المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٣
  نسخة غير مصححة

الفصل التاسع

في

تقسيم الدواعي

وهو من وجوه :

التقسيم الأول : إن الدواعي التي تقع في القلوب على قسمين : منها ما يحصل في القلب بإيقاع العبد ، ومنها : ما يحصل فيه ابتداء بتخليق الله تعالى. والدليل على صحة القول بالقسم الأول : إنا قد نقدر على تغيير الدواعي والبواعث ، فقد يكون الواحد منا راغبا في شيء من الأشياء ، وفي عمل من الأعمال ، ثم إنه يسعى ويجتهد ويزيل عن قلبه تلك الرغبة ، وذلك الميل. وهذا أمر وجداني يجده (١) كل أحد من نفسه. وأما الدليل على صحة القول بالقسم الثاني. فهو إن قدرتنا على تغيير الداعية الحاصلة في القلب ، لا يمكن أن تسبق داعية أخرى ، فلو كانت تلك الداعية أيضا منا ، افتقرنا في تغيير تلك الداعية إلى داعية أخرى. ولزم التسلسل وهو محال. فيثبت : أن الأحوال الحادثة في القلوب ترتقي إلى داعية (ضرورية حاصلة بتخليق الله تعالى ويتفرع عليها داعية ثانية ، ويتفرع على تلك الداعية الثانية) (٢) (دواعي) (٣) بالغة ما بلغت ، ويكون تعلق كل داعية بما قبلها تعلقا واقعا على سبيل الوجوب واللزوم وهذه كلمات (٤) من وفقه الله تعالى للتأمل فيها ، وأزال عن قلبه غشاوة الشبه ،

__________________

(١) يجده (س).

(٢) من (م).

(٣) من (س).

(٤) وهذه كلمات من (س).

٦١

واعتبر حال نفسه اعتبارا صحيحا ، وأن الأمر كما ذكرناه.

التقسيم الثاني للدواعي : اعلم أن الداعي إلى الفعل قد يكون كليا ، وقد يكون جزئيا.

مثال الداعي الكلي : أن يريد الرجل أن يذهب إلى زيارة صديق له ، وكان من داره إلى دار صديقه طرق مختلفة. فإرادة الذهاب إلى دار الصديق إرادة كلية تندرج فيها جزئيات كثيرة ، أعني الذهاب إليه من هذا الطريق ، ومنذ ذلك الطريق ، ومن الطريق الثالث.

ومثال الداعية الجزئية : ما إذا أراد الإنسان أن يحرك إصبعه في هذه اللحظة اللطيفة من هذا الحد المعين ، إلى ذلك الحد المعين. إذا عرفت هذا. فنقول : أما الداعية الكلية فإنها لا تصير مصدرا للفعل الجزئي إلا عند انضمام الداعية الجزئية إليها.

وتقريره : أن عند حصول الداعية الكلية ، فالمحل إما أن يكون قابلا لأنواع (١) كثيرة داخلة تحت ذلك الكلي. وإما أن لا يكون كذلك. فإن كان الأول كانت نسبة تلك الداعية الكلية إلى كل واحد من تلك الجزئيات على السوية. ومتى كان الأمر كذلك امتنع رجحان بعضهما على بعض ، إلا لمخصص زائد ، وإلا لزم ترجح (٢) أحد طرفي الممكن على الآخر، لا لمرجح ، وهو محال.

وأما القسم الثاني : وهو أن تحصل الداعية الكلية. إلّا أن المحل لا يقبل إلا نوعا واحدا من الأنواع الداخلة تحت ذلك الجنس. فمثاله : ما إذا أراد الذهاب إلى لقاء صديقه ولا يمكنه الذهاب إليه (٣) إلا في طريق معين. فنقول هاهنا : الداعية الكلية وهي إرادة الذهاب إلى لقاء ذلك الصديق مع العلم بأنه لا يمكن الذهاب إليه ، إلّا مارا بذلك الطريق يوجبان إرادة جزئية. وهي إرادة

__________________

(١) التصحيح من (س).

(٢) ترجح (م).

(٣) التصحيح من (س).

٦٢

الذهاب إليه في ذلك الطريق (المعين. والدليل عليه : أنه لما أراد الذهاب إليه ، وعلم أنه لا يمكن الذهاب إليه إلا بذلك الطريق) (١) فحينئذ نعلم أنه لا يمكنه تحصيل المطلوب إلا بهذا الطريق المعين. وما كان من لوازم المطلوب كان مطلوبا ، فصارت تلك الإرادة الكلية موجبة لهذه الإرادة الجزئية (٢) فيثبت بمجموع ما ذكرنا : أن الداعية الكلية لا تكون سببا قريبا لحصول الأفعال الجزئية بل لا بد من دواعي جزئية تكون مبادي للأفعال الجزئية.

