المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٣
  نسخة غير مصححة

أما الجواب عن الحجة الأولى : هو أن يقال : ما المراد من قولكم : إن القادر يجب أن يصح صدور الفعل منه؟

إن أردتم به : أن القادر هو الذي يصح صدور الفعل عنه بمجرد كونه قادرا ، فهذا عين ما وقع النزاع فيه. فإن عندنا مجرد كونه قادرا لا يكفي في صحة صدور الفعل عنه ، بل ما لم ينضم إليه الداعي ، فإنه يمتنع صدور الفعل عنه ، فقولكم : بأن مجرد كونه قادرا ، يكفي في صحة صدور الفعل عنه عين محل النزاع. وإن أردتم به : أن القادر هو الذي لا يصح (١) صدور الفعل منه عند انضمام الداعي إليه ، فهذا مسلم ، إلا أن هذا القدر لا يدل على أن مجرد كونه قادرا يكفي في صحة صدور الفعل عنه ، فيثبت أن هذا الكلام مغالطة محضة.

ومما يقوي هذا الكلام : أنا نقول : لا شك أن الجائز هو الذي يصح وجوده بدلا عن العدم ويصح عدمه بدلا عن الوجود ، ولما استوى وجب الافتقار إلى المخصص فيقال : لما سلمتم أن الجائز يصح عليه الطرفان. فإنه نظرا إلى ذاته ، وعند فرض تلك الماهية خالية عن المؤثر ، وجب أن يصح رجحان وجوده على عدمه ، إذ لو لم يصح هذا الرجحان لقدح ذلك في قولنا : إنه من حيث هو هو يصح عليه كل واحد من الطرفين ، ولما ثبت صحة (٢) حصول هذا الرجحان ، حال عدم المؤثر المنفصل ، علمنا : أن حصول هذا الرجحان ، لا يتوقف على وجود المؤثر المنفصل ، وكما أن هذا الكلام باطل ، فكذلك الكلام (٣) الذي ذكرتموه يجب أن يكون باطلا.

وأما الجواب (٤) عن الحجة الثانية : وهي قولهم : إن من يكون مستغرق الفكر في مهم من المهمات.

__________________

(١) لا يصح (س).

(٢) صحة (م).

(٣) إنها الكلام (م).

(٤) أنها الحجة الثانية (م ، س).

٤١

فقد يحصل تحرك إصبعه في تلك الحالة ، مع أنه يكون غافلا عن تلك الحركة. فقد حصل الفعل من غير الداعي. فالجواب عنه : إنه ما لم يقصد ذلك الفاعل إلى تحريك الإصبع ، فإنه لا يتحرك. فإن قالوا : فهب أن الأمر كذلك ، إلا أنه ليس له في ذلك الفعل منفعة أصلا ، فقد حصل الفعل من غير اعتقاده كون ذلك الفعل راجح المصلحة. قلنا : لا نسلم بل فيه ضرب من اللذة والمنفعة. فلم قلتم : إنه لم يوجد ذلك؟.

وبيانه من وجوه : الأول : إن البقاء على الحالة الواحدة مملول ، فهو يتحرك لتبديل الحالة المملولة. والثاني : إنه ربما اعتاد ذلك الفعل والإتيان بالأمر المعتاد لذيذ ، وتركه متعب مؤلم. والثالث : لعلة تخيل له أن له في تلك الحركة لذة ومنفعة. ثم في الحال تبدل ذلك التخيل بتخيل آخر ، وهو أن الأولى ترك تلك الحركة ، فلا جرم لم يشتغل بتحريك ذلك الإصبع ، إلا في زمان قليل. وكل هذه الاحتمالات ظاهرة جائزة.

وأما النائم فالسبب في حركاته وجوه : الأول : إن النائم حال نومه ، قد يرى أشياء (من الخيالات. وربما) (١) يحسب تلك الخيالات إرادات وكراهات ، فتكون حركاته المختلفة بحسب تلك الخيالات. والثاني : إن طول اضطجاعه على جنبه قد يورث الألم في ذلك الجنب. وقد بينا : أن النوم لا يمنع من حصول الخيالات : فلا جرم ينقلب من أحد الجنبين إلى الثاني لدفع ذلك الألم. الثالث : إن ذلك العمل قد يكون ضروريا ، أو شبيها به. مثل التنفس.

وقال الشيخ أبو علي بن سينا ، في الجواب عن هذه الشبهة : إن التخيل شيء ، والشعور بحصول ذلك التخيل في الحال شيء آخر. وبقاء ذلك التخيل (٢) في الذكر بعد زواله شيء ثالث ، وليس معنا إلا أنا لا نتذكر : أنا كنا

__________________

(١) زيادة.

(٢) التخيل (س).

٤٢

شاعرين بتلك الأحوال حالة النوم ، ولا يلزم من عدم حصول هذا الثالث ، عدم القسمين الأوليين.

