شفاء السّقام في زيارة خير الأنام صلى الله عليه وآله

علي بن عبدالكافي بن علي أبوالحسن الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي [ تقي الدين السبكي ]

شفاء السّقام في زيارة خير الأنام صلى الله عليه وآله

المؤلف:

علي بن عبدالكافي بن علي أبوالحسن الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي [ تقي الدين السبكي ]


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دائرة المعارف العثمانيّة
الطبعة: ٤
الصفحات: ٤٣٢
  نسخة غير مصححة

الفصل الثالث :

في سائر الموتى في السماع والكلام والإدراك والحياة وعود الروح إلى الجسد

أمّا السماع والكلام : فرواهما البخاريّ رحمه‌الله :

أنا بجميع «صحيح البخاريّ» أبو الحسن عليّ بن محمّد بن هارون بقراءتي عليه غير مرّة بالقاهرة ، وفاطمة بنت البطائحيّ بقراءتي عليها بسفح قاسيون ظاهر دمشق ، وأبو العبّاس أحمد بن أبي طالب ، ووزيرة بنت عمر بن أسعد برميخا قراءة عليهما وأنا أسمع وآخرون.

قال الأربعة المذكورون : أنا الحسين بن المبارك بن يحيى بن الزبيديّ ـ قال الأوّل : وأنا حاضر ، وقال الثلاثة : ونحن نسمع ـ قال أنا أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى قراءة عليه وأنا أسمع ، أنا جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمّد بن المظفّر الداوديّ ، أنا أبو محمّد عبد الله بن أحمد بن حمويه ، أنا أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن مطر الفربريّ ، حدثنا الإمام أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاريّ ، قال حدثنا عيّاش ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا سعيد.

٣٤١

وبه قال : وقال لي خليفة : حدثنا ابن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «العبد إذا وضع في قبره وتولّى وذهب عنه أصحابه ـ حتّى أنّه يسمع قرع نعالهم ـ أتاه ملكان فأقعداه ، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمّد؟

فيقول : أشهد أنّه عبد الله ورسوله.

فيقال : انظر إلى مقعدك من النار ، أبدلك الله به مقعداً من الجنّة.

قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فرآهما جميعاً.

وأمّا الكافر أو المنافق فيقول : لا أدري كيف؟ أقول ما يقول الناس.

فيقال : لا دريت ، ولا تليت ، ثمّ يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين اذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلّا الثقلين» (١).

وروى مسلم رحمه‌الله من حديث أسماء قريباً منه ، وفيه : «وأمّا المنافق أو المرتاب». قال الراوي : لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء (٢).

وفي الترمذيّ : أنّ الملكين يقولان للمؤمن : «نم كنومة العروس لا يوقظه إلّا أحبّ أهله إليه» (٣).

وبالإسناد إلى البخاريّ قال : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا الليث ، عن سعيد المقبريّ ، عن أبيه : أنّه سمع أبا سعيد الخدريّ يقول : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدّموني ،

__________________

(١) صحيح البخاري (٢ / ٥٦٧) باب (٨٥٢) الميت يسمع خفق النعل ح (١٢٤٨).

(٢) صحيح مسلم (٣ / ٣٢) ، ولاحظ صحيح البخاري (١ / ٢٩ و ٣٠ و ٥٤ و ٢٢١) و (٢ / ٢٨) و (٨ / ١٤١). ومسند أحمد (٦ / ٣٤٥) ، والسنن الكبرى للبيهقي (٣ / ٣٣٨) ، ولاحظ كنز العمال (١٥ / ٦٣٣).

(٣) سنن الترمذي (٢ / ٢٦٧).

٣٤٢

وإن كانت غير صالحة : قالت : يا ويلها ، أين تذهبون بها؟! يسمع صوتها كلّ شيء إلّا الإنسان ، ولو سمعه صعق».

وبالإسناد إلى البخاريّ قال : حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث بن سعد ... فذكر بمثله ، وقال : «قالت لأهلها : يا ويلها» وقال : «ولو سمع الإنسان لصعق» (١).

فانظر هذه الأحاديث الصحيحة التي لا مرية فيها ، وتأكيد الكلام بما لا يحتمل المجاز ؛ وهو قول : «يسمع صوتها كلّ شيء إلّا الإنسان» ولو لا هذا لأمكن أن يحمل على القول بلسان الحال ، لكن بعد هذا لا يسوغ هذا الحمل.

