شفاء السّقام في زيارة خير الأنام صلى الله عليه وآله

علي بن عبدالكافي بن علي أبوالحسن الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي [ تقي الدين السبكي ]

شفاء السّقام في زيارة خير الأنام صلى الله عليه وآله

المؤلف:

علي بن عبدالكافي بن علي أبوالحسن الأنصاري الخزرجي المصري الشافعي [ تقي الدين السبكي ]


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دائرة المعارف العثمانيّة
الطبعة: ٤
الصفحات: ٤٣٢
  نسخة غير مصححة

ولهذا المعنى ـ والله أعلم ـ قال القاضي ابن كج رحمه‌الله : إذا نذر أن يزور قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعندي أنّه يلزمه الوفاء وجهاً واحداً ، ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان.

قلت : وما قاله من القطع بلزوم الوفاء بها هو الحقّ ؛ لما قدّمناه من الأدلّة الخاصّة عليها ، وتردّده في قبر غيره :

يحتمل أن يكون محلّه عند الإطلاق ، وسواء لو عيّن أم لا؟ تشبيهاً لذلك بزيارة القادمين ، وإفشاء السلام ، ونحو ذلك ممّا لم يوضع قربة مقصودة وإن كان قربة ، وعلى هذا يكون الأصحّ لزومه بالنذر ، كما في تلك المسائل.

ويحتمل أن يكون محلّه عند التعيين ، فإنّ زيارة قبر معيّن من غير الأنبياء لا قربة فيها بخصوصها ، كما سبق عند الكلام في أغراض الزيارة.

وأمّا إذا نظرنا إلى زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جهة العموم خاصّة ، واجتماع المعاني التي تقصد بالزيارة فيه ، فيظهر أن يقال أيضاً : إنّه يلزم بالنذر قولاً واحداً.

ويحتمل على بُعْدٍ أن يقال : إنّه كما لو نذر زيارة القادمين وإفشاء السلام ، فيجري في لزومها بالنذر ذلك الخلاف ، مع كونها قربة في نفسها قبل النذر وبعده.

وقد بان لك بهذا : أنّها تلزم بالنذر ، وأنّه على تقدير أن يقال : «لا تلزم بالنذر» ، لا يخرجها ذلك عن كونها قربة.

ومن يشترط في المنذور أن يكون ممّا وجب جنسه بالشرع ، ويقول : إنّ الاعتكاف كذلك ؛ لوجوب الوقوف ، فقد يقول : إنّ زيارة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجب جنسها ، وهي الهجرة إليه في حياته.

فقد ظهر بهذا : أنّ كلّ ما يلزم بالنذر قربة ، وليس كلّ قربة تلزم ، وزيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من القرب التي تلزم بالنذر ، ولو ثبت عن أحد من العلماء أنّه يقول : «لا تلزم بالنذر» ، لم يكن في ذلك ما يقتضي أنّه يقول : إنّها ليست بقربة.

٢٠١

وقد وقفت على كلام بعض المتعصّبين للباطل قال فيه : إنّ القاضي إسماعيل قال في «المبسوط» : إنّه رُوي عن مالك : أنّه سئل عمّن نذر أن يأتي قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فليأته ، وليصلّ فيه ، وإن كان إنّما أراد القبر فلا يفعل ؛ للحديث الذي جاء «لا تعمل المطيّ إلّا إلى ثلاثة مساجد».

وهذه الرواية ـ إن صحّت عن مالك! ـ يجب تأويلها على وجه لا يمنع كون الزيارة قربة ؛ جمعاً بينها وبين ما ثبت عنه وعن جميع العلماء وجميع المسلمين.

وهذه الرواية تحتمل وجوهاً :

أحدها : أن تكون من القرب التي لا تلزم بالنذر ، كما أنّ إتيان مسجد قباء لمن كان في المدينة أو قريباً منها قربة عند جميع العلماء ، ولا يلزم بالنذر عند جمهور العلماء ، إلّا ما روي عن محمّد بن مسلمة المالكيّ : أنّه قال بلزومه بالنذر.

الثاني : الجواب المذكور ، ولكن بالنسبة إلى البعيد خاصّة ، كما دلّ عليه بقيّة الكلام من الاستدلال بالحديث الذي جاء : «لا تعمل المطيّ إلّا إلى ثلاثة مساجد» فيكون المراد أنّه إذا نذر السفر إليه لا يلزم ، ولا يمنع ذلك كون السفر إليه قربة بغير النذر ، كمسجد قباء في حقّ القريب عند غير محمد بن مسلمة ، ولا يمنع أيضاً من لزوم الزيارة في حقّ القريب ، كما قاله محمّد بن مسلمة في مسجد قباء ، وهذا الوجه هو أقرب التأويلات على قواعد مالك رحمه‌الله تعالى.

