المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٣

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٣
  نسخة غير مصححة

الثاني : لو سلمنا هذا الأصل. لكنكم تدعون أن العلم بالماهية مشروط بحضور هذه الصورة ، أو تدعون أن العلم بالماهية نفس حضور هذه الصورة؟ فإن ادعيتم الأول فهو مسلم. إلا أنه لا يلزم من حضور (١) شرط الثاني ، حصول ذلك الشيء ، فلم يلزم من حضور شيء لشيء صيرورة ذلك الشيء عالما به. وإن ادعيتم الثاني فهذا باطل. للوجوه الكثيرة التي لخصناها في إبطال هذا الكلام.

الثالث هب أن حضور الماهية المجردة عند حضور (٢) ماهية أخرى مجردة : في نفس العلم. فلم قلتم : إن ذات الشيء (٣) حاضرة عند نفسه؟ وبيانه : وهو أن حضور شيء عند شيء ، نسبة مخصوصة بينهما ، وحصول النسبة مشروط بكون أحد (٤) المعنيين مغايرا (للآخر) (٥) وعند عدم التغاير يستحيل الحكم عليه بكونه حاضرا عند نفسه.

لا يقال : الكلام عليه من ثلاثة أوجه :

الأول : إن حضور الشيء عند الشيء (٦) أعم من حضوره عند شيء يغايره ، لكن(٧) لا يلزم من نفي الخاص نفي العام ولا يلزم لذلك من كذب (٨) قولنا : إن الشيء لم يحضر عند غيره ، كذب قولنا : إن الشيء لم يحضر عند الشيء.

الثاني : وهو أن كل ذات مشخصة ، فإنها ماهية تشخصت. وتشخص تلك الماهية زائد على تلك الماهية ، فقد حصل هناك أمور ثلاثة. أحدها : تلك

__________________

(١) حصول (س).

(٢) حضور (ت).

(٣) الله (ط) الشيء (م).

(٤) بكون المعنيين (م).

(٥) من (م).

(٦) عند نفسه (ت).

(٧) يغايره لا يلزم (م).

(٨) من كذب (م).

١٢١

الماهية. والثاني : تلك الشخصية. والثالث المجموع الحاصل من الماهية والشخصية. وإذا ثبت هذا. فقد حصل التغاير بين المجموع وبين أحد (١) أجزائه ، فلم يبعد أن يقال : إنه حضرت تلك الماهية عند ذلك الشخص؟.

الثالث : إن كل أحد يعلم بالضرورة صحة قوله : ذاتي كذا وكذا (وذاتك كذا وكذا) (٢). فيضيف ذاته إلى نفسه. وذلك يدل على صحة إضافة الشيء إلى نفسه ، وإذا صح هذا لم يمتنع أن يقال : إن هذه الذات حضرت عند نفسها. وهذه الوجوه أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا الكلام.

واعلم أن الوجه الأول في غاية الضعف. لأن قولنا حضور الشيء عند الشيء ، أعم من (قولنا) (٣) : حضوره عند شيء يغايره. وكذلك كون الشيء محركا للشيء ومؤثرا في الشيء أعم من كونه محركا لشيء غيره ، ومن كونه مؤثرا في غيره. فإن صح ما ذكرتم لزم جواز كون الشيء محركا لنفسه ومؤثرا في نفسه ، وعلة لنفسه وإن لم يلزم صحة هذا ، فكذلك لا يلزم صحة ما ذكرتم.

وأما الوجه الثاني فهو أحسن من الوجه الأول ، لأنه قد حصل التغاير فيه من بعض الوجوه ، وحصول التغاير بوجه ما ، يكفي في حسن الإضافة ، وفي إمكانها ، ثم تأكد هذا المعقول بالوجه الثالث ، وهو إطباق الناس على صحة إضافة الذات إلى نفسها ، حيث قالوا : ذاتي. وذاتك. فهذا تمام الكلام في هذا السؤال.

الوجه الرابع من الوجوه (٤) : هب أنه يصح في العقل كون الشيء حاضرا عند نفسه ، وثبت أيضا أن حضور الشيء عند نفسه يقتضي حصول

__________________

(١) وبين أجزائه (م).

(٢) من (س).

(٣) من (س).

(٤) في الأصل الوجه الرابع في السؤال.

١٢٢

معنى العالمية (١) ، إلا أنا نقول الشيء الذي حضرت عند شيء آخر حقيقة مخصوصة. وهذا الذي يقولون إنه حضر عنه نفسه حقيقة أخرى ، ولا يلزم من ثبوت حكم في حقيقة ثبوت مثل ذلك الحكم في حقيقة مخالفة للحقيقة الأولى ، فهذا هو الكلام على الوجه الأول. وأما الوجه الثاني. فهو أيضا بناء على أن إدراك الشيء عبارة عن حضور صورة المعلوم عند العالم. وقد أبطلناه. ثم نقول : لو سلمنا ذلك إلا أنا نقول : هب أن حضور نفسنا عند نفسنا يوجب كوننا عالمين بنفسنا. فلم قلتم : إن حضور ذات الله تعالى عند ذاته يوجب كونه عالما بنفسه؟ وذلك محال (٢) ذلك لأن نفوسنا مخالفة بالماهية لذاته ، ولا يلزم من حصول حكم في شيء ، حصول مثل ذلك الحكم فيما يخالفه. والله أعلم.

