المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٣
  نسخة غير مصححة

كان هو السيّد في الحقيقة ، فلهذا قال بعده : (اللهُ الصَّمَدُ) وأيضا : قيل الصمد هو الجسم المصمت الذي لا جوف له ، وذلك في حق الله محال. فوجب أن يحمل ذلك في حقه تعالى على براءته عن جميع جهات التركيبات.

فكأنه لما قال : إنه أحد قيل له : وما الدليل عليه؟ قال : لأنه صمد ، بمعنى كونه بريئا عن جميع جهات التركيبات.

واعلم أنه سبحانه لما بين ذلك فرع على هذا الأصل ثلاثة أنواع من الفروع :

فالأول : أنه ليس له ولد ، لأن الولد عبارة عما ينفصل من الشيء ، جزءا من أجزائه ثم يتولد عن ذلك الجزء ما يماثل ذلك الكل. وهذا إنما يعقل في الشيء الذي يقبل الجزء والبعض وذلك في حق الله محال. وفيه تفسير آخر ـ على ما سبق ـ وهو : أن المؤثر إذا كان موجبا بالذات كان الأثر كالشيء المتولد منه. فقوله : (لَمْ يَلِدْ) إشارة إلى نفي هذا المعنى ، أعني نفي أن يكون تأثيره في مخلوقاته على سبيل الإيجاب والتوليد.

والفرع الثاني : أنه لم يتولد عن غيره ، وهو قوله : (وَلَمْ يُولَدْ) لأن كونه سيّدا يقتضي استغناؤه عن كل ما سواه.

والفرع الثالث : أنه ليس في الوجود أحد يساويه في صفاته. فإنا بينا : أنه لو حصل في الوجود موجود آخر ، واجب الوجود لذاته ، لاشتركا في ذلك الوجوب ، ولاختلفا في ذلك التعيين (١) ، فيلزم منه كون كل واحد منها مركبا. وذلك يقدح في كونه سيّدا على الإطلاق.

الفرع الرابع : الكلام في الوحيد ، قال تعالى : (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) (٢) فقوله «وحيدا» نصب على الحال على بعض الأقوال. وعلى هذا التقدير فيحتمل أن يكون حالا من الخلائق ، وأن يكون حالا من المخلوق. فإذا

__________________

(١) التغيير (س) التعيين (م).

(٢) المدثر (١١).

٢٦١

قلنا : إن وحيدا نصب على الحال من الخالق كان القرآن واردا بجعل الوحيد اسما من أسماء الله. وفي تفسيره (١) وجوه : الأول : أنه سبحانه كان موجودا في الأزل. والثاني : أنه سبحانه مستقل بتدبير الملك والملكوت ، ولا يحتاج في التكوين والتخليق إلى مادة ، ومدة ، وآلة ، وعدة. والثالث : أنه متوجد بصفات الجلال ونعوت الكمال.

الفرع الخامس : الكلام في التوحيد : وهو عبارة عن الحكم بأن الشيء واحد ، وعن العلم بأن الشيء واحد يقال : وحدته إذا وصفته بالوحدانية ، كما يقال : شجعت فلانا إذا نسبته إلى الشجاعة. واعلم أن مقام التوحيد مقام يضيق عنه النطق ، لأنك إذا أخبرت عن الحق بشيء ، فهناك مخبر عنه ، ومخبر به ، ومجموعهما فهو ثلاثة ، والعقل يعرفه ، والنطق لا يصل إليه.

الاسم الحادي عشر : الصمد قيل : إنه مأخوذ من صمده ، إذا قصده في الحوائج ، يقال صمدت صمد هذا الأمر ، أي قصدت قصده (٢) والثاني : أنه الذي لا جوف له ، ويجب حمله في حق الله تعالى منزها عن التركيب والتألف.

الاسم الثاني عشر : البديع قال سبحانه : (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (٣) وفيه وجهان : الأول : أنه الذي لا مثل له ، ولا شبيه ، يقال هذا شيء بديع ، إذا كان عديم المثل ، والثاني : أن البديع هو المبدع ، فعيل بمعنى مفعل. ومعنى المبدع أن تكون أفعاله واقعة دفعة واحدة من غير سبق مادة ، ومدة ، وآلة وعدة.

الاسم الثالث عشر : الغني قال تعالى (سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُ) (٤)

__________________

(١) تقريره (س).

(٢) قصدت قصده ـ الثاني : إنه لما كان فردا (س).

(٣) البقرة (١١٧).

(٤) يونس (٦٨).

٢٦٢

وقال : (وَاللهُ الْغَنِيُّ ، وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ) (١) ولما ثبت أنه واجب الوجود لذاته ، قالوا : الواجب لذاته يمتنع أن يصير واجبا لغيره ، لأن عند فرض عدم ذلك الغير ـ إن بقي ـ لم يكن واجبا بغيره ، وإن لم يبق لم يكن واجبا لذاته ، وكل ذلك محال. فإذن الواجب بذاته لا تعلق له بغيره البتة ، وكل ما سواه فهو يحتاج إليه في ماهيته ، وفي وجوده ، وفي صفاته. فظهر بهذا البيان : أنه سبحانه هو الغني ، وكل ما سواه فهو فقير وغني بإغناء الله.