قال في «التهذيب للمسائل المدوّنة» : من قال : «عليّ أن آتي المدينة» أو «بيت المقدس» أو «المشي إلى المدينة» أو «بيت المقدس» فلا يأتهما حتّى ينوي الصلاة في مسجديهما ، أو يسمّيهما فيقول : «إلى مسجد الرسول» أو «مسجد إيلياء» وإن لم ينوِ الصلاة فيهما فليأتهما راكباً ، ولا هدي عليه ، وكأنّه لمّا سمّاهما قال : «لله عليّ أن اصلّي فيهما». ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار ، صلّى بموضعه ، ولم يأته.

ومن نذر أن يرابط أو يصوم بموضع يتقرّب بإتيانه إلى الله تعالى ـ كعسقلان

٢٠٢

والإسكندريّة ـ لزمه ذلك فيه ، وإن كان من أهل مكّة والمدينة ، ولا يلزم المشي إلّا من قال : «عليّ المشي إلى مكّة» أو «بيت الله» أو «المسجد الحرام» أو «الكعبة» أو «الحجر» أو «الركن» انتهى كلام «التهذيب».

وهو يدلّ على أنّه إنّما يلزم إتيان المدينة إذا سمّى مسجدها ، أو نوى الصلاة فيه ، فما عدا هذا لا يلزم بالنذر ، وإن كان قربة.

الثالث : إنّا قدّمنا أنّ زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مطلوبة بالخصوص ؛ للأحاديث التي صدّرنا بها هذا الكتاب ، ولعمل السلف والخلف ، ومطلوبة بالعموم ؛ لاندراجها تحت الأحاديث الصحيحة المشهورة في زيارة القبور.

واللزوم بالنذر ظاهر من الجهة الاولى ، وأمّا من الجهة الثانية ، فقد قدّمنا أنّ مقاصد الزيارة متعدّدة ، وزيارة القبور ـ من حيث الجملة ـ كزيارة القادمين ، وقد قدّمنا في لزوم زيارة القادمين بالنذر خلافاً مع القطع بكونها قربة ، وزيارة القبور ـ من حيث الجملة ـ مثله.

وزيارة قبر معيّن إن قصد بها الدعاء له أو أداء حقّه ، ظهر اللزوم ؛ لحقّ الميّت ، وإن قصد التبرّك ظهر اللزوم أيضاً في قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتعيّنه دون غيره ، وإن قصد الاتعاظ لم يتعيّن ، وكان لزوم أصل الزيارة على الخلاف ، وإن لم يقصد شيئاً فأبعد عن اللزوم.

والسائل لمالك رحمه‌الله إنّما ذكر مجرّد الإتيان ، فلعلّ مالكاً لم يلزمه لذلك ، ولعلّ مالكاً رحمه‌الله لم تبلغه الأحاديث الخاصّة الواردة في زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الخصوص ، وإنّما يدرجه تحت الأحاديث الواردة في زيارة القبور ، وإن كان هو أشرفها وأحقّها بالزيارة ، ولا يلزمه بالنذر لذلك في حقّه ، ولا في حقّ غيره.

الرابع : أنّ إتيان القبر قد يقصد زيارة من فيه ، وهو الذي نقول : بأنّه قربة ، وهو الذي يقصده الناس غالباً.

٢٠٣

وقد يقصد زيارة المكان في نفسه لشرفه ، وهذا لا نقول بأنّه قربة إلّا فيما شهد الشرع به ، فلعلّ مالكاً رحمه‌الله أجاب على ذلك.

ويدلّ على أنّ هذا مراده استدلاله بالحديث الذي جاء «لا تعمل المطيّ إلّا إلى ثلاثة مساجد».

وسنبيّن بياناً واضحاً : أنّ الحديث إنّما هو في السفر للأمكنة ، لا للمقاصد التي فيها ، ومالك أجلّ وأعلم وأوسع باعاً وأعلى كعباً من أن يخفى عليه ذلك ، فاستدلاله به يدلّ على أنّه أراد المكان ، فيكون مراده أنّ زيارة القبر من حيث هو تلك البقعة ليس بقربة ، وهو يوافق ما حمل القاضي عياض عليه قوله : «زرت قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم».