وأيضاً فإنّ لسان الحال معلوم عند الإنسان ، فلا شكّ في حصول كلام حقيقيّ ، هذا ونحن نشاهد على أعناق الرجال ميّتاً.

ومن الأحاديث الصحيحة المتّفق عليها ، نداؤه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهل البئر ، وقوله : «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» (٢).

وأمّا الإدراك : فيدلّ له مع ذلك الأحاديث الواردة في عذاب القبر ، وهي أحاديث صحيحة متّفق عليها ، رواها البخاريّ ومسلم وغيرهما ، وأجمع عليها وعلى مدلولها أهل السنّة ، والأحاديث في ذلك متواترة.

ومن أحسنها ما رواه أبو داود الطيالسيّ ، أنا أبو العباس أحمد بن محمّد الدشتيّ بقراءتي عليه بالشام في سنة سبع وسبعمائة قال : أنا الحافظ ابن خليل ، أنا اللبان ، أنا الحدّاد ، أنا أبو نعيم ، أنا ابن فارس ، حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود

__________________

(١) صحيح البخاري (٢ / ٨٨).

(٢) حديث القليب ، صحيح البخاري (٢ / ١٠١) ولاحظ كتاب الجنائز باب (٨٧١) ما جاء في عذاب القبر ح ١٢٧٨ ، ولاحظ (٥ / ٩) وصحيح مسلم (٣ / ٤٤) ومستدرك الحاكم (٣ / ٢٢٤) ومسند أحمد (٢ / ١٣١) و (٦ / ٢٧٦).

٣٤٣

الطيالسيّ ، حدثنا الأسود بن شيبان ، عن بحر بن مرّار (١) عن أبي بكرة قال : بينما أنا أمشي مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعي رجل ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمشي بيننا ، إذ أتى على قبرين ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ صاحبي هذين القبرين ليعذّبان الآن في قبورهما ، فأيّكما يأتيني من هذا النخل بعسيب؟».

فاستبقت أنا وصاحبي فسبقته ، وكسرت من النخل عسيباً ، فأتيت به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فشقّه نصفين من أعلاه ، فوضع على أحدهما نصفاً ، وعلى الآخر نصفاً وقال : «إنّه يهوّن عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء ، إنّهما يعذّبان في الغيبة والبول» (٢).

قال الطيالسيّ : وروى هذا الحديث مسلم بن إبراهيم ، عن الأسود ، عن مجزأة ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة.

هكذا نقلته من مسند أبي داود الطيالسيّ (٣) التي هي أصل سماعي ، وهي بخطّ ابن خليل ، وأصل الحديث ثابت في «الصحيحين» (٤).

وفي هذه الرواية النصّ على أنّ العذاب الآن ، وأنّه في القبور.

وخرّج البخاريّ ومسلم عن البراء بن عازب : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله ، فذلك قوله تعالى : (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي

__________________

(١) في (ه) : البكراويّ.

(٢) البخاري ، مسلم.

(٣) مسند الطيالسي

(٤) صحيح البخاري (١ / ٦١) و (٢ / ٩٩) و (٢ / ١٠٣) باب عذاب القبر من الغيبة والبول و (٧ / ٨٦) ، صحيح مسلم (١ / ١٦٦) ، مسند أحمد (١ / ٢٢٥) و (٥ / ٣٥ و ٣٩ و ٢٦٦) ، وسنن الدارقطني (١ / ١٨٨) ، وسنن ابن ماجة (١ / ١٢٥) والسنن الكبرى للبيهقي (٢ / ٤١٢).

٣٤٤

الْآخِرَةِ)» (١).

وقد ورد عن البراء بن عازب حديث طويل جامع لأحكام الموتى ، وفيه التصريح بعود الروح إلى الجسد : أنا به الدشتيّ ، أنا ابن خليل ، أنا اللبان ، أنا الحدّاد ، أنا أبو نعيم ، أنا ابن فارس ، حدثنا يونس ، حدثنا أبو داود الطيالسيّ قال : حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب رضي الله عنهما.

قال أبو داود : حدّثناه عمرو بن ثابت سمعه من المنهال بن عمرو ، عن زاذان ، عن البراء بن عازب ، وحديث أبي عوانة أتمّهما.

قال البراء : خرجنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولمّا يلحد ، فجلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجلسنا حوله كأنّما على رءوسنا الطير.

قال عمرو بن ثابت : «وَقَع» ولم يقله أبو عوانة.

