المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٣
  نسخة غير مصححة

وإن كان كثيرا إلا أن السليم أكثر ، فيثبت بما ذكرنا أن جميع مخلوقات الله تعالى واقعة على وجه الحكمة والصواب. وعند هذا قالوا : الخير مراد مرضي به ، والشر مراد مكروه (أما إن الخير مراد مرضي به ، فلأن المقصود من الخلق إنما هو تحصيل الخير ، وأما أن الشر مراد مكروه) (١) فإنه نظرا إلى ذاته من حيث إنه مكروه ، إلا أنه لكونه من لوازم ذلك الخير المطلوب بالذات ، صار مرادا فهو مكروه بالذات ، مراد بالغرض والتبع ، ونظم حكيم الشعراء هذا المعنى فقال :

الشيب كره. وكره أن نفارق

أعجب بشيء على البغضاء محبوب

والمعنى أن الشيب يوجب نقصان القوة والحياة ، فهو مكروه بالذات. إلا أنه لما امتنعت حصول الحياة إلا مع حصوله ، وكانت الحياة محبوبة ، لزم كون الشيب محبوبا. وهذا يقتضي أن يكون الشيب محبوبا ومبغوضا ، إلا أنه محبوب بالغرض ، مبغوض بالذات (٢). فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الباب.

واعلم. أن الكلام في هذا المقام من وجهين (٣) :

الوجه الأول : إن قول القائل : إن هذا المؤثر لم يفعل الخير؟ ولم يفعل الشر؟ إنما يتوجه إذا كان ذلك المؤثر فاعلا مختارا ، وحينئذ يقال له : لم فعلت هذا؟ ولم تركت ذلك؟ أما إذا كان موجبا بالذات ، فهذا السؤال ساقط ، وأقصى ما في الباب أن يقال : إنه وإن كان موجبا بالذات إلا أنه عالم بما يصدر عنه إلا أنا نقول علمه بما يصدر عنه ، لا يكفي في حسن هذا السؤال. إذا لم يكن مختارا في ذلك التأثير ، ألا ترى أن العاقل العالم إذا سقط من السطح ووقع على إنسان آخر ، ومات ذلك الإنسان ، فإنه لا يحسن أن يقال له : لم قتلت ذلك الإنسان؟ لأنه لما كان غير (٤) مختار في ذلك الفعل لا جرم لا يتوجه عليه ذلك السؤال.

__________________

(١) من (م).

(٢) محبوب (س).

(٣) وجوه [الأصل].

(٤) غير من (س).

٢٨١

إذا ثبت هذا فنقول (١) (المبدأ الأول عند الفلاسفة (بأن إله العالم) (٢) موجب بالذات ، فكان هذا البحث غير لائق بمذهبهم. وإنما يليق هذا البحث بمذهب القائلين بأن إله العالم فاعل بالاختيار.

وللفلاسفة أن يقولوا : مقصودنا من هذا البحث : أن نبين أن (٣) مخلوقات المبدأ الأول ، إما أن تكون خيرات محضة ، وإما أن تكون الخيرية فيها غالبة على الشرية ، استدلالا بكمال آثاره ، وما يجد على كمال ذاته وصفاته. ولا شك أن هذا البحث مفيد.

الوجه الثاني : إن كلامكم مبني على أصول : أحدها : إن هذه الخيرات الكثيرة لا يمكن تحصيلها إلا مع تلك الشرور. والثاني : إن تلك الشرور مرجوحة بالنسبة إلى تلك الخيرات. والثالث : إنه متى كان الأمر كذلك ، فإنه يجب تحمل تلك المرجوحية القليلة ، فيجب علينا أن نبحث عن كل واحد من هذه الأصول.

أما الأصل الأول وهو أنه لا يمكن تحصيل هذه الخيرات إلا مع هذه الشرور : فنقول:) (٤) هذا ممنوع. والدليل عليه : وهو أن الأجسام متساوية في الجسمية ، فاختصاص كل واحد منها بخاصيته المعينة وطبعه المعين ، لا بد وأن يكون لأجل الفاعل المختار. وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يكون القادر المختار قادرا على إيجاد تلك الخواص والطبائع حال كونها سببا لحصول المنافع ، ويكون قادرا على سلب تلك الخواص والطبائع حال كونها سببا لحصول المضار والمفاسد. فيثبت بهذا : أنه يمكن تحصيل تلك الخيرات مبرأة عن تلك الشرور. فمثلا : النار متى كانت سببا لحصول المصالح والخيرات من طبخ الأطعمة ونضج الأغذية ، فإنه تبقى فيها الطبيعة النارية. ومتى صارت سببا

__________________

(١) إذا ثبت هذا فنقول ... هذا ممنوع (س).

(٢) زيادة.

(٣) خيرات (س).

(٤) انظر التعليق رقم ١٢.

٢٨٢

لإحراق إنسان فإنه يسلب عنها تلك الطبيعة. وإذا كان هذا ممكنا في قدرة الله كان إبقاؤها على طبيعتها في الإحراق عند ملاقاة بدن الإنسان : شرا يمكن إزالته. وأيضا : الشر سام ويحدث ورما في غشاء الدماغ والطبيب يقدر على إزالة ذلك الورم بالمسهل الخفيف. فإن كان الإله يعجز عنه فهذا الطبيب الحقير أكمل قدرة من الإله؟ وأيضا : الملك الكبير إذا استولى على أقوام ، فإن وقع في قلبه داعي يدعوه إلى الإحسان إليهم تخلصوا بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من القتل والنهب. فإن كان إله العالم عاجزا عن خلق تلك الداعية في قلبه ، فما أعظم هذا العجز وإن كان قادرا عليه ، ولم يفعل ، فما أعظم هذا الشر.