وحينئذ فإمّا أن نوافق مالكاً رحمه‌الله على ذلك ؛ عملاً بقوله رحمه‌الله : «لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد» ويحمل قوله : «من زار قبري» على أنّ المراد من زارني في قبري ، كما هو الظاهر المتبادر إلى الفهم.

وأما إن يقال : إنّ زيارة قبره أيضاً قربة بقوله : «من زار قبري» وهذا أخصّ من قوله : «لا تشدّ الرحال» فيخصّص به.

إلّا أنّ كلّاً منهما أعمّ وأخصّ من وجه ، فلا يقضى بتخصيص أحدهما للآخر.

والأولى أنّ المراد بقوله : «من زار قبري» : من زارني في قبري ، ويكون قصد البقعة نفسها ليس بقربة ، كما اقتضاه كلام مالك رحمه‌الله.

فقد بان بهذا معنى كلام مالك رحمه‌الله ، وأنّه ليس فيه ما يقتضي أنّ الزيارة ليست بقربة ، ولا أنّ السفر إليها ليس بقربة ، بل هي قربة عند جميع العلماء ، ولهذا لو نذر الإتيان إلى مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قلنا : بأنّه يلزمه ، وأنّه يشترط ضمّ قربة إلى الإتيان ، قال الشيخ أبو عليّ السنجيّ من أصحابنا : إنّه يكتفى بالزيارة ، وقال الرافعيّ : إنّه الظاهر ، وتوقّف فيه الإمام ؛ من جهة أنّ الزيارة لا تتعلّق بالمسجد

٢٠٤

وتعظيمه ، وليس توقّفه لكون الزيارة ليست قربة ، هذا لم يقله أحد.

وقد قدّمنا في الباب الرابع (١) من كلام العبديّ المالكيّ التصريح بأنّ المشي إلى المدينة للزيارة ، أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس.

__________________

(١) تقدّم ص ١٥٠.

٢٠٥
٢٠٦

الباب السادس :

في

كون السفر إلى زيارته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قربة

٢٠٧
٢٠٨

وذلك من وجوه :

أحدها : الكتاب العزيز :

في قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ...) الآية.

وقد تقدّم تقريرها في الباب الخامس (١).

والمجيء صادق على المجيء من قرب ومن بعد ، بسفر وبغير سفر.

ولا يقال : إنّ جَاءُوكَ مطلق ، والمطلق لا دلالة له على كلّ فرد ، وإن كان صالحاً لها.

لأنّا نقول : هو في سياق الشرط فيعمّ ، فمن حصل منه الوصف المذكور وجد الله توّاباً رحيماً.

الثاني : السنّة :

من عموم قوله : «من زار قبري» (٢).

__________________

(١) تقدم (ص ١٧٩).

(٢) وهذا الحديث الثاني ، المذكور في الباب الأوّل ، (ص ٨١).

٢٠٩

فإنّه يشمل القريب والبعيد ، والزائر عن سفر وعن غير سفر ، كلّهم يدخلون تحت هذا العموم ، لا سيّما قوله في الحديث الذي صحّحه ابن السكن : «من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلّا زيارتي» (١) فإنّ هذا ظاهر في السفر ، بل في تمحيض القصد إليه ، وتجريده عمّا سواه.

وقد تقدّم (٢) أنّ حالة الموت مرادة منه إمّا بالعموم ، وإمّا أنّها هي المقصود.

والثالث : من السنّة أيضاً :

لنصّها على «الزيارة» (٣) ولفظ «الزيارة» يستدعي الانتقال من مكان الزائر إلى مكان المزور ، كلفظ «المجيء» الذي نصّت عليه الآية الكريمة.

فالزيارة إمّا نفس الانتقال من مكان إلى مكان بقصدها ، وإمّا الحضور عند المزور من مكان آخر.

وعلى كلّ حال لا بدّ في تحقيق معناها من الانتقال ، ولهذا إنّ من كان عند الشخص دائماً لا يحصل الزيارة منه ، ولهذا تقول : «زرت فلاناً من المكان الفلانيّ» وتقول : «زرنا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مصر» أو «من الشام» فتجعل ابتداء زيارتك من ذلك المكان ، فالسفر داخل تحت اسم الزيارة من هذا الوجه.

