المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٣
  نسخة غير مصححة

فنقول : إما أن يكون محل هذين المربعين الواقعين على الطرفين شيئا واحدا ، أو شيئين متباينين بحسب الوضع والحيز ، والأول باطل. لأن هذين المربعين متساويان في تمام الماهية وفي جميع لوازمها فيكونان متساويين في قابلية جميع الصفات والأحوال. فإذا فرضنا حصولهما في محل واحد فحينئذ يمتنع أن يمتاز أحدهما عن الآخر بالماهية أو بشيء من لوازم الماهية. ويمتنع أيضا حصول الامتياز بشيء من عوارض الماهية ، لأن كل أمر يفرض كونه عارضا لأحدهما ، كان الثاني قابلا له ، وتكون نسبة ذلك العارض إلى أحدهما ، كنسبته إلى الثاني. لأنا قد فرضناهما حالين في محل واحد. وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ يستحيل كون أحدهما موصوفا بذلك العارض دون الآخر ، بل يكون كل واحد منهما موصوفا به ، فيصير ذلك العارض مشتركا فيه بينهما ، والمشترك فيه لا يفيد الامتياز ، فيثبت أن هذين المربعين ، لو حصلا في محل واحد ، لما بقي الامتياز البتة ، لكن الامتياز حاصل لا محالة ، فهما حصلا في محلين ، يمتاز كل واحد منهما عن الآخر بالوضع والحيز ، فيثبت أن مدرك هذه الصورة وأمثالها لا بد وأن يكون جسما أو جسمانيا وواجب الوجود قد ثبت أنه ليس بجسم ولا بجسماني ، فيمتنع كونه مدركا لها.

فهذا تمام الكلام في تقرير هذه الشبهة.

ولقائل أن يقول : هذا الكلام بناء على أن إدراك الشيء مشروط بكون المعلوم حاضرا في ذهن العالم. وقد سبق إبطاله بوجوه ، لا يبقى للعاقل فيها شك البتة.

الحجة الثالثة : للقوم على امتناع كونه تعالى عالما بالجزئيات : أن قالوا : إن العلم بأن الشيء الفلاني موجود ، وبأن الشيء الفلاني معدوم تابع للمعلوم. فإن كان ذلك الشيء موجودا تعلق العلم بكونه موجودا ، وإن كان معدوما تعلق العلم بكونه معدوما. ولا يصح أن يقال : إن ذلك الشيء إنما وجد ، لأن العلم تعلق بوجوده ، وإنما عدم لأن العلم تعلق بعدمه. وذلك لأن

١٦١

العلم بالشيء ، صورة مطابقة لذلك المعلوم في نفسه ، وكون هذه الصورة مطابقة له ، موقوف على تحققه في نفسه ، ولا يمكن أن يقال : إن كونه متحققا في نفسه ، موقوف على كون هذه الصورة مطابقة له.

إذا ثبت لنا هذا الأصل. فنقول : لو وجب اتصاف ذات الله تعالى بهذه العلوم. وقد دللنا على أن حصول هذه العلوم موقوف على وقوع تلك المعلومات في أنفسها على تلك الوجوه المخصوصة. فحينئذ تكون ذاته المخصوصة مفتقرة إلى حصول تلك العلوم. وقد عرفت (أن حصول تلك العلوم يكون موقوفا على وقوع تلك المعلومات ، على تلك الوجوه المخصوصة. وقد عرفت (١)) أن الموقوف (على الموقوف) (٢) على الشيء يجب كونه موقوفا على الشيء (٣) فيلزم أن تكون ذاته تعالى متوقفة التحقق على تحقق هذه الممكنات ، والمفتقر إلى وجود الممكنات أولى بالإمكان ، فيلزم أن يكون واجب الوجود لذاته ، ممكن الوجود لذاته. وذلك محال.

وهذا بخلاف علمه ـ سبحانه ـ بالماهيات والحقائق. فإن ذلك العلم حاصل سواء كانت تلك الحقائق حاصلة ، أو لم تكن ، وحينئذ تكون ذاته المخصوصة كافية في ثبوت تلك العلوم ، ولا يلزم توقف ذاته تعالى على حصول غيره. فإما العلم بأن زيدا جالس في هذا المكان (فإنه ممتنع الحصول إلا عند كون زيد جالسا في هذا المكان) (٤) فحينئذ لا تكون ذات الله ـ تعالى ـ المخصوصة كافية في حصول هذه العلوم ، بل لا بد معها من اعتبار حصول (٥) تلك المعلومات ووقوعها على تلك الوجوه المخصوصة ، وإذا لم تكن ذات الله كافية في حصول هذه العلوم فحينئذ يلزم المحذور المذكور.

__________________

(١) من (م).

(٢) من (س).

(٣) على وقوع تلك المعلومات على تلك الوجوه المخصوصة. وقد عرفت أن الموقوف : سقط (ت).

(٤) من (م).

(٥) حصول (م).