فجعل يرفع بصره وينظر إلى السماء ، ويخفض بصره وينظر إلى الأرض ، ثمّ قال : «أعوذ بالله من عذاب القبر» قالها مراراً.

ثمّ قال : «إنّ العبد المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا ، جاءه ملك فجلس عند رأسه فيقول : اخرجي أيّتها النفس المطمئنّة إلى مغفرة من الله ورضوان ، فتخرج نفسه ، وتسيل كما يسيل قطر السقاء».

قال عمرو في حديثه ولم يقله أبو عوانة : «وإن كنتم ترون غير ذلك ، وتنزل ملائكة من الجنّة بيض الوجوه ، كأنّ وجوههم الشمس ، معهم أكفان من أكفان الجنّة ، وحنوط من حنوطها ، فيجلسون منه مدّ البصر ، فإذا قبضها الملك لم يدعوها في يده طرفة عين ، فذلك قوله عزوجل : (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا

__________________

(١) صحيح البخاري (٦ / ٤٢٧) كتاب التفسير / سورة ابراهيم باب (٣٧٧) ح ١١٢٣.

صحيح مسلم

٣٤٥

يُفَرِّطُونَ)».

قال : «فتخرج نفسه كأطيب ريح وجدت ، فتعرج بها الملائكة ، فلا يأتون على جند بين السماء والأرض إلّا قالوا : ما هذه الروح؟

فيقال : فلان ؛ بأحسن أسمائه ، حتّى ينتهوا به إلى باب سماء الدنيا فتفتح له ، ويشيّعه من كلّ سماء مقرّبوها ، حتّى ينتهي بها إلى السماء السابعة ، فيقول : اكتبوا كتابه في علّيين : (وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ)» فيكتب كتابه في علّيين.

ثمّ يقال : ردّوه إلى الأرض ، فإنّي وعدتُهم أنّي (منها خلقناهم ، وفيها نعيدهم ، ومنها نخرجهم تارة اخرى).

فتردّ إلى الأرض ، وتعاد روحه في جسده.

فيأتيه ملكان شديدا الانتهار ، فينتهرانه ويجلسانه فيقولان : من ربّك ، وما دينك؟

فيقول : ربّي الله ، وديني الإسلام.

فيقولان : فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

فيقول : هو رسول الله.

فيقولون : وما يدريك؟

فيقول : جاءنا بالبيّنات من ربّنا فآمنت به وصدّقته.

قال : «وذلك قوله عزوجل : (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ)».

قال : «وينادي منادٍ من السماء : قد صدق عبدي ، فألبسوه من الجنّة ، وأفرشوه منها ، وأروه منزله منها.

فيلبس من الجنّة ، ويفرش منها ، ويرى منزله منها ، ويفسح له مدّ بصره ،

٣٤٦

ويمثل له عمله في صورة رجل حسن الوجه ، طيّب الريح ، حسن الثياب فيقول : أبشر بما أعدّ الله عزوجل لك ، أبشر برضوان من الله ، وجنّات فيها نعيم مقيم.

فيقول : بشّرك الله بخير ، من أنت ، فوجهك الوجه الذي جاءنا بخير؟

فيقول : هذا يومك الذي كنت توعد ، والأمر الذي كنت توعد ، وأنا عملك الصالح ، فو الله ما علمتك إلّا كنت سريعاً في طاعة الله ، بطيئاً عن معصية الله ، فجزاك الله خيراً.

فيقول : يا ربّ أقم الساعة كي أرجع إلى أهلي ومالي».

قال : وإن كان فاجراً فكان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا ، جاءه ملك فجلس عند رأسه فقال : اخرجي أيّتها النفس الخبيثة ، أبشر بسخط الله وغضبه ، فتنزل ملائكة سود الوجوه معهم مسوح ، فإذا قبضها الملك قاموا فلم يدعوها في يده طرفة عين».

قال : «فتفرّق في جسده ، فيستخرجها تقطّع معها العروق والعصب ، كالسفود الكبير الشعب في الصوف المبلول ، فتؤخذ من الملك ، فتخرج كأنتن ريح وجدت ، فلا تمرّ على جند فيما بين السماء والأرض إلّا قالوا : ما هذه الروح الخبيثة؟

فيقولون : هذا فلان ؛ بأسوإ أسمائه ، حتّى ينتهوا إلى السماء الدنيا فلا يفتح له.

فيقول : ردّوه إلى الأرض إنّي وعدتهم أنّي منها خلقناهم ، وفيها نعيدهم ، ومنها نخرجهم تارة اخرى.

