شفاء السّقام في زيارة خير الأنام صلى الله عليه وآله

علي بن عبدالكافي بن علي أبوالحسن الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي [ تقي الدين السبكي ]

شفاء السّقام في زيارة خير الأنام صلى الله عليه وآله

المؤلف:

علي بن عبدالكافي بن علي أبوالحسن الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي [ تقي الدين السبكي ]


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دائرة المعارف العثمانيّة
الطبعة: ٤
الصفحات: ٤٣٢
  نسخة غير مصححة

ومستند من فرّق بين السبب والشرط : أنّ إيجاب المسبّب لو كان مقيّداً بحال وجود السبب ، لكان إيجاباً لتحصيل الحاصل ؛ لأنّ المسبّب حاصل مع السبب ، بخلاف الشرط.

وقد أطلنا في ذلك ، والمقصود أنّ الزيارة إذا كانت مندوبة في حقّ البعيد ، والسفر شرط لها ، كان مندوباً ، وهذا لم يحصل فيه نزاع بين العلماء.

فإن قلت : هل يقولون إنّ كلّ سفر للزيارة مندوب ، أو مطلق السفر لها؟

قلت : قد تقرّر في اصول الفقه أنّ الأمر بالماهيّة الكلّية ليس أمراً بشيء من جزئيّاتها ، ولكنّه مأمور بجزئيّ من الجزئيّات لا بعينه ؛ لأنّه لا يتحقّق الإتيان بالكلّي بدونه ، وهو مخيّر في تعيين ذلك الجزئيّ ، فإذا أتى بجزئيّ معيّن خرج عن عهدة الأمر وتقول : إنّه أتى بالمأمور به ؛ وهو الكلّي والجزئيّ لا بعينه ، وأمّا هذا الجزئيّ المعيّن فلا تقول : إنّه مأمور به ، لأنّه مخيّر فيه ، ولكنّه قربة وطاعة ؛ لأنّه فعل لامتثال الأمر.

فكلّ سفر يقع بقصد الزيارة ، ولم يقترن به قصد محرّم أو مكروه ، فهو قربة ؛ لكونه موصلاً إلى قربة ، وبه يحصل أداء السفر المأمور به ؛ لأنّه حاصل في ضمن ذلك المشخّص ، ولا تقول : إنّ ذلك المشخّص هو المأمور به ؛ لأنّ الأمر إنّما يتعلّق بكلّي ، وهذا جزئيّ ، لكنّه قربة ؛ لكونه قصد به القربة ، ووسيلة إليها.

فالقربة تصدق على الكلّي والجزئيّ ، والطلب لا يتعلّق إلّا بكلّي ، والسفر المعيّن وسيلة إلى الزيارة ، وليس شرطاً فيها ، ومطلق السفر للزيارة وسيلة وشرط ، ومطلق السفر شرط ، وقد لا يقصد به التوسّل ، فلا يسمّى «وسيلة».

[بين المقدمة والوسيلة]

فإن قلت : هل المقدّمة هي الوسيلة ، أو غيرها؟

٢٢١

قلت : المقدّمة ما يتوقّف عليها الشيء ، وقد علمت خلاف الاصوليّين في أنّها هل تجب بوجوب ذلك الشيء ، أو لا؟ وذلك خارج عن كونها قربة أو ليست بقربة.

فإنّ الذي يتوقّف عليه الفعل قد يفعل بقصد القربة ، فيكون قربة ، وقد يفعل لا بقصد القربة ، فلا يكون قربة ، فمن مشى إلى مكّة لمقصد غير صالح ، ثمّ حجّ ، لم يكن سفره قربة ، ولكن سقط عنه الأمر بالمقدّمة ؛ لزوال السبب المقتضي لوجوبها.

وأمّا الوسيلة فقال الجوهريّ : الوسيلة ما يتقرّب به إلى الغير ، والجمع الوسل ، والوسائل ، والتوسيل والتوسّل واحد ، يقال : وسّل فلان إلى ربّه وسيلة ، وتوسّل إليه بوسيلة ؛ إذا تقرّب إليه بعمل ، انتهى كلام الجوهريّ (١).

فاسم «الوسيلة» إذا اطلق على المقدّمة ، فهو من حيث كونها يتقرّب بها ، لا من حيث كونها متوقّفاً عليها ، بل :

قد يكون المقصد متوقّفاً على الوسيلة بعينها ، فيجري في وجوبها الخلاف السابق.

وقد لا يتوقّف المقصد عليها بعينها ، بل على ما هو أعمّ منها ، ويختارها العبد للتوسّل بها.

وقد لا يتوقّف المقصد عليها أصلاً في نفس الأمر ، ولكن يقصد العبد أو يتوهّم توقّفه ، أو خطر بباله أنّها موصلة إليه ، ولم يخطر بباله أمر آخر.