١٦٢

ولقائل أن يقول : فهذا الكلام يمنع من كونه مؤثرا في الغير ، لأن التأثير في الغير نسبة مخصوصة بينه وبين الغير (وذلك مما لا يتم إلا بالغير ، فلو كان مؤثرا في الغير) (١) لزم افتقاره إلى الغير ، ويمكن ذكر الفرق بينهما من بعض الوجوه. والله أعلم (٢).

وهاهنا آخر الكلام في حكاية قول من أنكر العلم بالجزئيات.

أما القائلون بكونه تعالى عالما بالجزئيات ، فقد احتجوا عليه بوجوه :

الحجة الأولى : قالوا : قد دللنا على أنه تعالى فعل أفعالا محكمة متقنة. وبينا أن من كان فعله محكما متقنا يجب أن يكون عالما بفعله ، فوجب أن يكون تعالى عالما بأفعال نفسه ومن المعلوم أن الإحكام والإتقان إنما يظهر في الأشخاص الجزئية التي خرجت إلى الوجود ، فيثبت أن الذي دلنا على كونه تعالى عالما ، هو بعينه يدلنا على كونه عالما بالجزئيات.

الحجة الثانية : أن نقول : الشيء الشخصي الجزئي له ماهية ، وله أيضا تشخص وتعين. وذلك التشخص والتعين ، إما أن يكون عين تلك الماهية ، وإما أن يكون زائدا عليها ، فإن كان عينها فالعلم بالعلم (٣) بالماهية يكون علما بعينها. فذلك التشخص ، من حيث إنه ذلك المعين يكون (٤) معلوما ، وإن كان تشخص ذلك الشخص مغايرا لتلك الماهية ، فذلك التشخص أيضا ماهية من الماهيات الممكنة (٥).

والفلاسفة سلموا أن العلم بالعلم بالعلة (٦) يوجب العلم بالمعلول ،

__________________

(١) من (م).

(٢) والله أعلم (م).

(٣) بالعلم (م).

(٤) يكون (س).

(٥) الممكنة (س).

(٦) بالعلم (س).

١٦٣

فعلم الله تعالى بذاته المخصوصة ، يوجب كونه عالما بالأمور التي بها حصل ذلك التشخص ، وذلك التعين. فوجب أن يكون عالما بذلك التشخص من حيث إنه هو ، فيثبت أن قولهم : العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول ، يوجب عليهم الاعتراف بكونه تعالى عالما بالأشخاص من حيث إنها تلك الأشخاص المعينة (١).

الحجة الثالثة في إثبات كونه تعالى عالما بالجزئيات المعينة : هو أن العلم بالأشياء صفة مدح وكمال والجهل بها صفة نقصان ، والله تعالى أكمل الموجودات وأجلها ، فوجب أن يكون وصفة بصفات الكمال والجلال أولى من وصفه بصفات النقصان.

الحجة الرابعة : إنا نرى أهل الدنيا ، الصديق والزنديق ، والموحد والملحد ، إذا وقعوا في بلية أو محنة ، فإنهم يتضرعون إلى الله تعالى ، ويطلبون منه أن يخلصهم من تلك البلية ، ولو أنه كان من أشد الناس إنكار لكونه تعالى عالما بالجزئيات ، فإنه إذا وقعت له هذه الحالة المذكورة ، فلا بد وأن يقدم على الدعاء والتضرع والخضوع. وهذا يدل على أن الفطرة الأصلية شاهدة بأن إله العالم قادر على المقدورات ، عالم بالأسرار والخفيات. ومعلوم أن شهادة أصل الفطرة أقرب إلى القبول من هذه التقسيمات الخفية ، والمطالب الغامضة ، فوجب القطع بأن إله العالم عالم بالجزئيات ، قادر على دفع الحاجات ، وأظن أن قول إبراهيم ـ صلوات الله عليه ـ لأبيه : «يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ، ولا يغنى عنك شيئا» (٢)؟ إنما كان لأجل أن أباه كان على دين الفلاسفة ، وكان ينكر كونه تعالى قادرا ، وينكر كونه تعالى عالما بالجزئيات ، فلا جرم خاطبه بذلك الخطاب. وهذا ما عندي في هذه المسألة. والله أعلم.

__________________

(١) المعينة (س).

(٢) مريم ٤٢.

١٦٤

الفصل السابع

في

بيان كونه تعالى عالما بالمعدومات

اعلم (١) أن القائلين بكونه تعالى عالما بالجزئيات ، اختلفوا. فمنهم من قال : إنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند دخولها في الوجود. أما قبل وجودها فهو غير عالم بها ، وإنما يكون عالما بالماهيات فقط. وهذا قول جهم وهشام. والأكثرون اتفقوا على أنه تعالى عالم بهذه الجزئيات ، قبل دخولها في الوجود. واعلم أن هذا البحث مبني على أن المعدوم يصح أن يكون معلوما. فنقول : الدليل عليه من وجوه :

الأول : إنا نعلم أن الشمس غدا تطلع من مشرقها. وطلوعها غدا من مشرقها معدوم في الحال.