وأما الجواب عن الحجة الثالثة : وهي أن الماهر في صنعه الكتابة قد يكتب مع أنه لا يكون متأملا في آحاد تلك الحروف ، فنقول : إنه بسبب المواظبة على الكتابة تحصل في أصابعه ملكة تقتضي سهولة إتيانه بكتابة تلك الحروف ، وكما حصلت هذه الملكة في أصابعه بسبب مواظبته على (الإتيان بتلك الأعمال ، فكذلك حصلت هذه الملكة في خيالاته ، بسبب مواظبته) (١) على استحضار تلك الخيالات ، فلهذا السبب لا يحتاج إلى استحضار صورة كل واحد من تلك الحروف ، بل تلك الحروف (٢) تتعاقب على الخيال ، كما تعاقبت تلك الأفعال على اليد ، فتلك الصور والإرادات حاضرة ، وتلك الخيالات حاصلة إلا أنها لتواليها ولسرعة تعاقبها يظن أنها غير موجودة. وذلك ممنوع.

وأما الجواب عن الحجة الرابعة : فهو أنا نقول : إنا لا نسلم حصول الاستواء ، بل لا بد فيه من حصول الرجحان من بعض الوجوه. مثل أن يكون أخذ ذلك القدح بإحدى اليدين أسهل ، فيأخذ القدح الذي على ذلك الجانب. فإن فرضوا الاستواء من جميع الوجوه، فنقول : لم لا يجوز أن يقال : إنه تحصل في قلبه داعية ضرورية جازمة من قبل الله تقتضي أخذ أحدهما دون الثاني؟.

وأما الجواب عن الحجة الخامسة : أن نقول : الآتي بالحركة البطيئة يعلم أنه أتى بالحركة بوصف كونها بطيئة ، فهو غير غافل عن الأمرين ، بل قاصد إلى تحصيلهما.

وأما الجواب عن الحجة السادسة : فهو أنا سنذكر الفرق إن شاء الله بين القادر ، وبين الموجب بوجوه ، سوى ما ذكرتم. فهذا تمام الأجوبة عن تلك الوجوه. وبالله التوفيق.

__________________

(١) من (م).

(٢) الخيالات (م).

٤٣
٤٤

الفصل السابع

في

تقرير دلائل القائلين بأن الفعل لا يصدر

عن القادر الا عند حصول الداعي

اعلم. أن هؤلاء احتجوا بوجوه :

الحجة الأولى : إن القادر لما كانت نسبته إلى الفعل وإلى الترك على السوية ، فلو رجح أحد الجانبين على الآخر ، من غير مرجح (لكان قد ترجح أحد طرفي الممكن المتساوي على الآخر ، من غير مرجح (١) والعلم الضروري حاصل بفساد ذلك. فإن قالوا : النزاع وقع في أن القادر : هل يمكنه أن يرجح أحد مقدوريه على الآخر ، لا لمرجح؟ ولما ادعيتم أن ذلك معلوم الامتناع بالضرورة فقد ادعيتم العلم الضروري في محل النزاع. فنقول : إن قولكم : القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر ، لا لمرجح. كلام مشتمل على مغالطة لطيفة. وتقريره : أن نقول : هل لقولك (٢) (مرجح) في قولك : القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر (لا لمرجح) (٣) : مفهوم زائد على أصل كونه قادر أم لا؟ فإن كان له مفهوم زائد ، فذلك المقدور إنما ترجح على المقدور الآخر ، لأجل أن هذا المفهوم الزائد انضم إلى أصل كونه قادرا ، فصار مجموعهما مؤثرا في وقوعه ، فعلى هذا التقدير نقول : إنما ترجح هذا الجانب (على الجانب) (٤)

__________________

(١) من (م ، س).

(٢) الكلام في شرح الأصول الخمسة ، وفي المجموع بالمحيط في التكليف ، وفي المغني.

(٣) من (س).

(٤) من (س).

٤٥

الآخر ، لأجل أنه اختص هذا الجانب بذلك المفهوم الزائد ، فقولكم بعد هذا : إن القادر رجح أحد مقدوريه على الآخر ، لا لترجح ، يقتضي الجمع بين النقيضين. وذلك لأن قوله : رجح. أفاد أمرا زائدا على أصل كونه قادرا ، لأجله ترجح هذا الجانب على الجانب الآخر. وقوله : لا لمرجح ، يقتضي نفي هذا الزائد. فيثبت : أن هذا الكلام يوجب الجمع بين المرجح الزائد وبين نفيه. هذا إذا قلنا : إن قوله ترجح ، يفيد مفهوما زائدا على المفهوم من كونه قادرا. وأما إذا قلنا : إنه لا يفيد مفهوما زائدا البتة. فحينئذ لا يكون في ذكر هذا اللفظ فائدة (١) فوجب حذفه ، والاقتصار على كونه قادرا ، وحينئذ يرجع حاصل الكلام إلى أنه قادر على الفعل والترك ، ونسبة قدرته إلى الطرفين على التسوية ، وأنه لم يخص الجانبين (بالإيقاع والترجيح ، ولا بنوع من أنواع التمييز ، ثم إنه إن وقع (ف) أحد الجانبين (٢) ينفيه. وإذا صرحنا بهذا الكلام على هذا الوجه ، فإنه تقضي بديهة عقل كل أحد : أنه كلام باطل فاسد

الحجة الثانية : في بيان أن صدور الفعل عن القادر ، يتوقف على الداعي : أن نقول: لنفرض أن هذا القادر كان قادرا على هذا الفعل مدة ، ولم يصدر عنه ذلك الفعل. ثم بعد ذلك صدر عنه ذلك الفعل. فنقول : إما أن يقال إنه إنما حدث ذلك الفعل في ذلك الوقت دون ما قبله ، لأن هذا القادر أوقعه في ذلك الوقت وما أوقعه فيما قبله. أو يقال : إنه وقع في ذلك الوقت دون ما قبله ، لا لأجل أن ذلك القادر أوقعه فيه ، (بل وقع هو فيه) (٣) لا بسبب أصلا.