الأصل الثاني (٣) : سلمنا أنه تعالى عالم بذاته المخصوصة. فلم قلتم : إنه يلزم أن يكون عالما بسائر الأشياء؟ وقد احتجوا عليه بأنه تعالى علة لما سواه لذاته. فإذا علم ذات نفسه ، وجب أن يعلم كونها علة لما عداه. وإذا علم ذلك فقد علم ما عداه. لأن من المحال أن يعلم كونه علة لما عداه. مع أنه لا يعلم ما عداه. فيثبت أنه يلزم من علمه بذاته المخصوصة علمه بمعلوله (٤) القريب ، ثم يلزم من علمه بمعلوله الأول علمه بمعلوله الثاني. لأن المعلول الثاني معلول أول ، للمعلول الأول. وهكذا يلزم من علمه بالمعلول الثاني علمه بالمعلول الأول على الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا.

واعلم أن هذا الاستدلال إنما يتم على مذهب من يقول : إنه تعالى موجب بالذات لوجود هذه الممكنات. أما من يقول : إنه تعالى فاعل مختار. فإن هذه الحجة لا تتمشى على قوله. ثم نقول : إنا إذا قلنا إن الألف علة للباء. فإما أن يكون نفس كونه ألفا ، هو نفس كونه علة للباء. وإما أن يكون

__________________

(١) القابلية (س).

(٢) بنفسه ذلك لأن نفوسنا (م ، س).

(٣) في النسخ : الفصل الثاني.

(٤) بمعلومة (م).

١٢٣

كونه ألفا مغايرا لكونه علة للباء ، إلا أنه من لوازمه. والأول باطل. لأنا بالضرورة نعلم التفرقة بين أن يقال (١) : الألف ألف. وبين أن يقال الألف علة للباء. ولو لا التغاير لما حصلت هذه التفرقة. وأيضا : فالألف إشارة إلى تلك الذات المخصوصة وكونه علة لكذا حالة نسبية إضافية والحقيقة المخصوصة التي ليست هي في نفسها نسبة وإضافة ، لا بد وأن تكون مغايرة للنسبة وللإضافة. وأيضا : فإنه يصح العلم بتلك الحقيقة المخصوصة مع الذهول عن كونها علة للباء ، ويصح أيضا تعقل المفهوم من علة الباء ، مع الذهول عن تلك الحقيقة المخصوصة. وذلك يوجب التغاير. إذا ثبت هذا فنقول : ثبت أن كون الألف ألفا مغاير لكونه علة للباء. وإذا كانت هذه (المغايرة حقه) (٢) لم يكن علمه بنفسه المخصوصة(٣) وذاته المعينة عين العلم بكونه علة للباء. اللهم إلا أن يقال : إن علمه بذاته يوجب العلم بلوازمه ، إلا أن هذا نفس المطلوب. فإذا جعلناه مقدمة في إثبات هذا المطلوب ، لزم إثبات الشيء بنفسه ، وأنه باطل. وتمام الكشف أنا قلنا : الدليل على أنه يلزم من علمه لذاته المخصوصة علمه بمعلوله الأول ؛ هو أنه لذاته (٤) علة لذلك المعلول القريب. فإذا علم ذاته فقد علم كونه علة لذلك المعلول القريب. ونقول : موضع المغالطة هو هذا الكلام. فإنكم إن أردتم أن ذاته نفس كونه علة للمعلول القريب. فهذا باطل. وإن سلمتم التغاير. فلم قلتم : إنه يلزم من علمه بتلك الذات المخصوصة علمه بكونه علة للمعلول القريب؟ وهل النزاع وقع إلا في قولكم : إن العلم بالشيء يوجب العلم بلوازمه؟ فهذا تمام البحث عن هذه المقدمة.

ثم نقول : الذي يدل على أن هذه المقدمة ليست (٥) حقة وجوه : الأول : إنا نعلم ماهيات كثيرة ، وحقائق كثيرة. وكل حقيقة يشير

__________________

(١) الألف الألف (م).

(٢) من (س).

(٣) بنفسه المخصوصة (م).

(٤) لذاته (م).

(٥) المقدمة حقة (س).

١٢٤

العقل إليها ، فإن لها بالنسبة إلى سائر الحقائق أحوال ثلاثة : إما أن تكون مستلزمة لها ، أو منافية لها ، أو لا مستلزمة لها ولا منافية. وكونها مستلزمة للأمر الفلاني لازم من لوازم تلك الماهية ، وكونها منافية لنوع آخر من الماهيات ، لازم آخر من لوازمها ، وكونها بحيث لا تكون مستلزمة لنوع ثالث ولا منافية له ، نوع ثالث من اللوازم. فلو لزم من العلم بماهية من الماهيات ، العلم بلوازمها ـ ونحن قد علمنا بعض الماهيات ـ وجب أن يعلم كونها مستلزمة للنوع الفلاني ، وكونها منافية للنوع الثاني ، وكونها غير مستلزمة للنوع الثالث ولا منافية له. ومتى علمنا ذلك وجب أن نعلم جميع الماهيات ، فلو لزم من المعلم بالماهية العلم بلوازمها ، لزم من المعلم بماهية واحدة العلم بجميع الماهيات التي لا نهاية لها. ولما كان ذلك باطلا فكذلك ما ذكروه يجب أن يكون باطلا.

والثاني : إنا نعقل ماهية الجسم بالبديهة. ومن لوازم هذه الماهية إما حدوثها أو قدمها ـ على اختلاف القولين ـ فلو كان العلم بالماهية يوجب العلم بلوازمها لزم من العلم البديهي بماهية الجسم حصول العلم البديهي بكونه قديما أو محدثا ، ولما كان ذلك باطلا لزم بطلان ما ذكروه.

