شفاء السّقام في زيارة خير الأنام صلى الله عليه وآله

علي بن عبدالكافي بن علي أبوالحسن الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي [ تقي الدين السبكي ]

شفاء السّقام في زيارة خير الأنام صلى الله عليه وآله

المؤلف:

علي بن عبدالكافي بن علي أبوالحسن الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي [ تقي الدين السبكي ]


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دائرة المعارف العثمانيّة
الطبعة: ٤
الصفحات: ٤٣٢
  نسخة غير مصححة

الفصل الثاني :

في تتبّع كلماته

وقد سبق تتبّع ما نقلته من خطّه في فتيا لم يسأل فيها عن الزيارة قصداً ، بل جاء ذكرها تبعاً للكلام في المشاهد.

والذي اتصل عنه بالدولة نسخة فتيا نقلت من خطّه ، وعلى رأسها بخطّ قاضي القضاة جمال الدين ما صورته :

قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب دونه ، في هذه الورقة ، على خطّ تقيّ الدين ابن تيمية ، فصحّ ، سوى ما علّم عليه بالأحمر ، فإنّ مواضعه من الورقة التي بخطّه وجدتها واهية ، وليس ذلك بمحزّ ، إنّما المحزّ جعله زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقبور سائر الأنبياء عليه‌السلام معصية بالإجماع ، مقطوعاً بها.

وكتب محمّد بن عبد الرحمن القزوينيّ الشافعيّ.

٢٦١

وقد علّم عليها الآن بالأسود في هذه النسخة (١) :

بسم الله الرحمن الرحيم

ما يقول السادة العلماء أئمّة الدين ـ نفع الله بهم المسلمين ـ في رجل نوى زيارة (قبر نبيّ من الأنبياء) (٢) مثل نبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيره ، فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعيّة أم لا؟

وقد روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «من حجّ ولم يزرني فقد جفاني» و «من زارني بعد موتي كمن زارني في حياتي».

وقد روي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «لا تشدّ الرحال إلّا [إلى ثلاثة مساجد] المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى (٣) ، ومسجدي هذا».

أفتونا مأجورين.

[صورة فتوى ابن تيميّة التي استنكرها علماء الملّة الإسلاميّة]

صورة ما وجد بخطّ تقي الدين بن تيمية رحمه‌الله مكتوباً تحت هذا السؤال ، جواباً عنه :

الحمد لله [ربّ العالمين].

أمّا من سافر لمجرّد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين :

__________________

(١) أورد هذه الفتوى ابن عبد الهادي في (العقود الدرية) ص (٣٣٢ ـ ٣٤٠) ونقلها في مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٧ / ١٨٢) وقد قابلنا المطبوع في كتابنا بما فيهما ، ووضعنا ما أُضيف بين المعقوفين.

(٢) في المجموع : (قبور الأنبياء والصالحين).

(٣) فيه تأخير (والمسجد الأقصى).

٢٦٢

أحدهما : ـ وهو قول متقدّمي العلماء الذين لا يجوّزون القصر في سفر المعصية ، كأبي عبد الله بن بطة ، وأبي الوفاء بن عقيل ، وطوائف كثيرة من العلماء المتقدّمين ـ أنّه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر ؛ لأنّه سفر منهيّ عنه.

ومذهب مالك والشافعيّ وأحمد : أنّ السفر المنهيّ عنه في الشريعة لا يقصر فيه.

والقول الثاني : أنّه يقصر فيه ، وهذا قول من يجوّز القصر في السفر المحرّم ، كأبي حنيفة رحمه‌الله ، ويقوله بعض المتأخّرين من أصحاب الشافعيّ وأحمد ممّن يجوّز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين ، كأبي حامد الغزاليّ ، وأبي الحسين بن عبدوس الحرّاني ، وأبي محمّد بن قدامة المقدسيّ ، وهؤلاء يقولون : إنّ هذا السفر ليس بمحرّم ؛ لعموم قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «زوروا القبور».

وقد يحتجّ بعض من لا يعرف الأحاديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كقوله : «من زارني بعد مماتي فكأنّما زارني في حياتي» رواه الدارقطنيّ وابن ماجة (١).

وأمّا ما يذكره بعض الناس من قوله : «من حجّ ولم يزرني فقد جفاني» فهذا لم يروه أحد من العلماء ، وهو مثل قوله : «من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ، ضمنت له على الله الجنة» فإن هذا أيضاً باطل باتفاق العلماء لم يروه أحد ، ولم يحتجّ

__________________

(١) سنن الدارقطني

وهكذا نقله ابن تيميّة عن ابن ماجة ، وسيأتي (ص ٢٧٢) ردّ المصنّف عليه أنّه ليس في سنن ابن ماجة ، وهو كذلك ، ولكن المحقّق السلفيّ (الأمين!) للعقود الدرية حذف كلمة (وابن ماجة) فلاحظ (ص ٣٣٣)!! والغريب ان ابن عمّه جامع (مجموع فتاوى ابن تيميّة) أثبته فيه (٢٧ / ١٨٥) فلاحظ الجمع بين الخيانة والغباء.

