أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه

الشيخ جعفر السبحاني

أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه

المؤلف:

الشيخ جعفر السبحاني


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 964-357-155-6
الصفحات: ٣٩٤

حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ). (١)

ترى أنّه سبحانه يشير إلى علّة التشريع في الآية بقوله : (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) وفي الآية الثانية : (هُوَ أَزْكى لَكُمْ).

٨. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (٢) ، فالغاية من كتابة الصيام على عامّة الأُمم المسلمين ، هو رجاء الاتّقاء عن المعاصي ولك أن تجعل بعض ما ذكر من قبيل التصريح لا الإلماع والإشارة.

الاستدلال بالروايات

١. قال الإمام علي (عليه‌السلام) : «فرض الله تعالى الإيمان تطهيراً من الشرك ، والصلاة تنزيهاً عن الكبر ، والزكاة تسبيباً للرزق ، والصيام ابتلاءً لإخلاص المحقّ ، والحجّ تقوية للدين ، والجهاد عزّاً للإسلام ، والأمر بالمعروف مصلحة للعوام ، والنهي عن المنكر ردعاً للسفهاء ، وصلة الأرحام منماةً للعدد ، والقصاص حقناً للدماء ، وإقامة الحدود إعظاماً للمحارم ، وترك شرب الخمر تحصيناً للعقل ، ومجانبة السرقة إيجاباً للعفّة ، وترك الزنا تحقيقاً للنسب ، وترك اللّواط تكثيراً للنسل ، والشهادات استظهاراً على المجاحدات ، وترك الكذب تشريفاً للصدق ، والسلم أماناً من المخاوف ، والإمامة نظاماً للأُمّة ، والطاعة تعظيماً للسلطان». (٣)

__________________

(١) (لنور : ٢٧ ٢٨.)

(٢) (البقرة : ١٨٣.)

(٣) نهج البلاغة ، قسم الحكم : ٢٥٢.

٣٤١

٢. وقال علي (عليه‌السلام) : قال الله عزوجل من فوق عرشه : يا عبادي أطيعوني فيما أمرتكم ، ولا تُعلّموني بما يصلحكم ، فإنّي أعلم به ولا أبخل عليكم بصالحكم. (١)

٣. وقال أيضاً ، حول فريضة الصلاة والزكاة : ومن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات والزكوات ، ومجاهدة الصيام في الأيام المفروضات ، تسكيناً لأطرافهم ، وتخشيعاً لأبصارهم ، وتذليلاً لنفوسهم ، وتخفيفاً لقلوبهم ، وإذهاباً للخيلاء عنهم ، لما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعاً ، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغراً ، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذللاً. (٢)

٤. قالت فاطمة الزهراء (عليها‌السلام) سيدة النساء في خطبتها المعروفة بعد رحيل أبيها : لله فيكم عهد قدّمه إليكم ، وبقيّة استخلفها عليكم ، كتاب الله الناطق ، والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللّامع ، بيّنة بصائره ، منكشفة سرائره ، منجلية ظواهره ، مغتبط به أشياعه ، قائد إلى الرضوان اتباعه ، مؤدّ إلى النجاة استماعه ، به تنال حجج الله المنوّرة ، وعزائمة المفسّرة ، ومحارمه المحذرة ، وبيّناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورخصه الموهوبة ، وشرائعه المكتوبة.

فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك ، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر ، والزكاة تزكية للنفس ونماءً في الرزق ، والصيام تثبيتاً للإخلاص ، والحجّ تشييداً للدين ، والعدل تنسيقاً للقلوب ، وطاعتنا نظاماً للملّة ، وإمامتنا أماناً من الفرقة ، والجهاد عزّاً للإسلام [وذلًّا لأهل الكفر والنفاق] ، والصبر معونة على استيجاب الأجر ، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة ، وبرّ الوالدين وقاية من السخط ، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد ، والقصاص حقناً للدماء ، والوفاء بالنذر

__________________

(١) (عدة الداعي : ٣١.)

(٢) نهج البلاغة ، الخطبة : ١٩٢ ، تصحيح صبحي الصالح.