ففي كلّ هذه الأحوال تسمّى «وسيلة» و «قربة» لا يجري فيها الخلاف الاصوليّ.

فالوسيلة لا تطلق على المقدّمة حتّى يقصد بها التقرّب إلى المقصود ، ولا

__________________

(١) الصحاح للجوهري (٥ / ١٨٤١) باب اللام فصل الواو (وسل).

٢٢٢

تسمّى «وسيلة» بدون هذا القصد إلّا على سبيل المجاز ؛ بمعنى أنّها صالحة للتوسّل ، ومراد الاصوليّين ب «المقدّمة» ما يتوقّف عليها الشيء ؛ سواء أقصد بها التوصّل إليه ، أم لا؟ فبينهما عموم وخصوص من وجه.

ولو سلّمنا أنّ الوسيلة مرادفة للمقدّمة ، فلا شكّ أنّها لا تكون قربة حتّى يقصد بها التقرّب إلى قربة ، فمرادنا بقولنا : «وسيلة القربة قربة» هذا المعنى.

ومن هاهنا يظهر : أنّ كون الشيء قربة ، غير كونه واجباً ومندوباً ، فإنّ حكم الحاكم بالإيجاب أو الندب إنّما هو على الماهيّة الكلّية ، وكلّ ما وجد في الخارج مشخّص لا يتعلّق الطلب به بخصوصه ، فلا يحكم عليه بخصوصه : بأنّه واجب ، لكنّه مؤدّ للواجب في ضمنه ، والحكم بكون الشيء قربة تارة : يكون باعتبار حقيقته ، وهو ما وضع لأنّ يتقرّب به ، فيكون كذلك ، وتارة : يكون باعتبار ما قصد به التقرّب ، فيطلق على الفعل بعد تشخّصه.

[اعتبارات السفر في مسألة الزيارة]

إذا عرف ذلك فهاهنا اعتبارات :

أحدها : مطلق السفر.

والثاني : السفر إلى المدينة.

والثالث : السفر إلى المدينة بقصد القربة.

وكلّ واحد من القسمين الأوّلين ليس مطلوباً ولا قربة من حيث هو هو ، وإنّما قد يطلب طلب الوسائل لغيره.

والقسم الثالث مطلوب وقربة ، وتتفاوت مراتبه بحسب تفاوت القربة المقصودة به ، فإنّها قد تكون الزيارة ، وقد تكون قربة اخرى ، كالصلاة في المسجد ونحوها ، وقد تكون مجموع ذلك ، أو القدر المشترك بينها ، وهو مطلق القربة ، وكلّ

٢٢٣

من هذه الأربعة قربة ؛ لما قرّرناه.

ولأنّ السفر إلى المدينة لم يكن قربة لمطلق كونه سفراً ، ولا سفراً إلى المدينة ، وإنّما كان لعلّة ؛ وهي قصد القربة ، وحيث وجدت العلّة وجد المعلول ، ولا فرق في الحكم بالقربة على كلّ واحد من الأربعة بين أن يوجد كلّياً ، أو جزئيّاً مشخّصاً ؛ لما قدّمناه.

وأمّا الحكم بكونه مطلوباً أو مندوباً إليه بخصوصه ، فلا يتعلّق بمشخّص منها كان ، ولا بواحد من الأربعة بعينه ، وإنّما يتعلّق بواحد منها لا بعينه ، ومهما وجد منها كان قربة يتأدّى المأمور به في ضمنه.

وهذا التقسيم وحكم كلّ واحد منها ، لا يتأتّى فيه نزاع بين العقلاء ؛ سواء قلنا : مقدّمة المأمور به مأمور بها ، أم لا؟ وهكذا حكم كلّ كلّي طلبه الشرع ، ولم ينصّ على أنواعه.

وأمّا خصال الكفّارة :

فقيل : إنّ الواجب فيها القدر المشترك بين الخصال ، فيأتي في أنواع الخصال ما قلنا في الجزئيّات.

والمشهور أنّ كلّ خصلة واجبة بعينها على تقدير أن لا يأتي بغيرها ، فمتى فعلها وقعت واجبة بخصوصها ؛ لنصّ الشرع عليها ، أعني خصوص العتق مثلاً بالنسبة إلى الإطعام والكسوة ، وأمّا إعتاق الرقبة المعيّنة فهو كأشخاص الكلّي بلا إشكال ، فيأتي فيه ما سبق من البحث.

فإن قلت : السفر ينقسم :

إلى ما يقصد به المسافر ضمّ عبادة اخرى إلى الزيارة ، كصلاة واعتكاف في مسجده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا إشكال في كونه قربة.

وإلى ما يقصد قصره على قصد الزيارة لا غيره ، والنزاع إنّما هو في هذا.