الاسم الرابع عشر : القيوم قال تعالى : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (٢) وقال : (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) (٣) وقرأ عمر بن الخطاب : «الحي القيام» واعلم أن القيوم مبالغة في القيام ، وكمال هذا المعنى إنما يحصل عند اجتماع أمرين : أحدهما : قيامه بذاته ، كما قال : (قائِماً بِالْقِسْطِ) (٤) بمعنى استغنائه عن كل ما سواه. والثاني : كونه قيما بغيره ، بمعنى كونه مقوما لغيره ، ومجموع هذين المعنيين هو القيوم. ولما دللنا على أن واجب الوجود واحد ، وثبت أن ما سواه فهو ممكن لذاته ، فلا بد له من مؤثر ، فكل ما سوى ذلك الواحد فهو مفتقر إليه فيثبت أنه تعالى قائم بذاته. مقوم لكل ما سواه ، فهو القيوم الحيّ بذاته ولذاته.

واعلم أن كونه قائما بذاته ، يقتضي أن يكون منزها عن جهات التركيب ولهذا الأصل لوازم :

الأول : إن واجب الوجود واحد ، إذ لو كان اثنين لاشتركا في الوجوب ، واختلفا في التعين ، فتحصل الكثرة في كل واحد منهما ، فلا يكون واجب الوجود فردا على الإطلاق(٥). الثاني : إنه لما كان فردا امتنع أن يكون متحيزا ،

__________________

(١) محمد (٣٨).

(٢) البقرة (٢٥٥).

(٣) طه (١١١).

(٤) آل عمران (١٨).

(٥) ما مر من قوله قصدت قصده إلى هنا من (م ، ت).

٢٦٣

لأن كل متحيز فهو منقسم بالقسمة المقدارية (ومنقسم أيضا بالقسمة العقلية ، لأنه يشارك سائر المتحيزات في عموم كونه متحيزا) (١) ويخالفها بخصوصيته ، فيحصل التركيب في ذاته ، وإذا لم يكن متحيزا ، فليس في الجهة.

النوع الثالث من لوازم القيومية : أن لا يكون في محل ، لا عرضا في موضع ، ولا صورة في مادة ، لأن الحال مفتقر إلى المحل ، والمفتقر لا يكون قيوما.

النوع الرابع من لوازم القيومية : قال بعضهم : لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم عند العالم ، فإذا كان قائما بنفسه كانت حقيقته حاصلة له ، لا للغير ، فكان عالما بذاته ثم ذاته علة لغيره ، فيلزم من علمه بذاته علمه بغيره إلى آخر المراتب. فعلى هذا يلزم من قيوميته كونه عالما بجميع المعلومات.

النوع الخامس من لوازم قيوميته : أن القائلين بالحدوث ، قالوا : لما كان مقوما لوجود كل ما سواه ، كان كل ما سواه محدثا ، لأن تأثيره في تكوين ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقائه ، لأن تحصيل الحاصل محال ، فهو إما حال وجوده ، أو حال عدمه. وعلى التقديرين فيلزم أن يكون كل ما سواه محدثا.

النوع السادس من لوازم القيومية : أنه لما كان قيوما لكل الممكنات ، استندت كل الممكنات إليه ، إما بواسطة أو بغير واسطة ، وعلى التقديرين كان القول بالقضاء والقدر لازما. فظهر بما ذكرنا : أن قولنا : (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) محيط بجميع المباحث العالية المعتبرة في الإلهيات.

إذا عرفت هذا. فالقيوم من حيث إنه يدل على استغنائه عن الغير وقيامه بذاته كان من باب السلوب ، ومن حيث إنه يدل على كونه مقوما لغيره ، كان من باب الإضافات ، وعن ابن عباس أنه كان يقول : «أعظم أسماء الله تعالى الحي القيوم» واعلم أن من عرف أنه سبحانه هو القائم والقيم والقيوم ، انقطع قلبه عن الخلق بالكلية. وقال أبو يزيد البسطامي رضوان الله عليه : «حسبك

__________________

(١) من (م).

٢٦٤

من التوكل أن لا ترى لنفسك ناصرا غيره ، ولا لرزقك حارثا غيره ، ولا لعملك شاهدا غيره».

الاسم الخامس عشر والسادس عشر : الجليل وذو الجلال. (اعلم أن الجليل غير وارد في القرآن ، لأن الجليل هو بعينه ذو الجلال) (١) وهذا اللفظ وارد في القرآن في سورة الرحمن مرتين : قال تعالى : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (٢) وقال في آخر السورة : (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (٣) واعلم أن الكبير اسم لكمال الذات والجليل اسم لكمال الصفات ، والعظيم اسم لكمال الذات والصفات والأفعال ، فالجليل يفيد كمال الصفات السلبية والثبوتية ، أما كمال الصفات (السلبية فهو أنه تعالى منزه عن الضد والند والشريك والمكان والزمان وأما كمال الصفات) (٤) الثبوتية فهو كونه تعالى موصوفا بالعلم التام والقدرة التامة. إذا عرفت هذا فنقول : الجليل فعيل ، فيحتمل أن يكون بمعنى الفعل ، أو بمعنى المفعول ، أو بمعنى الفاعل. أما بمعنى الفعل فهو أنه بمعنى أنه يجل المؤمنين ويكرمهم ويعظمهم (فعلى هذا التفسير) (٥) فقوله ذو (الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) معناه : ذو الجلال والإكرام وأما بمعنى المفعول فمعناه أنه سبحانه يستحق أن يجل ويكرم ، ولا يجحد وجوده ، ولا يكفر بإلهيته. وأما بمعنى الفاعل فمعناه كونه موصوفا بصفات الجلال. قال بعضهم «الجليل الذي جلّ من قصده ، وذل من طرده» وقيل : «الجليل الذي جل قدره في قلوب العارفين ، وعظم خطره في نفوس المحبين».