الثالث : وهو أن جوهر نفسنا جوهر قائم بنفسه مجرد عن الجسمية وعلائقها.

فعل ما تعين (١) قولكم نفسنا لنفسنا ، فنفسنا عالمة بماهية نفسنا ، وجب أن يلزم من علمها بنفسها المخصوصة علمها بجميع آثارها ولوازمها ، فكان يجب أن يكون علم النفس بكونها مجردة عن الجسمية وبكونها واجبة الحدوث وبكونها واجبة البقاء ، علما بديهيا. وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه لا يلزم من العلم بالماهية العلم بجميع لوازمها.

__________________

(١) ما تعين (س).

١٢٥

الرابع : كما أن المعلول من لوازم العلة ، فكذلك العلة أيضا من لوازم المعلول ، فلو لزم من العلم بالعلة ، العلم بالمعلول وجب أيضا أن يلزم من العلم بالمعلول العلم بالعلة ، لكنا نعلم ذواتنا المخصوصة وأحوال ذواتنا. ولا نزاع أن ذواتنا وأحوال ذواتنا ، معلولات للعلل العالية ، فلو لزم من العلم بالشيء العلم بلوازمه ، لزم أن يلزم من علمنا بذواتنا وأحوال ذواتنا ، علمنا بالعلل العالية على التفصيل التام. وحيث لم يلزم ذلك ، علمنا : أن العلم بالشيء لا يوجب العلم بلوازمه.

واعلم أنه يمكن الجواب عن هذا السؤال. فيقال : العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول. أما العلم بالمعلول ، فإنه لا يوجب العلم بالعلة. والفرق بين الصورتين : أن العلة المعينة توجب لعينها وذواتها ذلك المعلول المعين ، فلا جرم صح أن يقال : إنه يلزم من العلم بتلك العلة المعينة العلم بذلك المعلول المعين. (أما المعلول المعين) (١) فإنه إنما يفتقر لإمكانه إلى العلة. والإمكان لا يحوجه إلى تلك العلة ، وإلا لزم أن يكون كل ممكن محتاجا إلى تلك العلة المعينة بعينها. ومعلوم أن الأمر ليس كذلك ، بل الإمكان يحوجه إلى علة ما ، فأما وقوعه بتلك العلة المعينة (٢) ، فإنما كان لأجل أنه لما وجدت تلك العلة ، وأوجبته ، لا جرم استند ذلك المعلول إليه ، فيثبت أن (ذلك المعلول لا يقتضي الاحتياج إلى هذه العلة بعينها. وإنما(٣) يقتضي الاحتياج إلى مطلق العلة ، فلا جرم لم يلزم من العلم بالمعلول المعين ، العلم بعلته المعينة. وهذا فرق واضح (معقول) (٤) بين الصورتين. وبالله التوفيق (٥)

__________________

(١) من (س).

(٢) المعنية (م).

(٣) من (س).

(٤) من (س).

(٥) وبالله التوفيق.

١٢٦

الطريق الثاني من الطرق التي ذكرها الشيخ الرئيس (أبو علي سينا) (١) : قال : دل الدليل على أنه تعالى عالم بغيره ، وإذا كان عالما بغيره ، وجب كونه عالما بذاته.

أما الأصل الأول : وهو قولنا : إنه عالم بغيره. فالدليل عليه. هو أنه لا يمتنع أن نعلم ذات الله تعالى مع أي معلوم كان. وقد ثبت بالدليل أن العلم بالشيء لا يحصل إلا عند انطباع صورة المعلوم في العالم ، فإذا حصل العلم بذات (الله تعالى) (٢) مع العلم بغيره ، فقد حضرت هاتان الماهيتان في الذهن معا ، فحصول المقارنة بين هاتين ، الماهيتين غير ممتنع ، فإما أن تكون صحة هذه المقارنة مشروطة بكون هذه الصورة (حاضرة) (٣) في الذهن (وإما أن لا تكون. والأول باطل ، لأن حضور هذه الصورة في الذهن) (٤) مقارنة لهذه الماهية ، مع الذهن. فلو كانت صحة هذه المقارنة مشروطة (بكون هذه الصورة) (٥) حاضرة في الذهن وقد دللنا على أن حضورها في الذهن مقارنة بينها وبين الذهن لزم أن تكون صحة هذه المقارنة مشروطة بحصول هذه المقارنة (٦) ، لكن بشرط سابق على المشروط فيلزم أن يكون وقوع الشيء سابقا بالرتبة على إمكان وقوعه ، لكن الإمكان سابق على الوقوع ، فيلزم الدور وهو محال ، فيثبت بهذا الدليل : أن صحة هذه المقارنة غير مشروطة بكون هذه الصورة (حاضرة) (٧) في الذهن ، وإذا كان الأمر كذلك فسواء حضرت تلك الماهية في الذهن أو في الخارج ، وجب أن يصح عليها هذه المقارنة ، فكما أن الصورة المعقولة من ذات الله تعالى كان يجوز أن تقارنها صور

__________________

(١) من (س).

(٢) من (س).

(٣) من (م ، س).

(٤) من (م ، س).

(٥) هذه الصورة (س).

(٦) هذه المقارنة مشروطة بحصول : سقط (م).

(٧) من (م).