٢٢٤

وإلى ما يعرى عن القصدين.

واستدلالكم بكون وسيلة القربة قربة فيه نظر ؛ لأنّ توقّف الشيء على الأعمّ لا يستلزم توقّفه على الأخصّ ، وزيارة من كان على مسافة بعيدة ، إنّما تتوقّف على سفر من الأسفار الثلاثة المذكورة المقصودة ، لا على القسم الثاني ليتمّ ما ذكرتم.

قلت : هذا خلف من الكلام ؛

لأنّك إن لم تقل : بأنّ وسيلة القربة قربة ، فلا حاجة بك إلى هذا الاستدلال والتقسيم ، وقل : إنّ وسيلة القربة ليست بقربة.

وحينئذٍ يرد عليك ما لا قبل لك به ممّا قدّمناه من الاستدلال على كون وسيلة القربة قربة ، وذلك أمر معلوم من الشرع.

ثمّ يلزمك أن السفر للزيارة وقربة اخرى لا يكون قربة على زعمك ؛ لأنّه إنّما يكون قربة لكونه وسيلة إلى قربة.

وإن كنت تقول : بأنّ وسيلة القربة قربة ، فما وجه النظر بعد تقرير كون الزيارة قربة؟!

واحتجاجك بأنّ توقّف الشيء على الأعمّ لا يستلزم توقّفه على الأخصّ ، عجيب جدّاً.

لأنّك إن فسّرت الوسيلة بما يفعل لقصد التقرّب إلى المقصود كما فسّرناه ، كان كلّ واحد من السفر الذي قصد به الزيارة مع قربة اخرى ، والسفر الذي قصد به الزيارة فقط قربةً ؛ لأنّه قصد به التوسّل إلى قربة ، فوجب أن يكون قربة ؛ سواء كانت الزيارة متوقّفة على عينه أم لا؟ فالفرق بين القسمين باطل قطعاً.

وإن فسّرت الوسيلة بما يتوقّف عليه المقصود ، كما يشعر به ظاهر كلامك :

فإن أخذته بشرط قصد القربة معه ، وجعلت علّة القربة ذلك القصد ، عاد الكلام ، وكان كلّ من القسمين قربة ؛ لأنّ الموجب لجعله قربة قصد القربة ، وهو

٢٢٥

موجود في القسمين.

وإن جعلت العلّة التوقّف ، وقلت : إنّه يتوقّف على الأعمّ ، لا على الأخصّ ، لزمك أن تقول : القربة ما هو أعمّ من السفرين ، وخصوص كلّ منهما ليس بقربة ، ففرقك بين القسمين لا وجه له.

وإن أخذته مجرّداً فهو باطل ؛ لأنّه يدخل فيه مطلق السفر ، ولم يقل أحد : بأنّه قربة ؛ فإنّ السفر من حيث هو هو مباح ، وإنّما تعرض له القربة بعلّة قصد القربة ، فحيث حصلت تلك العلّة حصل معلولها ، وحيث لا فلا ، ففرقك بين قربة وقربة لا وجه له.

فقد بان بهذا : أنّه بعد العلم بكون الزيارة قربة ، وبكون وسيلة القربة قربة ، يقطع بأنّ السفر للزيارة قربة ؛ سواء ضمّ معه قصد قربة اخرى أم لا؟ والشكّ في ذلك إنّما يكون للشكّ في إحدى المقدّمتين.

وتقرير السؤال مختلّ على كلّ تقدير.

وليس لك أن تقول : إنّ السفر للزيارة المجرّدة داخل تحت النهي بقوله : «لا تشدّ الرحال» والسفر لها وللمسجد سفر للمسجد ، فكان مباحاً للحديث.

لأنّا سنبيّن معنى الحديث ، وأنّه لا يشمل الزيارة.

وبتقدير أن يكون السفر للزيارة منهيّاً عنه ، فالسفر لها وللمسجد ينبغي أن يكون منهيّاً عنه على هذا البحث ؛ لتركّبه من منهيّ عنه وغيره.

وأيضاً : فإنّ هذا دلّ على أنّك لا تقول : بأنّ وسيلة القربة قربة ، فكان يكفيك من الأوّل أن تقول : إنّ وسيلة القربة ليست قربة ، وإنّما كان السفر في القسم الأوّل قربة لدليل آخر ، فانتقالك إلى هذا التطويل لا فائدة فيه.

فعلى كلّ تقدير هذا الكلام ساقط.

وأمّا السفر العاري عن القصدين المذكورين ، فيدخل فيه السفر لقربة غير

٢٢٦

الزيارة فقط ، والسفر المباح ، والسفر لغيرهما ، ولا حاجة بنا إلى الكلام في ذلك.