فإن قالوا : هذا إنما يلزم إذا كان إله العالم مختارا ، فهو باختياره تارة يخلق الطبيعة النارية في جسم النار ، وتارة يزيلها عنها. أما إذا قلنا : إنه موجب بالذات فقد سقط هذا الكلام. وهكذا القول في سائر الأمثلة. فنقول : إنا قد بينا : أنه متى كان المبدأ الأول موجبا بالذات ، كان هذا البحث ساقطا عديم الفائدة. والحاصل : أن إله العالم ، إن كان موجبا بالذات ، كان هذا البحث غير محتاج إليه البتة ، وإن كان قادرا مختارا كان هذا البحث باطلا. فظهر أنه على جميع التقديرات باطل.

وأما الأصل الثاني وهو قوله : المفاسد مرجوحة بالنسبة إلى المصالح : فنقول : هذا محض المغالطة. وتقريره : يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة.

وهي أن نقول : بقاء الإنسان سليما عن الآفات غير ، وبقاؤه مع اللذة والسرور غير ، فنقول : المقصود من تخليق الإنسان والحيوان. إما البقاء على السلامة عن الآفات ، وإما الفوز باللذة والبهجة. والأول (١) : باطل. لأن حال البقاء على العدم الأصلي كان هذا المقصود حاصلا ، فيثبت أن المقصود من التخليق يجب أن يكون هو هذه اللذة والبهجة والسرور. وإذا عرفت هذا فنقول : إن كان المراد من قولكم : الخير غالب ، والشر مغلوب : هو أن

__________________

(١) الأول (س).

٢٨٣

السلامة عن الآفات غالبة والوقوع (في الآفات مغلوب) (١) فنقول : هب أن الأمر كذلك، إلا أنا بينا : أنه لا يجوز أن يكون المقصود من الخلق والإيجاد : هو السلامة عن الآفات ، فلا يجوز أن يكون الشر القليل محتملا لتحصيل الخير الكثير بهذا المعنى. وإن كان المراد أن حصول اللذة والسرور راجح على حصول الغم والألم فهذا ممنوع. وظاهر أن الأمر ليس كذلك ، فإن أوقات السرور واللذة قليلة ، والغالب حصول الغم والهم والحزن بسبب الحرص والحسد والرغبة في طلب الدنيا.

نقول : إن حب الإنسان للمال والجاه شديد ، فإذا طلب فالغالب أنه لا يفوز بمطلوب ، فيبقى قلبه أبدا في الألم والوحشة ، بل نقول : إن لم يفز بمطلوبه فهناك البلاء الشديد ، وإن فاز بمطلوبه فحينئذ يلتذ به ، والتذاذه به يحمله على طلب الزائد. وذلك الطلب يوجب العناء الشديد والبلاء العظيم ، فالحاصل أنه عند الطلب إن بقي في الحرمان فهناك البلاء والخسران ، وإن فاز بالوجدان عظم التذاذه به. وتلك اللذة تصير سببا لحصول طلب أكمل مما كان ، وأقوى مما كان ، وهو يوجب الحرص الشديد أعظم مما كان ، فيثبت أن الإنسان لا ينفك البتة عن هذا النوع الواحد من البلاء والعناء. وأما سائر أنواع البلاء مثل قصد الأعداد وحصول أنواع الأمراض والآلام سواء كانت قليلة أو كثيرة والخوف من الفقر والهرم ، وطريان العلل المنفرة ، فهذا بحر لا ساحل له. فنقول : من يقول : إن هذه المكروهات أقل من تلك اللذات : مكابرة ، لا يليق بها عاقل. فيثبت بما ذكرنا : أن قولهم الخير راجح ، والشر مرجوح مغالطة محضة.

وأما الأصل الثالث وهو قولهم : ترك الخير الكثير ، لأجل الشر القليل شر كثير ، فنقول : الشر قد يعني به ترك الخير ، وقد يعني به حصول الألم والضرر ، فقوله : ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل : شر كثير. إن عنى بالشر الكثير ترك الخير الكثير ، صار تقدير هذا الكلام : إن ترك الخير الكثير لأجل

__________________

(١) من (س).

٢٨٤

الشر القليل ترك للخير الكثير. وحينئذ لا يبقى بين موضوع هذه القضية وبين محمولها فرق البتة. ومثل هذه القضية عيب فاسد ، فإن عني بالشر الكثير : الألم الكثير والضرر الكثير. فهذا باطل ، لأنه إذا ترك الخير الكثير لأجل ذلك الشر القليل فإنه يبقى الشيء على العدم الأصلي. وعلى هذا التقدير فكما لا تحصل اللذة والبهجة ، فكذلك لا يحصل الألم والضرر.

فهذا تمام البحث في هذا الطريق.