قال : «فيرمى به من السماء» قال : فتلا هذه الآية : (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ ...) الآية.

قال : «ويعاد إلى الأرض ، وتعاد فيه روحه ، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار ، فينتهرانه ويجلسانه فيقولان : من ربّك ، وما دينك؟

فيقول : لا أدري.

٣٤٧

فيقولان : فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟

فلا يهتدي لاسمه فيقول : لا أدري ، سمعت الناس يقولون ذلك».

قال : «فيقال : لا دريت ، فيضيّق عليه قبره حتّى تختلف أضلاعه ، ويمثل له عمله في صورة رجل قبيح الوجه ، منتن الريح ، قبيح الثياب ، فيقول : أبشر بعذاب من الله وسخطه.

فيقول : من أنت ، فوجهك الوجه الذي جاء بالشرّ؟

فيقول : أنا عملك الخبيث ، والله ما علمتك إلّا كنت بطيئاً عن طاعة الله ، سريعاً إلى معصية الله».

قال عمر في حديثه عن المنهال ، عن زاذان ، عن البراء ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فيقيّض له ملك أصمّ أبكم معه مرزبة ، لو ضرب بها جبل صار تراباً» أو قال : «رميماً» «فيضربه بها ضربة يسمعها الخلائق إلّا الثقلين ، ثمّ تعاد فيه الروح ، فيضربه ضربة اخرى».

وهذا الحديث أخرجه جماعة من الأئمة في مسانيدهم ، منهم الإمام أحمد (١) ، وعبد بن حميد (٢) ، وعليّ بن معبد في الطاعة والمعصية وغيرهم ، ورجال إسناده كلّهم ثقات.

وتكلّم فيه ابن حزم من جهة المنهال بن عمرو.

وهذا الكلام ليس بشيء ؛ لأنّ المنهال بن عمرو روى له البخاريّ ، ووثّقه غير واحد ، منهم يحيى بن معين.

والكلام الذي فيه من جهة أن شعبة تركه ، وقد قال عبد الرحمن بن مهديّ : إنّ سبب ترك شعبة له ؛ أنّه سمع من داره صوت قراءة بالتطريب ، وإذا عرف هذا

__________________

(١) مسند أحمد (٤ / ٢٩٦) ونحوه في سنن أبي داود (٢ / ٤٢٥).

(٢) مسند الكسي عبد بن حميد.

٣٤٨

السبب لم يضرّ ترك شعبة إيّاه ؛ لأنّ جماعة من العلماء قالوا بإباحة ذلك ، وما كان مختلفاً فيه من هذا الجنس فلا تردّ الرواية به ، ولا الشهادة ، ولا سيّما ولم يعلم أنّ ذلك الصوت منه ، فقد يكون في داره من غيره ، ولا علم له به.

وبالجملة : فهذا كلام لا وجه له ، ولا شكّ في ثقة المنهال بن عمرو ، وأنّه ممن يحتجّ بحديثه ، ولا معنى لإنكار عود الروح وتضعيفه بالمنهال بن عمرو ، مع دلالة بقيّة الأحاديث المتّفق عليها على السماع ، والكلام ، والقعود ، وغيرها ممّا يستلزم الحياة وعود الروح.

وقد روى البغويّ في «شرح السنّة» (١) عن أبي هريرة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «إنّ الميّت يسمع حسّ النعال إذا ولّى عنه الناس مدبرين ، ثمّ يجلس ويوضع كفنه في عنقه ، ثمّ يسأل».

وقد أجمع أهل السنّة على إثبات الحياة في القبور ، قال إمام الحرمين في «الشامل» (٢) : اتفق سلف الامة على إثبات عذاب القبر ، وإحياء الموتى في قبورهم ، وردّ الأرواح في أجسادهم.

وقال الفقيه أبو بكر بن العربيّ في «الأمد الأقصى في تفسير أسماء الله الحسنى» : إنّ إحياء المكلّفين في القبر وسؤالهم جميعاً ، لا خلاف فيه بين أهل السنّة.

وقال سيف الدين الآمديّ في كتاب «أبكار الأفكار» (٣) : اتفق سلف الامة قبل ظهور المخالف ، وأكثرهم بعد ظهوره ، على إثبات إحياء الموتى في قبورهم ، ومساءلة الملكين لهم ، وإثبات عذاب القبر للمجرمين والكافرين ، وقوله تعالى : (وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) أي حياة المساءلة في القبر ، وحياة الحشر ، لأنّهما حياتان عرفوا

__________________

(١) شرح السنّة للبغوي.

