الشيء يمتنع أن يصير أزليا ، لأن الذي لا يكون أزليا معناه أنه ما كان موجودا فيما مضى [والأزلي هو الذي كان موجودا فيما مضى (٤)] فلو قلنا : إن [الشيء (٥)] الذي ما كان موجودا في الأزل ، ينقلب فيصير موجودا في الأزل : كان معنى هذا الكلام : أن الذي كان معدوما في الزمان الماضي ، صار الآن موجودا في الزمان [الماضي] (٦) وذلك يقتضي إيقاع التصرف في الزمان الماضي. وهو محال. فيثبت بهذا التقرير : أن الذي ما كان موجودا في الأزل ، يمتنع أن يصير بعد ذلك موجودا في الأزل. وهذا ينعكس انعكاس النقيض ، وهو أن الذي لا يمتنع أن يكون (٧) موجودا في الأزل [فإنه يجب أن يقال : إنه كان موجودا في

__________________

(١) استحال أن يصير بعد عدمه أزليا (ت)

(٢) يكون (ت)

(٣) فإنه قد يصير (ت)

(٤) من (ط)

(٥) من (س)

(٦) من (س)

(٧) كونه (ط)

١٧٣

الأزل ، فلما (١)] دللنا على أن [العالم لا يمتنع أن يكون موجودا في الأزل (٢)] ودللنا على أن كل ما لا يمتنع أن يكون موجودا في الأزل : وجب أن يكون موجودا [في الأزل (٣) وجب القول بأنه كان موجودا في الأزل. وهذا معنى قول المحققين : «إن الأزلي كل ما صح في حقه : وجب» فإن قالوا : فهذا التقرير الذي ذكرتم قائم بعينه في كل واحد من الصور والأعراض الحادثة ، فيلزم كونها بأسرها أزلية. فنقول : الفرق ظاهر بين البابين. وذلك لأن إمكان كل واحد من هذه الحوادث ، مشروط بوجود الحادث [الذي (٤)] كان متقدما عليه ، فلما كانت هذه الإمكانات مشروطة بهذه الشرائط المخصوصة ، لا جرم امتنع حصول هذه الإمكانات بدون هذه الشرائط. فيثبت : أن إمكان وجود كل حادث ، إنما حصل في ذلك [الوقت (٥)] المقدر المعين. وذلك يقتضي أن يكون كل حادث مسبوقا بحادث آخر ، لا إلى أول. وذلك يوجب عين ما ذهبنا إليه. فهذا تقرير هذه الحجة.

وقد يقررونها من وجه آخر. وهو أنهم قالوا : المخالف يزعم أن كون العالم موجودا في الأزل [محال (٦)] ممتنع. فلما أقمنا الدليل على فساد ذلك القول ، فقد بطل قولهم في ادعاء هذا الامتناع ، وفسد كل ما يحتجون به ، ويعولون عليه في إثبات هذا الامتناع.

الحجة الثالثة : أن قالوا : إنا نبين أن العلوم على قسمين : ضرورية بديهية لا يرتاب العقل فيها ، ولا يفتقر في إثباتها إلى دليل وحجة. ونظرية ، وهي التي تكون محتاجة إلى الدليل [والنظر (٧)] والذي يدل على أن الأمر كذلك : أنا لا نشك في أنا نعلم أمرا من الأمور ، وشيئا من الأشياء. فنقول :

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ط ، س)

(٤) من (ت)

(٥) من (ط ، س)

(٦) من (ط)

(٧) من (ط)

١٧٤

ذلك العلم إما أن يكون نظريا أو بديهيا ، فإن كان الأول ، افتقر ذلك العلم النظري إلى تقدم علوم أخرى عليه. والكلام فيها كما في الأول. ويلزم إما الدور وإما التسلسل ، وهما محالان. فوجب الاعتراف بوجود علوم بديهية ضرورية ، يجب الاعتراف بها [لا لأجل حجة وبينة ودليل ، بل يجب الاعتراف بها (١)] لأعيانها ولذواتها. إذا ثبت هذا فنقول : إذا أردنا أن نعرف أن تلك العلوم البديهية ، ما هي؟ وكيف هي؟ قلنا : إنا إذا عرضنا قضية من القضايا على العقول السليمة ، والطباع المستقيمة ، فإذا رأينا أصحابها مطبقين (٢) على الاعتراف بها من غير شك ولا شبهة ، ومن غير حاجة فيها إلى [ذكر (٣)] دليل وحجة ، فذلك هو العلم [البديهي (٤)] الضروري الأزلي. ويكون جزم العاقل بأمثال هذه القضايا ، غنيا عن ذكر الحجة والبينة والدليل.