أما القسم الأول. فهو يفيد مطلوبنا. وذلك لأنا عللنا وقوعه في ذلك الوقت (بأن ذلك القادر أوقعه في ذلك الوقت) (٤).

فهل لقولنا : أوقعه في ذلك الوقت مفهوم زائد على كونه قادرا أم لا؟ فإن

__________________

(١) فائدة (س).

(٢) من (م).

(٣) من (س).

(٤) من (س).

٤٦

كان له مفهوم زائد ، فهو إنما حدث في ذلك الوقت ، لأجل ذلك الوقت (١). الزائد ، فهو لم يحدث في ذلك الوقت لمجرد القادرية ، بل لأجل انضمام ذلك الزائد إلى أصل القادرية. وإما أن لم يكن لقولنا : أوقعه في ذلك الوقت مفهوم زائد على أصل القادرية ، كان قادرا عليه في أوقات كثيرة ، ولم يتفق وقوع هذا المقدور في تلك الأوقات ، وبقيت تلك القادرية إلى هذا الوقت ، ووقع هذا الفعل في هذا الوقت من غير أن خصه ذلك القادر بالإيقاع في هذا الوقت ، ومن غير أن خصّه بالقصد إلى إيجاده وإلى تكوينه في هذا الوقت ، إلا أن على هذا التقدير لا يكون (وقوع ذلك الفعل في هذا الوقت منسوبا إلى ذلك القادر ، بل يكون (٢) ذلك عبارة عن حدوث ذلك الشيء بنفسه ، فيكون قولا بقطع الفعل (عن الفاعل) (٣)، فيثبت أن القول بأن الفعل يصدر عن القادر من غير الداعي ، يمنع من القول بكون الفعل فعلا للفاعل ، وبكون القادر قادرا عليه. فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إن هذا الفعل لم يقع لهذه القادرية في الأزمنة الماضية ووقع بها في هذا الوقت ، من غير أن اختص أحد الوقتين بأمر زائد؟ فنقول : لا شك أن المفهوم من كون هذا الفعل حركة ، غير المفهوم من وقوع هذه الحركة بذلك المؤثر ، لأنه يصح منا أن نفهم حقيقة تلك الحركة مع الشك في وقوعها ، بهذا المؤثر المعين. ونقول : ذلك المفهوم أمر مغاير لنفس (٤) هذه الحركة ، ومغاير أيضا لنفس المفهوم من القادرية ، لأن كونه قادرا ، قد كان حاصلا في الزمان المتقدم ، مع أن المفهوم من وقوع هذه الحركة به ، ما كان حاصلا. فثبت أن هذا المفهوم مفهوم زائد على ذات الأثر وعلى ذات المؤثر (٥) من حيث إنه قادر.

ولا شك أنه لو لاه لما حصل هذا المقدور ، فيثبت أن مجرد كون القادر قادرا لا يكفي في حصول هذا المقدور منه بعينه ، بل لا بد من أمر زائد ،

__________________

(١) من (س).

(٢) من (س).

(٣) من (س).

(٤) لتعيين (م).

(٥) وعلى ذات القادر (م).

٤٧

وذلك هو الداعي. والله أعلم.

الحجة الثالثة : إن قضية الإمكان والجواز قضية واحدة. فإن كان المفهوم من الجواز والإمكان محوجا إلى المرجح ، فليكن كذلك في كل المواضع ، وإن لم يكن محوجا إلى المؤثر ، فليكن كذلك في كل المواضع. فأما القول بأنه محوج إلى المؤثر في موضع دون موضع ، مع أنا لا نجد في العقل فرقا بين الموضعين ، فذلك مما لا يقبله العقل.

إذا عرفت هذا. فنقول : وافقتمونا على أن الجوهر ، لما جاز حصوله في هذا الحيز (١). بدلا عن ذلك ، وفي ذاك بدلا عن هذا ، فإنه يمتنع رجحان أحدهما على الآخر ، إلا المرجح. وأيضا وافقتمونا على أن الممكن لما جاز وجوده ، وجاز عدمه ، فإنه يمتنع رجحان أحد الجانبين على الآخر إلا المرجح. فكذا هاهنا ، لما كانت القدرة صالحة للفعل والترك ، امتنع رجحان أحدهما على الآخر إلا المرجح. ضرورة أنه لا فرق (في الفصل) (٢) بين هذه الصفة (٣) بأسرها في باب الجواز والإمكان.

فإن قالوا : الفرق بين البابين (٤) أن كون الذات متحيزة ، يقتضي صحة الحصول في كل الأحياز على البدن. وتوقيف التعيين على أمر منفصل لا يفضي إلى المحال. فلا جرم قلنا به. وأما في حق القادر. فإن القول بأن رجحان أحد الجانبين (على الآخر) (٥) يتوقف على أمر منفصل يفضي إلى المحال ، فوجب أن لا نقول به.