١٢٧

سائر المعقولات ، وجب أن يصح على ذات الله حال كونها موجودا في الأعيان أن يقارنها صور سائر المعقولات ، لكنا قد بينا أنه لا معنى للتعقل والإدراك ، إلا هذه المقارنة ، فلما دل الدليل على أن هذه المقارنة جائزة على ذات الله تعالى. وجب القطع بأنه يصح على ذات الله تعالى أن يكون عالما بالأشياء.

إذا ثبت هذا فنقول : كل ما صح على ذات الله تعالى وجب حصوله له ، لأنه لو صح عليه أمر من الأمور ، مع أنه لا يجب حصوله (١). فحينئذ يكون التغير جائزا عليه. وذلك محال ، لأن كل صفة تفرض فإما أن تكون ذات الله مستقلة باقتضائها ، وإما أن تكون مستقلة بدفعها. وإما أن لا تكون مستقلة لا بالاقتضاء ولا بالدفع. والأولان يوجبان إما دوام الإيجاب ، أو دوام السلب. وذلك يمنع من جواز التغير. والثالث يوجب المحال ، لأن تلك الذات لا تنفك عن ثبوت تلك الصفة وسلبها ، لكن ثبوتها وسلبها لا بد فيها من سبب منفصل عن الذات. فعلى هذا : الذات موقوفة التحقق (على ثبوت تلك الصفة أو سلبها. وذلك الثبوت وذلك السلب موقوف (التحقق) (٢) على ثبوت شيء منفصل أو سلبه ، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف (٣) على الشيء. فذات واجب الوجود موقوفة في تحققها على الغير ، والموقوف على الغير ممكن لذاته. فيلزم أن يكون واجب الوجود لذاته ممكن الوجود. وهو محال. فيثبت أن التغير على ذات الله تعالى وصفاته محال ، وإذا كان كذلك فكل ما صح في حق الله تعالى ، وجب أن يكون حاصلا. وقد ثبت أنه يصح كونه تعالى عالما بالمعلومات ، فوجب أن يكون عالما بها.

فهذا تمام الكلام في بيان أن الله تعالى يجب أن يكون عالما بما سواه.

والأصل الثاني : أنه إذا ثبت أن الأمر كذلك. فنقول : يجب أيضا أن يكون عالما بذاته ، لأن كل من علم شيئا فإنه يمكنه أن يعلم كونه عالما به ،

__________________

(١) حصوله (ط).

(٢) من (م ، س).

(٣) التحقق على ثبوت شيء منفصل أو سلبه. والموقوف على الموقوف على الشيء ، موقوف : سقط (س).

١٢٨

والعلم بكونه عالما ، بكذا (حكم على ذاته بكونه عالما بكذا) (١) وكل تصديق فإنه مسبوق بتصور طرفيه ، فالعالم بغيره يمكنه أن يعلم ذاته ، ومتى ثبت الإمكان فقد نفي (٢) الوجوب بالدليل المتقدم ، فيثبت أنه تعالى عالم بكل ما سواه (٣) ، وأنه عالم بذاته المخصوصة. هذا تلخيص هذا الكلام على أحسن الوجوه ، وهو المراد من قول الشيخ الرئيس في كتاب الإشارات في النمط الثالث في النفس الأرضية (٤) : «كل من يعقل شيئا ، فإنه يمكنه أن يعقل بالقوة القريبة من الفعل إلى آخر هذا الفصل.

ولقائل أن يقول : الاعتراض على هذا الكلام من وجوه :

السؤال الأول : لا نسلم أنه يمكننا أن نعقل ذات الله فضلا عن أن يقال إنه يمكننا أن نعقل ذاته مع تعقل سائر الذوات. وتقرير هذا الكلام : هو أن مذهب الحكماء : أن كنه ذات الله غير معقول للبشر. وإنما المعلوم عند الخلق من الله تعالى الصفات السلبية والصفات الإضافية. فأما الذات المخصوصة من حيث هي هي فغير معلومة للخلق. وإذا ثبت أن تلك الذات المخصوصة غير معلومة البتة ، كان القول بأنه يصح العلم بها حال حصول العلم بغيرها : خطأ (٥).

__________________

(١) من (س).

(٢) نفى (م).

(٣) ما يقوله (م).

(٤) نص عبارة ابن سينا : «إنك تعلم أن كل شيء يعقل شيئا ، فإنه يعقل بالقوة القريبة من الفعل أن يعقل ، وذلك عقل منه لذاته ، فكل ما يعقل شيئا فله أن يعقل ذاته. وكل ما يعقل فمن شأنه ماهية أن تقارن معقولا آخر ، ولذلك يعمل أيضا مع غيره. وإنما تعقله القوة العاقلة بالمقارنة لا محالة. فإن كان مما يقوم بذاته ، فلا مانع له من حقيقته. أن يقارن المعنى المعقول. اللهم إلا أن تكون ذاته ممنوة في الوجود بمقارنة أمور مانعة من ذلك ، من مادة أو شيء آخر إن كان. فإن كانت حقيقته مسلمة لم يمتنع عليها مقارنة الصورة العقلية إياها فكان لها ذلك بالإمكان. وفي ضمن ذلك إمكان عقله لذاته» (فصل ١٧ نمط ٣).

(٥) العمل (م).