فإذا كانت كلّ زيارة قربة ، كان كلّ سفر إليها قربة.

وأيضاً : فقد ثبت خروج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المدينة لزيارة القبور ، وإذا جاز الخروج إلى القريب جاز إلى البعيد.

فممّا ورد في ذلك :

__________________

(١) مرّ نقله عن الطبراني (١٢ / ٤٠٦) رقم ١٣٤٩٦ ، وانظر هنا (ص ٨٣).

(٢) تقدّم (ص ١٨٦).

(٣) لاحظ أحاديث الباب الأوّل الجامع لما ورد وفيه لفظ من مادّة الزيارة.

٢١٠

خروجه إلى البقيع ، كما هو ثابت في الصحيح ، وقد ذكرته في الباب السابع من هذا الكتاب (١).

وخروجه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لقبور الشهداء

روى أبو داود في سننه (٢) عن طلحة بن عبيد الله قال : خرجنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نريد قبور الشهداء ، حتّى إذا أشرفنا على حرّة واقم ، فلمّا تَدَلّينا منها فإذا قبور مجنبة (٣) ، قال قلنا : يا رسول الله ، أقبور إخواننا هذه؟ قال : «قبور أصحابنا».

فلمّا جئنا قبور الشهداء قال : «هذه قبور إخواننا».

وإذا ثبت مشروعيّة الانتقال إلى قبر غيره ، فقبره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى.

الرابع : الإجماع :

لإطباق السلف والخلف ، فإنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضوا الحجّ يتوجّهون إلى زيارته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنهم من يفعل ذلك قبل الحجّ ، هكذا شاهدناه ، وشاهده من قبلنا ، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة ، كما ذكرناه في الباب الثالث ، وذلك أمر لا يرتاب فيه ، وكلّهم يقصدون ذلك ، ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم ، ويقطعون فيه مسافة بعيدة ، وينفقون فيه الأموال ، ويبذلون فيه المهج ، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة.

وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على ممرّ السنين ـ وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم ـ يستحيل أن يكون خطأ ، وكلّهم

__________________

(١) الباب السابع ، لاحظ ص ٢٤٣.

(٢) سنن أبي داود (٢ / ٢١٨) ح ٢٠٤٣ كتاب المناسك ، باب زيارة القبور وفيه : يريد ، بدل : نريد.

(٣) في (ه) : بمحنية.

٢١١

يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى الله عزوجل.

ومن تأخّر عنه من المسلمين فإنّما يتأخّر بعجز ، أو تعويق المقادير ، مع تأسّفه عليه ، وودّه لو تيسّر له.

ومن ادعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ ، فهو المخطئ.

فإن قلت : إنّ هذا ليس ممّا يسلّمه الخصم ؛ لجواز أن يكون سفرهم ضمّ فيه قصد عبادة اخرى إلى الزيارة ، بل هو الظاهر ، كما ذكر كثير من المصنّفين في المناسك : أنّه ينبغي أن ينوي مع زيارته التقرّب بالتوجّه إلى مسجده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصلاة فيه.

والخصم ما أنكر أصل الزيارة ، إنّما أراد أن يبيّن كيفيّة الزيارة المستحبّة ، وهي أن تضمّ إليها قصد المسجد ، كما قاله غيره.

قلت : أمّا المنازعة فيما يقصده الناس (١) ، فمن أنصف من نفسه ، وعرف ما الناس عليه ، علم أنّهم إنّما يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق المدينة ، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلّا ببال قليل منهم ، ثمّ مع ذلك : هو مغمور بالنسبة إلى الزيارة في حقّ هذا القليل ، وغرضهم الأعظم هو الزيارة ، حتّى لو لم يكن ربّما لم يسافروا ، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرف.

فالمقصود الأعظم في المدينة الزيارة ، كما أنّ المقصود الأعظم في مكّة الحجّ أو العمرة ، وهو المقصود ـ أو معظم المقصود ـ من التوجّه إليها.

وإنكار هذا : مكابرة ، ودعوى كون هذا الظاهر أشدّ.

وصاحب هذا السؤال إن شكّ في نفسه ، فليسأل كلّ مَنْ توجّه إلى المدينة ، ما

__________________

(١) لاحظ تدخّل ابن تيميّة في تحميله أغراضه ومقاصده ، على الناس ، واتهامهم بها ، والرد على ذلك. ص ٢٥٨ ، ٢٦٠ و ٢٧٧.