وأما طريق المعتزلة (١) :

قالوا : ثبت بالدليل : أن الحسن (إنما يحسن) (٢) لوجوه عائدة إليه ، وأن القبح يقبح لوجوه عائدة إليه. وثبت أيضا بالدليل أنه تعالى غني عن كل الحاجات ، وثبت أيضا بالدليل أنه تعالى عالم بكل المعلومات ، وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة فإنه يتولد من مجموعها مقدمة واحدة ، وهي أنه تعالى عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنيا عنه. ثم نقول : وكل من كان كذلك فإنه لا يفعل القبيح ينتج أنه تعالى لا يفعل (٣) القبيح. أما الأصول الثلاثة فقد تقدم الكلام فيها. وأما المقدمة الثانية فقد احتجوا على صحتها من وجهين :

الأول : إن الإنسان إذا قيل له : إن صدقت أعطيناك دينارا ، وإن كذبت أعطيناك دينارا ، واستوى الصدق والكذب بالنسبة إليه في جميع المصالح العاجلة والآجلة ، إلا في كونه صدقا وكذبا. فإنه لا بد وأن يترك الكذب ويفعل الصدق.

إذا ثبت هذا فنقول : الوجه المقتضي للصرف عن الكذب مجرد علمه بكونه كذبا ، لأن عند العلم بكونه كذبا يحصل هذا الصرف ، وعند عدم هذا العلم لا يحصل هذا الصرف ، فثبت أن الموجب لهذا الصرف هو العلم بكونه

__________________

(١) الفصل التاسع عشر في تقرير حكمة الله تعالى على قول المعتزلة [الأصل].

(٢) من (س).

(٣) لا يفعل (م) لا يعلم (س).

٢٨٥

كذبا فثبت أن العلم بالقبح يوجب الصرف عن فعل القبيح ، ولما حصل هذا العلم في حق الله تعالى ، وجب أن يؤثر في صرفه عن القبيح.

والوجه الثاني : هو أن نترك هذا القياس ، وندعي العلم الضروري بأن العلم بكون الفعل قبيحا يوجب الانصراف عنه ، اللهم إلا إذا صار هذا الصارف معارضا بداعية الشهوة والحاجة. لكنا بينا أن هذه الداعية في حق الله تعالى ممتنعة ، فكان علمه تعالى بقبح الفعل صارفا له عن هذا الفعل ، ولم يوجد في حقه ما يعارضه ، وهو داعية الشهوة ، فوجب أن يمتنع الله من فعل القبيح ، فهذا تقرير دليل المعتزلة.

وللاعتراض عليه. نقول (١) : أتدعون أن عند حصول العلم بكون الفعل قبيحا ، يمتنع صدور الفعل عنه أو لا تدعون الامتناع؟ فإذا ادعيتم الامتناع لزمكم كونه تعالى موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار ، لأن ذاته موجبة لذلك العلم. وذلك العلم موجب ، فوجب الامتناع من ذلك الفعل ، وموجب الموجب موجب ، فكانت ذاته موجبة للامتناع من ذلك الفعل ، فيكون موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار. وأما إن قلتم : إن عند حصول هذا الصارف (لا يجب هذا الامتناع ، كان معناه أن مع حصول هذا الصارف) (٢) يجوز الفعل، ومع هذا التجويز كيف يمكنكم الجزم بأنه لا يقع؟ وبأنه بتقدير الوقوع يفضي إلى المحال. وأيضا : عند العلم بأن ترك الثواب وترك العوض قبيح ، وجب ترك ذلك ، فيلزم أن يكون فعله واجبا عقلا ، فيعود ما ذكرنا إلى أنه يكون موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار. وقد ذكرنا مع الفلاسفة أن مع القول بكون الإله تعالى موجبا بالذات ، فإن هذا البحث ساقط بالكلية.

ثم نقول : إن دل هذا الدليل على أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يريده ولا

__________________

(١) والاعتراض عليه من وجوه الأول [الأصل].

(٢) من (س).

٢٨٦

يأمر به. فههنا دلائل تدل على أنه تعالى يفعله ويريده ، وهي الدلائل الدالة على أن أفعال العباد كلها واقعة بقضاء الله وقدره.

وسيأتي شرح تلك الدلائل على الاستقصاء. والله أعلم (١).

__________________

(١) والله أعلم (م).

٢٨٧
٢٨٨

الفصل السابع

في

أن تحسين العقل وتقبيحه هل هو معتبر أم لا (١)؟

أطبقت المعتزلة والكرّامية على (إثبات تحسين العقل وتقبيحه. وأطبقت الفلاسفة والجبرية على) (٢) إنكاره ، والمختار عندنا : أن تحسين العقل وتقبيحه بالنسبة إلى العباد معتبر ، وأما بالنسبة إلى الله تعالى فهو باطل.

أما إثباته في حق العباد فيدل عليه وجوه :

الأول : إنا نرى أن العقلاء قبل علمهم بالشرائع والنبوات مطبقين على حسن مدح المحسن ، وحسن ذم المسيء. فإن من أحسن إلى محتاج ، فإن ذلك المحتاج يجد من صريح عقله ، حسن مدحه وذكره بالخير ، ولو أساء رجل إليه فإنه يجد من صريح عقله حسن ذمه. وهذا الحكم حاصل ، سواء كان ذلك الإنسان مؤمنا يصدق بالأنبياء أو لم يكن كذلك. فعلمنا أن هذا الحسن مقرر في عقولهم.

والثاني : إنه لا معنى للقبيح الشرعي إلا أن الشرع يقول له : إنك إن فعلت الفعل(٣) الفلاني صرت معاقبا عليه ، فيقول عقله : هل نقضي بوجوب

__________________

(١) الفصل العشرون [الأصل].

(٢) من (س).

(٣) الفعل (س).