فهذا يدل على أنه يمكننا أن نعلم المعدومات.

الثاني : إنا قد دللنا على أن صدور الفعل المحكم المتقن عن الفاعل مشروط بكونه عالما بذلك الفعل. والشرط متقدم على المشروط فيكون الفاعل عالما بأفعاله. وعلمه متقدم على (٢) كونه موجدا لها ، أي هو متقدم على وجودها ، والسابق على الشيء يجب كونه سابقا على الشيء. فهذا

__________________

(١) الفصل السادس في (س).

(٢) زيادة.

١٦٥

يقتضي أن يكون علمه تعالى بأفعاله سابقا عليها في الوجود ، وذلك يدل على أن العلم بالمعدوم جائز.

الثالث : لا شك أن العلم بالماهيات لا يتوقف على كونها موجودة في أنفسها. فإنا قد نعرف حقائق المعلومات (١) حال كوننا جاهلين بوجودها ، وأيضا : إذا قلنا : الشيء إما أن يكون موجودا أو معدوما ، فقد تصورنا في هذا التقسيم معنى العدم ، وإذا أمكن تصور الماهية قبل وجودها وأمكن تصور العدم أيضا ، وجب أن يكون تصور الماهيات المعدومة أيضا : ممكنا.

الرابع : وهو أن الواحد منّا ، إذا أراد أن يفعل فعلا. مثل بناء دار ، أو خياطة قميص، فإنه يتصور ذلك العمل أولا ، ثم يدخله في الوجود ثانيا. وذلك يدل على أن المعدوم يصح أن يكون معلوما ، وإذا ثبت أن المعدومات يصح أن تكون معلومة فنقول : المقتضى لحصول العالمية هو ذاته المخصوصة. فلم تكن تلك الذات باقتضاء العالمية (ببعض ما يصح ، أولى منها باقتضاء العالمية) (٢) بالبواقي. فإما أن لا يوجب شيئا منها ، وهو باطل. وإما أن يوجب العلم بكل ما يصح أن يكون معلوما وذلك هو المطلوب.

واحتج المخالف بأشياء :

الحجة الأولى : قالوا : لو كان الله تعالى عالما بهذه الجزئيات قبل وقوعها لبطلت الربوبية ولبطلت العبودية. أما بطلان الربوبية ، فلأن الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع. وما كان واجب الوقوع امتنع كون القادر قادرا عليه ، فوجب أن لا يقدر الله على شيء. وذلك يقدح في الربوبية وأما بطلان العبودية فلأن غير ما ذكرناه يقتضي أن لا يقدر العبد على شيء البتة ، وذلك يمنع من كونه قادرا على العبودية. وأيضا : فإنا نجد بالضرورة من أنفسنا أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه ، وإن شئنا الترك قدرنا عليه ، فالقول بأنه لا قدرة لنا على الفعل والترك مكابرة في المحسوسات والقول بأنه تعالى عالم بالجزئيات قبل دخولها

__________________

(١) المضلعات (م).

(٢) من (س).

١٦٦

في الوجود يمنع من تلك القدرة ، فكان القول به باطلا.

الحجة الثانية : قالوا الشيء قبل دخوله في الوجود عدم محض ونفي صرف ، والعدم المحض يمتنع أن يحصل فيه الامتياز والاختصاص (بالصفة والخاصية ، وكل معلوم فإنه لا بد وأن يكون متميزا عن غيره ، وأن يكون موصوفا بصفات) (١) وخواص لأجلها يحصل ذلك الامتياز. وهذا القياس ينتج أن المعدوم يمتنع كونه معلوما ، ولا يقال : إنا إذا قلنا : الماهيات متقررة حال العدم ، فقد زال هذا السؤال. لأنا نقول : هذا لا يفيد المطلوب. وذلك لأن القائلين بأن المعدوم شيء ، لا يقولون : إن تلك الذوات المعدومة تكون مؤلفة مركبة موصوفة بالشكل واللون والحصول في الحيز (٢) ، فيلزمكم أن تقولوا : إنه تعالى لا يعلم كون الذوات موصوفة بهذه الصفات ، إلا عند دخولها في الوجود ، وأنتم لا تقولون به ، وإذا جاز أن تقولوا : إنه تعالى يعلم كون هذه الذوات موصوفة بهذه الصفات. مع أن هذا غير حاصل في العدم ، فلم لا يجوز أن يقال أيضا : إنه تعالى يعلم بالماهيات قبل حصولها. مع أنها لا تكون حاصلة في العدم؟

الحجة الثالثة : أن نقول : قد بينا أنه لا معنى للعلم إلا أنه نسبة مخصوصة وإضافة مخصوصة تحصل بين العالم وبين المعلوم ، وحصول الإضافة بين الأمرين مسبوقة بتقرير كل واحد منهما ، فوجب أن يكون العلم بالمعلوم مسبوقا بتقرير ذلك المعلوم في نفسه ، لكن المعلوم إذا كان معدوما فهو إنما ينتقل إلى الوجود بتأثير القدرة فيه ، فيكون حصوله متأخرا عن تأثير القدرة فيه ، الذي هو مشروط بكونه عالما به. فيلزم وقوع الدور وهو محال.