ثم هاهنا. بحث آخر وهو : أن تلك الإرادة الكلية تصير سببا لحدوث إرادات متعاقبة متوالية. وذلك لأنه لما أراد الذهاب إلى ذلك الصديق ، وعلم أنه لا يمكنه الوصول إلى هذا المراد ، إلا برفع قدم ، ووضع أخرى. فحينئذ تصير تلك الإرادة علّة لحصول إرادة جزئية ، لرفع القدم من ذلك الموضع الذي هو فيه ، ووضعه في مكان آخر أقرب إلى دار ذلك الصديق ، ثم يحدث من تلك الإرادة الكلية إرادة ثانية متعلقة برفع ذلك القدم من ذلك المكان ، ووضعه في مكان آخر ، أقرب من الأول ، وعلى هذا الوجه فتلك الإرادة الكلية وتلك الداعية الكلية تصير سببا (٣) لحدوث إرادة مقتضية لحدوث الخطوة الأولى. وبعد انقضاء تلك الخطوة (تصير تلك الإرادة الكلية بعينها علة لحدوث إرادة ثانية مقتضية لحدوث الخطوة) (٤) الثانية. فالحاصل : إن تلك الإرادة الكلية باقية من أول تلك الحركة إلى آخرها ثم إنها تصير في أول الأمر علة لحدوث الإرادة الجزئية الأولى المتعلقة بالخطوة الأولى. وبعد انقضاء تلك الإرادة الجزئية الأولى تصير (٥) علة لحدوث الإرادة الجزئية الثانية المتعلقة بالخطوة الثانية. فالعلة المؤثرة في تلك الدواعي الجزئية هي تلك الداعية الكلية (٦) إلا أن انقضاء كل إرادة جزئية متقدمة ، شرط لصيرورة تلك الداعية الكلية مؤثرة في حدوث الداعية الجزئية (الثانية. والله ولي التوفيق) (٧).

__________________

(١) من (م).

(٢) الجزئية (م).

(٣) تصير (س).

(٤) من (م).

(٥) تصير (س).

(٦) الكلية (س).

(٧) من (م ، ت).

٦٣
٦٤

الفصل العاشر

في

تحقيق الكلام في تقسيم الدواعي إلى ما يكون

داعية الحاجة. وإلى ما يكون داعية الإحسان

(الداعية : إما تكون داعية الحاجة. وإما أن تكون داعية الإحسان) (١).

واعلم. أن هذا التقسيم هو اللائق بأصول المعتزلة. وعليه فرعوا كثيرا من مباحثهم في علوم الإلهيات. ونقول : قد بينا أنه لا معنى للحكمة والمصلحة والخير إلا اللذة والسرور ، أو ما يكون مؤديا (٢) إليهما ، أو إلى أحدهما. ونقول : العلم بكون الفعل منفعة إما أن يدعوه إلى إيصال تلك المنفعة إلى نفسه أو إلى غيره ، والأول : هو داعية الحاجة. والثاني هو داعية الإحسان ، فههنا الداعي للفاعل إلى فعله مجرد كونه في نفسه حسنا ، ويكون الداعي له إلى تركه مجرد كونه قبيحا. فداعي الحاجة : اعتبار صفة الفاعل ، وهي كونه محتاجا إلى ذلك الشيء. وأما داعية الحكمة : فهي اعتبار صفة الفعل لا اعتبار صفة الفاعل. وأعني باعتبار صفة الفعل ، كونه في نفسه حسنا ، أو كونه قبيحا.

ثم قالوا : وحكم هذين القسمين مختلف لأن قبحه يدعوه إلى الترك على سبيل الجزم. ولا يجوز خلافه. وأما حسنه فيدعو إلى الفعل من غير وجوب. ثم إن انصاف إلى حسنه وجه يقتضي أن يكون فعله أولى من تركه صار هذا الداعي أقوى لكنه لا يبلغ مبلغ الوجوب. فإن انضاف إليه ما يقتضي الوجوب

__________________

(١) من (م).

(٢) مؤديا (م). مفضيا (س).

٦٥

صار في غاية القوة ، (لأنه صار بحيث لا يجوز في العقل تركه ، فهذا تفصيل هذا التقسيم على أصول المعتزلة) (١).