وبيان هذا الكلام : إن كون القادر قادرا يقتضي صحة كل واحد من الضدين ، على البدل. فلو حكمنا بتوقف التعيين على أمر منفصل ، لكان عند حصول ذلك الأمر المنفصل يصير القادر موجبا. لأنا سنبين أن الفعل عند حدوث الداعية الجازمة ، يصير واجب الوقوع، لكن القول بأن القادر حال كونه

__________________

(١) الموضع (س).

(٢) في الفصل (س).

(٣) الصور (م).

(٤) الناس (م).

(٥) من (س).

٤٨

قادرا ينقلب موجبا. هذا قول باطل. لأن الفرق بين القادر وبين الموجب معلوم بالضرورة ، من حيث أن القادر يؤثر على سبيل الصحة. والموجب يؤثر على سبيل الوجوب.

وأيضا : فصدور الفعل من القادر (١) يستلزم حصول المدح والذم والثواب والعقاب ، وصدوره من الموجب لا يوجب ذلك. فظهر الفرق. فثبت بما ذكرنا : أن توقيف صحة الفعل عن القادر ، على الداعي يفضي إلى المحال. أما صحة حصول المتحيز في الأحياز المختلفة على سبيل البدل لا يفضي إلى هذا الباطل. لأنا إذا أوقفنا ذلك التعيين (٢) على أمر منفصل ، يوجب حصوله في ذلك الحيز (٣) المعين ، فانه لا يلزم منه محال البتة ، فثبت أنه لا يلزم من توقيف الجائز على المرجح في باب (حصول الجسم في الأحياز المختلفة على سبيل البدل محال ، ومحذور البتة. أما توقيف الجائز على المرجح في باب) (٤) القادر ، فإنه يلزم منه أعظم المحذورات والمحالات وهو انقلاب القادر موجبا.

وهذا غاية ما يمكن أن يقال في الفرق. في هذا الباب.

والجواب : إن هذا الفرق مدفوع. وذلك لأنا كلما علمنا في الشيء أنه يجوز حصوله ويجوز عدمه ، وليس لأحد الطرفين مزية على الآخر بوجه من الوجوه ، قطع عقلنا بأنه رجحان أحد الطرفين على الآخر ، إلا المرجح ، فثبت بهذا : أن العقل حاكم بأن منشأ الحاجة إلى المؤثر المنفصل هو مسمى الإمكان. والجواز.

وإذا كان كذلك ، فأينما حصل الجواز والإمكان وجب أن يحصل الافتقار إلى المؤثر ، وعلى هذا التقدير فالفرق المذكور ساقط. وأيضا : نقول : الجواز من حيث هو جواز : إما أن يكون محوجا إلى المرجح ، أو لا يكون إلا بشرط أن يعلم أنه لا يفضي إلى باطل ومحذور. فإن كان الحق هو الأول لزم من حصول

__________________

(١) الفاعل (س).

(٢) التغير (م).

(٣) المؤثر (س).

(٤) من (س).

٤٩

الجواز (١) أينما كان ، حصول الحاجة ، أينما كانت وهو المطلوب.

(وأما إن قلنا : إن الجواز إنما يحوج إلى المقتضى بشرط أن لا يفضي إلى محذور ومفسدة) (٢) فنقول : هذا باطل لأن أقصى ما في الباب أن نعلم أنه لا يلزم منه المفسدة الفلانية ، والفلانية. فأما أن نعلم أنه لا يلزم منه شيء من المفاسد أصلا ، فذلك مما لا سبيل إليه ، إلا إذا قلنا : إن عدم علمنا بالشيء يوجب علمنا بعدم ذلك الشيء ، إلا أن هذه المقدمة (في غاية الضعف ، وإن وقفنا كون الجواز علة للحاجة إلى المرجح على هذه المقدمة) (٣) لزم بطلان هذا الأصل بالكلية ، فعلمنا أن كون الجواز علة للحاجة لا يعتبر فيه هذا القيد أصلا ، بل وجب الحكم عليه : إما بأنه لا يحوج إلى المؤثر البتة ، أو بأنه يحوج إلى المؤثر على الإطلاق. والله أعلم (٤).

الحجة الرابعة : على أن الفعل بدون الداعي محال.

أن نقول : لو كان مجرد كون القادر قادرا ، كافيا في حصول الفعل ، لامتنع أن يحصل للداعي أثر في الترجيح في شيء من المواضع. وهذا باطل. فذاك باطل. بيان الملازمة : أن الوصف إذا كان مستقلا باقتضاء الأثر ، فإذا انضم إليه شيء آخر ، فقد انضم هذا الزائد إلى شيء كان في نفسه مستقلا باقتضاء الأثر ، وإذا كان كذلك ، فقد وقع الأثر بذلك المستقل ولا يبقى لهذا الزائد فيه أثر البتة ، لأن الشيء الواحد ، لا يكون واجبا لذاته ولغيره معا. ومثاله : أنه لما كان ثقل الحجر مستقلا باقتضاء الهوى. لا جرم لم يبق لكون الحجر أسود ، أو أبيض ، أثر في اقتضاء ذلك النزول ، فكذا هاهنا ، لو كان مجرد كونه قادرا مستقلا باقتضاء الفعل لامتنع أن يحصل للداعية المنضمة إلى القادرية أثر في اقتضاء الفعل ، فيثبت بما ذكرنا أن القادرية لو كانت مستقلة

__________________

(١) الجواز (س).

