المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ١

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ١

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٣٦
  نسخة غير مصححة

القرآن العظيم ، في أكثر من ثمانين موضعا (١).

فإن قيل : السؤال عليه من وجوه :

الأول : لم لا يجوز أن يقال : إن كل واحد من أجزاء الرحم مخصوص بخاصية لأجلها ، توجب حدوث الكيفية المخصوصة في الجزء الذي يتصل به من المني ، فيكون تولد الأعضاء المختلفة لهذا السبب؟

السؤال الثاني : لم لا يجوز أن يقال : حلّ في جسم المني قوة مخصوصة ، وهي المسماة بالقوة المولدة ، وتلك القوة المولدة هي التي أفادت هذه الآثار المختلفة وفعلت هذه الآثار العجيبة؟ فإن قالوا : هذا محال لأن هذه القوة الحالة في جسم المني ، المسماة بالقوة المولدة ، إما أن يكون لها علم بوجود المنافع والمصالح وقدرة على تحصيل الوجه الأصلح الأصوب من التركيبات الموافقة ، وإما أن يقال : هذه القوة قوة لا شعور لها [بشيء] (٢) ولا قدرة لها على تحصيل شيء ، بل هي قوة خالية عن الشعور والإدراك.

أما القسم الأول : فهو باطل. إذ لو كان الأمر كذلك ، لكانت تلك القوة عالمة بوجود المنافع والمصالح ، والمضار ، والمفاسد ، وقادرة على تحصيل المنافع ، ودفع المضار ، ولكانت هي التي خلقت هذا البدن ، وركبت هذه البنية على هذا التركيب العجيب ، والتأليف الغريب ، لكنا نعلم بالضرورة أنه ليس الأمر كذلك لأن القوى البدنية ، والنفس الإنسانية [في حال كمال العقل ، وفي حال كمال البدن أكمل حالا مما كانت في أول الأمر حال ما كان البدن نطفة ، فلما لم تقدر النفس الإنسانية] (٣) حال كمالها على شيء من هذه الأحوال ، ففي الحالة التي كانت في غاية النقصان والتصور. كيف يعقل أن يقال : إنها

__________________

(١) من ذلك قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) [المؤمنون ١٢ ـ ١٤].

(٢) من (س).

(٣) من (ز).

٢٢١

قدرت على هذه الأفعال [العجيبة] (١)؟ وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : القوة المولدة قوة خالية عن الشعور ، والإدراك ، والفهم. فنقول : فعلى هذا [التقدير] (٢) تكون قوة موجبة لذاتها ، أثرا من الآثار من غير شعور ، ولا إدراك ، ولا قصد ، والمادة بسيطة متشابهة ، وحينئذ ترجع الإلزامات المذكورة من كون ذلك الإنسان كرة واحدة ، أو كرات مضموم بعضها إلى بعض ، من غير أن يكون وضع الأعضاء وترتيبها معتبرا ، بل يكون متعسر الترتيب ، واقعا كما تقع الأشياء الاتفاقية (٣) وكل ذلك باطل.

أجاب السائل عنه : إن كثيرا من الأطباء ، والفلاسفة يقولون : إن الطبيعة حكيمة [وإنها] (٤) كاملة الحكمة ، والقدرة ، والمعرفة. وإذا كان هذا قولا قاله بعض الناس ، فما الدليل على فساده؟ سلمنا : أنها ليست موصوفة بالعلم والقدرة ، لكن لم لا يجوز صدور الأفعال المحكمة المتقنة عنها؟

ويدل على أن الذي ذكرناه محتمل وجهين (٥) :

الأول : إن الأفعال الصناعية ، إذا صارت ملكات راسخة في النفس ، وبلغت إلى حد الكمال والتمام ، فإن العقلاء إذا أرادوا وصفها بالتمام والكمال شبهوها بالطبيعة ، فيقولون : إن هذا العمل صار طبيعيا له ، وهذه الحرفة صارت طبيعة له ، ولو لا أنه تقرر في عقولهم : أن أفعال الطبيعة أكمل وأقوى وأتم ، لما شبهوا الصناعة بالطبيعة ، حال محاولة وصفها [بالكمال والتمام].

والثاني : إن من لم يعلم حرفة الكتابة ، أو حرفة ضرب الطنبور ، فإنه ما دام يحتاج في الإتيان] (٦) بتلك الأعمال إلى الرؤية في نقش نقش ، ونقر نقر ،

__________________

(١) من (ز).

(٢) من (س).

(٣) المتعاقبة وذلك باطل (ز).

(٤) من (ز).

(٥) الأصل : وجوه.

(٦) من (ز).