الاسم السابع عشر : العظيم. قال تعالى : (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (٦) واعلم أنه سبحانه ليس عظيما بسبب عظم الجثة ، لأن هذا محال في حقه ، بل (معنى كونه) (٧) عظيما (أنه عظيم في) (٨) كمال ذاته وصفاته وأفعاله. فقد

__________________

(١) من (س).

(٢) الرحمن (٢٧).

(٣) الرحمن (٧٨).

(٤) من (م).

(٥) من (م).

(٦) البقرة (٢٥٥).

(٧) من (س).

(٨) زيادة.

٢٦٥

يقال للرجل السيد : إنه عظيم قومه. أما أنه عظيم في ذاته ، فلأنه الجسم الذي لا يحيط البصر بأطرافه يقال إنه عظيم. والحق سبحانه لا يحيط العقل والفهم بكنه ذاته ، فكان أعظم من كل عظيم. وأما أنه عظيم في صفاته ، فلأنه يقال : فلان عظيم قومه إذا كان أكثرهم علما وقدرة واستغناء ، والحق سبحانه لا مناسبة لعلمه وقدرته إلى أحد فكان أعظم الموجودات ، وأما أنه عظيم في أفعاله فلأن من فعل أفعالا (١) لا يعجز عنها غيره ، يقال : إنه أعظم من غيره. ولهذا المعنى يقال : فلان أعظم ملوك الأرض ، إذا حصل له من الملك والبسطة ما ليس لغيره. والله ـ سبحانه ـ مالك الملك في الحقيقة فكان أعظم الموجودات لهذا الاعتبار. إذا عرفت هذا فالعظيم بالاعتبار الأول من باب السلوب ، وبالاعتبار الثاني من باب الإضافات ، وبالاعتبار الثالث من باب الأفعال.

الاسم الثامن عشر والتاسع عشر : الماجد. والمجيد. قال تعالى (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) (٢) واعلم أن المجيد فعيل من الماجد كالعليم من العالم ، والقدير من القادر.

وفي المجيد قولان : أحدهما المجد : هو الشرف التام الكامل. قال تعالى : (ق. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (٣) أي الشريف. والله تعالى له الشرف والمجد والعلو والعظمة. والثاني : أن المجد في الأصل عبارة عن السعة ، يقال رجل ماجد إذا كان سخيا مفضالا كثير الخير. فعلى هذا (الْمَجِيدِ) في صفة الله تعالى يدل على كثرة إحسانه وجوده.

الاسم العشرون : السبوح وهذا الاسم غير وارد في القرآن لكن أجمعت الأمة على ذكره في حق الله تعالى ، وهو مأخوذ من قولك : سبحان الله. وكل اسم على فعّول ـ بتشديد العين ـ فالفاء فيه منصوب كقولك : سفود

__________________

(١) لا (م ، س).

(٢) البروج (١٤ ـ ١٥).

(٣) ق (١).

٢٦٦

وتنور ، إلا ثلاثة أحرف : سبوح ، وقدوس ، وذو روح ـ لواحد الذراريح ـ واعلم أن التسبيح مصدر ، سبحان. اسم كأنك قلت أسبحك تسبيحا ، فوضعت لفظة سبحان لهذا المجموع وفي تفسير التسبيح وجهان : الأول : سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن معناه ، فقال : «إبعاد الله عن كل سوء» أي تنزيهه من كل سوء. والوجه الثاني : أن اشتقاق التسبيح من سبح في الأرض إذا ذهب فيها. قال تعالى : (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً) (١) فإذا حملنا التسبيح على التنزيه فأفضل الأذكار : تنزيه الله تعالى أن لا ترى أنه تعالى حكى الملائكة أنهم (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) (٢) وحكى عنهم أنهم قالوا في قصة آدم : (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ، وَنُقَدِّسُ لَكَ) (٣) وفي موضع آخر : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) (٤) وفي بعض الأخبار : «أن أهل السماء الدنيا قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت. وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت. وأهل السماء الثالثة سجود إلى يوم القيامة ، يقولون : «سبحان الحي الذي لا يموت» (٥) واعلم. أن هذه الألفاظ المراد منها شرح تفاوت درجات الملائكة في مقامات المعرفة والمحبة والعبودية.