٣٤٢

تعريضاً للمغفرة ، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس ، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس ، واجتناب القذف حجاباً عن اللّعنة ، وترك السرقة إيجاباً للعفّة ، وحرّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبية فاتّقوا الله حقّ تقاته ، ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون ، وأطيعوا الله فيما أمركم به و [ما] نهاكم عنه ، فإنّه إنّما يخشى الله من عباده العلماء. (١)

٥. وهذا باقر الأُمّة وإمامها يقول : «إنّ مدمن الخمر كعابد وثن ، ويورثه الارتعاش ، ويهدم مروته ويحمله على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا». (٢)

٦. روى جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله (عليه‌السلام) أنّه سأله عن شيء من الحلال والحرام؟ فقال : «إنّه لم يجعل شيء إلّا لشيء». (٣)

قال العلّامة المجلسي معلّقاً على الحديث : أي لم يشرّع الله تعالى حكماً من الأحكام إلّا لحكمة من الحكم ، ولم يحلّل الحلال إلّا لحسنه ، ولم يحرّم الحرام إلّا لقبحه ، لا كما تقوله الأشاعرة من نفي الغرض وإنكار الحسن والقبح العقليّين ؛ ويمكن أن يعمّ بحيث يشمل الخلق والتقدير أيضاً ، فإنّه تعالى لم يخلق شيئاً أيضاً إلّا لحكمة كاملة وعلّة باعثة.

٧. عن هشام بن الحكم ، قال : سألت أبا عبد الله (عليه‌السلام) عن علّة الصيام قال : «العلّة في الصيام ليستوي به الغني والفقير ، وذلك أنّ الغني لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير ، لأنّ الغني كلّما أراد شيئاً قدر عليه ، فأراد الله عزوجل أن يسوّي بين خلقه وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم ليحسن على الضعيف ويطعم

__________________

(١) (الاحتجاج : ٢٥٨ / ٢٥٩١.)

(٢) (بحار الأنوار : ١٦٤ / ٦٥ ، الحديث ٢.)

(٣) بحار الأنوار : ١١٠ / ٦.

٣٤٣

الجائع». (١)

٨. روى محمد بن سنان قال : سمعت علي بن موسى بن جعفر (عليهم‌السلام) يقول : «حرّم الله الخمر لما فيها من الفساد ومن تغييرها عقول شاربيها ، وحملها إيّاهم على إنكار الله عزوجل ، والفرية عليه وعلى رسله ، وسائر ما يكون منهم من الفساد والقتل ، والقذف ، والزنا ، وقلّة الاحتجاز من شيء من الحرام ، فبذلك قضينا على كلّ مسكر من الأشربة أنّه حرام محرّم ، لأنّه يأتي من عاقبتها ما يأتي من عاقبة الخمر ؛ فليجتنب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتولّانا وينتحل مودّتنا كلّ شراب مسكر فإنّه لا عصمة بيننا وبين شاربيها». (٢)

٩. وقد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا (عليه‌السلام) : «إنّ الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلّا لما فيه المنفعة والصلاح ، ولم يحرّم إلّا ما فيه الضرر والتلف والفساد». (٣)

١٠. وقال (عليه‌السلام) في الدم : «إنّه يسيء الخلق ، ويورث القسوة للقلب ، وقلّة الرأفة والرحمة ، ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده». (٤)

١١. وقال الرضا (عليه‌السلام) : «إنّا وجدنا كلّ ما أحلّ الله تبارك وتعالى ففيه صلاح العباد وبقاؤهم ، ولهم إليه الحاجة التي لا يستغنون عنها ؛ ووجدنا المحرم من الأشياء ، لا حاجة للعباد إليه ، ووجدناه مفسداً داعياً إلى الفناء والهلاك». (٥)

١٢. وقال الرضا (عليه‌السلام) : «إنّما أمروا بالصلاة ، لأنّ في الصلاة الإقرار بالربوبية ،

__________________

(١) (فضائل الأشهر الثلاثة : ١٠٢.)

(٢) (بحار الأنوار : ١٠٧ / ٦.)

(٣) (مستدرك الوسائل : ٧١ / ٣.)

(٤) (الاختصاص : ١٠٣ ؛ لاحظ البحار : ١٦٤ / ٦٤ ، قسم الهامش.)

(٥) معادن الحكمة : ١٥١ / ٢.

٣٤٤

وهو صلاح عام ، لأنّ فيه خلع الأنداد والقيام بين يدي الجبار». (١)

إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة عن أئمّة الدين.

وقد أفرد غير واحد من أصحابنا كتاباً أو رسالة ، وإليك بعض المؤلّفات في هذا المجال :

١. علل الشرائع (طبع في جزءين) للشيخ الأقدم أبي جعفر الصدوق (٣٠٦ ٣٨١ ه‍). جمع فيه ما روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم‌السلام) حول فلسفه الأحكام وغيرها ، وجعله في ٦٤٧ باباً ، ومقصوده من العلل هي الأعم من العلة والحكمة جزاه الله عن الإسلام خير الجزاء.