٢٢٢

فإنه لا يكون كاملا في تلك الحرفة ، ولا ماهرا في تلك الصنعة ، أما إذا بلغ [حد] (١) الكمال ، والتمام في الحرفة ، فذاك إنما يكون إذا استغنى عن التأمل في حرف حرف ، ونقر نقر ، ويصير متمرسا على الإتيان بذلك العمل بمقتضى الطبيعة. وهذا يدل على أن عمل الطبيعة في غاية الكمال والتمام.

السؤال الثالث : أن نقول : إن دلّ ما ذكرتم على أن هذا التركيب لم يصدر إلا من إله العالم ، فههنا ما يدل على فساده ، وذلك لأن هذه التركيبات العجيبة كما أنها حاصلة في تركيب بدن الإنسان ، فهي أيضا حاصلة في تركيب بدن البعوض ، والبق ، والنمل ، والدود ، فلو قلنا : بأن هذه التركيبات لا تحصل إلا بإيجاد خالق العالم. ألزمناه بأن نقول : بأن تولد الدود في النجاسة لم يحصل إلا بإيجاد (٢) إله العالم ، وكذلك القول في تولد جميع الحيوانات الخسيسة القذرة ، وذلك بعيد ، لأن إله العالم على جلالة قدرة ، يبعد أن يتولى إيجاد هذه الحيوانات الخسيسة.

السؤال الرابع : سلمنا أن بدن الخلق (٣) لا يتكون إلا بتخليق فاعل حكيم ، فلم لا يجوز أن يقال : ذلك الخالق هو فلك من الأفلاك ، وكوكب من الكواكب ، وهي أحياء ناطقة عالمة حكيمة ، تامة الحكمة كاملة العلم؟ فما لم تبطلوا هذا الاحتمال ، لم يتم دليلكم في إثبات الإله الحكيم.

السؤال الخامس : إن خالق أبدان الحيوانات شيء آخر سوى الأفلاك والكواكب ، فلم لا يجوز أن يقال : خالقها روح من الأرواح الفلكية ، مثل نفس ، أو عقل ، أو ملك من الملائكة ، على ما هو مذهب الهند. فإنهم يعتقدون أن المدبر (٤) لكل طرف [من أطراف] (٥) الأرض ولكل بقعة من

__________________

(١) من (س).

(٢) بتخليق (س).

(٣) الحيوانات (س).

(٤) المؤثر (س).

(٥) من (س).

٢٢٣

بقاع العالم : روح سماوي (١) على التعيين ، ثم إنهم لأجل هذا الاعتقاد بنوا لكل واحد من تلك الأرواح ، [هياكلا وصورا ، وزعموا : أنها تجري مجرى التمثال لذلك الروح (٢)] ثم يبالغون في تعظيم [ذلك] (٣) ويزعمون : أن تلك الملائكة بأسرها عباد الله ، وأن البشر ليس لهم أهلية عباد الله [تعالى] (٤) بل الغاية القصوى في حقهم عبودية الملائكة ، الذين هم عباد الله. فما لم تبطلوا بالدليل هذا الاحتمال ، لم يحصل مقصودكم [والله أعلم] (٥).

والجواب : قوله : «لم لا يجوز أن يختص كل واحد من أجزاء الرحم بخاصة ، لأجلها يفيد الأثر المخصوص»؟ قلنا : إن الحس يدل على أن الرحم متشابه الأجزاء في الطبيعة والخاصية ، وأيضا : فأكثر الأعضاء المختلفة في القوة (٦) والصفة إنما تتكون في داخل البدن وأجزاء الرحم لا تلاقى شيئا منها.

قوله : «لم لا يجوز أن يكون المؤثر في حدوث هذه الأبدان [أن يكون] (٧) هو القوة الطبيعية المولدة؟

قلنا : نحن نعلم بالضرورة أن القوى الطبيعية الموجودة في أعضائنا ليس لها الحكمة التامة ، والقدرة التامة ، ونعلم بالضرورة أن الخالي عن العلم والقدرة لا يمكنه إيجاد مثل هذه البنية المشتملة على هذه المنافع العجيبة ، وكل ما يذكر في تقرير هذه المقدمة ، فهو يجري مجرى إيضاح الواضحات ، كل ما يذكره الخصم في إبطالها فهو يجري مجرى إنكار البديهيات.

وقد صنف محمد بن زكريا الرازي كتابا في إقامة الدلالة على وجود الإله الحكيم بواسطة بدن الإنسان ، وقال في أول تلك الرسالة : «من رأى إبريقا وتأمل في كيفية تركيبه ، فرأى رأس الإبريق كالقمع الواسع ، ورأى بنيته معتدلة في الضيق والسعة ، ورأى عروته على شكل مخصوص ، ثم علم أن رأسه

__________________

(١) سماوات (س).

(٢) من (س) الصحيح هياكل.

(٣) من (س).

(٤) من (س).

(٥) من (ز).

(٦) الصورة (س).

(٧) من (ز).