٢١٢

قصد بذلك؟

وأمّا ما ذكره المصنّفون في المناسك ، فإنّهم لم يريدوا به أنّه شرط في كون السفر للزيارة قربة! ما قال هذا أحد منهم ، ولا توهّمه ، ولا اقتضاه كلامه ، وإنّما أرادوا أنّه ينبغي أن يقصد قربة اخرى ليكون سفراً إلى قربتين ، فيكثر الأجر بزيادة القُرب ، حتّى لو زاد من قصد القربات زادت الاجور ، كأن يقصد مع ذلك زيارة شهداء احد ، وغير ذلك من القرب التي هناك.

وأرادوا بالتنبيه على ذلك : أنّه قد يتوهّم أنّ قصد قربة اخرى ، قادح في الإخلاص في نيّة الزيارة ، فنبّهوا بذلك على هذا المعنى.

ولهذا قال أبو عمرو ابن الصلاح : ولا يلزم من هذا خلل في زيارته على ما لا يخفى.

فمن تخيّل أنّ مرادهم : أنّ شرط كون سفر الزيارة قربة ضمّ قصد قربة اخرى إليه ، فقد أخطأ خطأ لا يخفى على أحد ممّن له فهم.

وقوله : «إنّ الخصم إنّما أراد أن يبيّن كيفيّة الزيارة المستحبّة ، وهو أن يضمّ إليها قصد المسجد ، كما قاله غيره».

إنّ غيره لم يقل ذلك ، ولا دلّ عليه كلامه ، ولا أراده.

الخامس : أنّ وسيلة القربة قربة :

فإنّ قواعد الشرع كلّها تشهد بأنّ الوسائل معتبرة بالمقاصد.

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ، وترفع به الدرجات؟».

قالوا : بلى يا رسول الله.

قال : «إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط» رواه مسلم (١).

__________________

(١) صحيح مسلم (١ / ١٥١) كتاب الطهارة باب فضل إسباغ الوضوء.

٢١٣

والخطى إلى المساجد إنّما شرفت لكونها وسيلة إلى عبادة.

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا توضّأ فأحسن الوضوء ، ثمّ خرج إلى المسجد لا تخرجه إلّا الصلاة ، لم يخط خطوة إلّا رفعت له بها درجة ، وحطّ عنه بها خطيئة» رواه البخاريّ ومسلم (١).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أعظم الناس أجراً في الصلاة ، أبعدهم فأبعدهم ممشى» رواه البخاري ومسلم (٢).

وقال رجل : ما يسرّني أنّ منزلي إلى جنب المسجد ، إنّي اريد أن يكتب ممشاي إلى المسجد ، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «قد جمع الله لك ذلك كلّه» رواه مسلم (٣).

وقال جابر : كانت ديارنا نائية من المسجد ، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد ، فنهانا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : «إنّ لكم بكلّ خطوة درجة» رواه مسلم (٤).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من تطهّر في بيته ، ثمّ مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله ، كانت خطوتاه إحداهما تحطّ خطيئة ، والاخرى ترفع درجة» رواه مسلم (٥).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من غدا إلى المسجد أو راح ، أعدّ الله له نزلاً كلّما غدا أو راح»

__________________

(١) صحيح البخاري (١ / ٣١٩) ح ٦١٢ كتاب الأذان باب (٤٢٣) فضل صلاة الجماعة. وصحيح مسلم (٢ / ١٢٩) كتاب الصلاة ، باب فضل صلاة الجماعة.

(٢) صحيح البخاري (١ / ٣٢٠) ح ٦١٥ كتاب الأذان باب (٤٢٤) فضل صلاة الفجر في جماعة. وصحيح مسلم (٢ / ١٣٠ ـ ١٣١) كتاب الصلاة ، باب فضل كثرة الخطى إلى المساجد.

(٣) صحيح مسلم (٢ / ١٣٠ ـ ١٣١) كتاب الصلاة ، باب فضل كثرة الخطى.

(٤) صحيح مسلم (٢ / ١٣٠ ـ ١٣١) نفس الموضع.

(٥) صحيح مسلم (٢ / ١٣١) كتاب الصلاة ، باب المشي إلى الصلاة.

٢١٤

رواه البخاري ومسلم (١).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من خرج من بيته متطهّراً إلى صلاة مكتوبة ، فأجره كأجر الحاجّ المحرم ، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلّا إيّاه فأجره كأجر المعتمر» رواه أبو داود (٢).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «بشر المشّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التامّ يوم القيامة» رواه أبو داود والترمذيّ وابن ماجة (٣).