وأما الفلاسفة والمتكلمون الذين ينكرون (القول بتحسين العقل وتقبيحه ، فقد أطبقوا على إنكار داعية الإحسان ، وقالوا : لنا في) (٢) إنكار هذا الكلام مقامان. المقام الأول : البحث عن كون الشيء حسنا في نفسه ، وقبيحا في نفسه ، والمقام الثاني : أنه بعد تلخيص معنى الحسن والقبح. هل يمكن أن يقال : إن العلم به يصلح أن يكون داعيا إلى الفعل؟ أما المقام الأول. فتقريره : إنا بينا أن المنفعة مطلوبة بالذات ، وإن المضرة مكروهة بالذات ، فكل ما أفضى إلى حصول المنفعة الراجحة كان حسنا ، ولا معنى لحسنه إلا كونه كذلك ، وكل ما أفضى إلى حصول المضرة الراجحة كان قبيحا ولا معنى لقبحه إلا ذلك. وإذا ثبت أنه لا معنى للحسن والقبح إلا كونه منشئا للمصالح والمفاسد ، فحينئذ لم يكن اعتبار الحسن والقبح أمرا مغايرا لرعاية المصالح والفاسد ، بل كان هذا عين هذا القسم. وإذا ثبت هذا فنقول : اعتبار أحوال المصالح والمفاسد إنما يصح في حق من يجوز عليه المنفعة والمضرة (٣) ، ولما ثبت أن إله العالم واجب الوجود لذاته ، في ذاته وفي صفاته ، كان النفع والضرر محالا في حقه ، فوجب أن يكون اعتبار معنى الحسن والقبح في أفعاله (٤) محالا.

قالت المعتزلة : الدليل على أن اعتبار الحسن والقبح مغاير لاعتبار كونه مصلحة ومفسدة : أن الشيء قد يكون قبيحا (مع كونه نافعا) (٥) وقد يكون حسنا مع كونه ضارا وذلك يوجب المغايرة. وبيانه من وجوه.

__________________

(١) من (م).

(٢) من (م).

(٣) من (م).

(٤) في أفعاله (ت ، م) في حقه (س).

(٥) من (م ، ت).

٦٦

الأول (١) : أن الظلم نافع للظالم ، مع أن الظالم يشهد صريح عقله بكون الظلم قبيحا.

والثاني : إنا إذا فرضنا إنسانا أنشأ قصيدة غراء بألفاظ فصيحة ، وكتبها بخط حسن. وقرأها بأصوات طيبة ، وكانت تلك القصيدة مشتملة على شتم الملائكة والأنبياء والصالحين. كان سماع تلك الألفاظ الفصيحة والتركيبات الكاملة بتلك الأصوات الطيبة لذيذ ، مع أن صريح العقل يحكم فيها بالقبح.

والثالث : إن الكذب النافع منتفع به ، مع أن صريح العقل ينادي عليه بالقبح.

والرابع : إن من رأى إنسانا مريضا ، أعمى مشرفا على الموت في صحراء ليس فيها أحد ، فإن عقله يدعوه إلى الإحسان إلى ذلك المريض الأعمى (فههنا صريح العقل ، حكم بحسن ذلك الإحسان ، وذلك الإحسان يوجب تنقيص المال وتحمل المشقة في النفس) (٢) فههنا صريح عقله يدعوه إلى فعل ذلك الإحسان إلى ذلك المريض فههنا عقله يدعوه إلى فعل ذلك الإحسان ، وليس له فيه البتة شيء من وجوه النفع. وذلك لأن دفع المال إليه تنقيص للمال ، هو ضرر ، وذلك المريض الأعمى لا يعرفه فلا يطمع هذا المعطي في أن يذكره بالثناء والحمد.

ولم يحضر في تلك الصحراء أحد ، حتى يقال : إنه إنما أحسن إليه لأجل أن الحاضرين يمدحونه. وأيضا : فربما كان هذا المعطى دهريا ينكر الإله والمعاد ، فلا يمكن أن يقال : إنه إنما أقدم على ذلك الإحسان لأجل الرغبة في الثواب.

فههنا العقل حكم بحسن ذلك الإحسان ، مع أنه خالي عن جميع جهات النفع ، فظهر بهذه الوجوه أن حكم العقل بالتحسين والتقبيح مغاير لحكمة طلب المنافع والمضار.

__________________

(١) يريد أن يقول : لا داعي للبحث في الحكمة من وراء الأفعال.

(٢) من (م ، س).

٦٧

وأجاب المنكرون للتحسين وللتقبيح. فقالوا : جميع ما ذكرتم ، يرجع حاصله إلى طلب المنفعة ودفع المضرة.