٢٨٩

الاحتراز عن العقاب أو لا نقضي بذلك؟ فإن قضي بذلك ، فالحسن والقبح العقليان قد ثبتا ، وإن لم يقض عقله بذلك فحينئذ يحتاج إلى أن يوجب الشرع عليه الاحتراز عن العقاب. والكلام فيه كما في الأول ، فيلزم التسلسل ، وهو محال.

والثالث : إنه لا شك أن عندنا مطلوبا أو مكروها. ولا يجوز أن نقول : إن كل مطلوب أو مكروه (١) إنما كان مطلوبا أو مكروها لأجل شيء آخر ، وإلا لزم التسلسل أو الدور ، فلا بد من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوبا لذاته ، وبوجود شيء يكون مكروها لذاته. ثم لما تأملنا علمنا : أن اللذة والسرور مطلوبتان بالذات. وأن الألم والغم مكروهان بالذات. فهذا الحكم ثابت في محض العقول ، سواء حصلت الشريعة أو لم تحصل فيثبت بما ذكرنا : أن العقل يقضي بحسن بعض الأشياء وبقبح بعضها. فهذه الوجوه دالة على أن الحسن والقبح بمقتضى العقل في حق العباد (معتبر) (٢).

وأما إثباتهما في حق الله تعالى ، فنقول : هذا محال (٣) ويدل عليه وجوه :

الحجة الأولى : أن الذي عقلناه من معنى الحسن ما يكون نفعا ، أو مؤديا إليه ، والذي عقلناه من معنى القبح ، ما يكون ضررا أو مؤديا إليه ، والرغبة في المنفعة ، والرهبة عن المضرة إنما يعقل (حصولهما) (٤) في حق من يصح عليه النفع والضرر. ولما كان ذلك في حق الله تعالى محالا ، كان القول بثبوت الحسن والقبح في حق الله محالا.

قالت المعتزلة : كون الشيء حسنا أو قبيحا. أمر مغاير لكونه منشئا للمنفعة والمضرة. والدليل عليه : أن النافع قد يكون قبيحا ، والضار قد يكون حسنا ، أما أن النافع قد يكون قبيحا ، فلأن الظلم نافع في حق الظالم مع أنه

__________________

(١) أو مكروه (س).

(٢) زيادة.

(٣) هذا محال من معنى الحسن ويدل عليه وجوه (م).

(٤) من (س).

٢٩٠

قبيح ، والزنا نفع في الحال مع أنه قبيح. وأما أن الضار قد يكون حسنا فلأن إتعاب النفس في العبادات والطاعات ضار في الحال مع أنها حسنة. وتمام كلامهم قد ذكرناه في باب القادر ، وأجبنا عنه : بأن الظلم وإن كان نافعا بالنسبة إلى ذلك الظالم ، إلا أنه عظيم الضرر في وضع العالم. لأنا إن حكمنا بحسن الظلم حصل الهرج والمرج ، ولم يبق لأحد وثوق بتزوجه ومنكوحه ، وذلك من أعظم المضار ، وأما العبادات فإنما كانت حسنة لأن الإتيان بها يفيد النفع العظيم في الآخرة. وبذل المنفعة القليلة لأجل وجدان النفع العظيم من أصول مصالح العالم. ألا ترى أن الزارع يبذر البذر ويفسده لأجل وجدان الريع الكثير. فيثبت أنا لا نعقل من الحسن والقبح إلا المنفعة والمضرة.

واعلم أن هذا المقام هو المقام الصعب ، فإنهم إن فسروا الحسن والقبح بالمنفعة والمضرة ، فحينئذ لا يمكنهم إثبات الحسن والقبح في حق الله تعالى ، وإن حاولوا إثبات (١) شيء آخر ، لم يجدوا منه أثرا ، فهذا هو الموضع الشريف الكامل الذي يجب على العاقل أن يثبت فيه.

الحجة الثانية : في بيان أن الحسن والقبح بحسب العقل في أفعال الله : محال.

إنه لو صح القول بالقبح العقلي ، لم يكن الله منعما على أحد من عبيده. وهذا باطل (فذاك باطل) (٢). بيان الملازمة : أن النعمة إنما تكون نعمة في حق من يكون محتاجا إليها متهيئا لها. لأن من لا يكون كذلك لم يكن إيصال ذلك الشيء إليه. نعمة في حقه. إلا أن الحاجة إليه والشهوة به مضرة ، فيثبت أن إيصال النعمة إليه لا يمكن إلا إذا كان مسبوقا بإيصال ضرر يساويه إليه ، ومتى كان الأمر كذلك صارت هذه النعمة الحاصلة دافعة لذلك الضرر السالف ، فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنسانا ثم يعالج جراحته ، وكمن

__________________

(١) إثبات (س).

(٢) من (م).

٢٩١

يغصب من إنسان دينارا (ثم يعطيه دينارا) (١) آخر. وإنه على هذا التقدير لا يكون ذلك إنعاما ، بل يكون محض العبث ، فيثبت أن القبح العقلي لو كان معتبرا في حق الله تعالى ، لوجب القطع بأنه تعالى غير منعم على أحد من عبيده ، بل كان يلزم أن يكون عابثا في كل ما فعل وخلق ، ولما أجمع أهل الملل على أنه تعالى حكيم في فعله ، منعم على عبيده ، علمنا أن حكم العقل على الله تعالى بالحسن والقبح باطل (٢) والله أعلم (٣).