وقد مرّ نقله عن العقيلي في الضعفاء في الحديث (١٣) من الباب الأول ، فراجع.

٢٦٣

به واحد (١) ، وإنّما يحتجّ بعضهم بحديث الدارقطنيّ (٢).

وقد احتجّ أبو محمّد المقدسيّ على جواز السفر لزيارة (قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقبور الأنبياء : بأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (٣) كان يزور مسجد قباء ، وأجاب عن حديث : «لا تشدّ الرحال» بأنّ ذلك محمول على نفي الاستحباب.

وأمّا الأوّلون فإنّهم يحتجّون بما في «الصحيحين» عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا».

وهذا الحديث ممّا اتفق الأئمة على صحّته والعمل به.

فلو نذر الرجل أن يصلّي في مسجد أو مشهد ، أو يعتكف فيه ، أو يسافر إليه (٤) غير هذه الثلاثة ، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمّة.

ولو نذر أن [يُسافر و] يأتي المسجد الحرام بحجّ أو عمرة ، وجب عليه ذلك باتفاق العلماء.

ولو نذر أن يأتي مسجد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف ، وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعيّ [في أحد قوليه] وأحمد ، ولم يجب عند أبي حنيفة ؛ لأنّه لا يجب عنده بالنذر إلّا ما كان (من) جنسه واجباً بالشرع.

وأمّا الجمهور فيوجبون الوفاء بكلّ طاعة ؛ لما ثبت في «صحيح البخاريّ» (٥) عن عائشة : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن

__________________

(١) في المجموع والعقود : أحد ، بدل (واحد).

(٢) أضاف في المجموع والعقود هنا : ونحوه.

(٣) في المجموع والعقود : (القبور بأنه) بدل ما بين القوسين.

(٤) حرف في العقود هذه الفقرة إلى هنا ، فلاحظ.

(٥) صحيح البخاري (٨ / ٥٤٠) ح ١٥٤٥ كتاب الايمان والنذور باب (٨٦٧) النذر في الطاعة.

٢٦٤

يعصي الله فلا يعصه» والسفر إلى المسجدين طاعة ، فلهذا وجب الوفاء به.

وأمّا السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة ، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره ؛ حتّى نصّ العلماء على أنّه لا يسافر إلى مسجد قباء ؛ لأنّه ليس من [المساجد] الثلاثة ، مع أنّ مسجد قباء يستحبّ زيارته لمن كان في المدينة ؛ لأنّ ذلك ليس بشدّ رحل ، كما في الحديث الصحيح : «من تطهّر في بيته ، ثمّ أتى مسجد قباء لا يريد إلّا الصلاة فيه ، كان كعمرة».

قالوا : ولأنّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة ؛ لم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين ، ولا أمر بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا استحبّ ذلك أحد من أئمّة المسلمين ، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها (١) فهو مخالف للسنّة ، ولإجماع الأُمّة.

وهذا ممّا ذكره أبو عبد الله بن بطة في «إبانته الصغرى» من البدع المخالفة للسنّة والإجماع.

وبهذا يظهر ضعف (٢) حجّة أبي محمّد [المقدسيّ] ، فإنّ زيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمسجد قباء لم تكن بشدّ رحل ، وهو يدلّهم (٣) أنّ السفر إليه لا يجب بالنذر.

وقوله : إنّ قوله : «لا تشدّ الرحال» محمول على نفي الاستحباب ، يحتمل (٤) وجهين :

أحدهما : أنّ هذا تسليم منه أنّ هذا السفر ليس بعمل صالح ، ولا قربة ، ولا طاعة ، ولا هو من الحسنات ، فإذن من اعتقد في السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنّها قربة وعبادة وطاعة ، فقد خالف الإجماع ، وإذا سافر لاعتقاده أنّها

__________________

(١) في المجموع والعقود (وفعله).

(٢) في العقود والمجموع : (بطلان) بدل : ضعف.

(٣) في المجموع (يسلّم لهم) بدل : يدلهم ، ولم يرد في العقود ؛ وفيه : بشدّ رحل ، ولأن السفر.

(٤) في العقود والمجموع : يجاب عنه ، بدل : يحتمل.

٢٦٥

طاعة كان ذلك محرّماً بإجماع المسلمين ، فصار التحريم (من الأمر المقطوع به) (١) ، ومعلوم أنّ أحداً لا يسافر إليها إلّا لذلك.

وأمّا إذا قدّر (٢) أنّ الرجل يسافر إليها لغرض مباح ، فهذا جائز ، وليس من هذا الباب.

الوجه الثاني : أنّ (النفي يقتضي النهي) (٣) ، والنهي يقتضي التحريم.

وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكلّها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث ، بل هي موضوعة! لم يروِ أحد من أهل السنن المعتمدة شيئاً منها! ولم يحتجّ أحد من الأئمّة بشيء منها!! (٤)

بل مالك ـ إمام أهل المدينة النبويّة ، الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة ـ كره أن يقول : «زرت قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» ولو كان هذا اللفظ هو معروفاً عندهم ، أو مشروعاً ، أو مأثوراً عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكرهه عالم [أهل] المدينة!!

والإمام أحمد ـ أعلم الناس في زمانه بالسنّة ـ لمّا سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه ، [في ذلك من الأحاديث] إلّا حديث أبي هريرة : أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال :

__________________

(١) في العقود والمجموع بدل ما بين القوسين : من جهة اتخاذه قربة.

(٢) في العقود والمجموع : (نذر الرجل أن يسافر) بدل : (قدّر أن الرجل يسافر).

(٣) في العقود والمجموع : بدل ما بين القوسين : «أن هذا الحديث يقتضي النهي». والأصوب ما في كتابنا ، لأنّ المذكور في الحديث هو النفي ، فلاحظ.

(٤) لاحظ ما علقناه في صدر الحديث الأول من الباب الأول من كتابنا هذا (ص ٦٠) وقال العلّامة ممدوح : شاع بين كثير من الناس (!) أن أحاديث الزيارة كلّها ضعيفة ، بل موضوعة!!

وهو خطأ بلا ريب ، ومصادم لقواعد الحديث بلا مين ، ويكفي اللبيب قول الذهبي الحافظ الناقد عن حديث الزيارة : طرقُه كلّها ليّنةٌ ، لكن يتقوّى بعضها ببعض لأنّ ما في روايتها متّهم بالكذب! نقله عنه السخاوي ، وأَقَرَّهُ ، في المقاصد الحسنة (ص ٤١٣) لاحظ (رفع المنارة ص ٩).

٢٦٦

«ما من رجل يسلّم عليّ إلّا ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ عليه‌السلام» وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه (١).

وكذلك مالك في «الموطأ» (٢) روى عن عبد الله بن عمر : أنّه كان إذا دخل المسجد قال : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبت ، ثمّ ينصرف.

وفي «سنن أبي داود» : عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «لا تتّخذوا قبري عيداً ، وصلّوا عليّ ، فإنّ صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم» (٣).

وفي «سنن سعيد بن منصور» (٤) : أنّ عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب ، رأى رجلاً يختلف إلى قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [و] يدعو عنده ، فقال : يا هذا ، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «لا تتّخذوا قبري عيداً ، وصلّوا عليّ حيث ما كنتم ؛ فإنّ صلاتكم تبلغني» فما أنت ورجل بالأندلس إلّا سواء.

وفي «الصحيحين» : عن [عائشة ، عن] النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال في مرض موته : «لعن الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٥) يحذّر ما فعلوا.

قالت عائشة : ولو لا ذلك لُابرز قبره ، ولكن كره أن يتّخذ مسجداً.

فهم دفنوه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء ؛ لئلّا يصلّي أحد عند قبره ، ويتّخذه مسجداً ، فيتّخذ قبره وثناً.

__________________

(١) سنن أبي داود (٢ / ٢١٨) كتاب المناسك ، باب زيارة القبور ح ٢٠٤٢ من حديث أبي هريرة. ولاحظ ما ذكره أحمد.

(٢) الموطأ لمالك ، لم نجده في الموطأ المطبوع!

(٣) سنن أبي داود (الموضع الأسبق).

(٤) سنن سعيد بن منصور.

(٥) صحيح البخاري (١ / ٢٥٠) باب (٢٩٦) حلّ نبش قبور مشركي الجاهلية ح ٤١٧.

٢٦٧

وكان الصحابة والتابعون ـ لمّا كانت الحجرة النبويّة منفصلة عن المسجد إلى زمان الوليد بن عبد الملك ـ لا يدخل أحد (إلى عنده) (١) لا لصلاة هنالك ، ولا لمسح بالقبر ، ولا دعاء هناك ، بل هذا جميعه إنّما يفعلونه في المسجد.

وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء ، دعوا مستقبلي القبلة ، ولم يستقبلوا القبر.

وأمّا وقت (٢) السلام عليه ، فقال أبو حنيفة رحمه‌الله : يستقبل القبلة أيضاً ، ولا يستقبل القبر.

وقال أكثر الأئمّة : (بل يستقبل القبر عند السلام خاصّة ،

ولم يقل أحد من الأئمّة : إنّه يستقبل القبر) (٣) عند الدعاء ، إلّا في حكاية مكذوبة تروى عن مالك ، ومذهبه بخلافها.

واتفق الأئمّة على أنّه لا يتمسّح بقبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يقبّله.

وهذا كلّه محافظة على التوحيد ؛ فإنّ من اصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد ، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى : (وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً).

قالوا : هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح ، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثمّ صوّروا على صورهم تماثيل ، ثمّ طال عليهم الأمد فعبدوها.

وقد ذكر هذا المعنى البخاريّ في صحيحه (٤) عن ابن عبّاس ، وذكره ابن جرير

__________________

(١) في العقود والمجموع : (إليه) بدل ما بين القوسين.

