المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٣
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

الصفات الإيجابية

وهي كونه سبحانه : قادرا ، عالما ، حيا ، سميعا ، بصيرا ، متكلما ، باقيا ، حكيما.

واعلم : أن الكلام في كونه تعالى ـ قادرا ، يجب أن يتقدمه الكلام في تفسير القادر، والكلام فيه متصل بأحكام الدواعي والصوارف فلهذا السبب كان تقديم الكلام فيه.

٥
٦

الباب الأوّل

في

أحكام الدواعي والصوارف

٧
٨

الفصل الأول

في

حد القادر

أجود ما قيل فيه : أنه الذي يصح منه أن يفعل تارة ، وأن لا يفعل أخرى ، بحسب الدواعي المختلفة. وتفسير الدواعي : هو أن الإنسان إذا علم أو ظن ، أو اعتقد ، أن له في الفعل الفلاني مصلحة راجحة. فعند حصول أحد هذه الثلاثة ، يحصل في قلبه ميل جازم إلى الفعل (فإن كانت أعضاؤه سليمة فإن عند حصول ذلك الميل في قلبه يصدر عنه ذلك الفعل) (١) وأما إن علم ، أو ظن ، أو اعتقد أن له في الفعل الفلاني مفسدة راجحة ، فعند حصول هذا العلم ، او الاعتقاد ، أو الظن ، يحصل في قلبه نفرة جازمة عن ذلك الفعل ، فإن كانت أعضاؤه سليمة ، ترتب على حصول تلك النفرة ، مع سلامة الأعضاء : الترك. وهذا هو المراد بالداعي.

ويتفرع على ما ذكرناه مباحث :

الأول : في بيان السبب الذي لأجله سميت هذه الأشياء الثلاثة بالداعي. فنقول : الدعاء : اسم للقول المخصوص. إلا أن الإنسان إذا علم ، أو ظن ؛ أو اعتقد أن له في فعل مخصوص خيرا راجحا ، فإنه يصير ذلك العلم ، أو الاعتقاد ، أو الظن ، حاملا له على الفعل (فأشبه ذلك كون ذلك

__________________

(١) من (س)

٩

العلم ، أو الاعتقاد ، أو الظن ، داعيا له إلى ذلك الفعل) (١) فيسمى هذا العلم ، أو الاعتقاد ، أو الظن بالداعي ، لأجل هذه المناسبة. وقد يسمى الداعي : بالغرض. والفرق : هو أن الغرض : اسم لتلك المنفعة المعلومة ، أو المظنونة. وأما الداعي : فهو ذلك العلم أو الظن. والحكماء يسمونه : بالعلّة الغائية. وقد يسمونه أيضا : بالعلة التامة.

البحث الثاني : إنه إذا دعاه الداعي إلى الفعل حصل الفعل لا محالة. ثم هاهنا احتمالات. أحدها : أن المؤثر في حصول الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي. وثانيها : أن المؤثر فيه هو القدرة بشرط الداعي. وثالثها : أن الداعي علّة تامة ، تصير قدرة القادر علّة تامة لحصول الفعل. ولهذا يقال : العلة الغائية علة تامة لعلة العلة الفاعلية. ورابعها : إن حصول القدرة ، والداعي سبب لحصول الاستعداد التام ، لخروم ذلك الفعل من العدم إلى الوجود. فأما نفس ذلك الحصول والحدوث ، فمن الأسباب العلوية. فهذه الاحتمالات الأربعة لا بد من بيانها :

ونقول : الأقرب أن يقال : المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي. والدليل عليه : أن القدرة وحدها غير صالحة للتأثير ـ على ما سيجيء بيانه ، عند تقرير أنه عند عدم الداعي يمتنع الفعل ـ ومعلوم أيضا : أن الداعي وحده غير صالح للتأثير. وأما عند اجتماعهما ، فإنه يحصل الأثر. فعلمنا أن المؤثر هو المجموع. فإن قالوا : قولكم القدرة وحدها غير صالحة للتأثير ، قول (باطل لأن القدرة عبارة عما يكون له صلاحية التأثير ، فقولكم : القدرة وحدها غير صالحة للتأثير قول) (٢) بأن القدرة ليست مؤثرة. وهذا متناقض والجواب : إنا نعني بالقدرة كون الأعضاء بحالة متى انضم الداعي إليها حصل الفعل. وإذا كان المراد بالقدرة ذلك. فقد زال السؤال. فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المؤثر هو القدرة (إلا أن انضمام الداعي إليها شرط لصدور ذلك الأثر

__________________

(١) من (م).