(٢) الشامل للجويني.

(٣) أبكار الأفكار للآمدي.

٣٤٩

الله بهما ، والحياة الاولى في الدنيا لم يعرفوا الله بها.

وقال القرطبيّ : إنّ الإيمان به مذهب أهل السنّة ، والذي عليه الجماعة من أهل الملّة ، ولم يفهم الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيّهم عليه‌السلام غير ذلك ، وكذلك التابعون بعدهم ، وذهب بعض المعتزلة إلى موافقة أهل السنّة على ذلك.

وذهب صالح قبة والصالحيّ وابن جرير ؛ إلى أنّ الثواب والعقاب ينال الميّت من غير حياة ، وهذا مكابرة للعقول.

وذهبت طائفة إلى أنّ الميّت يألم كما يألم السكران ، فإذا حشر وجد ذلك الألم ، كما يجد السكران الألم إذا عاد العقل إليه ، وهذا المذهب تخليط لا حاصل له.

وذهب ضرار بن عَمرو وبشر المريسي ويحيى بن كامل وغيرهم من المعتزلة ؛ إلى أن [من] مات فهو ميّت في قبره إلى يوم البعث.

ومنهم من اعترف بعذاب القبر ، وأنّه يكون بين النفختين.

وكلا الأمرين مخالف لما تظافرت به الأحاديث.

وطعن بعض الملحدة : بأنّا نرى المصلوب لا يظهر عليه شيء من ذلك ، ومن افترسه السبع وتفرّقت أجزاؤه ، كيف يقال بذلك فيه؟!

وللأئمة رضي الله عنهم طرق في الأجوبة عن ذلك :

منها : أنّه لا يبعد أن تكون المساءلة على أجزاء مخصوصة من الجسد ، كأجزاء القلب ونحوها ، فيردّ الله الروح إليها ويسائلها.

ومنها : أنّه لا يبعد أن يردّ الروح إلى المصلوب من حيث لا نشعر ، ونحن نحسبه ميّتاً ، كما نحسب صاحب السكتة ميّتاً ، وأمّا من تفرّقت أجزاؤه فيردّ الله الروح إلى كلّ جزء ، ويسائله الملكان.

ومنها : أنّ الذين في القبور يجلسون ويُسألون ، والذين بقوا على وجه الأرض من الموتى ، يحجب الله المكلّفين عمّا يجري عليهم ، كما حجبهم عن رؤية الملائكة مع

٣٥٠

رؤية النبيّين لهم صلوات الله عليهم.

وممّا تعلّقوا به قوله تعالى : (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى).

(وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ.)

وإنكار عائشة رضي الله عنها سماع أهل القليب.

فأمّا قوله تعالى : (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) فنحن نقول به ، وإنّما نقول : يَسمعون إذا ردّت إليهم أرواحهم.

وأمّا قوله : (وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) فمعناه : إذا كانوا موتى.

وأمّا عائشة رضي الله عنها فقد اعترفت بالعلم ، وقالت : إنّما قال : «إنّهم الآن ليعلمون أنّ ما كنت أقول لهم حقّ» ، وإذا جاز العلم جاز السماع ؛ لأنّهما جميعاً مشروطان بالحياة على الجملة.

فهذه الامور ممكنة في قدرة الله تعالى ، وقد وردت بها الأخبار الصحيحة ، فيجب التصديق بها ، ويقطع بأنّ الحياة تعود إلى الميّت.

وأمّا أنّه هل يموت بعد ذلك موتة ثانية؟

لم يرد في الأحاديث تصريح بذلك ، لكن في كلام بعضهم ما يقتضيه ، وحمل عليه قوله تعالى : (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ) على اختلاف المفسّرين فيها.

والقائلون بعذاب القبر يقولون باستمراره ، وهكذا تقتضي الأحاديث الصحيحة ، كما تقدّم : «هذا مقعدك حتّى يبعثك الله» وقوله تعالى : (يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا).

وقد صحّ في مسلم عن زيد بن ثابت قال : بينما النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حائط لبني النجّار على بغلة له ونحن معه ، إذْ حادت به ، فكادت تلقيه ، وإذا أقْبُر ستّة أو خمسة أو أربعة ، فقال : «ومن يعرف أصحاب هذه القبور؟».

فقال رجل : أنا.

٣٥١

فقال : «فمتى مات هؤلاء؟».