واعلم أن التسبيحات الواردة في القرآن كثيرة. ومن جملتها : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) ومن الناس من قال : المراد منه التسبيح (بالقول) (٦) واحتجوا عليه بأنه قال : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (٧) ولو كان المراد من التسبيح هو دلالة آثار الصنع على الصانع لكانوا يفقهونها لقوله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ : مَنْ

__________________

(١) المزمل (٧).

(٢) الأنبياء (٢٠).

(٣) البقرة (٣٠).

(٤) الصافات (١٦٥ ـ ١٦٦).

(٥) الإسراء (٤٤).

(٦) من (م).

(٧) الإسراء (٤٤).

٢٦٧

خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (١) وأجاب المحققون عنه بأن قالوا : دلالة المخلوقات على كونه تعالى منزها عن صفات المحدثات ونعوت الأجسام من أدق أبواب المعارف ، فكيف يمكن أن يقال : إن ذلك معلوم لكل أحد؟ ثم هؤلاء حملوا ذلك التسبيح على كونه دالا على جلالة الخالق وعلوه وكماله.

وقالوا : دلالة النطق أضعف من دلالة الذات لوجوه : الأول : إن دلالة النطق (تحتمل الكذب ودلالة الماهية لا تحتمل إلا الصدق. والثاني : إن دلالة النطق) (٢) وضعية يجوز تغيرها بتغير الأوضاع والاصطلاحات. وأما دلالة المحدثات على كون خالقها منزها مقدسا ، فهي دلالة ذاتية ، والدلالة الوضعية العرضية أضعف حالا من الدلالة الذاتية. والثالث : إن الدلالة النطقية اللفظية لا يسمعها إلا السمع الظاهر ، والدلالة الذاتية العقلية لا ينتفع بها إلا العقل.

ولما كان العقل الباطن أشرف من السمع كانت الدلالة الذاتية أشرف من اللفظية. والرابع : إن الدلالة النطقية غير باقية ، بل كما توجد تزول وتبطل. وأما الدلالة العقلية فإنها باقية (٣).

الاسم الحادي والعشرون : الطاهر ومعناه : المنزه عن النقائص ، والمبرأ عن العيوب ، فإن لفظ الطهارة كما ورد (في البراءة) (٤) عن القاذورات الحسية ، فكذلك ورد في البراءة عن الصفات الذميمة ، قال تعالى في صفة أهل بيت النبي : (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (٥) وسمى الصفات المذمومة نجاسة ، فقال : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (٦)

__________________

(١) لقمان (٢٥).

(٢) من (م).

(٣) فإنها أشرف (ت).

(٤) من (س).

(٥) الأحزاب (٣٣).

(٦) التوبة (٢٨).

٢٦٨

الاسم الثاني والعشرون : الطيّب قال عليه‌السلام : «إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب» والفرق بينه وبين الطاهر : أن الطاهر هو المبرأ عن العيب ، أما الطيب فهو الذي تحصل معنى الطهارة فيه ، مع أنه يكون منتفعا به ، لأن الطيب هو الذي تحصل منه رائحة طيبة ، وذلك نوع نفع ، فالطيب في حق الله سبحانه : أنه المنزه عن جميع العيوب وتكون جميع المنافع صادرة عنه.

الاسم الثالث والعشرون : الفرد وهو في مقابلة الزوج.

الاسم الرابع والعشرون : الوتر وهو في مقابلة الشفع. قال عليه‌السلام : «إن الله (١) وتر يحب الوتر» (٢) واعلم أن الوتر والفرد متقاربان. ومعناه عند أهل الحساب أنه : الذي لا ينقسم نصفين متساويين. واعلم أن الوتر أشرف من الشفع ويدل عليه وجوه : الأول : إن الفردانية صفة الله سبحانه ، والزوجية صفة الممكنات ، وصفة الحق ـ سبحانه ـ أشرف من صفة الخلق. والثاني : إن كل زوج فهو محتاج إلى الواحد (وهو فرد) (٣) والواحد غني عن كل الأعداد ، فالفرد أشرف من الزوج ، والثالث : إن الفرد مشتمل على الزوج والفرد معا ، لأن العدد الفرد يكون أحد قسميه زوجا والآخر فردا. أما الزوج ، فإما أن يكون كلا قسميه زوجا ، أو يكون كلاهما فردا. والمشتمل على النوعين أشرف من المشتمل على أحدهما. الرابع: إن الفرد لا يقبل التنصيف ، والزوج يقبله ، وعدم قبول القسمة قوة ، وقبولها ضعف. الخامس : إن جميع الأعداد إنما تتكون عن الواحد ، لأن الواحد إذا ضم إليه واحد آخر حصل اثنان ، وإذا ضم إليهما واحد آخر حصلت الثلاثة ، وقس الباقي عليه ، فيثبت أن الواحد علة لجميع الأعداد. لكن الواحد فرد. فالفرد أشرف. السادس : إن الوتر غالب. وذلك لأن الشفع والوتر إذا اجتمعا حصل الوتر ، لا الشفع. فدل على أن الوتر غالب على الشفع ، فكان الوتر

__________________

(١) إنه وتر (س).

(٢) الوتر هو الفرد. والحديث يبين أن الله واحد.

(٣) من (م).