١٢٩

السؤال الثاني : سلمنا أنه يصح أن تصير ذات الله تعالى معلومة. فلم قلتم : إنه يصح العلم بها ، مع العلم بغيرها؟ وتقريره : أنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا ، أنا متى وجهنا الذهن نحو استحضار معلوم فإنه لا يمكننا في ذات الوقت توجيه الذهن نحو استحضار معلوم آخر. والعلم بذلك (ضروري. ولذلك فإن من كان مشتغل الفكر في مسألة منطقية فإنه في تلك) (١) اللحظة لا يمكنه توجيه الذهن نحو مسألة هندسية. والعلم بذلك ضروري. وهذا يدل على أن الجمع بين علمين في الذهن دفعة واحدة محال ، أو نقول إنه وإن كان ذلك ممكنا (٢) في الجملة ، إلا أنه هاهنا غير ممكن ، لأنه ثبت بالاستقرار : أن القوى الحاسة حال شعورها بالمحسوسات القوية ، لا يمكنها الشعور بالمحسوسات الضعيفة. فالسراج إذا وضع في مقابلة قرص الشمس لا نحس بذلك السراج ، والبعوضة إذا طنت عند ظهور الرعد لا نحس بطنين البعوضة ، فكذلك هاهنا ذات الله تعالى أعظم الموجودات. وعليه فإنه أعلم المعارف ، وعند حضور عرفانه في العقل ، يمتنع حضور عرفان غيره. فلم قلتم : إن الأمر ليس كذلك؟ فإن قالوا : إنا إذا عرفنا أن هذا العالم مفتقر في وجوده إلى إيجاد واجب الوجود. فهذا علم بإضافة مخصوصة بين العالم وبين واجب الوجود ، والعلم بإضافة أمر إلى أمر مشروط بالعلم بالمضامين ، فحال حصول العلم بهذه الإضافة وجب أن يكون العلم بالعلم ، والعلم بواجب الوجود حاضرا. وذلك يقتضي (٣) جواز حصول العلم بواجب الوجود مع العلم بغيره. فنقول : هذا مغالطة محضة ، وذلك لأن العلم بكونه واجب الوجود علم بصفة من صفاته ، وليس هذا علما بذاته المخصوصة ، وإذا كان الأمر كذلك لم يلزم من علمنا بمعنى كونه واجب الوجود ، علمنا بذاته المخصوصة. فزال هذا السؤال.

السؤال الثالث : هب أنه يصح منا أن نجمع بين العلم بذات الله تعالى

__________________

(١) من (م).

(٢) ممكنا (س).

(٣) نقيض (م).

١٣٠

وبين العلم بكذا وكذا ، إلا أن هذا الاستقرار إنما يطرد في الأشياء التي جربناها ووجدنا أنه لا(١) يمتنع الجمع بين العلم بالله تعالى وبين العلم بتلك الأشياء ولا يلزم من صحة هذا الجمع(٢) في بعض الصور صحته في جميع الصور (فلعل هاهنا معلومات لا يمكن الجمع بين العلم بها وبين العلم بالله) (٣) اللهم إلا إذا حصلت التجربة في جميع المعلومات التي لا نهاية لها ، إلا أن دخول (٤) ما لا نهاية له في الوجود محال ، فكانت هذه التجربة ممتنعة ، فكان الحكم بصحة المقارنة بين العلم بذات الله تعالى وبين العلم بكل واحد من المعلومات حكما مبنيا على الاستقرار والتجربة في الصور القليلة.

السؤال الرابع : هب أنا سلمنا صحة هذه المقارنة بين العلم بذات الله تعالى وبين العلم بكل واحد من المعلومات. لكن لم قلتم : إنه تصح حصول المقارنة بين العلم بالله وبين مجموع العلوم المتعلقة بالمعلومات فإن الحكم الثابت في حق كل واحد واحد من الأشياء قد لا يكون ثابتا في حق المجموع؟ ومقصودكم من هذا الدليل حصول المقارنة بين ذات الله تعالى وبين مجموع صور المعلومات.

السؤال الخامس : هب أن حصول المقارنة بين هذه المعلومات (٥) (ممكن. فلم قلتم : إن حصول المقارنة بين ماهيات هذه العلوم) (٦) ممكن؟ وهذا بناء على أن تعقل الأشياء لا يتم إلا عند ارتسام صور المعلومات في ذات العالم. وقد سبق الاستقصاء في هذا الباب.

السؤال السادس : سلمنا أن هذه المقارنة ممكنة. فلم لا يجوز أن يقال : إمكان هذا النوع من المقارنة مشروط بكون هذه الماهيات (٧) ذهنية؟ قوله : «إن

__________________

(١) أنه يمتنع (ط).

(٢) الجمع (س).

(٣) من (م).

(٤) حصول (س).

(٥) العلوم (م).

(٦) من (م).

(٧) الماهيات (م).

١٣١

حصول تلك الصورة في جوهر النفس مقارنة بين تلك الماهية وبين جوهر النفس ، فلو كان إمكان المقارنة مشروطا بكونها في النفس ، يلزم أن يكون إمكان الشيء مشروطا بحصوله. وذلك محال» قلنا : هذا محض المغالطة ، وبيان هذه المغالطة مشروط بتقديم مقدمة ، وهي أنا نقول : إن المقارنة بين الشيئين جنس تحته أنواع ثلاثة. أحدها : مقارنة الحال للمحل. وثانيها : مقارنة المحل للحال. وهذه المقارنة مخالفة بالماهية للنوع الأول ، بدليل أن هذا النوع (يحصل للمحل ويمتنع حصوله للحال. والنوع الأول على الضد من ذلك. وثالثها : مقارنة الحالين في محل واحد. وهذا النوع) (١) مخالف بالماهية للنوعين الأولين. وإذا ثبت كون هذه الأقسام الثلاثة أنواعا مختلفة بالماهية لم يلزم من ثبوت حكم لنوع واحد منها ثبوته لسائر الأنواع.