وفي رواية : «أولئك الخوّاضون في رحمة الله».

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من غسل واغتسل ، وغدا وابتكر ، ودنا من الإمام ولم يلغ ، كان له بكلّ خطوة عمل سنة صيامها وقيامها» رواه أبو داود (٤).

وفي رواية : «ومشى ولم يركب».

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من أتى أخاه المريض عائداً مشى في مخرقة (٥) الجنة حتى يجلس ، فإذا جلس غمرته الرحمة» (٦).

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ، ناداه مناد من السماء : أن

__________________

(١) صحيح البخاري (١ / ١٦١) ح ٦٢٣ كتاب الأذان ، باب فضل من غدا إلى المسجد.

صحيح مسلم (٢ / ١٣٢) كتاب الصلاة باب المشي إلى الصلاة.

(٢) سنن أبي داود (١ / ١٥٣) ح (٥٥٨) كتاب الصلاة باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة ، عن أبي امامة ، وفيه زيادة.

(٣) سنن أبي داود (١ / ١٥٤) ح (٥٦١) نفس الموضع ، عن بريدة.

سنن الترمذي (١ / ١٤٢) ح (٢٢٣) باب (١٦٥) ما جاء في فضل العشاء.

سنن ابن ماجة (١ / ٢٥٦) ح (٧٨١) باب (١٤) كتاب المساجد والجماعات.

(٤) سنن أبي داود (١ / ٩٥) ح ٣٤٥ كتاب الطهارة باب في الغسل يوم الجمعة.

(٥) في (ه) : غرفة. وفي سنن ابن ماجة : خرافة.

(٦) سنن ابن ماجة (١ / ٤٦٢) ح ١٤٤٢ ب ٢ كتاب الجنائز.

٢١٥

طبت وطاب ممشاك ، وتبوّأت من الجنّة منزلاً» رواه الترمذيّ وابن ماجة (١).

وقال الترمذيّ : حسن غريب.

فهذه الأحاديث كلّها تدلّ على أنّ وسائل القربة قربة ، وكيف يتأتّى نزاع في ذلك والشريعة كلّها طافحة به؟ والقرآن ناطق به؟! قال تعالى :

(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٢).

فهذه الامور كلّها إنّما كتبت لهم وكتب لهم بها أجر ؛ لأنّها وسيلة إلى الجهاد في سبيل الله ، بل الجهاد نفسه إنّما شُرّف لكونه سبباً لإعلاء كلمة الله.

وكذلك جميع ما طلبه الشرع ممّا هو معقول المعنى ، فهو وسيلة لذلك المعنى المعقول منه ، وبسببه طلب.

وقد نقل الاصوليّون الإجماع على أنّ من مشى من مكان بعيد حتّى حجّ ، كان أفضل ممّن حجّ من مكّة.

وفي الحديث عن الله تعالى : «بعيني ما يتحمّل المتحمّلون من أجلي».

ولا شك أنّ المتوسّل إلى قربة بمباح فيه مشقّة ـ كالسفر وغيره ـ متحمّل لتلك

__________________

(١) سنن الترمذي (٣ / ٢٤٦) ح ٢٠٧٦ باب (٦٣) ما جاء في زيارة الإخوان.

ونسبه في كنز العمال (٩ / ٩٤) رقم ٢٥١١٣٤ إلى الترمذي وقال المعلّق : أخرجه في كتاب البرّ والصلة ، باب زيارة الاخوان (ح ٢٠٠٨).

سنن ابن ماجة (١ / ٤٦٤) ح ١٤٤٣ ب ٢ كتاب الجنائز.

ورواه أحمد في مسنده (٢ / ٣٤٤ و ٣٥٤).

(٢) سورة التوبة : الآية ١٢٠ ـ ١٢١.

٢١٦

المشقّة من أجل الله تعالى ، فهو بعين الله تعالى ، والله ناظر إليه ، وجازيه على سعيه.

بل المباح الذي لا مشقّة فيه ، وفيه راحة للنفس ، إذا قصد به التوصّل إلى قربة ، حصل له به أجر ، كمن نام ليتقوّى على قيام الليل ، أو أكل ليتقوّى على الطاعة ، ولهذا ورد في الأثر : «إنّي أحتسب نومتي كما احتسب قومتي» (١).