٢٦٩

أشرف. السابع : إن الوحدة لازمة لجميع مراتب الأعداد ، فإن كل مرتبة من مراتب الأعداد إذا أخذت من حيث إنها تلك المرتبة كانت واحدة ، كقولك عشرة واحدة ، ومائة واحدة ، والوحدة وتر. فالوتر لازم لجميع مراتب الأعداد ، والزوج ليس كذلك. فكان الوتر أفضل من الشفع. والله أعلم (١).

القسم الرابع من أسماء الله : الأسماء الدالة على القدرة :

وهي كثيرة :

فالأول : القادر. قال تعالى : (قُلْ : هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ) (٢) وقال تعالى : (فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) (٣)

الثاني : القدير وهو غير وارد في الأسماء التسعة والتسعين إلا أنه كثير الورود في القرآن. قال تعالى : (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٤) واعلم أنه قد يوجد في اللغة العربية أمثلة مختلفة مأخوذة من الأفعال جعلت نعوتا ، وكان المقصود من بعض تلك الأمثلة تأكيد الفعل والمبالغة في الوصف ، ومن بعضها كون ذلك الفعل كالصفة اللازمة له ، فمن ذلك : بناء فعّال. إذا أراد تكثير الفعل ، ولهذا السبب أخذوا أسماء الصناع من هذا المثال كقولهم : حداد وبناء ونجار وفلاح وخياط (٥) ليدل ذلك على أن تكون هذه من هؤلاء الفاعلين. ومن ذلك صرفهم لفظ فاعل إلى فعيل مرة ، وفعول أخرى ، إذا أرادوا أن يجعلوا الصفة المضافة إلى الموصوف كالسجية اللازمة والخلقة اللازمة ، وذلك مثل صرفهم لفظ قادر إلى قدير ، وخابر إلى خبير ، وناصر إلى نصير ، وصرفهم : صابر إلى صبور ، وشاكر إلى شكور ، وغافر إلى غفور. والسبب في ذلك : أن كل من فعل فعلا ، قل ذلك الفعل أو كثر ،

__________________

(١) والله أعلم (م).

(٢) الأنعام (٦٥).

(٣) المرسلات (٢٣).

(٤) الملك (١).

(٥) تكون هذه (م). تكرير (س).

٢٧٠

ضعف فيه أو قوي. فإنه يجوز أن يشتق منه اسم الفاعل ، كمن يقول : دخل فهو داخل ، وخرج فهو خارج فإذا احتيج إلى تميز بين الفعل الذي يظهر من الفاعل مرة واحدة ، وبين الذي يظهر منه غالبا ، وكذلك إذا احتيج إلى أن يميز بين الفعل الذي يظهر منه على سبيل التكلف وبين الذي يظهر منه على سبيل الخلق والعادة ، وجب العدول إلى هذه الأمثلة ، ليتميز بواسطتها بعض هذه الأقسام عن بعض.

ومما يدل على أن الفعل أوكد من الفاعل ، أنه يقال سمع فهو سامع ، ورحم فهو راحم. وأما بناء الفعيل فإنه لا يستعمل إلا عند قصد تأكيد الفعل ، لأنا إذا قلنا سميع رحيم دل ذلك على تأكيد معنى الرحمة ، وتمكن هذا الفعل من طباع الموصوف به ، كالخلق الثابت، وكالطبع اللازم. ولهذا السبب كان لفظ القدير في القرآن أكثر من لفظ القادر ، ولفظ العليم أكثر من لفظ العالم.

الاسم الثالث : المقتدر قال تعالى : (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (١) ووزنه مفتعل من القدرة. قال بعضهم : قدر ، واقتدر ، بمعنى واحد. وأما المحققون فقد فرقوا بينهما ، لأن بناء افتعل دلالة على كمال حال القدرة ، فقولنا : اقتدر معناه : أن الفاعل متصرف في فعله كيف شاء وأراد ، لا يعوقه عن ذلك عائق ، ونظيره قوله كسب واكتسب. فإن كسب يستعمل فيما يكسبه (٢) الإنسان لنفسه ولغيره. وأما اكتسب فهو مختص بما يفعله الإنسان لنفسه (٣) قال تعالى : (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) (٤) وإنما خص الخير بالكسب ، والشر بالاكتساب ، لأن الخير قد يعمله الإنسان لنفسه ولغيره ، فلا جرم لا يكون فيه الجد والرغبة كاملا ، وأما الشر فلا يعلمه إلا لنفسه ، ليلتذ به ، فلا جرم كان الجد فيه أكمل ، فلا جرم خص بلفظ الاكتساب. وأيضا : أفعال الشر يمتنع

__________________

(١) القمر (٥٥).

(٢) يكتسبه الإنسان (س).

(٣) لنفسه (س).

(٤) البقرة (٢٨٦).

٢٧١

عنها بالزواجر الشرعية. فلا بد من الجد في إدخالها في الوجود ، وإلا لم تحصل (أفعال الخير) (١) لأن الموانع عنها دائمة.