أما الحجة الأولى : وهي قوله (١) : إن الظالم ينتفع بظلمه مع أن عقله يحكم بقبح ذلك الظلم. فنقول : لو حكم الظالم بحسن الظلم فحينئذ لا يمكنه دفع ذلك الظلم عن نفسه، وحينئذ تصير روحه عرضة للقتل ، وماله عرضة للنهب فيجب عليه في رعاية مصالح(٢) نفسه وماله أن يحكم بقبح الظلم ، حتى تبقى روحه وماله محفوظين عن الهلاك والتلف.

وأما الحجة الثانية : وهي القصيدة الغراء المشتملة على شتم الملائكة والأنبياء. فجوابها : إن الحكم بحسن (٣) ذلك على خلاف مصالح العالم. وبيانه من وجهين : الأول : إنا إذا جوزنا ذلك الشتم والإساءة فحينئذ لا يبقى لأمر الله ـ تعالى ـ ونهيه وقع في القلوب. وذلك يوجب الهرج والمرج ويوثب الأراذل من الخلق على أفاضلهم. والثاني : إن أشرف الموجودات هو الله سبحانه ، وأكثرهم إنعاما على المحتاجين (٤) هو الله تعالى ، فإذا لم تكن إساءة القول فيه ممنوعا منه. فحينئذ لا يمكن التوسل بالفضائل إلى دفع المضار ، وذلك ضد مصلحة العالم.

وأما الحجة الثالثة : وهي قولهم (٥) : الكذب النافع منتفع به ، مع أن العقل يقضي بقبحه. فالجواب : إن تجويز الكذب على خلاف مصلحة العالم ، لأنا إذا جوزنا الكذب فالذي نسمعه قد تنبني عليه أغراض كثيرة في الفعل والترك. فإذا ظهر أنه كان كذبا في تلك الأحوال ، فحينئذ تضيع تلك الأعمال المبنية عليه ، ويضيق قلب ذلك الفاعل ، ويضيع عمره. وكل ذلك على ضد مصلحة العالم.

__________________

(١) دائما ينقد المؤلف القاضي عبد الجبار. ودائما يبدي إعجابه بأبي الحسين البصري.

(٢) مصالح (س).

(٣) بحسن من (م. س).

(٤) على المحتاجين (م ، س).

(٥) مرة يعبر بالمفرد ، ومرة يعبر بالجمع.

٦٨

وأما الحجة الرابعة : وهي الإحسان إلى المريض الأعمى ، الذي يكون في صحراء ليس فيها أحد. فالجواب : أن فيه رعاية المصالح من وجوه :

الأول : إن الإنسان جبل بحيث كل ما يراه في غيره من أبناء جنسه ، فإنه يفرضه في حق نفسه. فلمّا رأى هذا الشخص ذلك المريض على تلك الحالة ، سبق وهمه وخياله إلى فرض تلك الحالة في حق نفسه ، وحينئذ يميل طبعه إلى السعي في تخليصه من ذلك البلاء ، ولو لم يفعل ذلك فإنه يتألم قلبه. فكان إقدامه على ذلك العمل موجبا لدافع الرقة الجنسية عن القلب. وهو مصلحة عظيمة.

والثاني : إن من الأوضاع المعتبرة في حفظ مصالح العالم ترغيب الخلق في الإحسان ، على رجاء أنه لو اتفق له مثل تلك الحالة سعوا في إفاضة الرحمة عليه ، وإذا كان هذا المعنى معتبرا في مصالح العالم ، لا جرم اصطلح الناس على تحسينه وتقبيح تركه.

ولما ألف الناس هذا الاصطلاح وتوافقوا عليه ، واستمروا عليه ، من أول العمر ، إلى آخره ، لا جرم تقررت تلك الأحوال في قلوبهم وعقولهم. فيثبت أن مجموع هذه الوجوه التي ذكروها ، لا تخرج عن رعاية المصالح والمفاسد. إما بواسطة واحدة ، أو بوسائط كثيرة. فيثبت بما ذكرنا : أن الحسن والقبح ، لا معنى لهما إلا السعي في جلب المنفعة ودفع المفسدة. ولما حصل الاتفاق على أن ثبوت هذا الداعي في حق الله تعالى محال. كان القول بإثبات الدواعي المبنية على الحسن والقبح محالا في حق الله تعالى. فهذا تقرير الكلام في هذا المقام.