وتكلّم العلماء في أنّ الثواب في هذا القسم على القصد خاصّة ، أو على الفعل؟

والأقرب : الثاني ، ويشهد له قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحديث الصحيح : «إنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله ـ حتّى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك (٢) إلّا ازددت رفعة ودرجة» (٣).

فهذا يشهد لأنّه يؤجر على المباح ، إذا اقترن بالنيّة.

وكذلك الحديث الصحيح «إنّه يضع شهوته في الحلال ، وله فيها أجر».

[أقسام العبادات]

وحاصلها : أنّ العبادات أربعة أقسام :

أحدها : ما وضعه الشرع عبادة إمّا تعبّداً ، وإمّا لمعنى يحصل بها ، كالصلاة ، والصوم ، والصدقة ، والحجّ.

فهذا متى صحّ كان قربة ، ولا يمكن وجوده شرعاً على غير وجه القربة.

__________________

(١) أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ : فأحسب (٥ / ١٠٨).

وفي سنن أبي داود (٢ / ٣٢٧) ح ٤٣٥٤ وفيه : وأرجو ، بدل (أحتسب).

(٢) أي : فم زوجته.

(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٣ / ١٨٦) وأحمد في المسند (١ / ١٧٢ ـ ١٧٧). و (٤ / ٢٦٧) و (٥ / ١٢٧) و (٦ / ١٨٩) و (٨ / ٥).

وصحيح مسلم (٥ / ٧١) وسنن أبي داود (١ / ٦٥٤) ح ٢٨٦٤.

والبيهقي في السنن الكبرى (٣ / ٣٧٦) و (٦ / ٢٦٨) و (٧ / ٤٦٧) و (٩ / ١٨).

٢١٧

وثانيها : ما طلبه الشرع من مكارم الأخلاق ، كإفشاء السلام ونحوه ؛ لما فيه من المصالح ، وهذا مقصود الشارع ، فإذا وجد منه الامتثال كان قربة ، وإن وجد بدونها كان من جملة المباحات.

وثالثها : ما لا يستقلّ بتحصيل مصلحة ، ولا يفعل إلّا على وجه التوصّل به إلى غيره ، كالمشي ونحوه ، فهذا لا يقع غالباً إلّا على وجه الوسيلة ، فيكون بحسب ما يُقصد به ؛ إن قُصد به حرام كان حراماً ، أو مباح كان مباحاً ، أو قربة كان قربة ، وإن وقع من المكلّف لا بقصد أصلاً كان عبثاً ، فيكون مكروهاً.

ولا نزاع في هذا القسم أنّه إذا قصد به القربة كان قربة ، وهو القسم الذي نحن بصدده ، وتصدّينا لتقرير كونه قربة.

ورابعها : ما وضع مباحاً مقصوداً لتحصيل المصالح الدنيويّة ، كالأكل والشرب والنوم لمصلحة الأبدان ، فهذا إن حصل بغير نيّة أو بنيّة دنيويّة ، كان مستوي الطرفين ، وإن حصل بنيّة دينيّة ، حصل الأجر إمّا على النيّة وحدها ، كما ذكره بعض العلماء ، وإمّا على النيّة مع الفعل ، وهو الحقّ لما سبق.

وهذا القسم الرابع أخفض رتبة من الوسيلة ، كما أنّ الوسيلة أخفض رتبة من القسمين الأوّلين.

فقد تقرّر بهذا : أنّ وسيلة القربة قربة ، والسفر بقصد الزيارة وسيلة إليها ، فتكون قربة.

فإن قلت : قد يقول الخصم : الزيارة قربة في حقّ القريب خاصّة ، أمّا البعيد الذي يحتاج إلى سفر فلا ، وحينئذٍ لا يكون السفر إليها وسيلة إلى قربة في حقّه ، وإنّما تكون الوسيلة قربة إذا كانت يتوصّل بها إلى قربة مطلوبة من ذلك الشخص المتوسّل.

قلت : الزيارة قربة مطلقاً في حقّ القريب والبعيد ، فإنّ الأدلّة الدالّة عليها غير

٢١٨

مفصّلة ، ومن ادعى تخصيص العام بغير دليل قطعنا بخطئه.

فإن قلت : فالصلاة مطلقاً قربة ، والسفر إليها ليس بقربة إلّا إلى المساجد الثلاثة.

قلت : قد يكون الشيء قربة ، وانضمامه إلى غيره ليس بقربة ، فالصلاة في نفسها قربة ، وكونها في مسجد بعينه غير الثلاثة ليس بقربة ، فالسفر إليه وسيلة إلى ما ليس بقربة.