(٢) في العقود والمجموع (الوقوف للسلام) بدل : وقت السلام.

(٣) في العقود بدل ما بين القوسين (يستقبل القبر عند الدعاء) فلاحظ.

(٤) صحيح البخاري (٢ / ٩٣) باب بناء المساجد على القبر.

٢٦٨

الطبريّ (١) وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف ، وذكره وثيمة وغيره في «قصص الأنبياء» من عدّة طرق ، وقد بسط الكلام على اصول هذه المسائل في غير هذا [الموضع] (٢).

[وأوّل مَنْ وضع الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الرافضة ونحوهم ، الذين يُعطّلون المساجد ، ويعظّمون المشاهد ، يدعون بيوت الله التي أَمَر أن يُذكر فيها اسمه ويُعبد وحده لا شريك له ، ويعظّمون المشاهد التي يُشرك فيها ويُكذب فيها ويُبتدع فيها ما (٣) لم ينزّل الله به سُلطاناً].

والكتاب والسنة إنّما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد ، كما قال الله تعالى : (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.)

وقال الله تعالى : (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ ...) الآية.

وقال الله تعالى : (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً).

وقال الله تعالى : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ).

وقال الله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها ...) الآية.

وقد ثبت عنه في الصحيح أنّه كان يقول : «إنّ من كان قبلكم كانوا يتّخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد ، فإنّي أنهاكم عن ذلك».

__________________

(١) تفسير الطبري

الدر المنثور للسيوطي (٦ / ٢٦٩) عن ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى (وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً ...).

(٢) علّق في العقود الدرية : في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ، وفي الرد على الأخنائي والبكري وفي اقتضاء الصراط المستقيم ، وفي منهاج السنة ، وغير ذلك كثير.

(٣) في العقود والمجموع : «دينٌ»! بدل (ما).

٢٦٩

والله سبحانه أعلم ، كتبه أحمد بن تيمية.

هذا صورة خطّة من أوّل الجواب إلى هنا (١).

[الردّ على فتوى ابن تيميّة]

قلت : أمّا قوله : «من سافر بمجرّد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين».

فيرد عليه فيه أسئلة :

أحدها : أنّ زيارة قبور الأنبياء والصالحين إمّا أن تكون عنده قربة ، أو مباحة ، أو معصية.

فإن كانت معصية فلا حاجة إلى قوله : «مجرّد» فإنّ القولين في سفر المعصية سواء تجرّد قصد المعصية ، أم انضمّ إليه قصد آخر.

وإن كانت قربة لم يجر فيها القولان ، بل يقصر بلا خلاف.

وإن كانت مباحة ، فالمسافر لذلك له حالتان :

إحداهما : أن يسافر معتقداً أنّ ذلك من المباحات المستوية الطرفين ، فيجوز القصر أيضاً بلا خلاف ، ولا إشكال في ذلك ، كالسفر لسائر الأُمور المباحة.

والثانية : أن يسافر معتقداً أنّ ذلك قربة وطاعة ، وهذا سيأتي الكلام فيه.

وعلى تقدير أن يسلّم له ما يقول ، يكون كلامه هنا مطلقاً في موضع التفصيل ، فهو على التقديرين الأوّلين خطأ صريح ، وعلى التقدير الثالث خطأ بالإطلاق في موضع التفصيل.

السؤال الثاني : أنّه بنى كلامه في ذلك على أنّ هذا السفر مختلف في تحريمه ،

__________________

(١) قابلناه على النسخة المطبوعة في مجموع فتاوى ابن تيميّة (٢٧ / ص ١٨٤ ـ ١٩٢) وأثبتنا الفوارق هنا باسم (المجموع).

٢٧٠

فقد قدّمنا إنكار هذا الخلاف ، وأنّه لم يتحقّق صحّته إلّا ما وقع في كلام ابن عقيل ، وقد قدّمنا الكلام عليه.

وعلى تقدير صحّته وعدم تأويله ، لم يتعرّض فيه لقبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا يجوز أن ينقل عنه فيه بخصوصه شيء ، من إطباق الناس على السفر إليه.

وابن تيمية رحمه‌الله نقل المنع من القصر فيه عن ابن بطة ، وابن عقيل ، وطوائف كثيرين من العلماء المتقدّمين.

وهو مطلوب بتحقيق هذا النقل؟ وتبيين هؤلاء الطوائف الكثيرين من المتقدّمين؟

السؤال الثالث : أنّه جعل المنع من القصر قول متقدّمي العلماء ، كابن بطة ، وابن عقيل ، فجعل ابن عقيل من المتقدّمين.

ثمّ جعل القول بجواز القصر قول أبي حنيفة رحمه‌الله وبعض المتأخّرين من أصحاب الشافعيّ وأحمد ، كالغزاليّ وغيره.

والغزالي في طبقة ابن عقيل ، بل تأخّرت وفاته عنه ، فإنّ وفاة الغزاليّ في سنة خمس وخمسمائة ، ووفاة ابن عقيل في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ، فكيف يجعل ابن عقيل من المتقدّمين ، والغزالي من المتأخّرين؟!