(٢) من (م).

(٣) من (س).

(٤) من (م).

٥٠

باقتضاء الفعل ، لامتنع أن يكون للداعية أثر في اقتضاء الفعل. وبيان أن الداعية قد يكون لها أثر في الترجيح : أن ذلك معلوم بالضرورة ، فإنا نعلم بالضرورة ، أنا قد ندفع الدرهم إلى الفقير ، لعلمنا بفقره ، ونعلم بالضرورة أنه لو لا هذا الاعتقاد لما دفعنا ذلك الدرهم إليه ، فيثبت أنه لو كانت القادرية مستقلة باقتضاء الترجيح لامتنع أن يكون للداعية أثر في الترجيح ، وثبت أن هذا اللازم باطل ، فوجب أن يكون الملزوم باطلا.

الحجة الخامسة : إن الواحد منا إذا خرج من بيته وذهب إلى زيارة صديق له ، فإذا خطر بباله في أثناء الطريق أنه حصل له مهم في بيته يقتضي رجوعه إلى البيت ، فإذا تقابلت هاتان الداعيتان (وتساوتا ، ولم يحصل لأحد الجانبين رجحان على الآخر ، فإن ذلك الإنسان) (١) يبقى في ذلك المكان ولا يمكنه أن يتحرك إلى أحد الجانبين ، إلا إذا حصل في خياله رجحان لأحد الجانبين على الآخر فإنه عند ذلك الخيال فإنه عند ذلك الخيال يتحرك إلى ذلك الجانب. وإذا كان هذا المعنى مما يجده كل أحد من نفسه ، علمنا أنه ما لم يحصل المرجح في الخيال والعقل فإنه يمتنع حصول الرجحان.

وأيضا : إذا خيّر الإنسان بين شرب أحد القدحين ، وأكل أحد الرغيفين ، فإنه ما لم يتأمل في أنه يأخذ هذا ، أو ذاك ويأكل هذا أو ذاك ، فإنه لا يصدر عنه أحدهما ، ولو لا أنه لا بد من الترجيح ، لما حصل ذلك القدر من التوقف.

وأيضا : فإن الله تعالى لما خير المكلف في باب الكفارات بين الخصال الثلاثة فالمكلف ، لا يقدم على واحد منها بعينه إلّا إذا تفكر وتأمل في أن أيها أسهل عليه ، وأيها أصعب (٢) عليه ، ولو لا أن الرجحان يتوقف على حصول المرجح من بعض الوجوه ، لما كان الأمر كذلك (فيثبت أن العلم بتوقف هذا الرجحان على المرجح علم ضروري) (٣).

__________________

(١) من (م).

(٢) لا تعب (س).

(٣) من (م).

٥١

الحجة السادسة : إنه لم يتوقف الفعل على الداعي ، لزم أن لا يكون الله ـ تعالى ـ مستحقا للحمد والثناء على شيء من أفعاله أصلا ، ويلزم أن لا تدل خلق المعجزات على صدق الداعي أصلا ، ويلزم أيضا : أن لا يدل صدور الكلام من المتكلم على معنى من المعاني أصلا. وكل هذه اللوازم باطلة فذلك الملزوم أيضا باطل.

أما الأول فلأنه إذا جاز أن يصدر الفعل عن القادر ، لا لداعي ، لامتنع أن يقال : إنه تعالى ، وإن خلق الأشياء النافعة إلا أنه خلقها ، لا لداعية أصلا ، وإذا كان كذلك فحينئذ ما خلقها لداعية الإحسان ، لأن داعية الإحسان داعية بكيفية وعند (١) انتفاء أصل الداعي ، لا تكون الداعية المكيفة حاصلة. وإذا ثبت احتمال أنه تعالى ما خلق هذه الأشياء لداعية الإحسان وجب أن لا يستحق على شيء من أفعاله الحمد والثناء. ومعلوم أن ذلك باطل.

ومما يقوي هذا الكلام : (أن الأصل) (٢) في كل أمر بقاؤه على ما كان. والأصل عدم خلق الأشياء لداعية الإحسان. فإذا حصل الخلق ، وكان التقدير أن حصول الخلق لا يتوقف على حصول الداعي ، فيلزم أن تبقى حصول تلك الداعية على العدم الأصلي. وعلى هذا التقدير فإنه يلزم المطلوب. وأما الثاني فلأنه إذا جاز صدور الفعل عن القادر ، لا لداعي ، جاز من الله تعالى أن يخلق المعجزات ، لا لشيء من الدواعي أصلا ، وعلى هذا التقدير فإنه يخرج المعجز عن أن يدل على أنه تعالى إنما خلقه لغرض التصديق ، فحينئذ يخرج المعجز عن كونه دليلا عن الصدق. وأما الثالث فلأنه إذا جاز صدور الفعل عن القادر ، لا لداعي ، فلعل المتكلم بهذه الألفاظ وهذه الكلمات فعلها ، وأدخلها في الوجود ، لا لغرض الإفهام والتعريف. ومع (بقاء) (٣) هذا الاحتمال فإنه يخرج هذا الكلام عن كونه مفيدا ، فيثبت أن القول بجواز صدور الفعل عن

__________________

(١) وعند (س).