فإن قلت : لو كانت وسيلة القربة قربة مطلقاً ، لكان النذر قربة ؛ لأنّه وسيلة إلى إيقاع العبادة واجبةً ، والواجب أفضل من النفل ، والنذر مكروه ؛ لأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن النذر وقال : «إنّه لا يأتي بخير ، وإنّما يستخرج به من البخيل» (١).

قلت : جعل النفل فرضاً ليس بقربة ، بل هو مكروه ؛ لما فيه من الخطر والتعرّض للإثم بتقدير الترك ، ووقوع العبادة ممكن بغير النذر ، فلم يحصل بالنذر إلّا التعرّض للخطر والحرج.

على أنّا نقول : إنّ وسيلة القربة قربة من حيث هي موصلة لذلك المطلوب ، وقد يقترن بها أمر عارض يخرجها عن ذلك ، كمن مشى إلى الصلاة في طريق مغصوب ، والمدّعى أنّ الفعل إذا كان مباحاً ولم يقترن به إلّا قصد القربة به ، كان قربة ، وهذا لا يستثنى منه شيء.

فإن قلت : كيف تجزمون بهذا ، وقد اشتهر خلاف الاصوليّين في أنّ الأمر بالشيء أمر بما لا يتمّ إلّا به ، أو لا؟! ومقتضى ذلك أن يجري خلافٌ ، أنّ وسيلة المندوب هل هي مندوبة ، أو لا؟

__________________

(١) البخاري (٨ / ٥١٣) ح ١٤٦٣ كتاب القدر ، باب (٨٢٩) و (٨ / ٥٣٩) ح ١٥٤٢ كتاب الأيمان والنذور ، باب (٨٦٥) الوفاء بالنذر.

٢١٩

قلت : سنبيّن في آخر الكلام أنّ كون الفعل قربة ، أعمُّ من كونه مأموراً به. ونبدأ أوّلاً بالكلام على كون هذا السفر مأموراً به أمرَ ندبٍ :

فنقول : ما لا يتمّ المأمور به إلّا به ينقسم إلى شرط في وجوده ، وإلى ما هو تابع يشترط للعلم بوجوده ، كغسل جزء من الرأس للعلم بغسل الوجه ، والخلاف في القسم الثاني قويّ ، وليس ممّا نحن فيه.

وأمّا القسم الأول ـ وهو ما كان شرطاً أو سبباً لوجود المأمور به ، كالذي نحن فيه ، ونعبّر عنه ب «المقدّمة» ـ فالجمهور على أنّه مأمور به واجب ؛ لوجوب المقصد ، وخالف في ذلك فريقان من الاصوليّين :

فرقة خالفوا في الشرط ، ولم يخالفوا في السبب.

وفرقة خالفوا في الشرط والسبب جميعاً ، وربّما نقل الخلاف في ذلك عن الواقفيّة ؛ وأنّهم لم يجزموا في ذلك بشيء ، بل توقّفوا على عادتهم ، وربّما نقل الجزم بعدم الوجوب.

وكلا القولين :

إن اخذ بالنسبة إلى دلالة اللفظ ؛ وأنّ دلالة لفظ الأمر بالمقصود قاصرة عن دلالته على الأمر بالمقدّمة ، فيسهل الأمر فيه ، ولا يمنع عدم دلالة غيره ، ولا ينفي ذلك كون مقدّمة المأمور به مأموراً بها لدليل عقليّ.

وإن اخذ بالنسبة إلى أنّه إذا ترك يعاقب على ترك المقصد خاصّة ، ولا يعاقب على ترك المقدّمة ، فقريب أيضاً ، ولكنّه إنّما ينفي (١) الوجوب لا الندب ، وكلامنا في الندب.

وإن اخذ بالنسبة إلى أنّ المشروط الذي ورد الأمر به مطلقاً ، لا يجب إلّا عند وجود شرطه ، كما صرّح به بعض متأخّري الاصوليّين ، فهذا قول باطل لم يتحقّق القول به عن أحد من الأئمة المعتمد على كلامهم ، وقواعد الشريعة تقطع ببطلانه ، ولا شكّ أنّ الأئمّة المعتبرين الذين هم أئمّة الفتيا على خلافه.

__________________

(١) هذا هو الصواب ، وفي النسخ : «يبقى» فلاحظ.

٢٢٠