وليس ابن تيمية رحمه‌الله ممّن يخفى عنه طبقتهما ، فإن كان مراده بجعله ابن عقيل من المتقدّمين أن [يقوّيَ] قوله عند العوام لاختياره إيّاه ، وبجعله الغزاليّ من المتأخّرين أن يضعّف قوله عند العوامّ ، فليس ذلك صنيع أهل العلم!

وقوله : إن «من زارني بعد مماتي فكأنّما زارني في حياتي» رواه ابن ماجة ، ليس كذلك ؛ لم أره في «سنن ابن ماجة» (١).

__________________

(١) لم يخرجه ابن ماجة. وقد مرّ أنّ هذا من جهل ابن تيميّة بالحديث وهذا من موارد جهل ابن

٢٧١

قوله : «من حجّ ولم يزرني فقد جفاني» لم يروه أحد من العلماء!

ليس بصحيح ، وقد قدّمنا (١) من رواه وإن كان ضعيفاً.

قوله : «لو نذر الرجل أن يصلّي في مسجد أو مشهد ، أو يعتكف فيه ، أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة ، لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمّة».

ليس بصحيح ، فإنّ في مذهب الشافعيّ وجهين مشهورين فيما إذا نذر الاعتكاف في مسجد معيّن غير المساجد الثلاثة ، هل يتعيّن كما تتعيّن المساجد الثلاثة ، أو لا؟

قوله : «حتّى نصّ العلماء على أنّه لا يسافر إلى مسجد قباء ؛ لأنّه ليس من الثلاثة».

ليس كذلك عن العلماء كلّهم ، فإنّ المنقول عن الليث بن سعد : أنّه متى نذر مسجداً لزمه من المساجد الثلاثة وغيرها.

والمنقول عن بعض المالكيّة : أنّه يجوز إعمال المطيّ لغير الناذر مطلقاً ، وحمل على ذلك إتيان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسجد قباء ، فإنّه كان بغير نذر.

فهذان المذهبان يردّان قوله : «إنّ العلماء نصّوا على أنّه لا يسافر إلى مسجد قباء».

قوله : «قالوا : ولأنّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ، ولا التابعين ، ولا أمر بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا استحبّ ذلك أحد من أئمّة المسلمين ، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنّة ، ولإجماع الأُمّة».

__________________

تيميّة بتخريج الحديث ومصادره ، ونسبته لما يشتهي إلى المحدّثين الكبار ترويجاً لرأيه ، لاحظ (ص ٢٦٣) وقد مرّ الحديث في الباب الأوّل برقم (١٣) عن الضعفاء للعقيلي.

(١) تقدّم في الباب الأوّل ، الحديث الخامس (٩٨).

٢٧٢

هذا من البهت الصريح ، وقد قدّمنا من فعل ذلك من الصحابة والتابعين ، ومن استحبّه من علماء المسلمين وأئمّتهم ، فجحد ذلك مباهتة.

ثمّ قوله : «قالوا»

وجعله ذلك على لسان غيره ، إن كان مراده به أن يخلص من تبعته عند المخالفة ، فليس ذلك من دأب العلماء.

ثمّ هو مطلوب بنقل هذا القول برمّته عن المتقدّمين الذين نسبه إليهم ، أو عن بعضهم!

ثمّ نسبة ذلك إلى غيره لا تخلّصه ؛ لأنّه إنّما حكاه حكاية من يرتضيه وينتصر له ، ويفتي به العوامّ ، ويغريهم على اعتقاده ، ولا يفرّق العاميّ الذي يسمع هذه الفتيا بين أن يذكره عن نفسه ، أو حاكياً عن غيره.

وقوله : «وهذا ممّا ذكره أبو عبد الله بن بطة في «إبانته الصغرى».

قلنا : قد ذكرنا عن ابن بطة في الإبانة ما يخالف هذا في حقّ قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ورأيت من يذكر أنّ لابن بطة إبانتين ، وأنّ الذي نقله ابن تيمية رحمه‌الله من الصغرى ، والذي نقلناه من الكبرى ، فإن صحّ ذلك ، وصحّ ما نقله ابن بطة في الصغرى ، فيحمل على غير قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفيقاً بين الكلامين.

وإن قال ابن بطة خلاف ذلك ، لم يُلتفت إليه.

وقد ذكر الخطيب ابنَ بطة في «تأريخ بغداد» (١) وحكى كلام المحدّثين فيه من جهة دعوى سماع ما لم يسمع ، وقول أبي القاسم الأزهريّ فيه : إنّه ضعيف ، ضعيف ، ضعيف ، ليس بحجّة.

وذكر عنه ، عن البغويّ ، عن مصعب ، عن مالك ، عن الزهريّ ، عن أنس ،

__________________

(١) تاريخ بغداد للخطيب

٢٧٣

عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» وقال : إنّه باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب عنه ، ومن حديث البغويّ عن مصعب ، وهو موضوع بهذا الإسناد ، والحمل فيه على ابن بطة ، هكذا قال في التاريخ.