إذا ثبت هذا فنقول : إذا حصلت المقارنة بين العلم بالله تعالى وبين العلم بشيء آخر. فهذه المقارنة عبارة عن مقارنة الحالين في محل واحد. وأما حصول المقارنة بين الصور النفسانية وبين جوهر النفس فهذه المقارنة عبارة عن مقارنة الحال للمحل. وهذا النوع مغاير بالماهية للنوع الأول ، وأما كون الذات الموجودة خارج الأعيان بحيث تقارنها الصور العقلية. فهذه المقارنة عبارة عن مقارنة المحل للحال. وإذا ثبت هذا فنقول : لما حصلت المقارنة بين العلم بالله وبين العلم بسائر الأشياء ، فقد حصلت المقارنة بين هذه الصور الذهنية بحيث تكون هذه المقارنة عبارة عن مقارنة الحالين في محل واحد (وإن هذا النوع من المقارنة مشروط بكون تلك الأشياء حالة في محل واحد ويصير) (٢) حاصل الكلام : أن إمكان النوع الأول من المقارنة مشروط بحصول النوع الثاني من المقارنة (وعلى هذا التقدير فلا يلزم أن يكون إمكان الشيء) (٣) موقوفا على حصوله (يلزم أن يكون إمكان نوع معين من المقارنة موقوفا على حصول) (٤)

__________________

(١) من (س).

(٢) من (م).

(٣) من (س).

(٤) من (س).

١٣٢

نوع آخر من المقارنة وذلك مما لا امتناع فيه البتة.

ثم نقول : حاصل هذا الكلام يرجع إلى أن الصورة الذهنية مساوية للموجود الخارجي في تمام الماهية ، فلما صحت المقارنة عليها حال كونها ذهنية ، وجب أن تصح هذه المقارنة عليها حال كونها خارجية ، وهذا غلط. لأن مقارنة بعضها مع البعض : مقارنة الحالين في المحل الواحد ، ومقارنتها مع جوهر النفس مقارنة للحال في المحل. وبتقدير أن يوجد شيء منها في الأعيان ومقارنتها بسائر الصور ، فذلك مقارنة المحل للحال. وهذه الأنواع الثلاثة من المقارنة مختلفة في الماهية ، ولا يلزم من جواز أحد هذه الأنواع على ماهية جواز سائر الأنواع عليها ، لما ثبت أن الماهيات المختلفة لا يجب (١) تساويها في الأحكام ، فيثبت أن هذا الكلام مغالطة محضة (٢).

السؤال السابع : نقول : إن دل ما ذكرتم على أن كل ما صح على الماهية حال كونها ذهنية ، وجب أن يصح عليها ، حال كونها خارجية ، إلا أن هاهنا دلائل تمنع من ذلك. وهي من وجوه :

الأول : إن الماهية حال كونها ذهنية عرض محتاج إلى المحل ، وحال كونها موجودة في الخارج جوهر قائم بالنفس. والعرض يستحيل أن ينقلب جوهرا. وبالضد. وذلك يدل على أنه ليس كل ما صح على أحدهما ، فإن يصح على الثاني.

والوجه الثاني : إن هذا الكلام إنما يتم ، إذا قلنا : إذا عرفنا الله تعالى ، فإن الصورة (٣) العقلية في ذهننا ، مساوية في تمام الماهية ، لذات واجب الوجود لذاته. وهذا يقتضي أن تكون ماهية واجب الوجود لذاته ، نوعا تحته أشخاص. وذلك باطل بالاتفاق.

والوجه الثالث : إنا إذا أدركنا ماهية السماء فلو ، كان هذا الإدراك

__________________

(١) لا يجوز (س).

(٢) محضة (م).

(٣) في ذهننا (م).

١٣٣

والشعور صورة مساوية لماهية السماء على سبيل التمام والكمال ، لزم كون هذه الصورة الذهنية : سماء ، ومعلوم بالضرورة : أن هذا باطل. لأن هذه الصورة الذهنية عرض لا يحس ولا يلمس.

والسماء جسم عظيم موصوف بالصفات المعلومة ، وكون هذه الصورة الذهنية مخالفة لجوهر السماء في الماهية أمر معلوم بالضرورة.

الوجه الرابع : إن حاصل كلامكم هو أنه إذا كانت الصورة العقلية من ذات الله تعالى لا يمتنع عليها مقارنة سائر الصور (وجب أن لا يمتنع على ذات الله مقارنة سائر الصور) (١) لأن حكم الشيء يجب أن يكون مساويا لحكم مثله. فنقول : فعلى هذا لما صح في تلك الصورة العقلية ، أن يكون محتاجا إلى ذلك المحل ، (وجب أن يصح على ذات الله تعالى ، مقارنة سائر الصور ، لأن حكم الشيء يجب أن يكون مساويا لحكم مثله. فنقول : فعلى هذا لما صح في تلك الصورة العقلية أن تكون محتاجة إلى ذلك المحل ، وجب أن يصح على ذات الله تعالى أن تكون محتاجة إلى ذلك المحل) (٢) وأن يكون حالا فيه. وإذا لم يلزم من التماثل المذكور هذا ، فكذلك لا يلزم ما ذكرتم.