قالوا : ماتوا في الإشراك.

فقال : «إنّ هذه الامة تبتلى في قبورها ، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع» (١).

وهذا يدلّ على استمرار عذاب القبر.

وعن أنس : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سمع صوتاً من قبر ، فقالوا : دفن في الجاهليّة.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لو لا أن تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم عذاب القبر» (٢).

وأمّا قوله تعالى : (مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا) فهو يشعر بالحياة ؛ لأنّ الرقاد للحيّ ، وقد قيل في تفسيره أقوال :

منها : أنّ العذاب يرفع عن أهل القبور بين النفخات ، نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة النشر ، فلا يعذّب في هذه الأوقات إلّا من قتل نبيّاً ، أو قتله نبيّ ، أو قتل في معترك نبيّ.

ومنها : أنّ العذاب ليس بدائم ، بل بكرة وعشيّاً ، ويفتر فيما بين ذلك ، فتقوم الساعة في ارتفاع النهار ، فيصادف قيامها وقت الفترة.

وقد تلخّص من هذا : أنّ الروح تعاد إلى الجسد ، ويحيا وقت المساءلة ، وأنّه ينعّم أو يعذّب من ذلك الوقت إلى يوم البعث ؛ إمّا متقطعاً ، أو مستمرّاً على ما سبق.

وهل ذلك من بعد وقت المساءلة إلى البعث للروح فقط ، أو لها مع الجسم؟

__________________

(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٨ / ١٦٠). ومسند أحمد (٥ / ١٩٠).

(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٨ / ١٦٠) كتاب الجنة وصفة نعيمها ، باب عرض مقعد الميت من الجنّة ... وانظر سنن النسائي (٤ / ١٠٢) ومسند أحمد ٣ / ١١١ و ١١٤.

٣٥٢

[يترتّبان] (١) على أنّ الجسم هل يفنى ، أو يتفرّق ، وكلا الأمرين جائز عقلاً ، وفي الواقع منه قولان للمتكلّمين ، ولم يرد في الشرع ما يمكن التمسّك به في ذلك إلّا قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «كلّ ابن آدم يبلى إلّا عجب الذنب».

فحيث يكون الجسم أو بعضه باقياً ، فلا امتناع من قيام الحياة به ، وحيث يعدم بالكلّية يتعيّن القول بالروح فقط.

على أنّها ـ أيضاً ـ قد تعدم عند فناء العالم ، ليكون المعاد وارداً عليها وعلى الجسم معاً.

وقد جاءت أحاديث تدلّ على أنّ بعض الموتى ، يقيهم الله تعالى فتنة القبر ، منهم الشهيد ، ومن مات يوم الجمعة ، أو ليلة الجمعة ، وآخرون وردت بهم أحاديث ، وهؤلاء إن خصّوا من المساءلة فالنعيم والحياة شاملان لهم.

وقد عرف بهذا : أنّ حياة جميع الموتى ـ بأرواحهم وأجسامهم في قبورهم ـ لا شكّ فيها ، واستمرار العقاب أو النعيم بعد المساءلة لا شك فيه أيضاً ؛ لما سبق ، وكون ذلك فيما بعد وقت المساءلة للروح فقط ، أولها مع الجسم؟ ممّا يتوقف على السمع.

وقد ذكر سعيد بن السكن في سننه ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «الميّت إذا وضع في قبره إنّه ليسمع خفق نعالهم حين يولّون عنه ، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه ...» وذكر حديثاً طويلاً ، إلى أن قال : «فيفسح له في قبره سبعون ذراعاً ، وينوّر له فيه ، ويعاد الجسد بما بدىء منه ، وتجعل النسمة في النسم الطيّبة ، فهو يطير ويعلق في شجر الجنّة».

وفي «المستدرك على الصحيحين» للحاكم في فضائل عائشة رضي الله عنها

__________________

(١) في الأصل : يلتفت.

٣٥٣

قالت : كنت أدخل البيت الذي دفن فيه معهما عمر ، والله ما دخلت إلّا وأنا مشدودة عليّ ثيابي ؛ حياءً من عمر (١).

قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرّجاه.

__________________

(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم (٣ / ٦١) ومسند أحمد (٦ / ٢٠٢) وعنه في مجمع الزوائد (٨ / ٢٦) و (٩ / ٣٧).