وأمّا قولك في القسم الثاني من أقسام السفر : «ما يقصد به قصره على قصد الزيارة لا غير» فهذه العبارة تحتمل أمرين :

أحدهما : أن يقصد الزيارة ، ويقصد أن لا يفعل معها قربة اخرى من تحيّة المسجد ولا غيرها ، وهذا الأمر لا يقصده عاقل غالباً ، وليس هو المسئول عنه ، فإنّ الناس إنّما يسألون عن الواقع منهم ، وبهم حاجة إلى معرفة حكمه ، فذكر هذا القسم هوس ، وإرادته في فتيا العامّة بعبارة يفهمون منها العموم تضليل.

ثمّ إنّا نقول : ولو فرض ذلك ، كان سفره قربة ؛ لأنّه قصد به قربة ، ولكن قصده ترك غيرها من القربات ليس بقربة.

الأمر الثاني : أن يقصد الزيارة ، ولا يخطر بباله أمر آخر بنفي ولا إثبات ، ولا وجه للتوقّف في كون ذلك قربة بعد العلم بكون الزيارة قربة ، ووسيلة القربة قربة.

والظاهر من صاحب هذا السؤال أنّه أراد هذا الأمر الثاني ، فإنّه الذي قال : إنّ الخصم إنّما أراد أن يبيّن كيفيّة الزيارة المستحبّة ، وهي أن تضمّ إليها قصد المسجد ، كما قاله غيره ، وقدّمنا الكلام على ذلك.

ففي هذه القطعة من كلامه بيان أنّ شرط الاستحباب في الزيارة عند الخصم (١) وغيره ، ضمّ قصد المسجد إليها ، ومقتضى ذلك أنّ عند عدم الضمّ ينفي الاستحباب ؛ سواء أراد عدم ما سواها من القرب أم لا؟

وهو يبيّن أنّ مراده فيما تقدّم ـ «بما يقصد قصره على قصد الزيارة لا غير» ـ المعنى الثاني الذي قدّمناه ، وهو عدم قصد سواها ، لا قصد عدمه ، وقد

__________________

(١) لاحظ كلام ابن تيمية في حكم الزيارة وشرطها : مجموع فتاوى ابن تيمية (٢٧ / ص ٢٦ ـ ٣٤) وقد نسب فيه إلى الفقهاء أحكاماً لم يقولوا بها ، واستفاد من الأحاديث معاني لا تفيدها ، فراجع.

٢٢٧

قدّمنا أنّه لا وجه للتوقّف في كون ذلك قربة ؛ لأنّه وسيلة إلى قربة ، ولم يقترن به قصد صارف ، ولا مانع من الحكم بالقربة عليه بالمعنى الثاني.

[مع] إنّ إطلاق قوله يقتضي أنّ الخصم وغيره إنّما يستحبّون الزيارة مطلقاً من غير سفر ؛ إذا ضمّ إليها قصد المسجد ، وحينئذٍ لا تكون الزيارة وحدها قربة ؛ سواء كانت عن سفر ، أم عن غير سفر؟

وهو مخالف للأدلّة الدالّة على أنّ الزيارة قربة ، وكأنّه إنّما أراد السفر للزيارة ، وإنّما أطلق العبارة ، وأيّا ما كان فهو باطل ؛ لما قدّمناه.

واعلم : أنّ هذا السؤال المبنيّ على تقسيم السفر ضعيف ، وكذلك السؤال المبنيّ عليه الذي قدّمته في الاستدلال بعمل السلف والخلف على السفر ، وإنّما ذكرتهما لأنّي وقفت على كلام بعض الفضلاء ذكرهما فيه ، فاحتجت إلى جوابهما ، والخصم الذي النزاع معه لعلّه لا يرتضيهما.

والعجب ممّن أوردهما مع موافقته على أنّ السفر لمجرّد الزيارة قربة.

فإن كان قال ذلك بغير دليل فهو باطل.

وإن كان قاله لأحد الدليلين المذكورين ، فالقدح فيهما قدح فيه ، فلا يمكنه الجزم به.

وإن كان قاله لدليل آخر فكان ينبغي أن يبيّنه حتّى يظهر أنّه يفترق الحال فيه بين الأسفار أو لا؟

بل العجب منه قوله بهذه الامور ، مع قوله : بأنّ كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة ، وجاحده محكوم عليه بالكفر.

وقد بان بما ذكرناه : أنّ لزوم كون السفر لمجرّد الزيارة قربة ، لازم لكون الزيارة قربة ، وأنّ اللزوم بينهما بيّن ليس بالخفيّ ، والعلم بالملزوم مع التوقّف في اللازم البيّن له مستحيل ، فالقول بإثبات الملزوم مع التوقّف في إثبات اللازم لا يجتمعان.