٢٢٤

الواسع يصلح لأن ينصب الماء فيه ، وعلم أن بقية بنيته الواقعة على الحد المتوسط [في السعة] (١) والضيق ، صالحة لأن تخرج الماء منه بالقدر المعتدل ، وعلم أن عروقه صالحة لأن توجد [باليد] (٢) فمن كان عقله سليما عن أصناف الآفات ، نقيا. قطع بأن هذا الإبريق المركب من هذه الأجزاء الصالحة لهذه المنافع ، لم يتكون بنفسه ، ولم يتخلق بذاته. وأيضا : لم يتكون بحسب الطبيعة الخالية عن الشعور والإدراك ، بل يقطع بأن فاعلا عالما قادرا علم أن الانتفاع لا يتم إلا بهذا الإبريق في المقاصد المخصوصة [إلا عند حصول هذه الأجزاء الثلاثة على هذه الصفات المخصوصة] (٣) أما الرأس الواسع فلأجل أن يسهل صب الماء في الإبريق ، وأما الثقبة المعتدلة في البلبلة فليحسن خروج الماء منه بالقدر المعتدل ، وأما العروة فليسهل أخذها باليد عند الحاجة إلى استعماله. فلما علم ذلك الفاعل الحكيم أن الانتفاع بالإبريق لا يكمل إلا عند حصول هذه الصفات الثلاثة ، لا جرم ركب ذلك الحكيم خلقه هذا الإبريق على هذا الوجه الصالح والهيئة الموافقة لهذا المقصود».

ثم إن محمد بن زكريا بعد أن ذكر هذا المقال الحسن ، الموافق للمقصود ، شرع في شرح آثار حكمة الرحمن (٤) في تخليق بدن الإنسان ، وذكر بعض ما فيه من التركيبات العجيبة والهيئات المطابقة للحكمة والمصلحة ، ثم قال بعدها : «وصريح العقل شاهد بأن هذه العجائب والبدائع في تركيب هذا البدن لا يمكن صدورها إلا عن قادر حكيم خلق هذه البنية بقدرته ، وأحكمها بحكمته».

واعلم أن هذا البيان الذي ذكره (٥) محمد بن زكريا في هذا الموضع بيان حسن كامل ، وعند هذا يظهر للعقل السليم : أن هذه الوجوه المتكلفة المذكورة في بيان أنه يجوز صدور هذه الآثار العجيبة الحاصلة في تخليق بدن الإنسان عن الطبيعة المحضة ، الخالية عن العلم والقدرة : وجوه ضعيفة خسيسة جارية

__________________

(١) من (ز).

(٢) من (س).

(٣) من (ز).

(٤) الله تعالى (س).

(٥) ذكره هذا الرجل في هذا الموضع (س).

٢٢٥

مجرى إخفاء قرص الشمس بكف من التراب.

قال [تعالى] (١) في الكتاب الإلهي : (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ؟ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ، إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ، فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (٢) فقوله : «فجعلناه في قرار مكين ، إلى قدر معلوم» معناه : أن طبيعة المني تقتضي النقل والزوال ، إلا إذا دبر خلقه في الرحم [تدبيرا عجيبا يقتضي استمساك تلك القطرة. في الحريم. إنا دبرنا خلقة ذلك العضو] (٣) بحيث يقتضي استمساكها إلى حد معين ، وزمان معلوم ، وهو المدة التي يحتاج الجنين فيها إلى الاستكمال والتمام ، فإذا تم البدن وكملت الخلقة زال ذلك الاستمساك ، وبطل ذلك الحفظ ، وانقلبت الطبيعة الحافظة الممسكة إلى مرسلة مخرجة ، وعند ذلك ينفصل الولد عن الرحم فقوله : «إلى قدر معلوم» إشارة إلى أن بقاء ذلك الجسم في الموضع المعلوم ، ممتدا إلى مقدار الحاجة ، فإذا انقضى زمان الحاجة ، لم يبق الاستقرار في ذلك الموضع ، ثم قال : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) يعني من عرف أن هذه أفعال واقعة على وجه الحكمة ، والرحمة ، وإفاضة النعمة. ثم إن إنسانا لو أضافها إلى طبيعة لا شعور لها ولا إدراك ، ولا قدرة على فعل من الأفعال ، كان ذلك مكذبا بالعلوم البديهية ، وجاحدا للمعارف اليقينية (٤) ، فيكون مستحقا للويل والبلاء.

وأما قوله : «لم لا يجوز أن يضاف ذلك إلى الطبيعة ، بسبب أن الناس يضيفون الأفعال الحسنة إلى الطبيعة»؟ قلنا : دفع البديهيات لأجل التمسك بكلمات يذكرها بعض أهل العرب باطل. قوله : «يلزم إضافة تخليق جميع الحيوانات إلى خالق العالم» قلنا : وهكذا نقول : وأما ما يتعلق بالحسن والقبح فالكلام فيه سيأتي بالاستقصاء. قوله : «لم لا يجوز أن يكون المباشر لتخليق هذه الأبدان هو الأفلاك والكواكب»؟ قلنا : لا شك أن هذا الاحتمال قائم ،

__________________

(١) من (س).