(٢) أن الأصل (م).

(٣) من (م).

٥٢

القادر ، لا للداعي ، يلزم منه هذه الأباطيل ، فوجب أن يكون القول به باطلا.

واعلم أن الكلام المعتمد للخصم (١) في هذا الباب أن يقول : صدور الفعل عن القادر من غير الداعي ، إنما يصح في حق الجاهل إما في حق العالم ، فإنه لا يصدر الفعل عنه إلا للداعي. هذا هو الجواب الذي عليه تعويل القوم.

ونحن نقول : هذا باطل من وجهين :

الأول : إن العلم إذا انضم إلى القدرة ، فإن العلم لا يقلب حقيقة القدرة ولا يبطل ماهيتها ، فإذا كان مجرد القادرية صالحا لأن يكون مصدرا للفعل ، وجب أن تبقى هذه الصلاحية أيضا مع العلم (وإذا كان كذلك) (٢) فهذا يقتضي صحة صدور الفعل عن القادر ، العالم ، لا للداعي ، فيثبت أن الفرق الذي ذكروه باطل.

والثاني : إنهم جوزوا الترجيح من غير مرجح في حق العالم ، ألا ترى أنهم جوزوا ترجيح أحد القدحين على الآخر. وترجيح أحد الرغيفين على الآخر ، لا لمرجح مع أن الفاعل في هذه الصور عالم. وأيضا : جوزوا من الله تعالى إحداث العالم في وقت معين دون ما قبله وما بعده ، لا لمرجح. وأيضا : جوزوا من الله تعالى تخصيص كل جوهر فرد بحيز معين، دون سائر الأحياز ، لا لمرجح ، فبطل قولهم : إن صدور الفعل عن العالم (٣) من غير المرجح باطل. وهذا تمام الكلام في هذا الباب. والله أعلم.

__________________

(١) للخصم (م).

(٢) من (م).

(٣) عن الفاعل (م).

٥٣
٥٤

الفصل الثامن

في

بيان أن عند حصول الداعي يجب صدور

الفعل ولا يبقى الجواز البتة

اعلم. أن من الناس من قال : إن عند حصول الداعي يصير الفعل أولى بالوقوع. لكنه لا ينهي تلك الأولوية إلى حد الوجوب. واعلم أن هذا القول باطل. ويدل عليه وجوه :

الحجة الأولى : إن الفعل والترك قبل حصول الداعي كانا في حد التساوي. وقد بينا أنه ما دام هذا الاستواء يكون باقيا ، فإنه يمتنع حصول الفعل فإذا حصلت الداعية الموجبة لرجحان أحد الطرفين ، فعند هذه الحالة صار الطرف الثاني مرجوحا. والمرجوح أضعف حالا من المتساوي ، ولما كان عند حصول الاستواء : ممتنع الحصول ، مستحيل الوقوع ، فعند حصول المرجوحية كان أولى بالامتناع. وإذا صار أحد الطرفين ممتنع الوقوع ، صار الطرف الآخر واجب الوقوع. ضرورة أن الخروج من طرف النقيضين محال ، فيثبت بهذا البرهان. أن الفعل يصير واجب الوقوع عند حصول الداعي.

فإن قيل : إنه إذا حصلت الداعية المرجحة لجانب وجود الفعل ، صار جانب وجوده راجحا. وهذا لا يقتضي ضرورة جانب العدم مرجوحا ، لأن ذلك العدم عدم باقي مستمر (والعدم الباقي المستمر لا يكون التأثير فيه حال بقائه على ذلك العدم المستمر ، فيثبت أن العدم الأصلي نفي) (١) كما كان حال

__________________

(١) من (م).

٥٥

قيام هذه الداعية المرجحة لجانب الوجود. وإذا كان الأمر كذلك امتنع ضرورة ذلك العدم مرجوحا ، بل بقي ذلك العدم راجحا ، كما كان ، نظرا إلى أن الأصل في كل ثابت : بقاؤه على ما كان ، وصار جانب الوجود أيضا راجحا ، بسبب أن المقتضى لحصول هذا الرجحان قد حصل.

والجواب : أن نقول : إن عند حصول الداعية المقتضية للوجود. إما أن يكون قد ترجح جانب الوجود أو لم يترجح البتة ، (فإن لم يترجح البتة) (١) امتنع كون تلك الداعية داعية (٢) إلى الفعل ، لكنا قد فرضناها داعية إلى الفعل. هذا خلف. وإن ترجح جانب الوجود ، وجب أن يصير جانب العدم مرجوحا لا محالة بالنسبة إلى جانب الوجود ، لأن النقيضين لما تقابلا وتعاندا ، كان رجحان أحد الجانبين يقتضي مرجوحية الجانب الآخر بعينه ، فيثبت أن الجانب الأول ، لما صار راجحا ، صار الجانب الثاني مرجوحا. لا محالة. وعند هذا يحصل (٣) المطلوب.