٢٢٨

فمن توقّف في كون السفر لمجرّد الزيارة قربة ، لزمه التوقّف في كون الزيارة قربة.

ومن قال : بأنّ كون السفر لمجرّد الزيارة قربة من الأُمور الخفيّة ، لزمه أن يقول بذلك في الزيارة ، فإنّه تقرّر أنّ الملازمة بينهما بيّنة معلومة من الشرع.

فإن قلت : فما تقولون في السفر إلى زيارة ما عدا قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟

قلت : قال الفقيه الإمام أبو محمّد عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر المالكيّ المعروف ب «الشارمساحي» في كتاب «تلخيص محصول المدوّنة من الأحكام» الملقّب ب «نظم الدرّ» في كتاب الجامع في الباب الحادي عشر في السفر ، وهو أحد أبوابه ، قال في هذا الباب : والسفر قسمان : هرب ، وطلب ، أمّا الهرب فالخروج من أرض الحرب ، وأرض البدعة ، وأرض غلب عليها الحرام ، ومن خوف الأذى في البدن ، ومن الأرض الغمّة (١).

وأمّا الطلب فيكون للحجّ ، والجهاد ، والعمرة ، والمعاش ، والاتّجار ، وقصد البقاع الشريفة ؛ وهي المساجد الثلاثة ، ومواضع الرباط تكثيراً لأهلها ، ولطلب العلم ، ولتفقّد أحوال الإخوان ، وزيارة الموتى ؛ لينتفعوا بترحّم الأحياء ، وقصد الانتفاع بالميّت بدعة إلّا في زيارة قبر المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقبور المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ، انتهى.

فأمّا استثناؤه قبر المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسائر المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ، واقتصاره إن قصدها للانتفاع بهم سنّة ، فصحيح.

والظاهر أنّ ذلك عامّ في زيارتها ، والسفر إليها ، كما يقتضيه صدر كلامه.

وأمّا السفر لزيارة غيرهم من الموتى لينتفعوا بترحّم الأحياء ، فقد عدّه

__________________

(١) في هامش الهندية : لعلّه : الوخمة.

٢٢٩

الشارمساحيّ ـ كما ترى ـ من أقسام سفر الطلب ، والظاهر إن قصده أنّه سنّة ، والأمر كذلك ، وإن كان عدّ معه سفر التجارة الذي هو مباح.

وأمّا قوله : «إنّ قصد الانتفاع بالميّت غير الأنبياء بدعة» ففيه نظر ؛ فإن ثبت فينبغي أن يخرج منه [من] يتحقّق صلاحه ، كالعشرة المشهود لهم بالجنّة وغيرهم ، وحينئذٍ يكون السفر لهم كالقسم الثاني.

فخرج من هذا أنّ الزيارة حيث استحبّت استحبّ السفر لها ، وذلك عامّ في قصد انتفاع الميّت بالترحّم ، وخاصّ في قصد الانتفاع بالميّت.

٢٣٠

الباب السابع :

في

دفع شُبَهِ الخَصْم وتتبُّع كلماتِهِ

٢٣١
٢٣٢

وفيه فصلان :

الأوّل : في شبهه

وله ثلاث شبه :

[الشبهة الاولى حديث : «لا تشدّ الرحال ...» ألفاظه ومصادرها]

إحداها : فهم قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تُشَدُّ الرحالُ إلّا إلى ثلاثة مساجد»

فتوهّم الخصم أنّ في هذا منع السفر للزيارة (١).

وليس كما توهّمه ، ونحن نذكر ألفاظ الحديث ، ثمّ نذكر معناه إن شاء الله.

فنقول : هذا الحديث متّفق على صحّته عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وورد بألفاظ مختلفة :

أشهرها : «لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، ومسجد

__________________

(١) عن استدلال ابن تيمية بهذا الحديث راجع مجموع فتاواه (ج ٢٧ ص ٢٦) ومواضع عديدة في هذا الجزء الخاص بالزيارة وشدّ الرحال إليها.

٢٣٣

الحرام ، ومسجد الأقصى» وهذه رواية سفيان بن عيينة عن الزهريّ.

والآخر : «تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد» من غير حصر ، وهذه رواية معمّر عن الزهريّ.

وآخر : «إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد : مسجد الكعبة ، ومسجدي ، ومسجد إيلياء». وهذه من طريق غير الزهريّ.

وهذه الروايات الثلاث ذكرها مسلم في فضل المدينة عن أبي هريرة (١).

وذكر قبل ذلك في سفر المرأة عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تشدّوا الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى» (٢) ولفظه ـ كما ذكرنا ـ بصيغة النهي ، واللفظ السابق بصيغة الخبر.

وورد في خبر أبي سعيد أيضاً : «إنّما تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد : مسجد إبراهيم ، ومسجد محمّد ، ومسجد بيت المقدس» رواه إسحاق بن راهويه في مسنده (٣).