(٢) من (م).

١٠

عن القدرة؟) (١) والفرق بين أجزاء العلة وبين ما يكون شرطا لتأثير العلة في المعلول : معلوم. والجواب : إنا لا نعني بالمصدر والمؤثر إلا مجموع الأمور التي لا بد من حصولها حتى تصير مصدرا لذلك الأثر. وعلى هذا التقدير فلا فرق عندنا في القيود الوجودية بين أن يقا : إنها أجزاء العلة وبين أن يقال إنها شرائط لصدور الأثر عن العلة. واعلم أن بهذا القدر الذي ذكرناه لا يظهر أن الحق من تلك الاحتمالات الأربعة : ما ذا؟

البحث الثالث : لقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يقال : أن عند حصول مجموع القدرة والداعي يصدر الأثر عن سبب منفصل ، كما يقول الفلاسفة : من أن مجموع القدرة والداعي يوجب الاستعداد التام لحدوث ذلك الأثر ، وعند حصول هذا الاستعداد التام يفيض الأثر عن العقل الفعال؟ ويجب أن يتأمل في هذا الاحتمال ليعلم أنه حق أو باطل.

البحث الرابع : إن قول القائل : القادر هو الذي يصح منه أن يفعل ، وأن لا يفعل بحسب الدواعي المختلفة كلام مشكل. وذلك لأن قولنا : إنه لم يفعل : إشارة إلى أنه نفي للعدم الأصلي ، كما كان. والعدم يمتنع وقوعه بالفاعل. لأن القدرة صفة مؤثرة ، والعدم نفي محض ، وسلب صرف. فالقول بأن العدم وقع بالفاعل والقادر محال. (وأيضا : الشيء حال بقائه يمتنع إسناده إلى الفاعل. لما ثبت أن تكون الكائن محال) (٢) وإذا كان الأمر كذلك فالعدم الباقي يمتنع إسناده إلى القادر. لوجهين : الأول : إن كونه عدميا يمنع من إسناده إلى الفاعل. والثاني : إن كونه باقيا يمنع أيضا من إسناده إلى الفاعل. فيثبت أن العدم الباقي يمتنع استناده إلى القادر من هذين الوجهين. ولما ثبت أن الترك لا معنى له. إلا البقاء على العدم الأصلي ، وثبت أن البقاء على العدم الأصلي يمتنع إسناده إلى الفاعل يثبت حينئذ : أن القادر لا قدرة له على الترك البتة. وإذا كان كذلك كان قوله : القادر هو الذي يصح منه الفعل والترك قولا مشكلا. ولهذا الكلام مزيد غور.

__________________

(١) من (م).

(٢) من (م).