وحكى مع ذلك أيضاً : أنّه كان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة ، فالله تعالى يسلّمنا من اثمِهِ.

وإنّما أردنا أن نبيّن حاله ليعلم الناظر : أنّه على تقدير صحّة النقل عنه ليس ممّن يبعد في كلامه الخطأ.

وقوله : «إنّ قول أبي محمّد المقدسيّ : إنّ قوله : «لا تشدّ الرحال» محمول على نفي الاستحباب ، يحتمل وجهين : أحدهما : أنّ هذا تسليم منه أنّ هذا السفر ليس بعمل صالح ، ولا قربة ، ولا طاعة ، ولا هو من الحسنات ، فإذن من اعتقد في السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنّها قربة وعبادة وطاعة ، فقد خالف الإجماع.

واعلم : أنّ هذا الكلام في غاية الإيهام والفساد.

أمّا الإيهام ، فلأنّ بعض من يراه يتوهّم : أنّه استنتج ممّا سبق انعقاد الإجماع على أنّ ذلك ليس بقربة ، ونحن قد قدّمنا عن الليث بن سعد وبعض المالكيّة ما يقتضي ؛ أنّ السفر إلى غير المساجد الثلاثة قربة ، فبطل التعرّض لدعوى الإجماع ، وإنّما مقصود ابن تيمية رحمه‌الله إلزام أبي محمّد المقدّسي على قوله : إنّ «لا تشدّ الرحال» محمول على نفي الاستحباب.

وعلى تقدير أنّ هذا تسليم منه ، لأنّ هذا السفر ليس بعمل صالح ، فغاية ما يلزم من هذا أنّ هذا السفر ليس بقربة ، وأنّ من اعتقد أنّه قربة فقد خالف أبا محمّد.

وأين ذلك من مخالفة الإجماع؟!

وأمّا فساده ، فلأنّ أبا محمّد إنّما تكلّم في جواز القصر ، ومقصوده إثبات

٢٧٤

الإباحة ، فإنّها كافية فيه ، فنفى توهّم التحريم بحمل الحديث على نفي الفضيلة ؛ أي لا يستحبّ شدّ الرحال إلى مكان إلّا إلى الثلاثة.

ومع هذا لا بدّ فيه من تأويل ؛ لأنّ السفر مستحبّ لطلب العلم وغيره إلى غيرها.

فالمقصود لا يستحبّ إليها من حيث هي ، وقد يكون هناك أمر آخر يقتضي الاستحباب أو الوجوب ، ولا مانع بكون قصد زيارة شخص مخصوص أو أشخاص ، ممّا يقتضي الاستحباب ، ولم يتعرّض أبو محمّد لذلك ؛ لأنّه لم يتكلّم فيه ، وإنّما تكلّم في جواز القصر ، فاقتصر على ما يكفي فيه ؛ وهو إثبات الإباحة.

وقوله : «وإذا سافر لاعتقاده أنّها طاعة ، كان ذلك محرّماً بإجماع المسلمين ، فصار التحريم من الأمر المقطوع به».

هذا أيضاً موهم وفاسد :

أمّا إيهامه ، فلأنّ كثيراً ممّن يسمعه يظنّ أنّ هذا كلام مبتدأ ، ادعي فيه انعقاد الإجماع على التحريم ، وأنّ ذلك مقطوع به ، وكأنّ ابن تيمية أراد ذلك ، وجعله معطوفاً على إلزام الشيخ أبي محمّد ، حتّى إذا حوقق فيه يتخلّص من دركه بجعله معطوفاً.

وليس هذا دأب من يبغي الإرشاد ، بل من يبغي الفساد.

وأمّا فساده ، فلأنّا لو سلّمنا أنّ السفر ليس بطاعة بالإجماع ، فسافر شخص معتقداً أنّه طاعة ، كيف يكون سفره محرّماً بإجماع المسلمين ، أو على قول عالم من علماء المسلمين؟!

فإنّ من فعل مباحاً معتقداً أنّه قربة لا يأثم ، ولا يوصف ذلك بكونه محرّماً ، بل إن كان اعتقاده ذلك لما ظنّه دليلاً ، وليس بدليل ، وقد بذل وسعه في ذلك ، كان مثاباً عليه بمقتضى ظنّه ، وإلّا كان جهلاً ، ولا إثم عليه فيه ، ولا أجر ، وفعله

٢٧٥

موصوف بالإباحة على حاله.

فمن أين يأتي وصفه بالتحريم؟!

وإنّما يأتي هذا الكلام في المباح إذا فعله على وجه العبادة ، مع اعتقاده أنّه ليس بعبادة ، فهذا يأثم به ، ويكون حراماً ؛ لأنّه تقرّب إلى الله تعالى بما ليس بقربة عند الله تعالى ، ولا في ظنّه.

ومن هنا نشأ الغلط في هذه المسألة وهكذا سائر البدع.