أما المقام الثاني : إنا إذا سلمنا حصول المغايرة بين جلب (١) المنفعة ودفع المضرة ، وبين كون الشيء حسنا أو قبيحا. نقول : قد ذكرنا أن حاصل الكلام في تفسير داعي الحاجة : السعي إلى إيصال الخير والنفع إلى النفس. وتفسير

__________________

(١) [وبين كون الشيء حسنا أو قبيحا. نقول : قد ذكرنا أن حاصل الكلام في تفسير داعي الحاجة السعي إلى] : سقط (س).

٦٩

داعي الحكمة : السعي في إيصال الخير إلى الغير. إذا عرفت هذا فنقول : إن التجربة تدل على أن السعي في إيصال النفع إلى النفس. وفي دفع الضرر عن النفس يمكن حصوله مع عدم السعي في اتصال النفع إلى الغير ، وفي دفع الضرر عن الغير من غير أن يكون المقصود منه السعي في إيصال النفع إلى النفس ودفع الضرر عن النفس. فهذا مما (١) يثبت عندنا جوازه بالدليل. وتقريره : أن الواحد منا إذا أحسن إلى المريض الأعمى في الصحراء الخالية مع كون ذلك المحسن دهريا ، منكرا للثواب والعقاب ، فله فيه أغراض ومنافع.

أحدها : أنه إذا أتى بذلك العمل ، صار هو عند نفسه ، موصوفا بصفة حميدة. وهي كونه محسنا إلى المحتاجين. وإذا لم يأت بذلك الإحسان ، فإنه يكون عند نفسه موصوفا بالقسوة والغلظة وعدم الرحمة. فالحامل له على ذلك الفعل : تحصيل صفة الكمال لنفسه ، ودفع صفة النقص عن نفسه.

وثانيها : ما ذكرناه في الفصل المتقدم أنه يدفع بذلك الفعل عن قلبه ألم الرقة الجنسية.

وثالثها : إنه لما رأى ذلك الفعل خاليا للمدح والثناء في أكثر الصور. والنادر يلحق بالغالب في الخيال والوهم صارت هذه الصورة ملحقة بذلك الغالب. فأما لو قدرنا انتفاء هذا الأحوال الثلاثة ، فإنا لا نعرف أن ذلك الرجل يحسن إلى ذلك الفقير الأعمى ، بل ربما فعل ، وربما لم يفعل. فيثبت بما ذكرنا : أنه لم يثبت عندنا في الشاهد نوع آخر من الدواعي ، سوى القسم الذي سميتموه بداعية الحاجة. فاما القسم الذي سميتموه بداعية الإحسان ، فلم يثبت بالدليل وجوده في الشاهد البتة.

قالت المعتزلة : هاهنا دليل يدل على صحة هذا القسم. وهو : أنه قد ثبت أن العالم محدث ، وكل محدث فله محدث. فالعالم محدث. ومحدث العالم ليس بجسم ، فوجب أن لا تصح عليه الحاجة. إذا ثبت هذا فنقول : فاعل

__________________

(١) في (م) مما لم يثبت عنده جوازه إلا بالدليل.

٧٠

العالم إما أن يقال : إنه أحدثه لا لداعية أصلا ، أو أحداثه لداعية ، والأول عيب ، وهو نقص ، وهو على الله محال ، فثبت أنه فعله لداعية ، وتلك الداعية : إما داعية إيصال النفع إلى نفسه ، أو داعية إيصال النفع إلى غيره (والأول باطل ، لما ثبت أن الحاجة إليه محال ، فيثبت أنه إنما خلق العالم لداعية [إيصال النفع إلى غيره] (١) ولا معنى لداعية) (٢) الإحسان إلا هذا ، فيثبت بهذا الدليل القاطع : حصول هذا القسم من الدواعي.

هذا منتهى الكلام في هذا الباب.

قالت الحكماء : هذا الكلام منقوض (٣) من وجوه :

الأول : إنا قد دللنا على أن صدور الفعل عن القادر بدون الداعي محال ، وإذا ثبت هذا لزم القطع بأن العبد لا يصدر عنه الفعل إلا مع الداعي ، وتلك الداعية إن كانت من فعل العبد لزم التسلسل. وإن انتهت إلى داعية يخلقها الله تعالى في العبد. فقد بينا : أن عند حصول تلك الداعية يجب الفعل وعند عدم حصولها يمتنع الفعل. فيلزم القطع بأن أفعال العبد معلولات أفعال الله تعالى. وإذا كان الأمر كذلك فخالق العلة ، يكون خالقا للمعلول ، ومريدا له. ومتى كان الأمر كذلك (امتنع أن يقال : إن الشرور غير واقعة بمشيئة الله وبقضائه. وإذا كان الأمر كذلك) (٤) فحينئذ يبطل قول من يقول : إن صدور الفعل عن الله موقوف على حصول داعية الإحسان.