(٢) بدل «ويل .. الخ» في (ز) كلمة الآية في (س) وهي في سورة المرسلات ٢٠ ـ ٢٤.

(٣) من (ز).

(٤) في (ز) كان مكذبا بالضرورة ، جاحدا للمعارف البديهية.

٢٢٦

لكنا لما بينا أن الأجسام متماثلة ، فحينئذ يظهر لنا : أن اختصاص كل فلك ، وكل كوكب بصفته المعينة [وخاصيته المعينة] (١) إنما كان بتخليق الإله الحكيم ، وعلى هذا التقدير فلا يضرنا هذا الكلام. وأما قوله : «لم لا يجوز أن يكون فاعل هذه التركيبات عقل ونفس»؟ قلنا : هذا الاحتمال قائم. إلا أنا نقول : ذلك العقل أو النفس ، إن كان ممكن الوجود افتقر إلى السبب ، والدور والتسلسل باطلان ، فلا بد من الانتهاء إلى واجب الوجود لذاته [وإن كان ذلك الشيء واجب الوجود] (٢) فهو المقصود.

واعلم أن الحرف المعدات للحاجات والضرورات ، لا تندفع إلا بالانتهاء ، إلى واجب الوجود لذاته ، فلهذا السبب جاء في الكتاب الإلهي قوله تعالى : (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) (٣).

ومن تأمل على الوجه الحقيقي عرف أن هذه الكلمة ينبوع الخيرات ، ومركز المصالح والسعادات [وبالله التوفيق] (٤).

__________________

(١) من (س).

(٢) من (س).

(٣) النجم / الآية ٤٢.

(٤) من (س).

٢٢٧

الفصل الثالث والعشرون

في

إقامة الدلالة على وجود إله العالم بناء على

حدوث الصفات من طريق آخر

اعلم أن الطريق الذي ذكرناه في الاستدلال بحدوث بدن الإنسان هو استدلال بحال[من الأحوال.

وهاهنا طريق شبيه به ولكنه استدلال بحال (١)] من أحوال عالم الأفلاك وهو العالم الأعلى. ومن المعلوم : أن الاستدلال بأحوال ذلك العالم على وجود الإله أظهر وأقوى. كما قال في الكتاب الإلهي : «لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس» (٢). وهذا الطريق هو الذي كان يعول عليه قدماء الفلاسفة في إثبات الإله ، لهذا العالم. قالوا : حصل في هذا العالم أدوار لا نهاية لها ، وحركات لا أول لها ولا آخر ولا بد لها من فاعل ، وفاعلها يكون قويا على أفعال لا نهاية لها ، وفاعل الأفعال (٣) التي لا نهاية لها ، يمتنع أن يكون جسما أو جسمانيا ، فوجب الاعتراف بموجود ليس بجسم ولا بجسماني ، وهو المحرك لهذه الأفعال ، والكواكب. وذلك الموجود هو الله تعالى.

واعلم أن هذا الدليل مركب من مقدمات :

المقدمة الأولى : في إثبات حركات لا أول لها ولا آخر لها. والحكماء عولوا

__________________

(١) من (ز).

(٢) غافر ٥٧.

(٣) أفعال (ز).

٢٢٨

في إثبات هذا المطلوب على أن الزمان مقدار الحركة ، ثم قد يثبت (١) أن الزمان يمتنع بأن يحصل له أول وآخر فوجب الاعتراف بوجود حركة لا أول لها ولا آخر لها.

ومقدمات هذه الحجة مشهورة [وقال المصنف رحمة الله عليه] (٢) : وعندي أنه يمكن تقريره بطريق آخر بناء على أصول الفلاسفة ، فيقال : لا شك أن هاهنا حركات وتغييرات ، فهذه الحوادث لا بد لها من سبب ، وسبب هذا الحادث إما أن يكون قديما أو حادثا فإن كان قديما فإما أن يتوقف إلحاقه لهذا الحادث على شرط ، أو لا يتوقف فإن لم يتوقف فحينئذ قد كان هذا القديم موجودا من الأزل [إلى الآن] (٣) من غير صدور هذا الحادث عنه ثم صدر (٤) هذا الحادث من غير أن يتميز هذا الوقت عن سائر الأوقات ، بما لأجله صار أولى بحدوث هذا الحادث ، وهذا يقتضي رجحان الممكن لا لمرجح وهو محال ، فثبت أن بتقدير أن يكون السبب المؤثر في حدوث هذا الحادث موجودا قديما ، إلا أنه يجب الاعتراف بأن تأثيره في وجود هذا الحادث مشروط بشرط حادث ، فحينئذ يرجح الأمر إلى القسم الثاني وهو أن [الأثر] (٥) الحادث لا بدّ له من سبب حادث. ثم الكلام في ذلك الحادث كالكلام في الأول فيفضي هذا إلى التسلسل وإما أن يحصل [التسلسل في أسباب ومسببات توجد دفعة واحدة وهو محال ، وإما أن لا يحصل] (٦) بحيث يكون كل واحد منها مسبوقا بآخر لا إلى أول ، وذلك هو الذي تقول به الفلاسفة ، ويذهبون إليه. وعند ظهور هذا المعنى قد ثبت لهم وجود حوادث لا أول لها ، ووجود حركات لا بداية لها.