واحتج من طعن في كونه تعالى عالما بكل ما يصح أن يكون معلوما بوجوه : الحجة الأولى : قالوا : لو كان الأمر كذلك لوجوب كونه تعالى عالما بما لا

__________________

(١) من (م).

(٢) فى (س) تصحيف.

١٦٧

نهاية له من المعلومات ، فإذا اعتبرنا علمه بمعلوم واحد ، نقول : إنه يصح أن يعلم كونه عالما بذلك المعلوم ويصح أيضا أن يعلم كونه عالما بكونه عالما به ، وهكذا في سائر المراتب التي لا نهاية لها ، فلو وجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما في نفسه لحصل في علمه بذلك المعلوم الواحد مراتب لا نهاية لها في العلوم (١) وتكون كل مرتبة أخيرة منها مفرعة على المرتبة المتقدمة ، فيلزم حصول علل ومعلومات لا نهاية لها دفعة واحدة. وذلك باطل.

لا يقال هذا بناء على أن العلم بالعلم بالشيء ، مغاير للعلم بالشيء ، فما الدليل على أن الأمر كذلك؟ ثم نقول : المعلوم لا يكون علة لحصول العلم به ، فلم يلزم من حصول هذا المعلوم حصول علل ومعلولات غير متناهية؟ ونجيب عن الأول فنقول : الذي يدل على أن العلم بالعلم بالشيء مغاير للشيء وجوه : الأول : إن المعلوم مغاير للعلم (فوجب أن يكون العلم بأحدهما مغاير للعلم) (٢) بالآخر. والثاني : إنه يمكننا أن نعلم الشيء حال ما نكون غافلين عن العلم بالعلم به ، والموجود مغاير للمعدوم. فوجب أن يكون العلم بالشيء مغاير للعلم بالعلم به (٣).

الثالث : وهو أنه لو كان العلم بالشيء نفس العلم بالعلم به ، فيلزم أن تكون هذه المرتبة الثالثة (٤) نفس المرتبة الثالثة ، وكذا القول في سائر المراتب. فعند العلم بالشيء ، يلزم أن تكون كل المراتب حاضرة بالفعل ، ولما علمنا بالضرورة أنه ليس الأمر كذلك علمنا أن العلم بالعلم بالشيء مغاير للعلم بذلك الشيء.

وأما السؤال الثاني : وهو قوله : المعلوم لا يكون علة للعلم به (٥) ، فلم

__________________

(١) العلوم (م).

(٢) من (م).

(٣) بالعلم (م).

(٤) الثانية (م).

(٥) به (م).

١٦٨

يلزم من حصول (مراتب لا نهاية لها في هذه العلوم حصول) (١) علل ومعلولات لا نهاية لها دفعة؟ فنقول : الجواب عنه من وجهين : الأول : إن الذات الموصوفة موجبة للعلم وكل مرتبة من تلك المراتب فإنها شرط لتأثير الذات المخصوصة في المرتبة الثانية ، وشرط العلة يجري مجرى نفس العلة وحينئذ يعود السؤال المذكور. والثاني : وهو أن كل مرتبة متقدمة من هذه العلوم فإنها مستلزمة للمرتبة المتأخرة. فالدليل الدال على بطلان علل ومعلولات لا نهاية لها يكون بعينه قائما في هذه الصورة. والله أعلم (٢).

الحجة الثانية : إن ما لا نهاية له يمتنع كونه ممتازا عن الغير ، وكل معلوم فإنه يجب كونه ممتازا عن الغير ، ينتج أن ما لا نهاية له يمتنع كونه معلوما ، أما الصغرى فظاهرة لأن الامتياز عن الغير إنما يعقل فيما إذا كان كل واحد من المتميزين منفصلا عن الآخر وخارجا عنه ، والذي خرج عنه غيره وانفصل عنه غيره ، يكون محدودا متناهيا ، فالقول بأنه غير متناهي محال ، وأما الكبرى فظاهرة ، وذلك لأن المعلوم إنما يكون معلوما إذا كان بحيث يميزه العقل عما ليس هو ، إذ لو لم يكن كذلك لامتنع كونه معلوما ، فيثبت بما ذكرنا : أن ما لا نهاية له يمتنع كونه متميزا عن غيره ، وثبت أن كل ما كان معلوما ، فإنه يجب كونه متميزا عن غيره ، ينتج أن لا ما لا نهاية له ، يمتنع كونه معلوما.