إذا عرفت هذه المقدمة ، فنقول : صريح العقل يشهد بأن الشيء لا يحدث إلا عن مادة سابقة. وذلك يوجب قدم المادة. ولا مادة إلا الجسم. ومجموع هذه المقدمات الثلاثة ، يوجب قدم الجسم.

أما بيان المقدمة الأولى ، وهو أن الشيء لا يحدث إلا عن مادة سابقة ، فتقريره من وجوه :

الأول : إنا إذا شاهدنا إنسانا شيخا ، فإن صريح العقل يحكم بأنه ما حدث الآن مع صفة الشيخوخة دفعة واحدة ، بل إنه تولد عن الأبوين ، وكان جنينا ، ثم طفلا ، ثم شابا ، ثم صار الآن شيخا. ولو أن الإنسان تشكك في هذه الحالة ، وخطر بباله أنه لعله حدث الآن دفعة واحدة مع صفة الشيخوخة ، فإن كل أحد يقضي عليه بالجنون والعته. وأيضا : إذا شاهدنا قصرا مشيدا ، وبناء رفيعا ، ثم جوز مجوز [حدوثه (٥)] دفعة واحدة ، من غير سابقة وجود التراب

__________________

(١) من (ت)

(٢) مطبقين متفقين (ط)

(٣) من (ت)

(٤) من (ط)

(٥) من (ط ، س)

١٧٥

والخشب والحجر واللبن. حكوما عليه [بالجنون (١)] وفي أمثلة هذا الباب : كثرة. وكلها [تدل (٢)] على أن صريح العقل شاهد (٣) بأن الشيء لا يحدث إلا من مادة سابقة.

الثاني : إنا إذا رأينا صحراء خالية عن جميع وجوه العمارات ، ثم رأينا أنه [حدث (٤)] فيها قصرا مشيدا ، وبناء رفيعا ، وأنهارا جارية ، وبساتين عامرة. فههنا يقضي العقل بأشياء :

أحدهما : أن يقال : من الذي بناه؟ ومن الذي تولى هذه العمارات؟ وهذا يدل على أن صريح العقل ، حاكم بأنه لا بد للبناء من الباني.

وثانيها : [ويقال (٥)] من أي موضع أجريت هذه الأنهار؟ ومن أي مكان نقلت هذه الأحجار والخشب والآلات التي منها بنيت هذه العمارات؟ ولو أن قائلا قال : إنها إنما تكونت [بنفسها (٦)] ابتداء من غير تقدم حصول هذه الأجسام ، لقضوا عليه بالجنون. وذلك يدل على أن صريح العقل ، حاكم بافتقاره الحادث إلى مادة سابقة عليه.

وثالثها : أن يقال : متى حدث هذا البناء؟ وفي أي وقت حصل؟ ولو أن قائلا قال : إنه حدث لا في وقت ، ولا في زمان ، لقضوا عليه بالجنون. وذلك يدل على أن صريح العقل ، حاكم بأنه لا يتقرر الحدوث إلا في وقت وزمان. إذا عرفت هذا فنقول : حكم صريح العقل إما أن يكون مقبولا أو لا يكون. فإن كان مقبولا ، وجب كونه مقبولا في الكل. فكما وجب الحكم بافتقار الحادث إلى الفاعل ، وجب الحكم بافتقاره إلى المادة والمدة. وإن لم يكن

__________________

(١) من (ط)

(٢) من (ط ، س)

(٣) حاكم (ط)

(٤) من (ت)

(٥) من (ت)

(٦) من (ت)

١٧٦

مقبولا ، وجب أن لا يكون مقبولا أصلا. فأما أن يقبل في البعض دون البعض ، فهو متناقض.