والحجة الثانية : إن كل من فعل فعلا لغرض ، وجب أن يكون بحيث لو لم يوجد ذلك الفعل ، لاختل ذلك الكمال. وإذا وجد ذلك الفعل فقد حصل ذلك الكمال ، وكل من كان كذلك كان ناقصا بذاته ، مستكملا بغيره. وذلك في حق الله ـ تعالى ـ محال. فإن قالوا : إنه تعالى إنما فعل ذلك الفعل ليعود نفع

__________________

(١) سقط (م).

(٢) سقط (ت).

(٣) يمكن أن تقرأ منقوض في (س).

(٤) من (م).

٧١

ذلك الفعل إلى الغير. فنقول : عود النفع إلى الغير ، وعدم عوده إلى الغير ، إن كان بالنسبة إليه على التساوي (امتنع أن يكون ذلك الإحسان مطلوبا له ، لأن الاستواء يناقض الرجحان ، وإن لم يكن على التساوي) (١) فحينئذ يكون أحد الجانبين به أولى ، فحينئذ يعود الإلزام المذكور من كونه ناقصا بذاته ، مستكملا بغيره.

الحجة الثالثة : إن تخصيص إحداث العالم بوقت معين من الأوقات المقدرة التي لا أول لها ، وبحيز معين من الأحياز المفروضة في الخلاء الذي لا نهاية له ، إما أن لا يكون لأجل حكمة يختص بها ذلك الوقت المعين ، وذلك الحيز المعين (٢) ، وإما أن لا يكون كذلك. فإن كان الأول فنقول : الأوقات متشابهة ، والأحياز متشابهة ، فاختصاص ذلك الوقت معين ، وذلك الحيز المعين بتلك الحكمة المعينة واجب أن يكون لأمر آخر ، ويلزم منه التسلسل ، وهو محال. وإن كان ذلك التخصيص بذلك الوقت المعين (وبذلك الحيز المعين) (٣) لا لأمر. فحينئذ يكون هذا اعترافا بأن أفعاله تعالى ، قد وقعت من غير داعية مرجحة ، وإذا انتفى أصل الداعي ، كان انتفاء الداعية المكيفة ـ أعني داعية الأحياز ـ ألزم.

فهذه وجوه مختصرة في إبطال هذا القول. وسيأتي الاستقصاء في ذكر الدلائل على أن تعليل أفعال الله ـ تعالى ـ وأحكامه برعاية المصالح والأغراض قول باطل. والله أعلم (٤).

__________________

(١) من (م).

(٢) المعين (م).

(٣) من (م ، ت).

(٤) والله أعلم من (م ، ت).

٧٢

الفصل الحادي عشر

في

شرح أن العبد كيف يكون فاعلا؟

الذي نذهب إليه ونقول به : إن مجموع القدرة مع الداعية المعينة مستلزم لحصول الفعل.

وقولنا : مستلزم : قدر مشترك بين أن يكون ذلك المجموع سببا معدا لحصول ذلك الفعل (١) وبين أن يكون سببا مؤثرا فيه. ولما كان موجه القدرة والداعي هو الله تعالى ، وثبت أن مجموعهما مستلزم لحصول الفعل ، فحينئذ يكون العبد فاعلا في الحقيقة ، لأن المؤثر في ذلك الفعل هو قدرته وداعيته ، وتكون أفعال العباد واقعة بأسرها بقضاء الله ، ولا يعزب عن سلسلة فضاء الله وقدره مثقال ذرة في السموات والأرض (٢) وبرهانه : أنه ثبت أن رجحان أحد الطرفين يتوقف على المرجح.

وثبت أن ذلك المرجح فعل الله تعالى قطعا. للتسلسل.

وثبت أن حصول الرجحان عند حصول المرجح واجب. وحينئذ يحصل المطلوب.

ولنكتف بهذا القدر هاهنا. فإن الكلام في أفعال العباد ، سنفرد له بابا ، على الاستقصاء. إن شاء الله تعالى.

__________________

(١) ذلك وبين (م).

(٢) في الأصل : قضاء ـ بالقاف ، لا بالفاء.