الاسم الرابع والخامس : القوي المتين واعلم أن القادر على الشيء المؤثر فيه يسمى قويا عليه. وأيضا : الشيء الذي لا يتأثر عن غيره يسمى (قويا) (٢) كما يقال : هذا الحجر قوي. فالحاصل : أن القوة الفاعلة تسمى قوة ، والاستعداد الشديد لعدم الانفعال يسمى أيضا قوة ، وقد يسمى أيضا : متانة. ومعنى المتانة : الصلابة ، وهي مأخوذة من المتن ، الذي هو الظهر ، لأن استمساك أكثر الحيوان يكون بالظهر. فالقوة في حق الله تعالى. عبارة عن كونه قادرا على التأثير. والمتين في حقه عبارة عن امتناع تأثره عن غيره ، وذلك لأنه واجب الوجود لذاته ؛ في ذاته ، وفي جميع صفاته ، فيمتنع تأثره عن الغير (والله أعلم) (٣).

القسم الخامس من أسماء الله تعالى : الأسماء الدالة على العلم :

وهذه الألفاظ كثيرة :

أحدها : إثبات العلم لله تعالى قال تعالى : (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) (٤) وقال: (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ) (٥) وقال : (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) (٦) وقال : (وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) (٧) وقال : (فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ) (٨).

وثانيها : العالم قال تعالى : (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ)(٩).

وثالثها : العلّام قال تعالى : (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (١٠).

__________________

(١) زيادة.

(٢) قويا (س).

(٣) من (م).

(٤) لقمان (٣٤).

(٥) البقرة (٢٥٥).

(٦) النساء (١٦٦).

(٧) فاطر (١١).

(٨) هود (١٤).

(٩) الحشر (٢٢).

(١٠) المائدة (١١٦).

٢٧٢

ورابعها : الأعلم قال تعالى : (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) (١).

وخامسها : العلم قال تعالى : (الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (٢) و (عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) (٣) إلا أن هذا اللفظ لا يذكر في حق الله تعالى ، لأنه لفظ يوهم نوعا من الدناءة.

وسادسها : العليم قال تعالى : (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) (٤).

وسابعها : العلّامة يقال : رجل علّامة إذا وصف بكثرة العلم ، ولا يجوز استعماله في حق الله تعالى. لأن هذه اللفظة وضعت لمن خرج عن القلة والنقصان إلى الكثرة والكمال ، بسبب التكليف والارتباض. وذلك في حق الله تعالى محال.

الاسم الثاني : اللطيف قال تعالى : (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ؟ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (٥) واعلم أن «اللطيف» له معاني. فالأول : أن الشيء الصغير جدا ، الذي لا يحس به لغاية صغره يسمى لطيفا. وهذا في حق الله تعالى محال. فوجب حمله على لازمة ، وهو أن الحواس لا تقف عليه لكونه لطيفا ، وبهذا التفسير يكون من صفات التنزيه. الثاني : اللطيف هو العالم بدقائق الأمور وغوامضها ، يقال فلان لطيف اليد. إذا كان حاذقا في صنعته ، مهتديا إلى ما يشكل على غيره ، وعلى هذا التقدير فكونه لطيفا عبارة عن علمه. والثالث : اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون ، ويهيئ مصالحهم من حيث إنهم لا يحتسبون ، ومنه قوله تعالى : (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ) (٦) والرابع : قال الغزالي ـ رحمه‌الله ـ : «هذا الاسم

__________________

(١) الإسراء (٥٤).

(٢) الرحمن (١ ـ ٢).

(٣) النساء (١١٣).

(٤) الملك (١٣).

(٥) الملك (١٤).

(٦) الشورى (١٩).

٢٧٣

إنما يستحقه من يعلم حقائق المصالح وغوامضها ، ثم يسلك في اتصالها إلى المستحقين سبيل الرفق دون العنف. فإذا اجتمع هذا العلم وهذا الفعل فقد تم معنى اللطيف».

ثم إنه لا يتصور كمال هذا العلم ، وكمال هذا الفعل إلا لله ـ سبحانه ـ فإما علمه ـ سبحانه ـ بالدقائق فلا إشكال فيه لأن الخفي والجلي بالنسبة إلى علمه سيان. وأما رفقه في الأفعال ، ولطفه فيها ، فلا يدخل تحت الحصر.

وهاهنا (لا) (١) يجب شرح أنواع حكم الله في خلق السموات ، والكواكب والعناصر الأربعة ، والمواليد الثلاثة ، بل يجب أن نكتفي هاهنا بشرح لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة ، فقد تعاون على إصلاحها خلق لا يحصى عددهم ، من مصلح الأرض وزارعها وساقيها وحاصد حبّها ومنقيها وطاحنها وخابزها ، إلى غير ذلك ، فإن شرحها لا يتم في مجلدات ، فهو سبحانه من حيث دبر الأمور حكيم ، ومن حيث أوجدها : جواد ، ومن حيث رتبها : مصور ، ومن حيث وضع كل شيء في موضعه عدل ، ومن حيث لم يترك فيها دقائق وجوه الرفق لطيف ، ولن يعرف حقيقة لهذه الأسماء من لم يعرف حقيقة هذه الأفعال.