الوجه الثالث في بيان افتقار الحادث إلى المادة : هو أنه لو كان التخليق من العدم المحض والنفي الصرف : ممكنا. لكان هذا النوع من التخليق أكمل وأفضل من التخليق بواسطة تغير المادة في الأحوال والصفات. وترك الأفضل دائما لا يليق بالحكيم العليم. فلو قلنا : إنه تعالى خلق جميع الأجسام ، لا عن مادة ، لوجب أن يحصل تكوين هذه الأشياء التي نشاهدها على هذا الوجه. وحيث لم توجد البتة ، علمنا أن التكوين عن العدم المحض : محال. [والذي (١)] يقرره : أن من أراد بناء قصر أو دار ، فإنه لا (٢) يشتغل بإعداد اللبن والجذوع والمسامير ، لو كان يمكنه إيجاد القصر والدار دفعة واحدة. ولما لم نشاهد البتة تكوين شيء مما شاهدناه عن العدم المحض ، علمنا : أن ذلك في نفسه : محال ممتنع. فيثبت بهذه الوجوه الثلاثة : أن كل محدث ، فلا بد له من مادة سابقة.

وأما المقدمة الثانية : فهي قولنا : إنه يجب أن تكون تلك المادة قديمة. والدليل عليه: أنها لو كانت حادثة ، لافتقرت إلى مادة أخرى ، ولزم التسلسل.

وأما المقدمة الثالثة : وهي أن تلك المادة ليست إلا الجسم. فالدليل (٣) أن نقول : لا شك أن الحامل [للصورة (٤)] والأعراض [المحسوسة (٥)] هو الجسم. فالجسم إما أن يكون قائما بنفسه ، أو يكون له محل. والأول هو المقصود (٦) والثاني [باطل (٧)] لأن محل الجسم ، إن كان مختصا بالحيز ، كان

__________________

(١) من (س)

(٢) لا يستعمل إلا بإعداد (ت)

(٣) الدليل بديهي

(٤) من (س)

(٥) من (ط ، س)

(٦) المعقول (ط)

(٧) من (ط ، ت)

١٧٧

محل الجسم : جسما. وهو محال. وإن لم يكن مختصا بالحيز [فالجسم المختص بالحيز (١)] يمتنع حلوله في موجود غير مختص بالحيز ، والعلم به بديهي. وهذا تمام تقرير هذه المقدمات.

فإن قيل : لا نسلم أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة. والذي يدل على بطلان هذه المقدمة وجوه :

الأول : إن حدوث الشيء عن شيء آخر محال. لأن الشيء الأول إن كان باقيا ، فلم يحدث عنه شيء آخر. وإن لم يبق ، وحدث شيء آخر ، فهذا الشيء حدث عن العدم. وذلك الأول قد عدم ، فلم يحدث عن شيء. فظهر أن حدوث شيء عن شيء آخر: محال باطل.

الثاني : لا شك أن الجسم إذا تحرك بعد سكون ، فلا يمكن أن يقال : حدثت هذه الحركة عن حركة [أخرى (٢)] سابقة عليها. وذلك ظاهر. ولا عن السكون السابق ، لأن الحركة منافية للسكون ، والشيء لا يتكون مما ينافيه. فيثبت أن هذه الحركة حدثت ، لا عن شيء ، بل عن محض العدم.

الثالث : إنه كما يستبعد [حدوث الشيء عن العدم المحض ، فكذلك يستبعد (٣)] حدوث الجسم عن شيء غير متحيز ، وعندكم الهيولى جوهر غير متحيز.

الرابع : إن هذه المادة محل التغيرات ، وكل ما كان كذلك ، فهو حادث على ما سيأتي تقريره فهذه المادة حادثة ، فلو افتقر الحادث إلى المادة ، لزم التسلسل. فيثبت بهذه الوجوه الأربعة : فساد قول من يقول : «الحادث [لا يحدث (٤)] إلا عن مادة سابقة»

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (س)

(٣) من (س)

(٤) من (ت)

١٧٨

السؤال الثاني : هب أن حدوث الشيء عن المادة السابقة : معقول. فلم قلتم : إن الأمر كذلك؟ وتقريره : إنكم إما أن تقولوا : إن هذه المقدمة ضرورية أو نظرية. لا جائز كونها ضرورية. لأن جميع المسلمين القائلين بحدوث الأجسام : اتفقوا على أنها حادثة عن محض العدم ، ولو كان افتقار الحادث إلى المادة السابقة : معلوما بالضرورة ، لامتنع اختلاف العقلاء فيه. وأيضا : فلو جاز لكم ادعاء البديهة في قولكم ، لجاز لخصومكم ادعاء البديهة في قولهم. فقد ظهر بهذا الكلام : فساد ادعاء الضرورة فيه. وأما الدليل. فأنتم ما ذكرتم دليلا في أن كل محدث ، فلا بد له من مادة. فقد سقط هذا الكلام.