وورد في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضاً عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولفظه بصيغة النهي : «لا تشدّوا الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام ، ومسجد المدينة ، ومسجد بيت المقدس» رواه الطبرانيّ في معجمه (٤).

هذه ألفاظ المرويّات.

[دلالة الأحاديث ومعناها]

وأمّا معناها : فاعلم : أنّ هذا الاستثناء مفرّغ ، تقديره : لا تشدّ الرحال إلى

__________________

(١) صحيح مسلم (٤ / ١٢٦) كتاب الحج باب لا تُشدُّ الرحال ...

(٢) صحيح مسلم (٤ / ١٠٢) كتاب الحج باب سفر المرأة مع محرم.

(٣) مسند ابن راهويه.

(٤) المعجم الكبير للطبراني (١٢ / ٣٣٧) ح ١٣٢٨٣ ، وفيه (لا تشدّ) وعلّق عليه : قال في مجمع (الزوائد) ٤ / ٤ ، بعد أن نسبه إلى الأوسط : ورجاله رجال الصحيح ، ورواه البزّار أيضاً.

٢٣٤

مسجد إلّا إلى المساجد الثلاثة ، أو لا تشدّ الرحال إلى مكان إلّا إلى المساجد الثلاثة.

ولا بدّ من أحد هذين التقديرين ليكون المستثنى مندرجاً تحت المستثنى منه.

والتقدير الأوّل أولى ؛ لأنّه جنس قريب ، ولما سنبيّنه من قلّة التخصيص أو عدمه على هذا التقدير.

ثمّ اعلم : أنّ السفر فيه أمران :

أحدهما : غرض باعث عليه ، كالحجّ ، أو طلب العلم ، أو الجهاد ، أو زيارة الوالدين ، أو الهجرة ، وما أشبه ذلك.

والثاني : المكان الذي هو نهاية السفر ، كالسفر إلى مكّة ، أو المدينة ، أو بيت المقدس ، أو غيرها من الأماكن لأيّ غرض كان.

ولا شكّ أنّ شدّ الرحال إلى عرفة لقضاء النسك ، واجب بإجماع المسلمين ، وليس من المساجد الثلاثة.

وشدّ الرحال لطلب العلم إلى أيّ مكان كان ، جائز بإجماع المسلمين ، وقد يكون مستحبّاً ، أو واجباً على الكفاية ، أو فرض عين.

وكذلك السفر إلى الجهاد ، ومن بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ؛ للهجرة وإقامة الدين ، وكذلك السفر لزيارة الوالدين وبرّهما ، وزيارة الإخوان والصالحين ، وكذلك السفر للتجارة ، وغيرها من الأغراض المباحة.

فإنّما معنى الحديث : أنّ السفر إلى المساجد مقصور على الثلاثة على التقدير الأوّل الذي اخترناه.

أو أنّ السفر إلى الأماكن مقصور على الثلاثة على التقدير الثاني.

ثمّ على كلا التقديرين : إمّا أن يجعل المساجد أو الأمكنة غاية فقط ، وعلّة السفر أمراً آخر ، كالاشتغال بالعلم ونحوه من الأمثلة التي ذكرها ، فهذا جائز إلى

٢٣٥

كلّ مسجد وإلى كلّ مكان ، فلا يجوز أن يكون هو المراد.

وقد يقال على بُعدٍ : إنّ خروج تلك المسائل بأدلّة على سبيل التخصيص للعموم ، فلا يمنع من إرادته في الباقي.

وهذا لو قيل به ، فتقدير المساجد أيضاً أولى من تقدير الأمكنة ؛ لعلّة التخصيص ، إذ التخصيص على تقدير إضمار الأمكنة أكثر ، فيكون مرجوحاً.

ثمّ على هذا التقدير : فالسفر بقصد زيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غايته مسجد المدينة ؛ لأنّه مجاور للقبر الشريف ، فلم يخرج السفر للزيارة عن أن تكون غايته أحد المساجد الثلاثة ، وهو المراد على هذا التقدير (١).

وإمّا أن يجعل المساجد أو الأمكنة علّةً فقط ، ويكون قد عبّر ب «إلى» عن اللام ، أو غايةً وعلّةً من باب تخصيص العامّ بأحد حاليه ؛ لأنّ غاية السفر قد يكون هو العلّة ، وقد لا يكون ، فيكون المراد النوع الأوّل ، وهو ما يكون علّة مع كونه غاية.