١١

وحاول بعضهم أن يجيب عما يقرب من هذا الكلام. فقال : إن العاجز لا يجد من نفسه أنه إن لم يشأ الفعل فإنه لا يمكنه أن لا يفعل (وأما القادر على الفعل فإنه يجد من نفسه أنه إن شاء أن لا يفعل فإنه يمكنه أن لا يفعل) (١) وهذا الفرق معلوم بالضرورة. ولما كان العلم بهذا الفرق ضروريا. فحينئذ لا حاجة بنا إلى بيان أنه كيف حصل هذا الفرق؟ ولقائل أن يقول : هذا الجواب ضعيف. وذلك لأن ترك الفعل إما أن يكون أمرا زائدا على البقاء على العدم الأصلي المستمر ، وإما أن لا يكون كذلك. بل هو عبارة عن نفس ذلك العدم المستمر. والأول باطل لوجوه : الأول : إن على هذا التقدير يكون القادر قادرا على فعل الشيء وعلى فعل ضده. ولا يكون البتة قادرا على الفعل وعلى ترك الفعل لأن فعل الضدّ فعل خاص. والفعل الخاص لا يكون تركا لمسمى الفعل ، وإلا لزم أن يكون أحد النقيضين عين الثاني ، وهو محال. فثبت أن على هذا التقدير لا يكون القادر قادرا البتة على الترك. والثاني : إن الله تعالى كان قادرا على خلق العالم وعلى تركه ، فإذا صار تركه مفسرا بفعل ضده ، فحين كان الله تاركا للعالم ، وجب أن يكون فاعلا لضده. فلما كان في الأزل تاركا لفعل العالم ، وجب أن يقال : إنه كان في الأزل فاعلا لضد العالم ، لكن الفعل الأزلي عند القوم محال. وأيضا : فعلى هذا التقدير كان ضد العالم أزليا ، والأزل لا يزول فوجب أن لا يزول ضد العالم. وإذا امتنع زوال ضده وجب أن يمتنع دخول العالم في الوجود. وذلك باطل. والثالث : إن التارك للفعل يجد من نفسه أنه ما فعل شيئا ، وأنه لا معنى لكونه تاركا للفعل إلا أنه لم يأت بذلك الفعل البتة. فالقول بأن ترك الفعل عبارة عن الإتيان بضده قول فاسد ، فيثبت بما ذكرنا : أن ترك الفعل ليس عبارة عن الإتيان بفعل آخر ، بل هو عبارة عن البقاء على العدم الأصلي المستمر. وقد بينا أن إسناد العدم المستمر إلى القادر والفاعل محال فيثبت أن القادر لا قدرة له البتة على الترك وإذا كان الأمر كذلك كان القول بأن القادر هو الذي يصح منه الفعل والترك بحسب الدواعي المختلفة : قولا باطلا. والله أعلم.

__________________

(١) من (س).

١٢

الفصل الثاني

في

إثبات تحقيق القول في الدواعي والصوارف

وفيه مباحث :

المبحث الأول : اعلم أنه قد سبق في أول المنطق أن العلم إما تصور وإما تصديق فنقول : الدواعي ليست من باب التصورات ، بل من باب التصديقات ، فإنه ما لم يحكم الذهن باشتمال الفعل الفلاني على نفع زائد ، لم يحصل الداعي إلى الفعل ، وما لم يحكم الذهن باشتمال الفعل على ضرر زائد ، لم يحصل الداعي إلى الترك ، فيثبت إن الدواعي والصوارف من باب التصديقات ، لا من باب التصورات.

المبحث الثاني : إن عند حصول اعتقاد كون الفعل ضرارا راجحا ، فالقادر يتركه. وهذا الاعتبار يسمى صارفا. أو في الحقيقة فهو أيضا : داعيا ، إلا أنهم سموا الداعي إلى الفعل : داعيا ، والداعي إلى الترك : صارفا.

المبحث الثالث : في بيان أن كون الإنسان ظانا ، أو معتقدا ، يقوم مقام العلم في كونه داعيا.

اعلم أنا إذا رجعنا إلى أنفسنا وجدنا أن الأمر كذلك (فإنا إذا علمنا أن في الطريق سبعا ، احترزنا منه ، وإذا اعتقدنا ، أو ظننا أن الأمر كذلك) (١) فإنا

__________________

(١) من (م).

١٣

أيضا نحترز عنه. واليهودي لما اعتقد أن إقدامه على العبادات التي (يأتي) (١) بها توصله إلى الثواب العظيم ، صار ذلك الاعتقاد حاملا له على العمل. والمسلم لما اعتقد في تلك الأفعال بأعيانها أن الإقدام عليها يوصله إلى الضرر العظيم ، صار ذلك الاعتقاد صارفا له عنها. فيثبت أن الاستقرار يدل على أن الظن أو الاعتقاد يقومان مقام العلم في الدعاء إلى الفعل تارة ، وفي الصرف عنه أخرى.

المبحث الرابع : في أن أي هذه الثلاثة أقوى. وأيها أضعف؟ ونعين أولا حال العلم مع الاعتقاد (فنقول : المعتقد في الشيء قد يكون جازما بكونه محقا في ذلك الاعتقاد) (٢) وقد لا يكون كذلك. أما القسم الأول وهو ما إذا اعتقدنا اعتقادا جازما بأن الأمر كما اعتقده ، فهذا الاعتقاد يساوي العلم في كونه داعيا وصارفا. والدليل عليه : أن هذا الرجل إذا كان لا يجد في قلبه تفاوتا بين هذا الاعتقاد الجازم ، وبين العلم في قوة الجزم والثبات ، وجب أن يكون تأثيره في الدعاء إلى الفعل تأثيرا واحدا. فإن قالوا : أليس أن هذا المعتقد إذا شكك نفسه أمكنه ذلك. وأما العالم فإنه ليس كذلك. وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يصح القول بكونهما متساويين في قوة الدعاء إلى الفعل؟

والجواب : إن الأمر وإن كان كما ذكرتم إلا أنه ما دامت نفسه باقية على ذلك الجزم المساوي لما في العلم من الجزم ، وجب أن تكون الحال واحدة في قوة الدعاء إلى الفعل.