الحجة الثانية : في بيان أن عند حصول الداعية المرجحة ، يصير الفعل واجب الوقوع:

أن نقول : إن عند حصول الرجحان في جانب الوجود ، إما أن يكون العدم ممتنعا أو لا يكون. فإن كان ممتنعا ، فهذا هو المطلوب ، لأن كل ما يمتنع عدمه ، فقد ثبت وجوب وجوده ، وإن لم يمتنع فنقول : كل ما يكون (٤) ممتنعا لم يلزم من فرض وقوعه محال ، فلنفرض عند حصول ذلك الرجحان ذلك الأثر تارة واقعا ، وتارة غير واقع ، فتميز وقت الوقوع ، عن وقت اللاوقوع. إما أن يتوقف على انضمام قيد (٥) زائد إليه (لأجله صار أولى بالوقوع ، أو لا يتوقف.

__________________

(١) من (س).

(٢) داعية (س).

(٣) لا يحصل (س).

(٤) كل ما لا يكون (س).

(٥) من (س).

٥٦

فإن توقف الوقوع على انضمام قيد زائد إليه) (١) فقد كان هذا الشيء قبل انضمام هذا القيد (٢) الزائد إليه ممتنع الوقوع ، فحين حكمنا عليه بأنه كان أولى بالوقوع ، فقد كان ممتنع الوقوع. هذا خلف. وإن لم يتوقف على انضمام قيد إليه. فنقول : نسبة حصول تلك الأولوية إلى الوقتين أعني وقت حصول الأثر ، ووقت عدم الأثر على السوية. حاصلة في الوقتين على صورة واحدة ، وكيفية واحدة ، فاختصاص أحد ذينك الوقتين بالوقوع دون الوقت الثاني ، يكون رجحانا لأحد طرفي الممكن المتساوي على الآخر لا لمرجح.

وذلك محال. لأن هذه المسألة مفرعة على بيان أن القادر لا يصدر عنه الفعل إلا عند حصول الداعية المرجحة. وهذا أيضا برهان قاطع في هذه المسألة.

الحجة الثالثة : إنا بينا أن عند استواء نسبة القدرة إلى الفعل وإلى الترك ، فإنه يمتنع رجحان أحد الجانبين على الآخر.

إذا عرفت هذا. فنقول : إن عند استواء أحد الطرفين لم يوجد ، لا المقتضي للرجحان، ولا المانع منه. وأما عند حصول الداعية المرجحة لأحد الجانبين ، فقد حصل المانع من رجحان الطرف الثاني. لأن رجحان أحد طرفي النقيض كالمانع من رجحان الطرف الثاني. وإذا عرفت هذا فنقول : إن عند حصول الاستواء ، لم يوجد المقتضي ولا المانع. ثم كان حصول الرجحان في هذا الوقت ممتنعا ، فعند حصول رجحان أحد الطرفين لم يوجد المقتضي برجحان الطرف الثاني. وحصل المانع منه. لأنا بينا أن رجحان الطرف الأول مانع من رجحان الطرف الثاني. وإذا كان الشيء عند عدم المقتضي ممتنع الوقوع فبأن يصير عند عدم المقتضي وحصول المانع ممتنع الوقوع كان أولى. وإذا صار هذا الجانب ممتنع الوقوع ، صار الجانب الثاني واجب الوقوع ضرورة أنه لا واسطة بين الوقوع (وبين اللاوقوع) (٣). وهذا أيضا برهان قاطع.

__________________

(١) من (س).

(٢) الزائد (س).

(٣) من (س).

٥٧

الحجة الرابعة : إن (عند) (١) قيام الداعي إلى الفعل يمتنع حصول الترك. وذلك لأنه لو حصل الترك ، لحصل إما للداعي ، أو لا للداعي. والأول باطل ، لأنه عند حصول الداعي إلى الفعل يمتنع حصول الداعي إلى الترك ، وبتقدير أن يحصلا ، يتعارضان فيتساقطان ، ولم يبق الداعي إلى الفعل راجح الوقوع.

وكلا منا فيما إذا بقيت تلك الداعية على صفة الرجحان ، والثاني أيضا باطل ، لأن عند قيام الداعي إلى الفعل ، لو حصل الترك ، لا للداعي أصلا ، لكان قد حصل الرجحان من غير حصول الداعي.

والكلام في هذه المسألة فرع على أن حصول الترجيح يتوقف على حصول الداعي ، ولما ثبت فساد القسمين ثبت أن عند حصول الداعي إلى الفعل (كان الترك محال الوقوع.

واحتج من قال : إن عند حصول الداعي إلى الفعل) (٢) لا يصير الفعل واجبا بوجوه : الحجة الأولى : إن الذي دعا الداعي إلى الفعل ، قد يمكنه أن يغير تلك الداعية ، ولو كان ذلك واقعا على سبيل الوجوب ، لما قدر عليه. وأيضا : فقد تتقابل الدواعي. ومع ذلك فإنه يرجح أحدها. مثل المخير في الكفارات الثلاثة.