ومعنى كونه علّة : أنّه يسافر لتعظيمها ، أو للتبرّك بالحلول فيها ، أو بأن يوقع فيها عبادة من العبادات التي يمكنه إيقاعها في غيرها ؛ من حيث أنّ إيقاعها فيها أفضل من إيقاعها في غيرها ، وكلّ ذلك إنّما نشأ من اعتقاد فضل في البقعة زائد على غيرها ، فنهي عن ذلك إلّا في المساجد الثلاثة ، وهذا هو المراد ، وغيرها من الأماكن والمساجد لا يؤتى إلّا لغرض خاصّ لا يوجد في غيره ، كالثغر للرباط الذي لا يوجد في غيره.

وعلى هذا التقدير أيضاً ، المسافر لزيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يدخل في الحديث ؛ لأنّه لم يسافر لتعظيم البقعة ، وإنّما سافر لزيارة مَنْ فيها ، كما لو كان حيّاً وسافر إليها فيها

__________________

(١) لاحظ ما ذكره الذهبي في سير الأعلام (٤ / ٤٨٤) في هذا الصدد وقد نقلناه في الباب الرابع (ص ١٧٤) فراجع الهامش.

٢٣٦

أو في غيرها ، فإنّه لا يدخل في هذا العموم قطعاً.

وملخّص ما قلناه على طوله : أنّ النهي عن السفر مشروط بأمرين :

أحدهما : أن يكون غايته غير المساجد الثلاثة.

والثاني : أن تكون علّته تعظيم البقعة.

والسفر لزيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غايته أحد المساجد الثلاثة ، وعلّته تعظيم ساكن البقعة ، لا البقعة ، فكيف يقال بالنهي عنه؟!

بل أقول : إنّ للسفر المطلوب سببين :

أحدهما : ما يكون غايته أحد المساجد الثلاثة.

والثاني : ما يكون لعبادة وإن كان إلى غيرها.

والسفر لزيارة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اجتمع فيه الأمران ، فهو في الدرجة العليا من الطلب ، ودونه ما وجد فيه أحد الأمرين ، وإن كان السفر الذي غايته أحد الأماكن الثلاثة ، لا بدّ في كونه قربة من قصد صالح.

وأمّا السفر لمكان غير الأماكن الثلاثة لتعظيم ذلك المكان ، فهو الذي ورد فيه الحديث ، ولهذا جاء عن بعض التابعين أنّه قال : قلت لابن عمر : إنّي اريد أن آتي الطور.

قال : إنّما تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد : مسجد الحرام ، ومسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومسجد الأقصى ، ودع الطور فلا تأته.

[محط البحث عند الفقهاء]

وفي مثل هذا الذي تكلّم الفقهاء في شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة.

فنقل إمام الحرمين عن شيخه : أنّه كان يفتي بالمنع عن شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد ، قال : وربّما كان يقول : يكره ، وربّما كان يقول : يحرم ؛ أخذاً

٢٣٧

بظاهر النهي.

وقال الشيخ أبو عليّ : لا يكره ، ولا يحرم ، ولكن أبان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ القربة المقصودة في قصد المساجد الثلاثة ، وما عداها ليس في قصد أعيانها قربة ، قال : وهذا حسن لا يصحّ عندي غيره.

قلت : ويمكن أن يقال : إن قصد بذلك التعظيم فالحقّ ما قاله الشيخ أبو محمّد ؛ لأنّه تعظيم لما لم يعظّمه الشرع ، وإن لم يقصد مع عينه أمراً آخر ، فهذا قريب من العبث ، فيترجّح فيه ما قاله الشيخ أبو عليّ ، ولا نعلم في مذهبنا غير ذلك.

وذهب الداوديّ إلى أنّ ما قرب من المساجد الفاضلة من المصر ، فلا بأس أن يؤتى مشياً وركوباً ؛ استدلالاً بمسجد قباء ، ولا يدخل تحت النهي في إعمال المطيّ ؛ لأنّ الإعمال وشدّ الرحال لا يكون لما قرب غالباً.

ونقل القاضي عياض عن بعضهم : أنّه إنّما يمنع المطيّ للناذر ، وأمّا غير الناذر ممّن يرغب في فضل مشاهد الصالحين فلا.

فهذه أربعة مذاهب في إتيان ما سوى الثلاثة من المساجد ، وعلى المذهب الرابع المفصّل بين أن يكون بالنذر أو بغيره ، حمل بعضهم إتيان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسجد قباء ؛ لأنّه كان بغير نذر ، ولا حرج فيه ، بل متى خفّ عليه فعل القربة.

فيجيء في نذر ما سوى الثلاثة من المساجد ثلاثة مذاهب :

أحدها : أنّه لا يصحّ ، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور.

والثاني : يصحّ مطلقاً ، وهو مذهب الليث بن سعد.

والثالث : يلزم ما لم يكن بشدّ رحل ، كمسجد قباء ، وهو قول محمّد بن مسلمة المالكيّ.