وأما المقدمة الثانية : وهي قولهم : هذه الحوادث لا بد لها من مؤثر [وفاعل وموجد] (٧) فتقرير هذه المقدمة مبني على أن الجسم يمتنع أن يتحرك لنفسه أو لذاته ، والكلام في هذه المسألة مذكور في العلم الطبيعي على سبيل

__________________

(١) ثم ثبت (س).

(٢) من (ز).

(٣) سقط (س) وفي (ز) من الأول.

(٤) ثم صدر عنه من ... الخ (ز).

(٥) من (ز).

(٦) من (س).

(٧) من (ز).

٢٢٩

الاستقصاء ، وإذا ثبت أنه يمتنع كونها متحركة [لذواتها] (١) وجب القول بأنه لا بدّ لها من محرك يحركها ومؤثر يؤثر في وجود حركاتها.

وأما المقدمة الثالثة : فهي بيان أن القوة الجسمانية لا تقوى على أفعال غير متناهية(٢) ، وتقرير (٣) هذه المقدمة : أن كل قوة جسمانية فهي حالة في محل متحيز (٤) وكل متحيز (٥) منقسم ، بناء على نفي الجوهر الفرد ، وكل ما كان حالا في محل منقسم. فهو منقسم ، وكل قوة جسمانية ، فهي منقسمة. إذا ثبت هذا فنقول جزء تلك القوة إما أن لا يقوى على شيء أصلا ، أو يقوى عليه الكل ، أو يقوى على شيء انقص مما يقوى عليه الكل ، والأقسام الثلاثة باطلة. وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يقال : إن جزء القوة لا يقوى على شيء أصلا [لأن تلك القوة ليس إلا تلك الأجزاء ولا يقوى على شيء أصلا] (٦) فوجب أن يقال : إن مجموع تلك القوة لا تقوى على شيء أصلا ، فيلزم أن يقال : إن القوة على الشيء ، ليست قوة على الشيء. هذا خلف.

وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن جزء القوة يقوي على تمام ما تقوى عليه كل القوة فهذا أيضا [محال لأنه يلزم أن يكون الكل مثل الجزء من غير تفاوت أصلا ، وذلك محال.

وأما الثالث (٧)] : وهو أن يقال : إن جزء القوة يقوى على بعض ما يقوى عليه الكل. فنقول : إذا كان الأمر كذلك ، فإذا فرضنا أن كل تلك القوة وجزءها أخذا في التحريك من مبدأ معين ، فحينئذ يلزم أن يتناهى فعل الجزء ، وإذا كان كذلك ففعل الكل يكون أضعاف (٨) فعل الجزء بمرات متناهية ، وأضعاف المتناهي ، متناهي فوجب [أن يكون] (٩) فعل القوة متناهيا [فثبت] (١٠) أن القوى الجسمانية يجب أن تكون أفعالها متناهية ، ويمتنع صدور

__________________

(١) من (س).

(٢) الأفعال المتناهية (ز).

(٣) ويؤيد (س).

(٤) متحرك (س).

(٥) متحرك (س).

(٦) من (ز).

(٧) من (ز).

(٨) موصوفا بصفات (ز).

(٩) من (ز).

(١٠) من (س).

٢٣٠

أفعال غير متناهية عن القوة الجسمانية.

فقد ظهر من هذا الوجه صحة هذه المقدمات. وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بالدليل وجود حركات غير متناهية ، وثبت بالدليل أنه لا بد لها من مؤثر يؤثر فيها ، ومن موجد يوجدها ، وثبت بالدليل أن موجد الأفعال الغير متناهية يمتنع أن يكون جسما أو جسمانيا فلم يبق إلا الاعتراف بوجود موجود ليس بجسم ولا بجسماني ، وهو المحرك لأجرام الأفلاك والكواكب ، وهو المحرك للعناصر بحسب امتزاجاتها التي لا بداية لها ، وذلك الموجود هو إله العالم ومدبر العالم. وهذه الطريقة كان قدماء [الفلاسفة من (١) أصحاب أرسطاطاليس يعوّلون عليها في إثبات الإله لهذا العالم.