فإن قيل : الشرطية ممنوعة وهي قوله (٤) : أن لا تكون النعمة نعمة ، إلا إذا كان المنعم عليه محتاجا إليها مشتهيا لها ، والحاجة والشهوة ضررهما من فعل الله ـ سبحانه ـ فنقول : لا نزاع في أنه ما لم يكن الحيوان محتاجا إلى الشيء ومشتهيا له ، لم يكن إيصال ذلك الشيء إليه نعمة في حقه. لكن لم قلت : إن الحاجة إلى الشيء والشهوة ضرر؟ وما الدليل على أن الأمر كذلك؟ سلمنا أنه ضرر ، ولكن لم قلتم : إن ذلك الضرر حاصل بتخليق الله تعالى؟ وما الدليل عليه؟ وتقريره : أن كون الإنسان محتاجا إلى الشيء وصف لازم لذاته ولماهيته ، ولما كان الأمر كذلك لم يكن حصوله بسبب جعل الجاعل وفعل الفاعل ، كما أن كون الأربعة زوجا ، وكون الثلاثة فردا ، ليس بسبب الجعل والخلق والتكوين. سلمنا أن الحاجة إلى الشيء والشهوة له ، إنما حصل بتخليق الله تعالى وإيجاده. فلم قلتم : إن على هذا التقدير يكون إيصال النعمة إليه عبثا؟ وتقريره : أن هذا العبث إنما يلزم إذا قلنا : إنه تعالى لا يوصل إليه النعمة إلا بقدر حاجته وشهوته. أما إذا قلنا : إنه تعالى خلق الحاجة والشهوة فيه. ثم إنه بعد ذلك أعطاه من المنافع ما يزيد على قدر حاجته أضعافا مضاعفة. فهذا يمنع من كونه عبثا. ومثاله : أن من أوصل دينارا من الغير إلى

__________________

(١) من (س).

(٢) قال الله تعالى : (شَهِدَ اللهُ : أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، وَالْمَلائِكَةُ ، وَأُولُوا الْعِلْمِ ، قائِماً بِالْقِسْطِ. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران (١٨)].

(٣) من (م).

(٤) وأما قوله [الأصل].

٢٩٢

الإنسان ، ثم أعطاه ألف دينار ، فإنه لا يقال : إنه عابث في فعله ، بل يقال : إنه منعم عليه ، فكذا هاهنا (والله أعلم) (١).

والجواب : قوله : ما الدليل على أن الحاجة والشهوة ضرر؟ قلنا : هذه المقدمة معلومة الصحة بالضرورة. فإن كل أحد يكره كونه محتاجا إلى الشيء ، ويجب كونه غنيا عنه. ومن أنكر هذه المقدمة ، فقد نازع في البديهيات. ولذلك قال بعضهم :

غنيت بلا مال عن الناس كلهم

وإن الغنى الأعلى : عن الشيء ، لا به

ومن الأمثال المشهورة : «إن استغناءك عن الشيء ، أعظم من استغنائك بالشيء»(٢).

وأيضا : قد اتفق العقلاء على أنه يجب تنزيه الله عن الشهوة وعن الحاجة. وحكموا بأنه إنما يجب تنزيه الله عنهما لكونهما من باب النقائص والآفات. وأيضا : إن المحتاج إلى الشيء (٣) إن لم يجد المحتاج إليه ، كان الألم حاصلا ، وإن وجده إلا أنه يتوقف كمال حاله على وجدان ذلك الشيء. فالتوقف على الغير يوجب الإمكان والحدوث. وكل ذلك من باب النقائص والمضار (٤).

وأيضا : أما قوله : لم قلتم إن الحاجة إلى الشيء حصلت بتخليق الله؟ قلنا : الجواب عنه من وجوه :

الأول : إنا نجد إنسانين أحدهما شديد الرغبة في الملاهي والمشاهي عظيم الميل إليهما ، لا يمكنه المصابرة عنهما إلا بتكليف شديد ، وجهد عظيم. ويكون الثاني شديد النفرة عنهما ، عظيم الانقباض عنهما بحسب الطبع (حتى أنه لا تخطر هذه الأمور بباله في أكثر العمر ، فلو خطر شيء منها بباله ، فإن

__________________

(١) من (م).

(٢) ومن الكلام الجيد : الحصول على الشيء سهل ، والاحتفاظ بالشيء بعد الحصول عليه صعب.

(٣) إلى الشيء : سقط (م).

(٤) والمضار : سقط (م).

٢٩٣

نفسه) (١) تكرهها وتستنكرها. وهذا التفاوت أمر معلوم بالضرورة ، فاختصاص أحد ذينك الشخصين بتلك الرغبة العظيمة دون الثاني ، إما أن يكون بالطبع أو بالخالق المختار (والأول بيناه. لأنا بينا في أول هذا الباب : أن الكلام في الحسن والقبح والحكمة) (٢) والسفه فرع على القول بإثبات الفاعل المختار. وإما بتقدير أن يكون المؤثر في وجود العالم موجبا بالذات ، يسقط هذا البحث بالكلية فيثبت : أن ذلك التفاوت لم يحصل إلا لأجل أن الله ـ سبحانه ـ خص أحدهما بتلك الرغبة والشهوة ، وخص الثاني بتلك النفرة والكراهية. وكذا القول في الرغبة في أكل الأطعمة الشهية. فرب إنسان كانت رغبته في طعام معين ، وكانت نفرته عن غير ذلك الطعام متأكدة ، ورب إنسان بالضد من ذلك ، فيثبت : أن هذه الشهوات المختلفة والرغبات المتضادة ، إنما حصلت بإيجاد الله تعالى. إذا ثبت هذا فنقول : كلما كان الميل إلى الشيء والرغبة فيه والحرص عليه أشد ، كان الالتذاذ بوجدانه أتم وأكمل ، وكلما كان هذا المعنى أقل ، كان الالتذاذ بوجدانه أضعف ... وإذا ثبت هذا فنقول: إن مقدار الإنعام مساوي لمقدار اللذة ، ومقدار اللذة مساوي لمقدار الحاجة السابقة ولمقدار الشهوة السابقة.