وقد روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم : أنّ عبد الله بن عباس سُئل عمّن جعل على نفسه مشياً إلى مسجد قباء وهو بالمدينة؟ فألزمه ذلك ، وأمره

٢٣٨

أن يمشي.

قال عبد الملك بن حبيب في كتاب «الواضحة» : فكذلك من نذر أن يمشي إلى مسجده الذي يصلّي فيه جمعته ، أو مكتوبته ، فعليه أن يمشي إليه ، وليس ذلك بلازمه فيما نأى عنه من المساجد لا ماشياً ، ولا راكباً ، وكذلك روى ابن وهب وغيره عن مالك إلّا المساجد الثلاثة ، فيلزمه في المسجد الحرام ما نذر من مشي أو ركوب ، ولا يلزمه في المسجدين ـ مسجد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبيت المقدس ـ المشي إليهما ، ويلزمه أن يأتيهما راكباً للصلاة فيهما.

هذا كلّه في قصد المكان بعينه ، أو قصد عبادة فيه تمكن في غيره.

أمّا قصده بغير نذر لغرض فيه ـ كالزيارة وشبهها ـ فلا يقول أحد فيه بتحريم ولا كراهة.

فإن قلت : فقد قال النوويّ في «شرح مسلم» (١) في باب سفر المرأة مع مَحْرَمٍ إلى الحجّ : اختلف العلماء في شدّ الرحال وإعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة ، كالذهاب إلى قبور الصالحين ، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك ، فقال الشيخ أبو محمّد من أصحابنا : هو حرام ، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره.

والصحيح عند أصحابنا ـ وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحقّقون ـ أنّه لا يحرم ولا يكره ، قالوا : والمراد أنّ الفضيلة التامّة إنّما هي في شدّ الرحال إلى هذه الثلاثة خاصّة ، والله أعلم ، انتهى كلام النوويّ.

وقد جعل الذهاب إلى قبور الصالحين من محلّ الخلاف.

قلت : رحم الله النوويّ ، لو اقتصر على المنقول أو نقده حقّ النقد لم يحصل خلل ، وإنّما زاد التمثيل فحصل الخلل من زيادته.

__________________

(١) شرح مسلم للنووي (٩ / ١٠٦).

٢٣٩

والذي نقله الإمام الرافعيّ والنوويّ في غير «شرح مسلم» عن الشيخ أبي محمّد رحمه‌الله ليس فيه هذه الزيادة ، بل فيه ما يبيّن أنّ مراده ما قدّمناه.

فإنّ الإمام قال : إذا نذر أن يأتي مسجداً من المساجد سوى المسجد الحرام ، قال العلماء : فإن كان المسجد الذي عيّنه غير مسجد المدينة ومسجد القدس ، فلا يلزم بالنذر شيء أصلاً ، فإنّه ليس في قصد مسجد بعينه غير المساجد الثلاثة قربة مقصودة ، وما لا يكون قربة ولا عبادة مقصودة فهو غير ملزم بالنذر ، وكان شيخي يفتي بالمنع عن شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد ... وذكر ما قدّمناه.

وكذلك الرافعيّ قال : إذا نذر إتيان مسجد آخر سوى الثلاثة لم ينعقد نذره ، قال الإمام وكان شيخي يفتي ... وذكر ما تقدّم.

وكذلك النوويّ في «شرح المهذّب» (١) وكذلك في «شرح مسلم» في باب فضل المساجد الثلاثة ، كلامه مشعر بما قلناه.

ومع ذلك قال : إنّ ما قاله الشيخ أبو محمّد غلط.

ففي كلام كلّ من الإمام والرافعيّ والنوويّ ـ في غير «شرح مسلم» وفي «شرح مسلم» في غير هذا الباب ـ ما يبيّن أنّ فرض المسألة في قصد المساجد ، فيحمل كلام أبي محمّد عليه.

أمّا قصد الأغراض الصحيحة في المساجد وغيرها من الأمكنة ـ من الزيارة ، والاشتغال والجهاد ، وغيرها ـ فلم يتكلّم فيه أبو محمّد ، ولا يجوز أن ينسب إليه المنع منه ، ولو قاله هو أو غيره ممّن يقبل كلامه الغلط لحكمنا بغلطه ، وأنّه لم يفهم مقصود الحديث ، لكنّه بحمد الله لم يثبت عندنا أنّه قال ذلك ، ولا نقله عنه أحد غير ما وقع في «شرح مسلم» من التمثيل على سبيل السهو والغفلة ، ولهذا أجللنا

__________________

(١) المجموع شرح المهذب للنووي (٨ / ٤٧٧) وانظر نذر الصلاة في (٦ / ٤٨٨) وانظر (٨ / ٤٧٣) و (٨ / ٤٧٥).

٢٤٠