الوجه الخامس : إنه لما كانت الصور الذهنية مساوية في تمام الماهية للذوات الخارجية ، وثبت أن كل ما صح على الشيء ، صح على مثله ، فلما كانت هذه الذوات الخارجية يصح عليها أن تكون عالمة بالأشياء وجب أن يصح على هذه الصورة الذهنية حال كونها ذهنية أن تكون عالمة بالأشياء ، ولما لم يلزم ذلك من التماثل المذكور ، فكذلك لا يلزم ما ذكروه. والله أعلم.

السؤال الثامن : سلمنا أن الذات (٣) عند كونها موجودة في خارج الذهن ، يصح عليها أن تقارنها سائر الصور. لكن لم قلتم : إنه يلزم من هذا القدر صحة كون تلك الذات عالمة؟ وبيانه : أنه لو كان العلم نفس هذه

__________________

(١) من (م ، س).

(٢) من (س).

(٣) الذات (م)

١٣٤

المقارنة ، لكان ما ذكرتم لازما ، إلا أنا بينا أن بتقدير صحة القول بالصور الذهنية ، فإن الحق أنه ليس العلم عبارة عن نفس تلك الصور الذهنية ، بل عن نسبة مخصوصة مشروطة بحصول تلك الصور الذهنية. وإذا كان الأمر كذلك ، لم يلزم من حصول هذه الصور ، حصول العلم. لاحتمال أنه حصول النسبة (١) المسماة بالعلم ، وكما أنه مشروط بحضور الصورة الذهنية ، فكذلك مشروط بشرائط أخرى ، وتلك الشرائط الأخرى مفقودة هاهنا. ففات الحكم بفوات تلك الشرائط.

السؤال التاسع : هب أنه ثبت أنه يصح على ذات الله تعالى كونه عالما بالأشياء. إلا أن الحكم لا يكفي في حصول كون القائل قائلا ، بل لا بد معه من حصول المقتضى. فهذه الحالة ، وإن كانت ممكنة بالنظر إلى القائل إلا أنه لم يوجد المقتضي لذلك ، فيبقى على الامتناع لفوات المقتضى ، لا لعدم القائلية. وبيان فوات المقتضى : (أن المقتضى) (٢) لحصول تلك القائلية ، إما تلك الذات (٣) المخصوصة أو غيرها ، فإذا لم تكن تلك الذات المخصوصة مقتضية لهذا الأثر ولم يكن غيرها صالحا لهذا الاقتضاء ، فحينئذ قد فات المقتضى ، ففات الأثر لفقدان المقتضى ، وإن كانت القائلية حاصلة.

السؤال العاشر : سلمنا أنه تعالى عالم بغيره. فلم قلتم : إنه يجب أن يكون عالما بذاته؟ قوله : «لأن كل من علم شيئا أمكنه أن يعلم كونه عالما بذلك الشيء. وذلك الشيء. يوجب كونه عالما بذاته لأن كل تصديق فإنه مسبوق بتصور الطرفين».

قلنا : السؤال عليه من وجهين :

الأول : إن هذا مشكل بم أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص بأنه إنسان ، وليس بفرس؟

__________________

(١) يريد بالنسبة أن يقول أن العلم زائد على الذات.

(٢) من (س).

(٣) تلك المخصوصة (م).

١٣٥

فقولنا : هذا الشخص إنسان قضية. موضوعها : قولنا هذا الشخص ومحمولها : قولنا إنسان. والأول شخصي ، والثاني كلّي ، فلو كان الحاكم على شيء بشيء يجب كونه متصورا لهما ، لزم وجود قوة واحدة تكون مدركة للشخص وللمعنى الكلي. وهذا عند الشيخ محال ، لأن مدرك الأشخاص يجب أن يكون جسمانيا ، ومدرك الكليات يجب أن يكون مجردا عند الشيخ.

الثاني : إن من علم شيئا لو وجب أن يعلم كونه عالما بكونه عالما. لزم في المرتبة الثالثة أن يعلم كونه عالما (١) (بكونه عالما به) (٢) وإذا كان كل ما يصح في حق واجب الوجود لذاته يجب أن يكون حاصلا بالفعل ، لزم أن تكون هذه المراتب التي لا نهاية لها ، حاصلة بالفعل في حق واجب الوجود ، بحسب علمه بكل واحد من الأشياء ، فيلزم منه حصول علوم لا نهاية لها ، لا مرة واحدة ، بل مرارا لا نهاية لها (ويلزم منه أيضا حصول علل ومعلولات لا نهاية لها) (٣) في تلك العلوم دفعة واحدة. وأنه محال. فهذا تمام السؤال على هذه الطريقة. وبالله التوفيق.

الطريق الثالث من الوجوه التي تمسك الشيخ بها في إثبات كونه تعالى عالما بالمعلومات:

أنه قال في كتاب «المبدأ والمعاد» : «إن جوهر النفس قبل حصول الصورة المجردة فيه يكون عاقلا بالقوة ، فإذا حصلت الصورة المجردة فيه ، صارت النفس بسببها عاقلة بالفعل. (فلما صار جوهر النفس بسبب حلول هذه الصورة فيه) (٤) عاقلا بالقوة ، فلو قدرنا هذه الصورة جوهرا قائما بالنفس كان أولى أن تكون عاقلة بالفعل ، كما أن الحرارة لما حلت في جوهر النار ، صار جوهر النار بسبب حلول تلك السخونة فيها مسخنا. فلو فرضنا نفس تلك الحرارة قائمة بنفسها ، وجب أن تكون أولى بكونها مسخنة».