٣٥٤

الفصل الرابع

قد عرفت مقالات الناس في سائر الموتى وفي الشهداء ، وعرفت أنّ القول فيهم بعود الروح إلى الجسد ، وبقائِها فيه إلى يوم القيامة ، بعيد مخالف للحديث الصحيح أنّها ترجع إلى جسده يوم القيامة.

وعرفت أنّ النعيم حاصل لأرواح السعداء من الشهداء وغيرهم ، والعذاب حاصل للأشقياء.

فلعلك تقول : ما الفرق حينئذٍ بين الشهداء وغيرهم؟

والجواب عن هذا من وجهين :

أحدهما : أنّ إثبات الحياة للشهداء لا ينفي ثبوتها عن غيرهم ، فالآيتان الكريمتان الواردتان بقوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ليس فيهما نفي هذا الحكم عن غيرهم ، بل الردّ على ما يعتقد أنّهم ليسوا كذلك ، ونصّ عليهم ؛ لأنّ الواقعة كانت فيهم.

الثاني : أنّ أنواع الحياة متفاوتة : حياة للأشقياء معذّبين ، أعاذنا الله تعالى

٣٥٥

منها ، وحياة بعض المؤمنين من المنعّمين ، وحياة الشهداء أكمل وأعلى ، فهذا النوع من الحياة والرزق لا يحصل لمن ليس في رتبتهم ، وأمّا حياة الأنبياء فأعلى وأكمل وأتمّ من الجميع ؛ لأنّها للروح والجسد على الدوام على ما كان في الدنيا ، على ما تقدم عن جماعة من العلماء.

ولو لم يثبت ذلك ، فلا شكّ أنّ كمال حياتهم أيضاً أكبر من الشهداء وغيرهم ؛ أمّا بالنسبة إلى الروح ، فلكمال اتصالها ونعيمها وشهودها للحضرة الإلهيّة ، وهي مع ذلك مقبلة على هذا العالم ، ومتصرّفة فيه ، وأمّا بالنسبة إلى الجسد ، فلما ثبت من الحديث.

وبالجملة : كلّ أحد يُعامل بعد موته كما كان يُعامل في حياته ، ولهذا يجب الأدب مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موته ، كما كان في حياته.

وقد روي عن أبي بكر الصدّيق رضى الله عنه قال : لا ينبغي رفع الصوت على نبيّ حيّاً ولا ميّتاً (١).

وروي عن عائشة رضي الله عنها : أنّها كانت تسمع صوت الوتد يوتد ، والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فترسل إليهم : لا تؤذوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٢).

قالوا : وما عمل عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه مصراعي داره إلّا بالمناصع ، توقّياً لذلك ، هكذا رواه الحسيني في «أخبار المدينة».

وهذا ممّا يدلّ على أنّهم كانوا يرون أنّه حيّ.

وعن عروة قال : وقع رجل في عليّ عند عمر بن الخطّاب ، فقال له عمر بن الخطّاب : قبّحك الله ، لقد آذيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قبره.

__________________

(١) أخرجه

(٢) أخرجه

٣٥٦

ومن نظر سير السلف الصالحين والصحابة والتابعين ، علم أنّهم كانوا في غاية الأدب مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد موته ، كما كانوا في حياته ، وكانوا مع قبره الشريف كذلك.

وكيف لا؟! وقد روي عن كعب الأحبار قال : ما من فجر يطلع إلّا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتّى يحفّوا بالقبر ؛ يضربون بأجنحتهم ، ويصلّون على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى إذا أمسوا عرجوا ، وهبط مثلهم ، فصنعوا مثل ذلك ، حتّى إذا انشقّت الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة.

فلو لم يكن في الحضور عند القبر إلّا الدعاء بحضرة هؤلاء الملائكة ، فكيف وفيه حضرة سيّد الخلق أجمعين!!

ولذلك كانت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يغضّون أصواتهم في مسجده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تعظيماً له.

ففي البخاريّ : عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنّه قال لرجلين من أهل الطائف : لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١).

ولو جمعنا الأحاديث الصحيحة التي فيها ما كانت الصحابة عليه من تعظيم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتعظيم آثاره ، وأدبهم معه ، لجاءت مجلّدات.

بل الملائكة أيضاً كانوا يسلكون كمال الأدب معه.

كما روى أبو بكر بن أبي شبية في مصنّفه (٢) : حدثنا ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن محارب ، عن ابن بريدة قال : وردنا المدينة ، فأتينا عبد الله بن عمر فقال : كنّا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتاه رجل جيّد الثياب ، طيّب الريح ، حسن الوجه فقال : «السلام عليك يا رسول الله».