والحجة الثانية : إنا قد دللنا على أن الفعل بدون الداعي محال (٣) ، فلو فلنا مع هذا : إن الفعل يصير واجب الوقوع عند حصول الداعي ، فحينئذ لا يبقى فرق بين الموجب وبين المختار. وذلك معلوم البطلان. ولأنه لو لم يبق الفرق (٤) بين الموجب وبين المختار ، وجب أن لا يستحق المختار على فعله المدح

__________________

(١) من (س).

(٢) من (س).

(٣) ممتنع الوقوع (س).

(٤) الفرق (س).

٥٨

والذم والترغيب والترهيب. وأن لا يحسن أمره ولا نهيه ، كما لا يحسن كل ذلك في حق الموجب. ومعلوم أن كل ذلك باطل.

والحجة الثالثة : إنا نعلم بالضرورة حصول التفرقة بين ما إذا كان الإنسان ملجأ إلى الفعل ، وبين ما يكون مختارا فيه. ولو كان الداعي موجبا للفعل لما بقي هذا الفرق. والله أعلم (١).

والجواب عن الحجة الأولى : أن نقول : إن قولكم : إنه لا يمكنه (٢) أن يغير تلك الداعية : كلام ضعيف ، لأن الذي ادعيناه أن عند بقاء تلك الداعية خالية عن القيود وعن المعارض ، فإنه يجب صدور الفعل.

وأنتم ذكرتم أن تلك الداعية قابلة للتغير. وهذا لا يقدح فيما ذكرناه البتة ، لأن قولنا : إن تلك الداعية يمكن تغيرها ، لا يقدح في قولنا : إنها عند حصولها يجب ترتب الأثر عليها ، وأما قوله : إن عند تساوي الدواعي ، فقد يفعل الفاعل الفعل ، فهذا عود إلى المسألة المتقدمة (٣) وهي أن صدور الفعل عن القادر بدون الداعي جائز ، وقد سبق إبطاله.

وأيضا : فهذه المسألة. متفرعة على تلك المسألة. والكلام في الفرع بحيث يوجب فساد الأصل : كلام باطل.

والجواب عن الحجة الثانية (٤) : أن نقول : الفرق بين القادر وبين الموجب حاصل من وجهين : الأول : إن القادر حال (حصول الداعية الجازمة في حقه يجب صدور ذلك الأثر عنه ، مع كونه عالما) (٥) بكونه مصدرا لذلك الأثر ، والموجب ليس كذلك. والفرق الثاني : إن الموجب بالطبع موصوف بصفة واحدة موجبة (لا أثرا واحدا) (٦) ولا تتغير تلك الصفة وتلك الطبيعة

__________________

(١) والله أعلم (م).

(٢) إن قولكم (م).

(٣) الحجة (م).

(٤) الثانية (س).

(٥) من (م).

(٦) من (م).

٥٩

البتة ، ولا يختلف حالها في الإيجاب. وأما القادر حال حصول الداعية الجازمة في قلبه ، فإنه يجب صدور ذلك الأثر عنه ، إلا أن تلك الداعية سريعة الزوال ، سريعة الانقراض والانقضاء، وعند زوال تلك الداعية المعينة يزول ذلك الأثر المعين ، وعند حصول الداعي إلى ضد ذلك الفعل ، يصير مصدر الضد ذلك الأثر. والإنسان إذا جرب نفسه ، واعتبر أحوال فعله وتركه ، علم بالضرورة : أن الأمر كما ذكرناه ، فإنه إذا حصلت الداعية الخالية الجازمة عن القيود ، والمعارض في قلبه ، صار كالملجإ إلى ذلك الفعل. وإذا فرت تلك الداعية ، صار تاركا لذلك الفعل.

وقد ذكر بعض العلماء في هذا المقام كاملا لطيفا ، فقال : إن قال قائل : إني أجد من نفسي أني إن شئت أن أفعل فعلت ، وإن شئت أن أترك تركت. فيكون الفعل مني ، والترك منيّ. ثم أجاب عنه. فقال : يقال لهذا القائل : هب أنك إن شئت الفعل فعلت ، وإن شئت الترك تركت. فهل تجد من نفسك أنك إن شئت مشيئة الفعل ، حصلت مشيئة الفعل ، وإن شئت مشيئة الترك ، حصلت مشيئة الترك ؛ أم لا؟ فإن هذا يوجب التسلسل، بل العقل يجزم بأن هذه الدواعي تنتهي في سلسلة الحاجة إلى داعية تقع في قلبك ، لا لأجل داعية أخرى. وإذا وقعت تلك الداعية في قلبك صرت فاعلا لذلك الفعل لا محالة ، فلا حصول الداعية في قلبك بك. ولا ترتب ذلك الفعل على حصول تلك الداعية بك. فالإنسان مضطر في صورة مختار. فقد ثبت حصول الفرق بين الموجب بالطبع وبين القادر المختار من هذين الوجهين. فإن ادعيت حصول الفرق بينهما من وجه آخر ، فذلك ممنوع.

وأما حصول الأمر والنهي والعقاب والثواب والمدح والذم. فقد ذكرنا الأجوبة عنه في مسألة خلق الأفعال. وبالله التوفيق (١).

__________________

(١) وبالله التوفيق (م).

٦٠