__________________

(١) يريد أن يقول أن تعلم حالته وهو عالم ، حالته التي هو عليها وهو عالم.

(٢) بكونه عالما به (س).

(٣) من (م).

(٤) من (م).

١٣٦

فهذا حاصل هذه الطريقة إلا أنه طول في تقسيمات هذا الدليل في كتاب المبدأ والمعاد. وهذا الدليل كما نراه مأخوذ من باب الأولى والأخلق ، وأنه لا يفيد إلا الظن الضعيف. فهذا تمام كلمات الناس في إثبات كونه تعالى عالما. وبالله التوفيق (١)

ومن الناس من ذكر في إثبات كونه تعالى عالما وجوها أخرى [نذكر منها] (٢) :

الأول : إن الباري تعالى أكمل الموجودات ، وصفة العلم صفة كمال وعدمه نقص فوجب الجزم بكونه تعالى موصوفا بهذه الصفة. وبهذا الطريق تبين كونه تعالى عالما بجميع المعلومات ، تنزيها له عن الجهل.

والوجه الثاني : وهو أن الواحد منّا عالم. فهذا العلم إنما حدث من الله تعالى ، إما بواسطة أو بغير واسطة. وكل كمال حصل للمعلول فإن ثبوته للعلة أولى ، فوجب الحكم بكونه تعالى عالما بجميع المعلومات. والله أعلم.

__________________

(١) من (م).

(٢) زيادة.

١٣٧
١٣٨

الفصل الخامس

فى

المسائل المقرعة على إثبات كونه تعالى عالما

فالمسألة الأولى : من الناس من قال : إن كونه تعالى عالما بنفسه. واحتج عليه بأن قال : علم الشيء بالشيء نسبة مخصوصة بين العالم وبين المعلوم ، وحصول النسبة مشروط بحصول التغاير ، فالشيء الواحد ، بالاعتبار الواحد ، يمتنع حصول النسبة فيه ، فيمتنع كونه عالما بنفسه. قالوا : وليس لأحد أن يجيب عن هذا من وجوه :

الأول : إن هذا يبطل بعلم كل واحد منا بنفسه. والثاني : إن اعتبار كونه عالما مغايرا لاعتبار كونه معلوما ، وهذا القدر من التغاير يكفي في صحته حصول هذه النسبة.

لأنا نجيب عن الأول فنقول : إن نفس الواحد منا ، ليست فردة منزهة عن جميع جهات التركيب ، بل لا بد وأن يحصل فيها جهة من جهات التركيب ، بل لا بد وأن يحصل فيها جهة من جهات التركب والتألف ، فلا جرم أمكن حصر الإضافة والنسبة فيها من بعض الوجوه ، فلا جرم صح كونه عالما بنفسه أما ذات الحق ـ سبحانه ـ ف إنها منزهة عن جميع جهات التركيب فردة من كل الوجوه ، فيمتنع حصول النسب والإضافات فيها ، فوجب أن يمتنع فيه كونه عالما بذاته.

١٣٩

وأما الإجابة عن (١) السؤال الثاني : فنقول : العلم نسبة مخصوصة ، وحصول النسب مشروط بحصول المغايرة ، فلو كانت تلك المغايرة (هي المغايرة) (٢) الحاصلة بين المفهوم من كونه عالما ، وبين المفهوم من كونه معلومات ، فحينئذ تكون المغايرة الحاصلة بهذا الاعتبار متقدمة بالرتبة على حصول العلم ، لكن حصول العلم لتلك الذات متقدم بالرتبة على صيرورتها ، عالمة ومعلومة ، فيلزم وقوع الدور ، وهو محال. فهذا تمام الكلام في تقرير هذه الشبهة ونقول : الدليل على كونه تعالى عالما بذاته المخصوصة وجهان :

الأول : ما ذكرناه في الطريق الأول أنه جوهر مجرد غني (٣) عن المادة ، وكل ما كان كذلك فإن ذاته حاضرة لذاته ، وكل ما كان كذلك فإنه يكون عالما بذاته. وتمام الكلام في تقرير هذا المعنى قد سبق.

الوجه الثاني : أن كل من علم علم شيئا (٤) فإنه يمكنه أن يعلم كونه عالما به وذلك مشروط بكونه عالما (٥) بنفسه على ما بيناه.

وأما الشبهة التي ذكروها. فالجواب عنها : أنا بينا أن ذات الله تعالى ذات معينة ، وكل ما كان كذلك فهناك ماهية ، وهناك تعيين. وهناك مجموع تلك الماهية مع ذلك التعيين، فقد حصلت المغايرة من هذا الوجه ، وهي كافية في إمكان حصول النسب والإضافات لتلك الذات.

المسألة الثانية : اعلم أن كل ذات عقلت نفسها ، فتلك الذات عاقلة وهي بعينها أيضا معقولة ، فعقلها بنفسها لنفسها. هل هو عين نفسها أم لا؟ قال الشيخ الرئيس : إنه تعالى عقل وعاقل ومعقول ، والكل شيء واحد. وذلك لأنه ذات مجردة ، فبما أنه ماهية مجردة ، فهو عقل ، وبما أنه حصل لماهية فهو معقول ، وبما أنه حصلت له ماهية فهو عاقل. فالعقل والعاقل والمعقول

__________________

(١) الإجابة عن : زيادة.

(٢) من (م ، ت).

(٣) من (م ، ت).

(٤) من (م ، ت).

(٥) من (س).

١٤٠