٧٣
٧٤

الباب الثاني

في

البحث عن الفرق بين القادر ، وبين

الموجب. واستقصاء الكلام فيه

٧٥
٧٦

القادر والموجب

بين الفلاسفة والمتكلمين وأهل الأديان (١)

قال أهل الملل والنحل : المؤثر إما أن يقع مع جواز أن لا يؤثر وهو القادر ، أو يؤثر لا مع جواز أن لا يؤثر ، وهو الموجب فهذا التقسيم يدل على أن كل مؤثر ، فهو إما قادر ، وإما موجب. ثم عند هذا قالوا : القادر هو الذي يصح منه أن يؤثر تارة ، وأن لا يؤثر أخرى ، بحسب الدواعي المختلفة. هذا ملخص الكلام في الفرق بين القادر وبين الموجب.

قالت الفلاسفة (٢) : القول بإثبات مؤثر يكون تأثيره على سبيل الصحة ، لا على سبيل الوجوب : قول مشكل. وبيانه من وجوه :

الحجة الأولى : وهو أن كل شيء نفرضه مؤثرا في أثر. فإما أن يكون كل ما لا بد منه في كونه مؤثرا في ذلك الأثر حاضرا ، وإما أن لا يكون مجموع تلك الأمور حاضرة. فإن كان كل ما لا بد منه حاضرا وجب ترتب الأثر عليه ، لأنه لو لم يجب ذلك لصح تخلف الأثر عنه ، وكل ما كان ممكنا لم يلزم من فرض وقوعه محال. فلنفرض ذلك المجموع تارة مع حصول الأثر ، وأخرى لا مع حصوله.

__________________

(١) القادر والموجب بين الفلاسفة والمتكلمين وأهل الأديان [زيادة].

(٢) هذه مشكلة الموجب بالذات. وهو أن يكون الإله والعالم متلازمان ، مثل : النار إذا وجدت ، وجد معها الإحراق. أي الإحراق لا ينفك عن النار. أي العالم والإله ، معا. وهذا المذهب باطل. والفاعل بالاختيار هو المذهب الحقيقي.

٧٧

فاختصاص أحد الوقتين بحصول الأثر دون الوقت الثاني إما أن يتوقف على انضمام مخصص إليه ، أو لا يتوقف. فإن توقف فحينئذ هذا القيد الزائد أحد الأمور المعتبرة في كونه مؤثرا في ذلك الأثر ، لكنا كنا قد فرضنا أن المجموع الحاصل قبل هذا القيد ، كان كل الأمور المعتبرة في كونه مؤثرا. وهذا خلف متناقض وإما أن لم يتوقف ذلك الامتياز على انضمام قيد إليه ، فحينئذ يلزم ترجيح الممكن المتساوي من غير مرجح وهو محال.

واعلم أن قولنا : كل ما لا بد منه في المؤثرية : دخل فيه كل ما يحتاج إليه في تلك المؤثرية. مثل الوقت الموافق ومثل المصلحة المعينة ، ومثل انتفاء العوائق ، ومثل حصول الآلة. وبالجملة : فقد دخل فيه كل ما لا بد منه سواء كان وجوديا أو عدميا ، وسواء كان صفة من صفاته ، أو كان موجودا.

أما بيان أنه إذا حصل كل ما لا بد منه في المؤثرية ، فإنه يجب حصول الفعل ، وأما بيان أنه إذا فقد قيد من القيود المعتبرة في المؤثرية ، فإنه يمتنع حصول الفعل : فالدليل عليه : أن عند فقدان قيد من القيود المعتبرة في تلك المؤثرية ، إن أمكن حصول ذلك الأثر ، فحينئذ يكون حصول ذلك الأثر غنيا عن ذلك القيد فلا يكون ذلك القيد معتبرا في المؤثرية. لكنا قد فرضنا أن ذلك القيد معتبر في المؤثرية.

هذا خلف. وإن لم يكن ممكن الحصول ، فذلك هو المطلوب. إذا عرفت هذا فنقول: كل مؤثر في أثر. فإما أن يكون مجموع الأمور (١) المعتبرة في كونه مؤثرا في ذلك الأثر حاصلا ، وإما أن لا يكون ذلك المجموع حاصلا. فإن كان ذلك المجموع حاصلا فقد دللنا على أنه يجب صدور ذلك الأثر عنه ، وإن كان ذلك المجموع غير حاصل ، فقد (٢) دللنا على أنه يمتنع صدور الفعل والأثر عنه ، وإذا كان لا حال إلا إحدى هاتين الحالتين ، وثبت أن الحاصل في

__________________

(١) الأمور سقط (م).

(٢) في (س) يمتنع ، بدل يجب.

٧٨

إحدى الحالتين هو الوجوب والحاصل في الحالة الثانية هو الامتناع ، ظهر (١) حينئذ أن التأثير على سبيل الصحة والجواز قول لا يقبله العقل البتة. هذا تمام الكلام في تقرير هذا السؤال.