الاسم الثالث : الخبير وله تفسيران : الأول : أن الخبير هو العالم بكنه الشيء المطلع على حقيقته ، يقال فلان بهذا الأمر خبير ، وله به خبرة ، إلا أن الخبرة في صفة المخلوقين إنما تستعمل في العلم الذي يتوصل إليه بالاختبار والامتحان. والله منزه عنه ، والتفسير الثاني: الخبير بمعنى المخبر كالسميع بمعنى المسم ع ، والبديع بمعنى المبدع.

الاسم الرابع : الشهيد قال تعالى : (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)؟ (٢) وقال تعالى : (شَهِدَ اللهُ) (٣) واعلم أن الشهيد مبالغة من

__________________

(١) زيادة.

(٢) فصلت (٥٣).

(٣) آل عمران (١٨).

٢٧٤

الشاهد ، كالعليم من العالم ، والقدير من القادر ، وفي تفسيره وجوه : الأول : إنه العالم. قال تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) (١) و «الغيب» عبارة عما يظن و «الشهادة» عما ظهر. فإذا اعتبر العلم مطلقا فهو العليم ، وإذا أضيف إلى الغيب والأمور الباطنية فهو الخبير. وإذا اضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد. الثاني : إن الشاهد والشهيد هو الحاضر المشاهد. قال تعالى : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (٢) أي فمن حضر. وهذا الحضور إن كان بالعلم فهو الوجه الأول. وإن كان بالرؤية والإبصار كان وجها ثانيا. الثالث: الشهيد والشاهد ، هو الذي يثبت به الأمر المتنازع فيه بين الخصمين ، فكونه شهيدا معناه : أنه تعالى بيّن حقائق الأشياء ، وأظهرها ، ومن جملتها أنه بين توحيده وعدله وصفات جلاله بنصب الدلائل ، ووضع البينات ، ومنه قوله : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (٣) والرابع : إنه تعالى شهيد بمعنى المشهود له. وذلك لأن العباد يشهدون له بالوحدانية ، ويقرون له بالعبودية.

الاسم الخامس : الحفيظ قال تعالى : (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) (٤) وقال تعالى : (فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً) (٥) وقال : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (٦) واعلم أن الحفيظ مبالغة من الحافظ كالعليم من العالم.

وللحفيظ معنيان : أحدهما : ضد النسيان والسهو ، ويرجع معناه إلى العلم فهو تعالى حفيظ للأشياء بمعنى كونه تعالى عالما بجملها وتفاصيلها ، علما لا يتبدل بالسهو والنسيان. والثاني : الحفيظ. هو الذي ضده التضييع ، فهو سبحانه حافظ السموات والأرضين. قال تعالى : (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) (٧)

__________________

(١) الرعد (٩).

(٢) البقرة (١٨٥).

(٣) آل عمران (١٨).

(٤) البقرة (٢٥٥).

(٥) يوسف (٦٤).

(٦) الحجر (٩).

(٧) البقرة (٢٥٥).

٢٧٥

وحافظ للكتب الإلهية عن التحريف (١) قال تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (٢).

الاسم السادس : الرقيب قال تعالى حكاية عن عيسى عليه‌السلام :(فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) (٣) والرقيب الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء. ومنه قوله تعالى : (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (٤) قال الخطابي : وهو في نعوت الآدميين : الموكل بحفظ الشيء المترصد له ، المحترز عن الغفلة فيه. وأما مراقبة العبد ربه فهي علم العبد باطلاع الحق عليه ، فاستدامته لهذا العلم هي (المسماة) (٥) بمراقبة الله تعالى. وهذه المراقبة مفتاح كل الخيرات ، فإن العبد إذا تيقن أن الله مراقب لأحواله ، مطلع على ضمائره ، سامع لأقواله ، لا يغيب عن علمه النقير والقطمير والصغير والكبير ، خاف سطوات عقابه في كل حال ، وهابه في كل مقال ، عالما بأنه الحكيم الرقيب ، والشاهد الذي لا يغيب.

الاسم السابع : المهيمن قال تعالى : (السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) (٦) وهو اسم لمن كان موصوفا بمجموع صفات ثلاثة : أحدها : العلم بأحوال الشيء. والثاني : القدرة التامة على تحصيل مصالح ذلك الشيء. والثالث : المواظبة على تحصيل تلك المصالح ، فالجامع لهذه المعاني : اسم المهيمن. ولن تجتمع هذه الصفات على الكمال إلا لله ـ سبحانه ـ

واعلم أنا لما انتهينا إلى هذا الموضع عرض ما أوجب قطع هذا النوع من الكلام.

ونختم هذا الباب بنوعين من البحث :

__________________

(١) اليهود حرفوا التوراة ، والنصارى حرفوا الإنجيل.

(٢) الحجر (٩).

(٣) المائدة (١١٧).

(٤) ق (١٨).

(٥) من (م ، س).

(٦) الحشر (٢٣).

٢٧٦

أما النوع الأول : فهو أن تأثير قدرة الله تعالى في خلق الأجناس والأنواع والأصناف والأشخاص بحسب الذوات وبحسب الصفات ، وبحسب آثار الحكمة في تخليق تلك الذوات الموصوفة بتلك الصفات المخصوصة تكاد تكون غير متناهية ، ولهذا السبب جعل الله تعالى بحسب كل نوع منها اسم خاص. وكل من كان أكمل عرفانا بأقسام مخلوقات الله تعالى ، وأكثر وقوفا على آثار حكمته في تخليقها كان علمه بأسماء الله أكبر. فهذا هو السر ، والعمدة في هذا الباب.