ولمن زعم أن العلم أقوى في الدعاء إلى الفعل من الاعتقاد ، أن يقول : هذا الاعتقاد إما أن يكون بحيث لو شكك صاحبه نفسه فيه أمكنه التشكيك فيه ، أو لا يكون كذلك. فإن كان الأول فحينئذ حصل التفاوت بين العلم وبين هذا الاعتقاد في القوة ، فوجب أن يحصل التفاوت في الدعاء إلى الفعل ، لأن من المعلوم بالضرورة : أن المؤثر كلما كان أقوى ، كان التأثير أقوى ، وإن

__________________

(١) يتأتى (س).

(٢) من (م).

١٤

كان الثاني فحينئذ لا يبقى بين هذا الاعتقاد وبين العلم تفاوت في القوة ، وذلك معلوم البطلان بالضرورة ، لأن من المعلوم بالضرورة. أن سكون النفس إلى العلم الحق ، أيمن من سكونها إلى الاعتقاد الخالي عن الموجب

وأما القسم الثاني : وهو المعتقد الذي لا يكون جازما ، بل يكون كالمضطرب في ذلك الاعتقاد ، فنقول : إن مثل هذا الاعتقاد لا يكون مساويا للعلم في الدعاء إلى الفعل ، بل يكون أضعف منه. وتقريره : أن الأثر فرع على المؤثر. ولما كان أحد المؤثرين أضعف من الآخر ، كان أثر الضعيف أضعف لا محالة من أثر القوي ، فكان دعاء الاعتقاد الضعيف إلى الفعل أضعف من دعاء العلم القوي إليه. وأيضا : فالعالم الجازم بكون الفعل مشتملا على النفع الزائد لا يخاف فيما يعلمه أن يتغير ، وأما المعتقد المضطرب فإنه لا بد وأن يجوز أن ينكشف أن الأمر بخلاف ما اعتقده. فحينئذ لا بد وأن يضعف ذلك الاقتضاء.

وأعلم : (أنا ربما وجدنا المبطل أو المقلد مقدم على الفعل إقداما أقوى من إقدام العالم وذلك لا يقدح في قولنا) (١) : إن اقتضاء العلم أقوى اقتضاء من الاعتقاد ، وذلك لأن تلك القوة إنما حصلت لأمور أخرى تقارن ذلك الاعتقاد ، ولو لم يحصل إلا ذلك الاعتقاد لما حصلت تلك المزية.

وتلك الأمور المقارنة بذلك الإقدام أشياء : (أحدها : مدح الناس له في نصرة ذلك القول أو في الإقدام على ذلك العمل. وثانيها : أنه ربما توصل بذلك الإقدام) (٢) إلى جر أنواع من المنافع العاجلة أو يتخلص بسبب ذلك الفعل من أنواع كثيرة من الذم.

وثالثها : أن طول الإلف والعادة قد يحمله على ذلك العمل. فهذا هو الكلام في المقايسة الحاصلة بين العلم وبين الاعتقاد.

__________________

(١) من (م).

(٢) سقط (ت).

١٥

وأما المقايسة الحاصلة بين العلم والظن. فنقول : إن الظن إذا صحب إمارته فإنه يقوم مقام العلم في كونه داعيا إلى الفعل ، إلا أن دعاء العلم يكون أقوى. والدليل عليه : أن الظان يجوز أن يكون الأمر بخلاف ما ظنه ومع قيام هذا التجويز يمتنع كون الظن مساويا للعلم في الدعاء إلى الفعل. وأيضا : فإنا نجد العالم باشتمال الفعل على الضرر مصرا على الاحتراز. وأما الظان فقد تختلف أحواله في كيفية ذلك الاحتراز.