واعلم أن المتكلمين قولهم في هذا المقام قولان : منهم من سلّم أن الرجحان بدون المرجح محال.

إلا أنهم زعموا : أن عند حصول المرجح يصير الفعل أولى بالوقوع ، إلا أن تلك الأولوية ، لا تنتهي إلى حد الوجوب. ومنهم من قال : إن الرجحان بدون المرجح في حق القادر غير ممتنع ، وضربوا لذلك أمثلة : منها المخيّر بين شرب القدحين ، ومنها المخير بين أكل الرغيفين ، ومنها الهارب من السبع إذا وصل إلى مشعب الطريقين ، فإنه يختار أحدهما دون الآخر ، لا لمرجح (قالوا : ولا بد هاهنا من الاعتراف بإمكان أن يصدر عن القادر أحد مقدورية ، دون الآخر لا لمرجح) (٢) إذ لو وقفنا به على انضمام المرجح إليه وقد ثبت أن عند انضمام المرجح إليه يصير واجب الوقوع فحينئذ يلزم أن لا يبقى فرق بين الموجب وبين القادر ، لكن العلم بهذا الفرق ضروري ، فوجب الاعتراف بأن القادر يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح.

واعلم أن هذين القولين لا مزيد عليهما في الجواب عن ذلك السؤال. لأنه إن ثبت أن القادر لا يصدر عنه الأثر المعين إلا عند انضمام المخصص إليه. وثبت أن عند انضمام المخصص إليه ، يجب الفعل ، فحينئذ يتم السؤال ، ولا يبقى عنه جواب البتة ، فيثبت أنه لا يمكن دفعه إلا بواسطة النزاع في إحدى المقدمتين ، إما أن يقال (٣) إن صدور الفعل عن القادر لا يتوقف (على انضمام المخصص إليه ، وهو قول من يقول : صدور الفعل عن القادر لا يتوقف) (٤) على انضمام الداعي إليه. وإما أن يقال : إنه وإن توقف

__________________

(١) حينئذ سقط (م).

(٢) سقط (ت).

(٣) أن يقال (س).

(٤) من (س).

٧٩

على انضمام الداعي إليه ، إلا أنه لا يصير (١) واجب الوقوع عند حصول ذلك الداعي ، فيثبت أنه لا مزيد على هذين الجوابين ، (إلا أن البحث عن كل واحد منهما قد سبق على الاستقصاء والاستيفاء) (٢) فلا حاجة إلى الإعادة.

وقوله : لو لم نجوز ذلك ، لزم أن لا يبقى فرق بين القادر وبين الموجب ، مع أن هذا الفرق معلوم بالضرورة. فهذا الكلام أيضا قد سبق البحث فيه فلا حاجة إلى الإعادة.

الحجة الثانية : أن نقول : أطبق أهل الملل والنحل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فلا بد ، وأن يعلم أن أي الأشياء يقع ، وأن أيها لا يقع؟

وكل ما علم الله وقوعه. فإنه واجب الوقوع. وكل ما علم عدمه ، فإنه ممتنع الوقوع. والدليل عليه : أن العلم إنما يكون علما ، إذا كان مطابقا للمعلوم. وإذا كان كذلك [فالعلم المتعلق بوجوده ، إنما يكون علما ، متعلقا بوجوه ، إذا كان هو موجدا ، وإذا كان كذلك ، فيكون ذلك العلم علما (٣)] متعلقا بوجوده ، مع كون ذلك الشيء معدوما ، يقتضي الجمع بين النقيضين. وذلك محال. ولما كان كون [علمه علما (٤)] أمرا واجبا ، وكان من لوازم كونه علما ، وجود معلومه ، وعدم عدم ذلك المعلوم. لزم من وجوب ذلك العلم ، وجوب وجود ذلك المعلوم ، وامتناع عدمه. فيثبت : أن وجود ما علم الله تعالى وجوده ، يكون واجب الوجود ، وأن وجود ما علم الله عدمه ، يكون ممتنع الوجود. وهذا يقتضي أن يكون تأثير قدرة الله ، في بعض (٥) الأشياء على سبيل الوجوب ، وفي غيرها على سبيل الامتناع. وذلك يبطل قول من يقول : إن تأثير قدرة الله في الأشياء على سبيل الصحة ، لا على سبيل الوجوب.

__________________

(١) لا يصير (م ، س).

(٢) من (م).

(٣) سقط (س).

(٤) سقط (س).

(٥) بعض من (م).

٨٠