وقد دللنا على أن الحاجة لشهوة ضرر (والمساوي للمساوي للشيء مساوي لذلك الشيء) (٣) فيلزم أن يكون مقدار الإنعام الحاضر ، مساويا لمقدار الضرر السابق. وحينئذ يتم الكلام.

الوجه الثاني : في دفع هذا السؤال أن نقول : هب أن الحاجات والشهوات من لوازم ذوات الحيوانات إلا أن ذلك الحيوان كان قبل دخوله في الوجود عدما محضا ، ونفيا صرفا ، وما كان البتة موصوفا بشيء من الحاجات والشهوات فلما أوجده الخالق سبحانه صار بعد دخوله في الوجود موصوفا بهذه

__________________

(١) من (م).

(٢) من (م).

(٣) والمساوي للشيء مناف لذلك الشيء (س).

٢٩٤

الحاجات وبهذه الشهوات (فلو كان (١) إيجاد الله تعالى لذوات هذه الحيوانات مستلزما لحصول هذه الحاجات والشهوات) (٢) لكان الإيجاد والتكوين إضرارا من هذا الوجه ، لكنا بينا : أن النعمة مقدرة بمقدار هذه المضرة ، وحينئذ يعود الإلزام المذكور.

(الوجه الثالث : أن نقول : حصول هذه الحاجات وهذه الشهوات إما أن يكون من لوازم وجود الحيوان أو لا يكون. فإن كان الأول كان إيجاد الحيوان ، إيجاد لشيء يلزمه (منه) (٣) حصول هذا الضرر ، فكان الإيجاد : أضرارا. وحينئذ يتم الكلام المذكور ، وإن كان الثاني فحينئذ يكون حصول الحاجة والشهوة في الذات ليس إلا لأجل أن خالق العالم أوجدها فيه ، وحينئذ يعود الكلام المذكور. أما قوله) (٤) لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى ، وإن كان هو الذي أحوج ، إلا أنه أعطى فوق قدر الحاجة؟

فالجواب : أن هذا باطل. لأن ذلك القدر الزائد. هل إليه شهوة؟ وهل له في حصوله رغبة؟ أو ليس كذلك. فإن كان الأول فحينئذ قد كان المنعم عليه محتاجا (إلى حصول تلك الزيادة كما كان محتاجا إلى حصول ذلك الأصل. ولما كان محتاجا) (٥) إلى الأصل وإلى الزيادة معا ، فحينئذ يعود الأمر إلى أن النعمة إنما حصلت بقدر المضرة السالفة. وإن كان الثاني وهو أن (٦) لا يكون للمنعم عليه حاجة إلى وجدان تلك الزيادة ، ولا يكون (٧) له شهوة إلى حصول تلك الزيادة فنقول : الشيء الذي لا يكون محتاجا إليه ، ولا يكون بتعلق الشهوة والرغبة ، امتنع أن يكون وجدانه سببا لحصول اللذة والمنفعة ، وإذا كان

__________________

(١) فيكون إيجاد [الأصل].

(٢) من (م).

(٣) زيادة.

(٤) الإلزام المذكور ... لم لا يجوز (م ، ت).

(٥) من (م).

(٦) أن لا يكون (م).

(٧) ولا يكون (م).

٢٩٥

كذلك لم يكن إيصال مثل هذا الشيء إلى الحيوان إنعاما في حقه ، ومثال هذا : أنك إذا رميت قلادة من الدار إلى كلب ، ورميت عظما إلى إنسان لم يكن ذلك إنعاما في حق كل واحد منهما ، لأن الكلب لا حاجة له إلى وجدان القلادة من الدر ، ولا شهوة له إلى وجدانها ، وكذلك الإنسان لا تتعلق حاجته بوجدان ذلك العظم ولا تتعلق شهوته بتحصيله، أما إذا قلبت الأمر ورميت القلادة من الدر إلى الإنسان ورميت العظم إلى الكلب ، كان ذلك إنعاما في حق الإنسان وفي حق الكلب ، لأن الإنسان يشتهي وجدان القلادة من الدر، والكلب يشتهي تناول العظم. فيثبت أن الحيوان ما لم يكن مشتهيا للشيء ومحتاجا إليه، لم يكن إيصاله إليه إنعاما في حقه ، وإذا ثبت هذا ظهر أن تلك الزيادة ، يمتنع كونها نعمة ، إلا إذا كان المنعم عليه مشتهيا لها ، وراغبا في تحصيلها ، ومحتاجا إلى الفوز بها ، ومتى كان الأمر كذلك ، فحينئذ يعود ما ذكرنا من أنه يصير قدر النعمة الحاصلة في الحال ، مساويا لقدر المضرة التي كانت حاصلة في الزمان الماضي ، بسبب خلق الشهوة والحاجة فيه، وحينئذ تتقابل المنفعة بالمضرة ، والألم باللذة ، والخير بالشر. ومثل هذا الفاعل يسمى عابثا بمقتضى تحسين العقل وتقبيحه ، وغير منعم البتة ، ولما كان ذلك باطلا بإجماع العقلاء علمنا أن حكم العقل على أفعال الله بالتحسين والتقبيح باطل (غير ملتفت إليه. والله أعلم) (١).