ومن ابتدع عبادة فعليه إثم ابتداعه ؛ لأنّه أدخل في الدين ما ليس منه ، وإثم فعله ؛ لأنّه تقرّب بما يعتقد أنّه ليس من الدين.

وأمّا من قلّده من العوامّ :

فإن كان ذلك ممّا يسوغ فيه التقليد كالفروع ، وفعله معتقداً بأنّه عبادة شرعيّة ، فلا إثم عليه.

وإن كان ممّا لا يسوغ فيه التقليد ، كأُصول الدين ، فعليه الإثم.

ومسألتنا هذه من الفروع ، فلو فرضنا أنّه لم يقل أحد باستحباب السفر ، وفعله شخص على جهة الاستحباب ، معتقداً ذلك لشبهة عرضت له ، لم يحرم ، ولم يأثم.

فكيف ، وكلّ الناس قائلون باستحبابه؟!

وقوله : «ومعلوم أنّ أحداً لا يسافر إليها إلّا لذلك».

هذا يقتضي أنّ كلامه ليس في أمر مفروض ، بل في الواقع الذي عليه الناس ، وأنّ الناس كلّهم إنّما يسافرون لاعتقادهم أنّها طاعة ، والأمر كذلك.

ويقتضي على زعمه أنّ سفر جميعهم محرّم بإجماع المسلمين!

فإنّا لله ، وإنا إليه راجعون ، أيكون جميع المسلمين في سائر الأعصار ، من سائر أقطار الأرض ، مرتكبين لأمر محرّم ، مجمعين عليه؟!

٢٧٦

فهذا الكلام من ابن تيمية رحمه‌الله يقتضي تضليل الناس كلّهم ، القاصدين لزيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعصيتهم.

وهذه عثرة لا تقال ، ومصيبة عظيمة ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.

وقوله : «وأمّا إذا قدّر أنّ الرجل يسافر إليها لغرض مباح ، فهذا جائز ، وليس من هذا الباب».

مفهوم هذا الكلام أنّ غرض الزيارة ليس بمباح.

وقوله : «الوجه الثاني : أنّ النفي يقتضي النهي ، والنهي يقتضي التحريم».

ظاهر صدر كلامه أنّ كلام أبي محمّد يحتمل وجهين هذا ثانيهما ، وإنّما يتّجه هذا الوجه الثاني على سبيل الردّ لقول أبي محمّد ؛ يعني أنّ حمله على نفي الاستحباب خلاف الظاهر ؛ لأنّه نفي ، والنفي يقتضي النهي ، والنهي يقتضي التحريم.

وجواب هذا بالدليل المانع من حمله على التحريم ، وتعيّن المصير إلى المجاز.

على أنّ هذه العبارة فاسدة ؛ لأنّ النفي لا يقتضي النهي ، وإنّما يستعمل فيه على سبيل المجاز ، نعم قد يقال : بأنّ النهي يقتضي النفي على العكس ممّا قال ، أمّا كون النفي يقتضي النهي فلا يقول به أحد ، وإنّما مراده أنّه نفي بمعنى النهي.

وإذا عرف هذا ، فلأبي محمّد أن يقول : لا شكّ أنّ حقيقة النفي خبر ؛ لا يقتضي تحريماً ، ولا كراهة.

والنهي له معنيان ؛ أحدهما : هو فيه حقيقة ؛ وهو التحريم ، والآخر : هو فيه مجاز ؛ وهو الكراهة.

فإذا صرف النفي عن حقيقة الخبريّة إلى معنى النهي ، احتمل أن يستعمل في التحريم أو الكراهة ، وأيّا ما كان فاستعماله فيه مجاز ؛ لأنّ الخبر غير موضوع له ، فإنّ رجح استعماله في التحريم لبعض المرجّحات ، كان ذلك من باب ترجيح بعض المجازات على بعض ، وقد يكون ذلك الترجيح معارضاً بترجيح آخر.

٢٧٧

فلأبي محمّد أن يمنع كون اللفظ المذكور حقيقة في التحريم أو ظاهراً فيه ؛ فإنّ الخبر ليس مستعملاً في لفظ النهي ، بل في معناه ، ومعناه منقسم إلى الحقيقيّ والمجازيّ.

فإن قيل : النهي النفسانيّ شيء واحد ؛ وهو طلب الترك الجازم المانع من النقيض ، وما سواه ليس بنهي حقيقة ، فإذا ثبت أنّ المراد بالخبر النهي ثبت التحريم.

قلنا : حينئذٍ ، يمنع أنّ المراد بالخبر النهي.

وقوله : «إنّ ما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكلّها ضعيفة باتفاق أهلم العلم بالحديث ، بل هي موضوعة ؛ لم يروِ أحد من أهل السنن المعتمدة شيئاً منها».

قد بيّنا بطلان هذه الدعوى في أوّل هذا الكتاب (١).

وما روي [عن] مالك من كراهة قوله : «زرت قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» بيّنا مراده في الباب الرابع (٢).