واعلم أن مذهب المتكلمين : أن القول بوجود حوادث لا أول لها محال ، وأنه يجب انتهاء الحوادث إلى حادث هو أول الحوادث. ودلائلهم كثيرة سنذكرها في مسألة الحدوث والقدم. إلا أنا نذكر هاهنا واحدا من تلك الدلائل ، فنقول : إن الدليل على أن [الأمر] (٢) كما ذكرناه : أن ماهية الحركة وحقيقتها : أنها انتقال من حالة إلى حالة ، وكل ما كان كذلك فإن حقيقته تقتضي أن يكون مسبوقا [بالحالة المنتقل عنها ، وكل ما كان كذلك ، فإن حقيقته تقتضي أن تكون مسبوقة] (٣) بغيرها ، فثبت أن حقيقة الحركة وماهيتها تقتضي أن تكون مسبوقة بغيرها. واما [حقيقة] (٤) الازل ونفى الاولية فهي تقتضى ان لا تكون مسبوقة بغيرها ، وإذا ثبت هذا فنقول : لو فرضنا حركة موجودة في الأزل ، فهي لكونها حركة. إما أن تكون مسبوقة بغيرها ، أو لكونها أزلية يجب أن لا تكون مسبوقة بغيرها. وذلك يوجب الجمع بين النقيضين ، وهو محال. فيثبت بهذا البرهان : أنه لا بد للحركات من أول ، ومن بداية ، وإذا ثبت هذا فنقول : إنه قبل ذلك الوقت الذي هو أول الحركات ، إما أن يقال : كانت

__________________

(١) من (ز).

(٢) من (ز).

(٣) من (ز).

(٤) سقط (س). والأول (ز).

٢٣١

الأجسام بأسرها معدومة ثم وجدت وتحركت ، أو يقال : الأجسام وإن كانت موجودة إلا أنها كانت واقفة ساكنة ، فلما جاء ذلك الوقت أحدث في حركاتها السريعة ، بعضها إلى المشرق وبعضها إلى الغرب ، وبعضها إلى الشمال ، وبعضها إلى الجنوب. وعلى كلا التقديرين فصريح العقل يشهد بافتقارها إلى إله يحركها ويدبرها. وأما إن قلنا : إنها كانت معدومة [محضة] (١) ثم وجدت وتحركت ، فالعقل يقضي بافتقارها إلى الموجد ، وأما إن قلنا : إنها كانت موجودة ، (٢) ولكنها كانت واقفة ثم ابتدأت من ذلك الوقت بالحركة فإن العقل أيضا يقضي بافتقارها إلى المحرك والمدبر ، فثبت أن حركات الأفلاك تدل على جميع الاعتبارات ، على افتقارها إلى مدبر يدبرها [ومحرك يحركها. واعلم أن الفلاسفة. قالوا : حركات الأفلاك لا أول لها ، فوجب افتقارها إلى محرك يحركها ، ومدبر يدبرها] (٣) والمتكلمون قالوا : حركات الأفلاك لها أول. فوجب افتقارها إلى محرك ومدبر. ويمكن أيضا أن يقال : هذه الحركات إما أن يقال : إنه لا أول لها ، وإما أن يقال : لها أول.

فإن قلنا : إنه لا أول لها وجب افتقارها إلى الإله الذي ليس بجسم ولا بجسماني بالطريق الذي ذكره الفلاسفة ، وإن قلنا : إن تلك الحركات لها بداية ، ولها أول ، وجب أيضا افتقارها إلى المؤثر المحرك بالطريق الذي ذكره المتكلمون.

فظهر أن على جميع التقديرات لا بدّ من الاعتراف بوجود إله لهذا العالم يدبره ويتصرف فيه كيف [شاء] (٤) وأراد : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٥) [وبالله التوفيق] (٦).

__________________

(١) من (س).

(٢) معدومة (س).

(٣) من (س).

(٤) من (س).

(٥) الأعراف ٥٤.

(٦) من (ز).

٢٣٢

الفصل الرابع والعشرون

في

تقرير طريقة أخرى في إثبات الإله تعالى لهذا الخلق

اعلم أن من تدبر في أجزاء العالم الأعلى والأسفل ، ظهر له أن هذا العالم مبني على الوجه الأصلح والأصوب والترتيب الأفضل والأتقن (١) ، وصريح العقل شاهد بأن وقوع الشيء على هذا الوجه لا يكون إلا بتدبير حكيم عالم. فهذا الطريق يدل على وجود الإله لهذا العالم.