الحجة الثالثة : أن نقول : إن الخلق والتكليف يدلان على أن أفعال العباد لا يجب (٢) انطباقها على رعاية مصالح العباد ، ودفع المفاسد عنهم ، ونحن نذكر الآن أن الخلق يدل على ذلك. فنقول :

العالم إذا كان محدثا كان تخصيص الله إحداث العالم بالوقت المعين دون ما قبله وما بعده ، إما أن يكون لأجل اختصاص ذلك الوقت بمصلحة أو بدفع مفسدة ـ ولا يحصل ذلك المعنى على تقدير حدوث العالم في سائر الأوقات ـ وإما

__________________

(١) من (م)

(٢) لا يجب (م). يجب (س).

٢٩٦

أن لا يكون الأمر كذلك ، والأول باطل. وذلك لأن اختصاص ذلك الوقت بتلك المصلحة المخصوصة ، إما أن يكون لذاته ، أو لأجل لوازم ذاته ، أولا لهذين القسمين ، والأقسام الثلاثة باطلة.

أما الأول : وهو أن يكون اختصاص ذلك الوقت المعين بتلك المصلحة المعينة لذات الوقت ولعينه. فنقول : هذا باطل لوجوه :

أحدها : إن هذه الأوقات عند القائلين بحدوث العالم ، كانت قبل حدوث العالم نفي محض وعدم صرف ، والعدم المحض يمتنع أن يخالف بعضه بعضا بالخواص الذاتية ، والآثار اللازمة.

وثانيها : أن نقول : هذه الأوقات المختلفة ، والآثار المختلفة إما أن تكون واجبة الوجود لذواتها أو لا تكون كذلك ، والأول يقتضي امتناع العدم عليها ، فيكون الوقت السابق هو بعينه الوقت اللاحق ، وذلك باطل بالضرورة ، والثاني يقتضي أن تكون هذه الأوقات والآثار محدثة متعاقبة متلاحقة ، وحينئذ يعود البحث في أنه لم يوجد ذلك الوقت المشتمل على تلك المصلحة في ذلك الوقت ، ولم يحدث قبله ولا بعده؟

وثالثها : أنه لو كان الوقت المعين له صلاحية أن يقتضي لذاته ، كونه منشئا لتلك المصلحة المعينة ، فلم لا يجوز أن يقال : إن الوقت المعين يقتضي لذاته حدوث العالم؟ فإن ذلك الوقت المعين لما صح أن يكون مؤثرا في بعض الآثار ، لم يمتنع أيضا كونه مؤثرا في سائر الحوادث ، وحينئذ لا يمكننا أن نقطع بأن المؤثر في حدوث العالم ، ليس هو ذلك الوقت المعين ، وأي دليل يذكر في إبطال هذا فإن يصير منتقضا بقولهم : إن ذلك الوقت اقتضى حصول تلك الخاصية لذاته (١) ، فيثبت بهذه الوجوه الثلاثة : فساد قول من يقول : إن ذلك الوقت المعين ، اقتضى لذاته حصول تلك المصلحة.

__________________

(١) من (س).

٢٩٧

والقسم الثاني : وهو أن المقتضي لحصول تلك المصلحة لازم من لوازم ذلك الوقت ، فهذا أيضا باطل ، لعين تلك الدلائل الثلاثة.

وأما القسم الثالث : وهو أن ذلك الوقت اختص بتلك الخاصية لا لذاته ، ولا لشيء من لوازم ذاته ، فحينئذ وجب القطع بأن الفاعل المختار اختص ذلك الوقت بتلك الخاصية المعينة ، وإن كان ذلك لخاصية أخرى عاد التقسيم الأول فيه ، ولزم التسلسل ، وهو محال ، فيثبت (١) أن بتقدير أن يكون العالم محدثا فإنه يجب الاعتراف بأن الفاعل المختار خصص إحداثه بذلك الوقت المعين من غير رعاية حكمة ولا مصلحة ، فيكون ذلك محض العبث ، وهو قبيح في العقول ، فيثبت بهذا أن حكم العقل في التحسين والتقبيح لو كان معتبرا ، لزم القول بقدم العالم ، ويكون الإله موجبا بالذات ، لا فاعلا مختارا ، لكنا بينا : أن القول بالتحسين والتقبيح ، فرع على القول بإثبات الفاعل المختار ، وكل فرع أوجب فساد الأصل كان باطلا ، فوجب أن يكون القول بالتحسين والتقبيح باطلا في أحكام الله.

واعلم. أن هذا الدليل الذي ذكرناه عائد في حدوث كل واحد من الحوادث في وقته المعين ، وفي اختصاص كل واحدة من الذوات بصفته المعينة ، وبمقداره المعين ، وبحيزه المعين. فإنا نقول : اختصاصه بتلك الخاصية (٢) إما أن يكون لخاصية في ذلك الوقت ، أو لشيء من لوازم ذلك الوقت ، أو لشيء من عوارض ذلك الوقت ، وحينئذ يعود التقسيم بتمامه. وهذا الدليل في الحقيقة ليس دليلا واحدا ، بل هو دلائل لا نهاية لها بحسب حدوث كل حادث يحدث إلى الأبد الذي لا آخر له.