الحجة الثالثة : لو كان عالما بما لا نهاية له ، لحصل في ذاته صفات لا نهاية لها. وهذا محال. فذاك محال. بيان الملازمة من وجهين :

الأول : إنا قد بينا أن العلم عبارة عن النسبة الحاصلة ، وعن الإضافة الخاصة ، فلو كانت المعلومات غير متناهية لحصلت في ذاته نسب موجودة غير متناهية. وليس لقائل أن يقول : هذه النسب والإضافات لا وجود لها في الأعيان ، لأن العلم لما كان عبارة عن هذه النسب وهذه الإضافات لزم من نفيها في الأعيان ، نفي كونه تعالى عالما. وذلك باطل. فيثبت أنه تعالى لو كان

__________________

(١) من (م).

(٢) من (م).

١٦٩

عالما بما لا نهاية له لحصلت في ذاته موجودات لا نهاية لها.

وأيضا : العلم عند الفلاسفة عبارة عن صور مطابقة للمعلومات ، فلو كان تعالى عالما بما لا نهاية له ، لزم أن لا (١) يحصل في ذاته (صور لا نهاية لها ، فيثبت أن على التقديرين لو كان تعالى عالما بما لا نهاية له لزم أن يحصل في ذاته) (٢) صفات لا نهاية لها وهي إما النسب عند من يقول : العلم عبارة عن النسبة المخصوصة ، وأما الصور المطابقة للمعلومات عند من يقول العلم عبارة عن صور مطابقة.

الوجه الثاني : في تقرير هذه المقدمة : إن قولنا : إنه عالم بهذا ، يناقضه قولنا : إنه ليس عالما بهذا ، ولا يناقضه إنه ليس عالما. وذلك يدل على التغاير. وأيضا : يمكننا أن نعتقد كونه عالما بهذا المعلوم ، مع الذهول عن كونه عالما بذلك المعلوم الآخر ، وذلك أيضا يوجب التغاير ، فيثبت بهذين الوجهين أنه تعالى لو كان عالما بمعلومات لا نهاية لها ، لكان قد حصل في ذاته صفات لا نهاية لها.

وأما بيان أن حصول صفات لا نهاية لها في ذاته محال ، من وجهين :

الأول : إن كل عدد موجود فإنه قبل الزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك فهو متناهي.

الثاني : إن كل واحد من تلك المعلومات التي لا نهاية لها ، له بعينه أحكام غير متناهية ، فإن تلك الماهية مغايرة لكل ما سواها من الماهيات التي لا نهاية لها. والجوهر الفرد يمكن حصوله في أحياز غير متناهية على البدل وفي أوقات متناهية على البدل ، وموصوفا بصفات غير متناهية على البدل ، فيثبت أنه حصل في كل واحد من آحاد المعلومات أحكام غير متناهية ، فحينئذ يلزم أن يكون عالما بما لا نهاية له ، لا مرة واحدة ، بل مرارا ، لا نهاية لها ، وذلك

__________________

(١) لا (س).

(٢) من (م).

١٧٠

يوجب أن يصير غير المتناهي مضاعفا مرات غير متناهية ، وذلك محال ، لأن التضعيف عبارة عن ضم شيء إلى شيء آخر ، وضم أحد الشيئين إلى الآخر ، إنما يكون لو كان كل واحد منهما خارجا عن الآخر ، والشيء الذي يخرج عنه غيره يكون متناهيا فيثبت أن قبول التضعيف والتثنية من خواص المتناهي (فغير المتناهى) (١) لا يكون قابلا له. وهذا تمام الكلام في حكاية شبهات المخالفين.

واعلم. أن الشبهة الأولى ، وهي قوله : إنه تعالى (لو كان) (٢) عالما بالجزئيات قبل وقوعها ، لوجب بطلان الربوبية والعبودية ، فهذا إشارة إلى أن القول بالحيز يوجب هذا المحال. وسيأتي الكلام فيه في مسئلة الحيز. وأما الشبهة الثانية : وهي قولهم : المعدوم يمتنع أن يكون معدوما. فقد أبطلناه بالدلائل القاهرة في أول هذا الفصل. وأما الشبهة الثالثة : وهي أن العلم بالعلم بالشيء مغاير للعلم بالشيء ، فهذا يقتضي وجود أسباب ومسببات لا آخر لها ، ولا يقتضي نفي الأولية عنها وأما الشبهة الرابعة. وهي قولهم : ما لا نهاية له لا يحصل فيه الامتياز. فجوابه : إن كل واحد منها ممتاز عن غيره ، وذلك يكفي في كون كل واحد منها معلوما. وأما الشبهة الخامسة : وهي قولهم : إنه يلزم حصول صفات لا نهاية لها (في ذاته تعالى) (٣) فجوابه : إن هذه التعلقات نسب وإضافات غير متناهية (وحصول نسب وإضافات غير متناهية) (٤) لا يكون ممتنعا بدليل أن واحد نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة. فهذه النسب غير متناهية ، وهي بأسرها حاصلة ، فيثبت أن القول بهذا غير ممتنع. والله أعلم.