ولنذكر ضوابط هذا الباب فنقول : محل الاعتبار ، إما أن يكون هو العالم الأعلى أو العالم الأسفل ، فإذا كان محل الاعتبار هو موجودات العالم الأسفل فهذا يقع على وجوه : أحدها : [العجائب الكثيرة التي أودعها الله تعالى في بدن الإنسان. وتمام الكلام فيه مذكور في كتاب تشريح بدن الإنسان.

وثانيها] (٢) : العجائب الكثيرة التي أودعها الله تعالى في روح الإنسان ونفسه ، وتمام الكلام فيه مذكور في كتاب النفس.

وثالثها : عجائب أحوال الحيوانات ، وتفاصيلها ، وهي مذكورة في كتاب الحيوان.

ورابعها : عجائب أحوال النبات ، وهي مذكورة في كتاب النبات.

__________________

(١) والأليق (س).

(٢) من (س).

٢٣٣

وخامسها : عجائب أحوال المعادن ، وهي مذكورة في كتاب المعادن. أعني خواصها وتأثير بعضها في بعض ، وتولد العجائب والغرائب من كيفية امتزاجاتها. وكتب الأكثرين تدل على أحوال كثيرة منها.

وسادسها : عجائب الآثار العلوية.

وسابعها : عجائب طبقات العناصر. وهي مذكورة في كتاب صفات العناصر.

وثامنها : العجائب الحاصلة بسبب المناسبات المعتبرة بين تلك الأشياء وكيفية معونة كل واحد في حفظ نوع الباقي ، وأما إذا كان محل الاعتبار : هو العالم الأعلى ، فالبحث فيه من وجوه :

الأول : معرفة طبائع الأفلاك والكواكب.

ثانيها : معرفة مقاديرها ، وعين كل واحد منها.

وثالثها : معرفة حركاتها المختلفة بحسب الطول والعرض ووقوع تلك الحركات على الوجه الأصوب والأصلح. وهي خمسة وأربعون نوعا من الحركات ، وذلك لأنه يعرض لكل واحد من الكواكب السبعة ست حركات إلى ست جهات مختلفة :

إحداها : من المشرق إلى المغرب. وثانيها : من المغرب إلى المشرق.

وثالثها : من الجنوب إلى الشمال. ورابعها : من الشمال إلى الجنوب.

وخامسها : من الأعلى إلى الأسفل. وسادسها : من الأسفل إلى الأعلى.

فيكون جملتها : اثنين وأربعين نوعا من الحركة ، ويعرض للكواكب الثابتة حركتان ، وللفلك المحيط حركة واحدة فتلك خمسة وأربعون نوعا من الحركة ، ولكل واحد منها [مقدار خاص في السرعة والبطء والجهة ، ولكل واحد

٢٣٤

منها] (١) تأثير خاص ، في منافع هذا العالم ، لو لم توجد لاختلت مصالح هذا العالم ، ولا شك أن هذه الترتيبات العجيبة لم تقع لذات الجسم فهي بتدبير مدبر حكيم عليم.

رابعها : ارتباط أحوال العالم الأسفل بأحوال حركات الأجرام العالية ، فإن بسبب الحركة اليومية يتعاقب الليل والنهار مع كثرة ما فيهما من المصالح ، وبسبب الحركة الشهرية الحاصلة بسبب القمر تكون المصالح وبسبب الحركة السنوية (٢) الحاصلة بسبب الشمس ، تحصيل الفصول الأربعة التي لا يعرف كمية مصالحها إلا الله تعالى.

وخامسها : كيفية ارتباط أحوال هذا العالم بحركة الشمس [بسيرها ، وبيان أنه جعل الشمس] (٣) سلطان عالم الأجسام وجعل سائر الكواكب كالرعية لها وربط بسيرها أحوال البحار والجبال ، ومواضع العمران ، ومواضع الخراب من الأرض.

وسادسها : التأمل في أحوال الكواكب الثابتة ، وفي أحوال الكواكب السيارة. واليقين حاصل بأنه تعالى أودع في كل واحد منها حكما باهرة ، وأسرارا عجيبة ولا سبيل للعقول البشرية إلى معرفتها إلا في القليل القليل.

واعلم أن هذا النوع من البحث بحر لا ساحل له ، وليس في شيء من الكتب بيان هذا النوع من الدلائل كما في القرآن ، فإنه مملوء من هذا النوع من البيان. قال الله تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ ، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ ، وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(٤).

__________________

(١) من (س).

(٢) اليومية (س).

(٣) من (س).

(٤) البقرة ١٦٤.