إذا عرفت هذا الأصل فنقول : إن مراتب الظن مختلفة في القوة والضعف ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن تكون مراتب تأثيراتها في الدعاء إلى الفعل مختلفة في القوة والضعف. بيان المقدمة الأولى : أن الظن الحاصل بخبر أقوام كثيرين ، أقوى من الظن الحاصل بخبر إنسان واحد. وأيضا رؤية الأمارات أقوى في إفادة الظن ، مما إذا اعتقد وجود تلك الإمارات بأخبار مخبر (واحد. ومثاله : إذا شاهد نارا بالقرب من داره ، فهذا أيضا يقتضي ظن الحرق. وإذا أخبره مخبر بوقوع نار بالقرب من داره ، فهذا أيضا يقتضي ظن حصول الحرق إلا أن الظن الأول أقوى ، فيثبت أن مراتب الظنون مختلفة. وإذا ثبت هذا) (١) وجب أن تكون مراتب كونها داعية إلى الفعل مختلفة ، لأنه لما كان المقتضي للدعاء إلى الفعل هو قوة الجزم ، وجب أن تختلف مراتب قوة الدعاء بحسب اختلاف مراتب الظنون في القوة والضعف. وهذا هو الكلام في مقايسة العلم مع الظن.

أما مقايسة الظن مع الاعتقاد. فاعلم أن الظن المؤيد بالآثار قد يكون أقوى من الاعتقاد ، وقد يكون بالضد منه ، والواجب اعتبار مراتب القوة والضعف.

__________________

(١) من (س).

١٦

الفصل الثالث

في

بيان أنه لا تأثير لغير الاعتقاد

والظن في الدعاء الى الفعل

اعلم أن هاهنا أشياء سوى هذه الثلاثة يجب البحث عنها. أنها هل تدعو إلى الفعل أم لا؟

فالنوع الأول : إن الناس يقولون بحسب الظاهر : إن الداعي له إلى الفعل كونه في نفسه منفعة ومصلحة. والصارف له عن هذا الفعل كونه مضرة ومفسدة. واعلم أن هذا الكلام مجازي. وتحقيقه : إن اعتقاد كونه نفعا يدعوه إلى الفعل ، واعتقاد كونه ضررا يدعوه إلى الترك. فأما أن يقال : إن كونه في نفسه نفعا ، يدعوه إلى الفعل ، وكونه من نفسه ضررا يدعوه إلى الترك ، فهذا باطل.

ويدل عليه وجوه :

الأول : إنا بينا : لو حصل اعتقاد كونه منفعة راجحة مع أنه في نفسه لا يكون كذلك في نفسه راجحا (فإنه يصير ذلك الاعتقاد داعيا إلى الفعل ولو لم يحصل هذا الاعتقاد مع أنه يحصل كونه في نفسه نفعا راجحا) (١) لم يصر ذلك داعيا إلى الفعل فعلمنا : أن المؤثر هو اعتقاد كونه نفعا راجحا. وليس المؤثر هو كونه في نفسه نفعا راجحا.

__________________

(١) سقط (س).

١٧

والثاني : إن الفاعل إذا فعل لأجل غرض. فذلك الغرض إنما يحصل في آخر ذلك الفعل. مثاله : أن من يبني بيتا لدفع الحرّ والبرد ، فهذا المقصود إنما يحصل بعد دخول البيت، بكماله في الوجود. ولهذا قيل : إن أول الفكر آخر العمل. إذا ثبت هذا فنقول : كون الفاعل فاعلا لذلك الفعل متقدم على دخول ذلك الغرض في الوجود. والمتقدم على الشيء يمتنع كونه معللا بالمتأخر.

الثالث : إن حصول ذلك الغرض معلل بكون الفاعل فاعلا لذلك الشيء الذي هو السبب لحصول ذلك النفع ، فلو كان ذلك الغرض علة لتلك الفاعلية لزم الدور ، وهو محال.

فيثبت بهذه الوجوه : أن كون الفعل منفعة وحسنا ، ليس علّة لكون الفاعل فاعلا له البتة. وإنما المؤثر في الفاعلية هو علم الفاعل باشتمال ذلك الفعل على ذلك الوجه من الحسن والمنفعة.

النوع الثاني من الأشياء التي يظن أنها داعية إلى الفعل وصارفة عنه : إنه يقال : إن وعد الله يحمل على الفعل ويدعو إليه ، ووعيده يزجر عن الفعل ويصرف عنه.