__________________

(١) من (م).

(٢) زيادة.

(٣) من (س).

(٤) من (س).

١٧١
١٧٢

الباب الرّابع

في

كونه تعالى مريدا

اعلم (١) أن الكلام يقع في هذا الباب من ثلاثة أوجه :

الأول : في البحث عن معنى الإرادة.

والثاني : في ذكر ما استدلوا به على كونه ـ تعالى ـ موصوفا بهذه الصفة (٢).

والثالث : في دلائل المنكرين.

__________________

(١) الفصل السابع عشر (س) السابع (م) الثامن (ت).

(٢) الصفات (س).

١٧٣
١٧٤

الفصل الأول

في

البحث عن حقيقة الإرادة

(وفي هذا البحث مسائل :

المسألة الأولى) (١) : قالت الفلاسفة : إنا نجد من أنفسنا : أنا إذا تصورنا : أن لنا في الفعل الفلاني منفعة خالصة أو راجحة ، حصل في نفوسنا ميل إلى تحصيل تلك المنافع ، إذا تصورنا : أن لنا في الفعل الآخر مضرة خالصة ، أو راجحة حصل في نفوسنا ميل إلى الدفع والمنع. ونحن سمينا الميل إلى الجذب والتحصيل بالإرادة ، وسمينا الميل إلى الدفع والمنع بالكراهية. وهذا القدر معلوم ، فإن كان المراد من الإرادة والكراهية هذا ، فهذا ممتنع الثبوت في حق الله تعالى ، لأن هذا إنما يعقل ثبوته في حق من يصح عليه اللذة والألم والمنفعة والمضرة ، وذلك في حق الله تعالى محال ، فكان إثبات الرغبة في جلب المنافع والنفرة عن وصول المضار في حق الله تعالى محالا. وهذا إذا أريد بالإرادة والكراهية هذا المعنى وأما ، إذا أريد بهما معنى آخر فلا بد فيه من إفادة تصوره ، لننظر فيه أنه هل يصح ذلك في حق الله تعالى أم لا؟ قال المتكلمون : الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير وجوب ، ومن غير تكوين. هذا هو المراد من صفة الإرادة. والذي يدل على أن هذه الصفة موجودة أمران :

__________________

(١) زيادة.

١٧٥

الأول : إن المخير بين شرب القدحين ، وأكل الرغيفين ، فإنه يختار أحدهما على الآخر ، لا لمرجح ، وكذلك الهارب من السبع الضاري إذا وصل إلى موضع يتشعب منه طريقان متساويان من جميع الوجوه ، فإنه يختار أحدهما دون الثاني ، من غير أن يحصل بسبب ذلك الترجيح منفعة زائدة ، أو يندفع بسببه مضرة زائدة ، وهاهنا حصلت الإرادة من غير أن يحصل معها جلب النفع ، أو دفع الضرر.

والثاني : إن المريض قد يشتهي تناول الفاكهة جدا ، مع أنه لا يأكلها ويحترز عنها ، فههنا ميل الطبع قائم والإرادة غير حاصلة ، والرجل الزاهد العابد قد يريد إقامة الصلوات والعبادات مع أنه لا يشتهي الإقدام عليها ، لما فيها من المتاعب والمشاق بها. فههنا الإرادة حاصلة مع أن ميل الطبع غير حاصل. فظهر بهذا : الفرق بين ميل الطبيعة وبين الإرادة.

قالت الفلاسفة : أما قولكم : الإرادة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير وجوب ، ومن غير تأثير كلام مشكل من وجهين (١) :

الأول : أن هذا الكلام يقتضي إثبات مؤثر يؤثر لا على سبيل الوجوب ، وحينئذ تعود المباحث المذكور في باب تأثير القادر. وذلك لأن المؤثر إما أن يكون مستجمعا لجميع الأمور المعتبرة في المؤثرية. وإما أن لا يكون. فإن كان الأول وجب ترتب الأثر عليه ، فيكون ذلك المؤثر مؤثرا على سبيل الوجوب ، لا على سبيل الصحة ، وإن كان الثاني كان ترتب الأثر عليه ممتنعا فيكون ذلك ممتنع التأثير ، لا ممكن التأثير (٢) (فعلمنا أن الشيء إما أن يكون واجب التأثير أو ممتنع التأثير ، فأما أن يكون ممكن التأثير) (٣) فهذا غير معقول ، وتمام تقرير هذا البحث قد سبق ذكره في باب القادر.

والثاني : هب أنا إذا عقلنا وجود مؤثر يؤثر على سبيل الصحة ـ إلا أن

__________________

(١) وجوه [الأصل]

(٢) لا يمكن التأثير (م ، س).

(٣) من (م).