__________________

(١) صحيح البخاري (١ / ٢٦٢) باب (٣٢٤) رفع الصوت في المسجد.

(٢) المصنّف لابن أبي شيبة.

٣٥٧

فقال : «وعليك».

فقال : «يا رسول الله ، أدنو منك؟».

قال : «ادنه» فدنا دنوة.

فقلنا : ما رأينا كاليوم قطّ رجلاً أحسن ثوباً ولا أطيب ريحاً ولا أحسن وجهاً ولا أشدّ توقيراً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ثمّ قال : «يا رسول الله ، أدنو منك؟».

قال : «نعم». فدنا دنوة ، فقلنا مثل مقالتنا.

ثمّ قال له في الثالثة : «أدنو منك يا رسول الله؟».

قال : «نعم» وذكر حديث جبرئيل ، وسؤاله عن الإسلام.

فانظر تعظيم جبرئيل ، وأدبه مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكذلك ملك الموت ، وغير ذلك من الأحاديث التي لا تحصر ، والكتاب العزيز ، وإجماع المسلمين.

ولا شكّ أنّ من قال : «لا يُزارُ ، ولا يسافر لزيارته ، أو لا يستغاث به».

بعيدٌ من الأدب معه ، نسأل الله تعالى العافية.

وقد روى القاضي إسماعيل في «أحكام القرآن» عن محمّد بن عبيد ، حدثنا محمّد ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : أنّ رجلاً قال : لو قبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتزوّجت فلانة ، فأنزل الله تعالى : (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) (١).

قال معمر : وبلغني أنّ طلحة قال : لو قبض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتزوّجت عائشة.

فانظر محافظة القرآن العزيز على حفظه ، وصونه عمّا يؤذيه في حياته وبعد مماته ، وهذا معلوم من الدين بالضرورة ، وإشعار الآية الكريمة بأنّ نكاحهنّ بعد

__________________

(١) لاحظ : السنن الكبرى للبيهقي (٧ / ٦٩).

٣٥٨

الموت يؤذيه ، فيقتضي أنّه يتأذّى بعد الموت.

فينبغي للمحترز على دينه أن يسلك كمال الأدب ويتحفّظ غاية التحفّظ ؛ لئلّا يزلّ وهو لا يشعر فيما يؤذيه ، فيخسر الدنيا والآخرة.

نسأل الله تعالى أن يعصمنا في ديننا ، ويسترنا فيما بقي من أعمارنا ، ويجعل ما نقوله حجّة لنا لا علينا ، ونوراً يسعى بين أيدينا ، وأن يحشرنا في زمرة هذا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتحت لوائه ، ويوردنا حوضه ، ويرزقنا شفاعته ورضاه عنّا ، ويجعلنا من المتّبعين لسنّته ، السالكين بهديه بمنّه وكرمه ، آمين.

٣٥٩

الفصل الخامس

كان المقصود بهذا كلّه تحقيق السماع ونحوه من الأعراض بعد الموت ، فإنّه قد يقال : إنّ هذه الأعراض مشروطة بالحياة ، فكيف تحصل بعد الموت؟!

وهذا خيال ضعيف ؛ لأنّا لا ندّعي أنّ الموصوف بالموت موصوف بالسماع ، وإنّما ندّعي أنّ السماع بعد الموت حاصل لحيّ ، وهو إمّا الروح وحدها حالة كون الجسد ميّتاً ، أو متصلة بالبدن حالة عود الحياة إليه.

والإنسان فيه أمران (١) : جسد ، ونفس ، فالجسد إذا مات ولم تعد إليه الحياة ، لا نقول بقيام شيء ـ من الأعراض المشروطة بالحياة ـ به ، وإن عادت الحياة إليه صحّ اتصافه بالسماع وغيره من الأعراض ، والنفس باقية بعد موت البدن ، عالمة ،

__________________

(١) قال السبكيّ : للسيد الصفويّ هنا تحقيق في مسألة المعاد فليراجع ، وعبارته : الإنسان هو مجموع الجسد ، والروح ، وما فيه من المعاني ، فإنّ الجسد الفارغ من الروح والمعاني يسمّى «شبحاً» و «جثّة» لا إنساناً ، وكذا الروح المجرّد لا يسمّى «إنساناً» وكذا المعاني المحقّقة لا تسمّى على الانفراد «إنساناً» لا عرفاً ، ولا عقلاً ، انتهى من الاصول المنقول عنها.

٣٦٠