قوله : «ولو كان هذا اللفظ مشروعاً ... إلى آخره».

كلام في غير محلّ النزاع ؛ لأنّ النزاع ليس في اللفظ ، ولم يسأل عنه ، وإنّما هو في المعنى.

وما ذكره عن أحمد وأبي داود ومالك في «الموطّأ» فكلّه حجة عليه ، لا له ؛ لأنّ المقصود معنى الزيارة ، وهو حاصل من تلك الآثار.

وأما حديث «لا تتّخذوا قبري عيداً» فقد تقدّم الكلام عليه (٣).

__________________

(١) تقدّم في جميع الباب الأوّل ، وكذا الباب الثاني من هذا الكتاب. (ص ٦٠).

(٢) مرّ في الباب الرابع. (ص ١٦٩ ـ ١٧٠).

(٣) تقدّم لاحظ ص ١٧٧ و ٢٤٧.

٢٧٨

وحديث «لعن الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

لا يدلّ على مدّعاه ؛ لأنّا لم نتّخذه مسجداً ، فإن أراد قياس الزيارة عليه فقد سبق الكلام في ذلك.

قوله : «فهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء ؛ لئلّا يصلّي أحد عنده قبره ، ويتّخذه مسجداً ، فيتّخذ قبره وثناً».

هذا ليس بصحيح ، وإنّما دفنوه في حجرة عائشة لما روي لهم : «إنّ الأنبياء يُدفنون حيث يُقبضون» بعد اختلافهم في أين يدفن؟ فلمّا روي لهم الحديث المذكور دفنوه هناك ، وهذا من الامور المشهورة التي يعرفها كلّ أحد ، ولم يقل أحد : إنّهم دفنوه هناك للغرض الذي ذكره.

قوله : «وكان الصحابة والتابعون لمّا كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد ، لا يدخل أحد إلى عنده لا لصلاة هنالك ، ولا لمسح بالقبر ، ولا دعاء هناك».

فنقول : إنّ هذا لا يدلّ على مقصوده ، ونحن نقول : إنّ من أدب الزيارة ذلك ، وننهى عن التمسّح بالقبر والصلاة عنده.

على أنّ ذلك ليس ممّا قام الإجماع عليه.

فقد روى أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله الحسينيّ في كتاب «أخبار المدينة» قال : حدّثني عمر بن خالد ، حدثنا أبو نباتة ، عن كثير بن زيد ، عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب قال : أقبل مروان بن الحكم ، فإذا رجل ملتزم القبر ، فأخذ مروان برقبته ، ثمّ قال : هل تدري ما ذا تصنع؟!

فأقبل عليه فقال : نعم ، إنّي لم آتِ الحجر ، ولم آتِ اللبن ، إنّما جئت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله.

٢٧٩

قال المطّلب : وذلك الرجل أبو أيّوب الأنصاريّ رضى الله عنه (١).

قلت : وأبو نباتة يونس بن يحيى ومن فوقه ثقات.

وعمر بن خالد : لم أعرفه ، فإن صحّ هذا الإسناد لم يكره مسّ جدار القبر.

وإنّما أردنا بذكره القدح في القطع بكراهة ذلك.

قوله : «وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلّموا عليه وأرادوا الدعاء ، دعوا مستقبلي القبلة ، ولم يستقبلوا القبر».

هذا فيه اعتراف بدعاء السلف عند السلام ، وتركهم الدخول إلى الحجرة مبالغة في الأدب ، وتركهم استقبال القبر عند الدعاء ـ إن صحّ ـ لا يدلّ على إنكار الزيارة ، ولا على إنكار السفر لها.

قوله : «وأمّا وقت السلام عليه فقال أبو حنيفة رحمه‌الله : يستقبل القبلة أيضاً».

هو كذلك ، ذكره أبو الليث السمرقنديّ في الفتاوى ، عطفاً على حكاية حكاها الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه‌الله.

وقال السروجيّ الحنفيّ : يقف عندنا مستقبل القبلة.

قال الكرمانيّ : وعن أصحاب الشافعيّ وغيره : يقف وظهره إلى القبلة ، ووجهه إلى الحظيرة ، وهو قول ابن حنبل.

واستدلّت الحنفية : بأنّ ذلك جمع بين عبادتين.

وقول أكثر العلماء : استقبال القبر عند السلام ، وهو الأحسن والآدب ؛ فإنّ الميّت يعامل معاملة الحيّ ، والحيّ يسلّم عليه مستقبلاً ، فكذلك الميّت ، وهذا لا

__________________

(١) حديث أبي أيّوب الأنصاري ، والتزامه القبر واحتضانه. رواه المحدّثون الأئمّة الكبار في مصنّفاتهم ، مثل : مسند أحمد (٥ / ٤٢٢) مسند أبي أيوب. ومستدرك الحاكم (٤ / ٥١٥) وكنز العمال (٦ / ٨٨) عن أحمد والحاكم ومجمع الزوائد (٥ / ٢٤٥) عن أحمد والطبراني في الكبير والأوسط.

٢٨٠