١٧٦

هذا ـ هو القدرة فما الفرق بين القدرة وبين الإرادة؟ أما قوله : إنها تؤثر في الترجيح لا في التكوين فنقول : هذا الكلام إنما يتم ببيان الفرق بين الترجيح وبين التكوين ، فإنا لا نعقل من الترجيح إلا وقوع أحد جانبي الممكن : بسببه ، وهذا هو التكوين. وإثبات مفهوم آخر يسمى بالترجيح والتخصيص مغاير للمفهوم الحاصل من التكوين أمر غير معقول.

وأما قوله : المخير بين (أكل الرغيفين) (١) وشرب القدحين ، يختار أحدهما من غير جلب منفعة ، أو دفع مضرة يختص بها ذلك الواحد. فنقول : الكلام عليه من وجهين :

الأول : لا نسلم أنهما يتساويان في جلب (٢) المنافع ، والمصالح المتعلقة بالأبدان (٣) ، بل لا بد وأن يتخيل أن أحدهما أقرب إليه ، وأحدهما أسهل عليه ، وهو أنفع في نفسه ، وربما كان عظيم الحرص على الأكل والشرب ، فلما وقع بصره على أحدهما عظمت رغبته فيه. فصارت قوة رغبته فيه مانعة له عن تحويل النظر عنه إلى غيره ، فبقيت رغبته مقصورة عليه وغير متعدية منه إلى غيره. وبالجملة : فحصول المرجح الذهني غير ، وبقاء ذلك المرجح غير. وتذكر ذلك المرجح بعد نسيانه غير. ولا يلزم من فقدان هذا الثالث فقدان الثاني والأول.

والوجه الثاني في الجواب : هب أنه يأخذ أحدهما دون الآخر لا لمرجح. إلا أن الذي لأجله صدر عنه هذا الفعل شدة رغبته في أصل الأكل والشرب ، وتلك الرغبة عبارة عن طلب المنفعة ودفع المضرة ، فلو لا طلب النفع لما أقدم على أخذ أحد الرغيفين ، وشرب أحد القدحين ، ولو لا الفرار عن دفع ضرر السبع ، لما اختار سلوك أحد الطريقين ، فيثبت أن الحامل له على هذا الفعل ، ليس إلا طلب المنفعة ودفع المضرة. وحينئذ يعود ما ذكرناه.

__________________

(١) من (س).

(٢) جميع (م).

(٣) المتخيلة (م).

١٧٧

وأما قوله ثانيا (١) : إن المريض قد يشتهي أكل الفاكهة ثم لا يريد أكلها ، والزاهد العابد قد يريد الطاعات والعبادات ، مع أنه لا يشتهيها فنقول : هذا أيضا مغالطة. وذلك لأن المريض يميل طبعه إلى تحصيل اللذات الحاصلة في الحال بسبب أكل الفاكهة ، وينفر طبعه عن الآلام التي تحصل بسبب ذلك الأكل في الزمان المستقبل ، فراعى مراتب المنفعة والمضرة ، فإن كان جانب اللذة والمنفعة راجحا في خياله على جانب الألم والمضرة ، أقدم على الأكل ، وإلا تركه ، فيثبت أن الحامل والداعي هاهنا ليس إلا طلب المنفعة (ودفع) (٢) المضرة إلا أن اللذة الحاصلة بسبب الأكل (حاضرة) (٣) في الحال ، والألم الحاصل بسبب ذلك الأكل مستقبل.

وقد ذكرنا في باب «الدواعي والصوارف» (٤) : أن النقد خير من النسيئة بسبب كونه نقدا لا نسيئة ، إلا أن النسيئة قد تكون أعظم حالا من النقد ، بسبب القوة والكثرة ، فتصير راجحة على النقد ، فإن قضى الفكر والخيال بترجح أحد الجانبين حصل الرجحان (لا محالة) (٥) ، وإن لم يقص فيه بالترجيح ، بل بقي مضطربا فيه ، لا جرم يصير مضطربا في الفعل والترك. وهذا هو الجواب بعينه عن قولهم الزاهد العابد قد يريد الطاعات الشاقة ، مع أنه لا يميل طبعه إليها ، فإنا نقول تلك الطاعات مؤلمة في الحال ، ولكنها نافعة في المستقبل فالألم نقد ، والمنفعة نسيئة إلا أن تلك المنافع بحسب الجبلة عظيمة ، وتلك المضار قليلة ، فيقع الخاطر هاهنا في باب المعارضة والترجيح (فثبت بما ذكرنا) (٦) : أنا لا نعرف البتة من معنى الإرادة والكراهية إلا ميل الطبع إلى جلب المنافع وميله إلى دفع المضار ، ولما كان ذلك في حق الله تعالى ممتنعا كان إثبات الإرادة في حقه غير معقول. وهذا تمام الكلام في البحث عن معنى الإرادة والكراهية.

__________________

(١) في ثانيا (م).

(٢) من (س).

(٣) من (س).

(٤) في الوجه الثامن.

(٥) من (س).

(٦) من (س).

١٧٨

المسألة الثانية : اختلف الناس في إثبات كونه مريدا.