الحجة الرابعة : نقول : لو كان حكم العقل في التحسين والتقبيح معتبرا ، لصح من الله تكليف عباده بمعرفته ، وبالثناء عليه ، وبالشكر لنعمه. وهذا باطل ، فذاك باطل.

__________________

(١) من (س).

(٢) الخاصية (ت). الحالة (س).

٢٩٨

بيان الشرطية من وجهين :

الأول : إن تحصيل معرفة الله عمل شاق على العبد ، ولا يحصل منه نفع ، لا للشاكر ولا للمشكور ، وما كان كذلك كان الأمر به قبيحا ، بمقتضى تحسين العقل وتقبيحه. ينتج: أنه لو كان حكم عقولنا معتبرا في حق الله تعالى لوجب أن يقبح من الله أن يأمر عباده بمعرفته وطاعته.

وهذا الكلام مبني على مقدمات :

المقدمة الأولى : في بيان أن تحصيل معرفة الله شاق : وبيانه من وجهين : الأول : لا شك أن تحصيل معرفة الله لا يتم إلا بالاستدلال ، ولا شك أن الاستدلال طريق صعب ، ولذلك فإن أكثر أهل العالم زاغوا وضلوا إلا القليل. ومن خاص في العلوم الإلهية علم ما فيها من الصعوبة والشدة. والثاني : إن بتقدير أن (١) يضل الطالب بهذا العلم يستوجب العذاب العظيم الدائم ، ثم رأينا أن الأكثرين يضلون ويكفرون. وذلك يدل على أن الخطر شديد في هذا العلم.

المقدمة الثانية : في بيان أن المشكور لا ينتفع بهذا الشكر والطاعة : والأمر فيه ظاهر، لأن المعبود متعالى عن النفع والضر ، والغم والسرور. وبهذا الحرف يظهر الفرق بين شكر المنعم في الشاهد ، وبين شكره في حق الله تعالى. لأن الواحد منا إذا أنعم على غيره ، فإن أقدم المنعم عليه على شكر ذلك المنعم ، فرح المنعم بذلك الشكر ، وحصل في قلبه لذة عظيمة وسرور ، وإن أعرض عن شكره حصل في قلبه الحزن والغم والضرر ، ولما كانت هذه الأمور ممتنعة في حق الله تعالى ، فقد ظهر الفرق.

المقدمة الثالثة : في بيان أن الشاكر لا ينتفع بهذا الشكر والعبادة : والدليل عليه : إنا قد بينا أنه لا معنى للمنفعة إلا اللذة والسرور ، أو دفع الألم

__________________

(١) الثاني أن يضل (م).

٢٩٩

والغم وما يكون وسيلة إلى أحد هذه الأشياء. ومن المعلوم بالضرورة أن القادر المختار قادر على تحصيل هذه الأمور من غير واسطة هذه التكاليف ولا يمكن أن يقال : إن تحصيل هذه الأشياء بواسطة التكاليف أيسر وأسهل ، لأنا نقول : إن حصول هذا التفاوت بالنسبة إلى قدرة الله محال ، فيثبت بهذه المقدمات الثلاثة : أن التكليف بالمعرفة والطاعة تكليف بأعمال شاقة ، مع كونها خالية عن جميع جهات الفائدة ومثل هذا قبيح في العقل ، فلو كان حكم العقل معتبرا في أفعال الله وفي أحكامه ، لوجب أن يقبح من الله كل ذلك ، ولما لم يقبح منه شيء ، علمنا : أن حكم العقل غير معتبر في حقه.

الوجه الثاني في بيان الشرطية : إن في الشاهد : من أنعم على بعض الضعفاء بنعمة ، فإن لم يكلفه في مقابلة تلك النعمة بالخدمة الشاقة كان موقع ذلك الإنعام شريفا عاليا ، أما إن كلفه بأن يقابل تلك النعمة بالخدمة فالناس يقولون إنه لئيم دنيء الهمة ، يطلب في مقابلة تلك النعمة : الخدمة الشاقة المتعبة. بل نقول : إنه لا يرغب في هذا الطلب إلا من كان دنيء الهمة ، خسيس النفس ، يستعظم قدر تلك النعمة ، فيطالب المنعم عليه بأن يعطيه عوضا على ذلك الإنعام ، فإن قصّر المنعم عليه ، في أداء ذلك العوض ، وقع في قلبه غيظ وغضب وحقد ورغبة في الانتقام ، ثم يقع في العذاب الشديد بسبب استيلاء هذه الصفات عليه ، ثم إنه يسعى في إيصال الضرر والألم إلى ذلك الشخص ليتوصل بذلك إلى الخلاص عن تلك الآلام الواقعة في قلبه ، بسبب استيلاء الغضب والغيظ عليه. ومثل هذا المنعم يكون قليل الخير ، كثير الضرر ، دنيء النفس ، ساقط الهمة. وأما إذا أنعم ، ولم يطلب من المنعم عليه شكرا وثناء ، ولا يؤذيه بسبب إقدامه على كفران تلك النعمة. فهذا (١) يعد شريف النفس ، قوي الهمة ، عالي الدرجة ، هذا في حق العبد الذي يسره الشكر ، ويسوؤه الكفران. أما الإله المتعالي عن السرور والغم والنفطع والضرر ، فكيف يليق بجلاله وكبريائه ، أن ينعم على عبده بنعمة ، ثم يطالبه

__________________

(١) فهذا يعد دنيئا لئيما سيئ الهمة ، عالي الدرجة (س).

٣٠٠