٢. كتاب «علل الشريعة» للحسين بن علي بن شيبان القزويني الذي هو من مشايخ المفيد.

٣. كتاب في «علل الصوم» لأبي علي أحمد بن إسحاق القمي.

٤. كتاب في «علل الفرائض والنوافل» لمحمد بن الحسن بن عبد الله الجعفري. (٢)

وقال السيد المرتضى : اعلم أنّ العبادة بالشرعيات تابعة لمصالح ، ولا مكلّفين إلّا ويصحّ أن يختلفا في مصالحهما ، فتختلف عبادتهما ، كالطاهر والحائض والمقيم والمسافر ، والغني والفقير إلى أن قال : وأمّا الشرعيات فهي ألطاف ومصالح ولا يعلم كونها كذلك إلّا بالسمع. (٣)

وقد اتّفقت كلمة الأصحاب على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد.

__________________

(١) (وسائل الشيعة : ٥ / ٣.)

(٢) (الذريعة إلى تصانيف الشيعة : ٣١٤ / ١٥.)

(٣) الذريعة إلى أُصول الشريعة : ٥٧٠ / ٢ ٥٧١.

٣٤٥

٤. المقاصد العامة ، غير الاستصلاح

ثمّ إنّ المقاصد العامة للشريعة ، غير المصالح المرسلة أو الاستصلاح ، فإنّ مورد الثاني ، هو إدراك الفقيه منفعة أو مضرة في موضوع خاص ، فيفتي بجلب الأوّل ودفع الثاني دون أن يستند في استكشافهما إلى نص قرآني ، أو سنة نبوية وذلك كوجوب الوقاية والتداوي من الأمراض ، أو حرمة تناول المخدرات من الأفيون والحشيشة وغيرها.

وهذا بخلاف الأوّل ، فإنّ الباحث يستكشف مقاصد الشريعة من الغور والتأمل في الكتاب العزيز ، والسنّة النبوية أو الاستقراء في الفتاوى فيستكشف من الجميع مقاصد الشرع من هذا التحريم أو ذلك الإيجاب.

هذا وقد ذكر ابن عاشور طرقاً ثلاثة لإثبات المقاصد الشرعية :

١. الطريق الأوّل : استقراء الأحكام المعروفة عللها ، إذ باستقراء العلل يحصل العلم بمقاصد الشريعة بسهولة ، لأنّنا إذا استشعرنا عللاً كثيرة متماثلة في كونها ضابطاً لحكمة متحدة أمكن أن نستخلص منها حكمة واحدة فيجزم بأنّها مقصد شرعي ، كما يستنتج من استواء الجزئيات حكم كلي حسب قواعد المنطق ثم ذكر أمثلة :

الطريق الثاني : أدلة القرآن الواضحة الدلالة مثل ما يؤخذ من قوله تعالى : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) ، وقوله : (يا (١)﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) (٢) ، وقوله : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (٣) ، وقوله : (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ

__________________

(١) (البقرة : ٢٠٥.)

(٢) (النساء : ٢٩.)

(٣) الزمر : ٧.

٣٤٦

أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) (١) ، وقوله : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (٢) ، وقوله : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٣) ؛ ففي كلّ آية من هذه الآيات تصريحٌ بمقصد شرعي أو تنبيهٌ على مقصد.

الطريق الثالث : السنّة المتواترة ، حيث استخلص من مشاهدة أفعال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) المتعدّدة أنّ من مقاصد الشريعة التيسير ، فرأى أنّ قطع الصلاة من أجل إدراك فرسه ثمّ العود إلى استئناف صلاته أولى من استمراره على صلاته مع تجشم مشقة الرجوع إلى أهله راجلاً. (٤)

٥. مقاصد الشريعة تدور حول أُمور ثلاثة

قد يبدو من الكثير انّ مقاصد الشريعة تدور حول أُمور ثلاثة :

الضروريات ، الحاجيات ، والتحسينيات

١. قال إمام الحرمين الجويني : «الباب الثالث : في تقاسيم العلل والأُصول».

هذا الذي ذكره هؤلاء أُصول الشريعة ، ونحن نقسّمها إلى خمسة أقسام : أحدها : ما يعقل معناه وهو أصل ويؤول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروريّ لا بدّ منه إلى أن قال : وهذا ضرب من الضروب الخمسة.

الضرب الثاني : ما يتعلّق بالحاجة العامة ولا ينتهي إلى حد الضرورة.

__________________

(١) (المائدة : ٩١.)

(٢) (البقرة : ١٨٥.)

(٣) (الحج : ٧٨.)