فقال الكعبي والجاحظ وأبو الحسين البصري معنى تعالى مريدا للفعل : علمه بكون ذلك الفعل راجح المنفعة في حقه. وهذا هو داعية الحاجة. وأما إن اعتقد كونه راجح المنفعة في حق الغير فهو داعية الإحسان. والأول في حق الله تعالى محال ، فبقي الداعي في حق الله تعالى (هو القسم الثاني. وقال الباقون من المتكلمين : معنى الإرادة في حق الله (١) تعالى صفة زائدة على ذلك العلم. ثم اختلفوا فيها على وجوه مختلفة. وضبط الأقوال أن يقال : الإرادة إما أن تكون صفة سلبية ، أو إيجابية. فالذين قالوا : إنها صفة سلبية ، قالوا : معنى كونه مريدا : إنه فعل ذلك الفعل لا على سبيل القهر والإكراه. وأما الذين قالوا : إنها صفة إيجابية مغايرة لذلك العلم. منهم من قال : إن ذاته تعالى توجب تلك المريدية. ومنهم من قال : إن حصل معنى ذلك المعنى توجب المريدية. ثم اختلفوا. فقال بعضهم : ذلك المعنى الموجب : صفة قديمة أزلية ممتنعة التبدل والزوال. وقال آخرون : ذلك المعنى حادث. ثم ذلك المعنى. منهم من قال : إنه يحدث في ذات الله تعالى ، وهم الكرّامية ، ومنهم من قال : إنه يحدث لا في محل وهم قوم عظيم من المعتزلة. وأما القسم الثالث ، وهو أنه يحدث في غير ذات الله تعالى فيوجب لله تعالى صفة المريدية ، فهذا قول لم يقل به أحد. وهذا تفصيل أقوال الناس في هذا الباب.

واحتج القائلون بإثبات هذه الصفة : فقالوا : قد ثبت أن العالم محدث ، فقد حصل وجوده في وقت معين ، مع أنه كان يجوز في العقل حدوثه قبل ذلك أو بعده. فاختصاص حدوثه بذلك الوقت المعين دون ما قبله وما بعده لا بد له من مخصص ولا يجوز أن يكون ذلك المخصص هو القدرة. لأن القدرة حاصلة للإحداث في جميع الأوقات ، ونسبتها إلى الإحداث في كل واحد من تلك الأوقات على السوية ، فهذا المخصص والمرجح لا بد وأن يكون مغايرا لتلك القدرة ، ولا يجوز أن يكون ذلك المخصص هو العلم ، لأنه إما أن يكون المراد

__________________

(١) من (م).

١٧٩

أن علمه بما في الفعل من المصلحة يدعوه إليه ، أو المراد أن علمه بأن الشيء الفلاني نفع يدعوه إلى (الفعل ، وأن الشيء الفلاني لا نفع فيه يدعوه إلى) (١) الترك. والأول باطل ، لأن كل دليل دلّ على أنه لا يجوز تعليل أفعال الله تعالى بالعلل والأغراض ، فإنه يدل على بطلان هذا القسم.

وأما القسم الثاني فهو أيضا باطل. لأن العلم بالوقوع تبع للوقوع ، الذي هو تبع لهذا التخصيص ، فلو عللنا هذا التخصيص بالعلم بالوقوع. لزم الدور وأنه محال ، فيثبت أن هذا التخصيص غير واقع بسبب القدرة ، ولا بسبب العلم ، فلا بد من صفة أخرى مقتضية لهذا التخصيص والترجيح ، وظاهر أن الحياة والسمع والبصر والكلام لا يصلح لذلك. فلا بد من صفة أخرى سوى هذه الصفات.

ثم تأثيرها في التخصيص إن كان على سبيل الوجوب كان المؤثر موجبا بالذات ، وإن كان على سبيل الصفة فهو المطلوب ، لأن هذه الصفة صفة تقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر ، لا على سبيل الإيجاب ، ولا على سبيل التكوين. وذلك هو المطلوب. وهذا تقرير هذا الدليل على أحسن الوجوه.

ولقائل أن يقول : قد بينا أن المؤثر الذي يؤثر لا على سبيل الإيجاب ولا على سبيل التكوين محال في العقول ، فلا فائدة في الإعادة. فما ذكرناه برهان قاطع في مقابلة ما ذكرتم. ثم نقول : لم لا يجوز أن يكون المؤثر في ذلك التخصيص هو القدرة؟ قوله : لأن القدرة نسبتها إلى الإيجاد (٢) في جميع الأوقات على السوية. قلنا : إما أن نقول : الإرادة صالحة (لترجيح هذا الفعل بوقت آخر ، كما أنها صالحة لترجيحه بهذا الوقت. وإما أن يقولوا : إنها صالحة) (٣) لتخصيص العالم بذلك الوقت ، مع أنه يمتنع تعلقها بتخصيص

__________________

(١) من (س).

(٢) الإيجاب (م).

(٣) من (م).

١٨٠