وهذا أيضا مجاز. بل الحق : أن الداعي إلى الفعل هو علم بما في ذلك الوعد من المنافع والصارف له عن الفعل هو علم بما في ذلك الوعيد من المضار.

النوع الثالث : الشك. فإنه يظن أنه إذا بقي الإنسان شاكا في الشيء فإن كونه شاكا يدعوه إلى البحث والطلب ، فصار كونه شاكا داعيا له إلى الفعل.

والجواب : إن الشاك في الشيء متردد فيه على التسوية والإقدام على الفعل ترجيح لجانب الفعل والاستواء يناقض الترجيح. وأحد الضدين لا يكون سببا للضد الثاني. أما قوله: إن كونه شاكا قد يحمله على الطلب. قلنا : الداعي هناك إلى الطلب هو العلم والاعتقاد ، وذلك لأنه إذا لم يعلم حال

١٨

الشيء جوز فيه كونه سببا للضرر ، والعلم حاصل بأنه لا يمكنه دفع هذا الضرر المحتمل ، إلا بأن يعرف حال ذلك الشيء. فهذا الإنسان عالم بأن تحصيل العلم بحال تلك الواقعة يفيده الاحتراز عن ذلك الضرر المحتمل. وهذا نفع عظيم. فالعلم باشتمال ذلك الطلب على هذا النفع هو الذي صار حاملا له على هذا الطلب.

النوع الرابع : الرؤية والسماع. وذلك لأنا إذا رأينا شيئا ، أو سمعنا صوتا ، فقد تصير رؤية ذلك الشيء حاملة لنا على فعل ، أو على ترك. وكذا القول في السماع ، وهذا يوهم أن للرؤية والسماع أثر في الدعاء إلى الفعل أو في الصرف عن الفعل.

والجواب : إنا إذا رأينا الشيء فإنه يحصل العلم بحاله ، فإذا علمنا من حال كونه نفعا زائدا ، دعانا ذلك العلم إلى الفعل ، وإن علمنا من حاله كونه ضررا زائدا ، صرفنا ذلك العلم عن الفعل. فالرؤية والسماع. إنما صارتا داعيتين إلى الفعل تارة (وصارفتين عنه بواسطة إفادة العلم والاعتقاد).

النوع الخامس : أن الإرادة داعية إلى الفعل (١) والكراهية صارفة عنه ، وكذلك الشهوة داعية إلى الفعل ، والنفرة صارفة عنه.

والجواب : من الناس من زعم أنه لا معنى للإرادة إلا العلم باشتمال الفعل على (النفع الزائد ، ولا معنى للكراهية إلا العلم باشتمال الفعل على (٢)) الضرر الزائد. ومنهم من سلم كون الإرادة والكراهية مغايرتين لهذين العملين ، إلا أنه زعم أن عند حصول العلم بكون الفعل مشتملا على النفع الزائد يحصل الميل إلى الفعل ، وإرادة تحصيل ذلك الشيء. وعند العلم باشتمال ذلك الفعل على مضرة راجحة تحصل النفرة والكراهية. فالعلم بكونه نافعا يوجب حصول الميل ، والعلم بكونه ضارا يوجب حصول النفرة عنه. وعلى هذا التقدير فالداعي والصارف في الحقيقة هو هذا العلم. وأما الكراهية

__________________

(١) من (م).

(٢) سقط (ت).

١٩

والإرادة فهما تابعان لذلك العلم. والذي يدل على ذلك : أن الإنسان إذا خرج من بيته لزيارة صديق له ، ثم في أثناء الطريق وقع في قلبه : أن له مهما في البيت ، يوجب عليه الرجوع من ذلك الطريق إلى البيت (فهاهنا إن حصل اعتقاد أن المنفعة في الذهاب إلى الصديق تعادل المنفعة الحاصلة من الرجوع إلى البيت (١)) بقي ذلك الشخص في مكانه بحيث لا يتحرك البتة ، ثم إذا وقع في خاطره إن إحدى المنفعتين راجحة على الأخرى تحرك إلى ذلك الجانب. وهذا يدل على أن الميل والإرادة تابعين لهذه الاعتقادات والله أعلم.

__________________

(١) من (م).

٢٠