٢٣٥

فهذه الآية مشتملة على ثمانية أنواع من الدلائل. فالثلاثة الأول من الدلائل الفلكية ، وهي قوله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) والخمسة الباقية من الدلائل ، هي دلائل عالم العناصر ، وهي قوله تعالى : (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ) ثم ذكر بعده دلائل النبات فقال : (وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) ثم ذكر بعده دلائل الحيوان فقال (وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) ثم ذكر دلائل الآثار العلوية وذكر فيها نوعين : الرياح والسحاب. فقال : (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) ولما ذكر هذه الدلائل الثمانية قال : (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). ونختم هذه الفصول بخاتمة عظيمة النفع ، وهي أن الدلائل التي ذكرها الحكماء والمتكلمون وإن كانت كاملة قوية ، إلا أن هذه الطريقة المذكورة في القرآن عندي : أنها أقرب إلى الحق والصواب ، وذلك لأن تلك الدلائل دقيقة ، وبسبب ما فيها من الدقة انفتحت أبواب الشبهات ، وكثرت السؤالات.

وأما الطريق الوارد في القرآن فحاصله راجع إلى طريق واحد وهو المنع من التعمق ، والاحتراز عن فتح باب القيل والقال ، وحمل الفهم والعقل على الاستكثار من دلائل العالم الأعلى والأسفل. ومن ترك التعصب ، وجرب مثل تجربتي ، علم أن الحق ما ذكرته ، ولما ثبت أن هذا الطريق الذي ذكره الله في القرآن أنفع ، وفي القلوب أرجح (١) ، لا جرم أفردنا له بابا مستقلا ، وهو القسم الثاني من هذا الكتاب. ونسأل الله تعالى الهداية والرحمة والإرشاد إلى الحق ، بفضله. فإنه خير موفق ومعين.

__________________

(١) أوقع (س).

٢٣٦

القسم الثاني

من الجزء الأوّل

من علوم هذا الكتاب

في تفصيل الدّلائل الدّالّة على وجود الإله القديم

الدلائل الموجودة في عالم الأفلاك وعالم العناصر

٢٣٧
٢٣٨

الفصل الأول

في

بيان أن الاستكثار من هذه الدلائل من أهم المهمات

اعلم. أن الدلائل قد تكون قطعية ، وقد تكون إقناعية. والاستكثار من الدلائل الإقناعية قد ينتهي إلى إفادة القطع. وذلك لأن الدليل الإقناعي الواحد قد يفيد الظن ، فإذا انضم إليه دليل (١) ثان ، قوي الظن ، وكلما سمع دليلا آخر ازداد الظن قوة ، وقد ينتهي بالآخرة إلى حصول الجزم واليقين.

وهذا المعنى هو أحد الفوائد التي ذكرها صاحب المنطق في تعليم قوانين الجدل. قال : «لأن القوانين الجدلية ، وإن أفادت الظن ، إلا أن تلك الظنون ، إذا قويت فقد تنتهي إلى حد اليقين».

فيثبت : أن الجدل قد يقوم مقام البرهان في إفادة اليقين. وأولى المواضع برعاية الاحتياط فيه ، والمبالغة في التقرير ، وإزالة الشكوك ، والشبهات : معرفة الإله المدبر الحكيم، ولما بالغنا في تقرير الدلائل العقلية في القسم الأول ، أردنا أن نجمع الدلائل الظاهرة الجلية المتبادرة إلى الأفهام في هذا القسم ، ليكون ذلك سعيا في الفوز بهذه السعادة بأقصى ما يقدر عليه [وبالله التوفيق] (٢).

__________________

(١) دليل بأن الظن (م).

(٢) من (ط ، س).

٢٣٩

الفصل الثاني

في

حكاية كلمات منقولة عن أكابر الناس في هذا الباب.

فالأول : روى أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لعمران بن الحصين : «كم لك من إله»؟ قال : عشرة. قال : «فمن لنعمك وكرمك والأمر العظيم الذي ينزل بك»؟ قال : الله [تعالى] (١) فقال عليه‌السلام : «فما لك من إله إلا الله».

الثاني : روى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر بن محمد الصادق. فقال جعفر : ما حرفتك؟ فقال التجارة. فقال : هل ركبت البحر؟ قال : نعم. قال هل رأيت أهواله؟ قال : نعم. هاجت في بعض الأيام رياح هائلة ، فكسّرت السفن ، وغرّقت الملاحين ، فتعلقت أنا ببعض ألواح السفينة ، ثم ذهب ذلك اللوح عني ، فوجدت نفسي في تلاطم الأمواج ، حتى اندفعت إلى الساحل. فقال جعفر : مذ كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح ، وعلى اللوح ، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك ، هل أسلمت [نفسك] (٢) للهلاك أم كنت ترجو النجاة؟ قال : بل كنت أرجو النجاة. قال : ممن ترجوها؟ فسكت الرجل. فقال جعفر : إن إلهك هو الذي [كنت] (٣) ترجوه في ذلك الوقت ، ونجاك من الغرق ، وأوصلك إلى السلامة.

__________________

(١) من (ز).

(٢) من (س).

(٣) من (س).

٢٤٠