والنوع الثاني من البحث : أن هذه الرقى العزائم المذكورة بالألفاظ المجهولة ، إما أن تكون من أسماء الله أو من أسماء الملائكة أو من أسماء الشياطين.

ولا شك أن أشرفها وأقوالها في التأثير هو أسماء الله. ولما بينا أنها محصورة في هذه الأقسام التي لخصناها ، علمنا أن منتهى الأمر في تلك الألفاظ المجهولة أن تكون دالة على هذه الصفات ، فلعل السبب في تأثيرات تلك الألفاظ : أن قارئها إذا لم يكن عالما بها فإنه يستولي على قلبه نوع خوف وفزع ، فيحصل في ذلك الوقت اتصال بجوهر النفس الناطقة بعالم المفارقات والمقدسات ، فتقوى التأثيرات. لهذا السبب (والله أعلم بالصواب) (١).

__________________

(١) من (م ، ت).

٢٧٧
٢٧٨

الفصل السادس

في

إثبات كونه تعالى حكيما

اعلم (١). أن الحكمة مفسرة بأمرين : أحدهما : الحكمة النظرية ، وهي معرفة حقائق الأشياء. وعلم الله تعالى أكمل العلوم وأفضلها ، فوجب أن تكون حكمته أفضل أنواع الحكمة ، وأكملها. والثاني : الحكمة العملية ، وهي عبارة عن الفعل المفضي إلى حصول المنفعة ودفع المضرة.

ثم نقول : إن كان المقصود من ذلك الفعل إيصال النفع إلى النفس ، ودفع الضرر عن النفس ، فهذا هو المسمى بداعي الشهوة ، وإن كان المقصود من ذلك الفعل إيصال النفع إلى الغير ودفع الضرر عن الغير ، فهذا هو المسمى بداعي الحكمة. ولما ثبت بالدلائل أن الله تعالى منزه عن الشهوة والنفرة ، والألم واللذة. كانت داعية الشهوة ممتنعة الثبوت في حقه.

بقي الكلام في إثبات داعية الحكمة لله تعالى. فنقول : للفلاسفة في تقرير هذا المطلوب طريق. وللمعتزلة طريق آخر. ونحن نذكر كل واحد منهما على الوجه الأحسن (٢).

أما طريق الفلاسفة : فهو أنهم قالوا : إن العقل يحكم بأن الموجود. إما

__________________

(١) الفصل الثامن عشر [الأصل].

(٢) اللائق (س).

٢٧٩

أن يكون خيرا محضا ، وإما أن يكون مشتملا على الخير والشر ، إلا أن الخير غالب ، وإما أن يكونا متساويين ، وإما أن يكون الخير مغلوبا ، وإما أن يكون شرا محضا. قالوا : أما الخير المحض ، فالحكمة تقتضي إيجاده وتكوينه. وأما الذي يكون مشتملا على الخير والشر ، إلا أن الخير غالب على الشر فالحكمة تقتضي أيضا تكوينه لأن ترك الخير الكثير ، لأجل الشر القليل شر كثير ، ولا يمكن أن يقال : فلم لم يخلق الخالق هذا القسم بحيث يكون خاليا عن ذلك الشر القليل؟ لأنا نقول (عن) (١) الكلام في الخير الذي يمتنع عقلا أن ينفك عن ذلك الشر القليل : هذا القسم مما تقتضي الحكمة تكوينه لأن تحصيل ذلك الخير الكثير ، منفكا عن ذلك الشر القليل ، لما كان محالا عقلا. لم يبق إلا أحد أمرين : أحدهما : أن نترك ذلك الخير الكثير : لأجل الحذر عن ذلك الشر القليل. وقد بينا أن ترك الخير الكثير (لأجل الشر القليل) شر كثير (٢) (والثاني : أن نرضى بذلك الشر القليل لأجل الرغبة في تحصيل ذلك الخير الكثير) (٣) فيثبت أنه حصل التعارض في هذا القسم بين (تحمل الشر الكثير وبين تحمل الشر القليل ، وصريح العقل ناطق بأن) (٤) تحمل الشر القليل أولى من تحمل الكثير ، فيثبت بهذا أن القسم الذي يكون خيره راجحا على شره ، فإنه واجب التحصيل في الحكمة. وأما القسم الثالث وهو الذي يتعادل فيه الخير والشر ، فالحكمة لا تقتضي إيجاده. وأما الرابع والخامس فظاهر أنه على ضد الحكمة.

إذا ثبت هذا فنقول : مخلوقات الله تعالى إما خيرات محضة ، وإن كانت مشتملة على الشر ، إلا إن الخير فيها أغلب ، فإن الجائع وإن كان كثيرا (٥) ، إلا أن الشبعان أكثر ، والمريض وإن كان كثيرا ، إلا أن الصحيح أكثر ، والمعيوب

__________________

(١) زيادة.

(٢) من (م).

(٣) من (م).

(٤) من (م).

(٥) أقل (س).

٢٨٠