ولنتكلم الآن على الوجوه التي ذكرتموها. فنقول :

أما الوجه الأول من الوجوه الثلاثة التي ذكرتموها : فجوابه : إنه لا نزاع في أن من تشكك في أن هذا الشخص الذي نشاهده الآن ، لعله حدث الآن على هذا الوجه. فإنه يقضي عليه بالجنون. إلا أن هذا ، إنما يدل على كوننا قاطعين بأن هذا المعنى لم يقع الآن. فلم قلتم : إنه يدل على كوننا قاطعين بأنه يمتنع وقوعه؟ وتقريره : إن الوقوع غير ، وجواز الوقوع غير ، فنحن قاطعون بعدم الوقوع. فأما ادعاء كوننا قاطعين. بامتناع الوقوع على هذا الوجه ، فهذا ممنوع. فما الدليل عليه؟

وأما الوجه الثاني : فلا نسلم أن حكم العقلاء بافتقار البناء [إلى الباني ، مثل حكمهم بافتقار البناء (١)] إلى المادة والمدة ، والدليل عليه : أن جمهور المتكلمين [قاطعون (٢)] بافتقار البناء إلى الباني ، وقاطعون (٣) بافتقاره إلى المادة والمدة.

وأما الوجه الثالث : فنقول : إنه تعالى فاعل مختار ، فله أن يفعل ما شاء ، كما شاء. فلعله خلق الأجسام ابتداء ، لا عن مادة أصلا ، ثم إنه تعالى

__________________

(١) من (ط ، س)

(٢) من (ت)

(٣) وقاطعوا بعدم افتقاره (ت)

١٧٩

يخلق الحيوان والنبات عن مواد سابقة عليها. وأيضا : فلعل تخليق الحيوان والنبات على هذا الوجه أصلح للمكلفين ، فلهذا السبب اختار الله [تعالى (١)] تخليق هذه الأشياء في هذا العالم على هذا الوجه [والله أعلم (٢)]

والجواب :

أما قوله : «إن حدوث الشيء (٣) لا من الشيء غير معقول» قلنا : المراد من هذه المقدمة هو أنه لا بد من ذات سابقة على حدوث الشيء ، يحصل فيها استعداد حدوثه ، سواء كانت تلك الذوات (٤) قبل حدوث هذه الصفة : موصوفة بصفة أخرى ، أو لم تكن كذلك. وظاهر : أن هذا المعنى معقول ، وغير باطل في بديهة العقل ، بل كأن بديهة العقل شاهدة بصحة هذا المعنى ، فإنه لا بد من سبق وجود الحديد ، حتى يصير فيه استعداد قبول الصورة السيفية [ولا بد من سبق وجود الذهب ، حتى يحصل فيه استعداد قبول الصورة الخاتمية (٥)] ولا بد من سبق الطين حتى يحصل فيه استعداد قبول (٦) الصورة الكوزية.

وأما قوله ثانيا : «إن هذا المعنى منقوض بحدوث الأعراض» فنقول : هذا ضعيف. لأن الاعتماد في تقرير هذه الحجة : على حكم بديهة العقل. فيجب أن نتعرف عن كيفية ذلك [الحكم (٧)] فنقول : إنا إذا عرضنا على العقل : أنه هل حدثت هذه الدار ابتداء ، من غير وجود التراب والخشب والحجر؟ فإنا نجد جميع العقلاء جازمين بامتناعه ، مستبعدين لوقوعه. أما إذا عرضنا على العقل : أنه هل يجوز أن تجتمع هذه الأجسام ، وتحدث فيها الهيئة المخصوصة التي للدار؟ فإنا وجدناهم قاطعين بجواز ذلك. وإذا كان التعويل

__________________

(١) من (ت)

(٢) من (ت)

(٣) الشيء من الشيء (ط ، س)

(٤) الذات (ط)

(٥) من (س)

(٦) حصول (ط)

(٧) من (ت)

١٨٠