(٤) مقاصد الشريعة : ١٩٠ ١٩٤.

٣٤٧

الضرب الثالث : ما يتعلّق بضرورة خاصة ولا حاجة عامة ، ولكنّه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو في نفي نقيض لها. (١)

٢. وقد أشار الغزالي إلى الأقسام الثلاثة وقال :

١. الضروري

«وهو المتضمّن لحفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها». وهي الدين ، والنفس ، والعقل ، والعرض والمال ، وهذه الأُصول الخمسة ، حفظها واقع في رتبة الضرورات فهي أقوى المراتب في المصالح ، ومثاله قضاء الشرع بقتل الكافر المضلّ ، وعقوبة المبتدع الداعي إلى بدعته ، فإنّ هذا يفوِّت على الخلق دينهم. وقضاؤه بإيجاب القصاص إذ به حفظ النفوس ، وإيجاب حدّ الشرب إذ به حفظ العقول التي هي ملاك التكليف ، وإيجاب حد الزنى إذ به حفظ النسل والانساب ، وإيجاب زجر الغاصب والسارق إذ به يحصل حفظ الأموال التي هي معاش الخلق وهم مضطرون إليها». (٢)

٢. الحاجي

وأرادوا به «ما يقع في محل الحاجة لا الضرورة كتشريع أحكام البيع والإجارة ، والنكاح لغير المضطر إليها من المكلّفين». (٣)

٣. التحسيني

وأرادوا به ما يقع ضمن نطاق الأُمور الذوقية ، كالمنع عن أكل الحشرات ،

__________________

(١) (البرهان في أُصول الفقه : ٦٠٢ / ٢ ٦٠٣.)

(٢) (إرشاد الفحول : ٢١٦ ؛ المستصفى : ١٤٠ / ١.)

(٣) إرشاد الفحول : ٢١٦.

٣٤٨

واستعمال النجس فيما يجب التطهّر فيه ، أو ضمن ما تقتضيه آداب السلوك كالحث على مكارم الأخلاق ، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات ، وقد عرّفه الغزالي بقوله هو : «ما لا يرجع إلى ضرورة ولا حاجة ، ولكن يقع موقع التحسين والتزيين والتيسير للمزايا والمزايد». (١)

هذا وقد أوضحه الشاطبي بنحو موجز وقال :

تكاليف الشريعة ترجع إلى مقاصدها في الخلق وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام : أحدها ضرورية ، والثاني أن يكون حاجية ، والثالث أن تكون تحسينية.

فأمّا الضرورية فمعناها أنّها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة ، بل على فساد وتهارج وفوت حياة ، وفي الأُخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران.

ومجموع الضروريات خمسة : وهي الدين والنفس والعقل ، والنسل والمال. (٢)

وأمّا الحاجيات فمعناها أنّها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ولكنّه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة.

وأمّا التحسينات فمعناها الأخذ بما يلتقي من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات. (٣)

__________________

(١) (المستصفى : ١٤٠ / ١.)

(٢) (المذكور في الموافقات بغير هذا الترتيب ، إذ فيما ذكرنا ترتيب العالي إلى النازل.)

(٣) الموافقات : ٧ / ٢ ٩ بتلخيص.

٣٤٩

٦. حصر المقاصد في الأنواع الثلاثة استقرائي

الظاهر انّ انحصار مصالح الناس في هذه الأنواع الثلاثة ، من باب الاستطراد لدلالته على أنّ مصالح كلّ فرد أو مجتمع تتكون من أُمور ضرورية أو أُمور حاجية أو أُمور كمالية ، ولك أن تتخذ السكنى مثالاً للأُمور الثلاثة بصورها المختلفة.

فالسكنى من ضروريات حياة الإنسان ، ولم يزل يلجأ إليه منذ أن وجد في الأرض حتى يقيه الحرّ والبرد ، وعلى ذلك فالضروري هو ما تقوم عليه حياة الناس ولا بدّ منه لاستقامة مصالحهم ، وإذا فُقد اختلّ نظام حياتهم ولم تستقم مصالحهم وعمّت فيهم الفوضى.

كما أنّ اشتمال السكنى على نوافذ وأبواب تفتح وتغلق من الحاجيات وعلى ذلك فالأُمور الحاجية ترجع إلى رفع الحرج عنهم والتخفيف عليهم ويتيسّر لهم سبيل العيش.

واشتمال السكنى على وسائل الراحة بوفرة تعدّ من الكماليات والأُمور التحسينية ، وعلى ذلك فالأُمور التحسينية ترجع إلى محاسن العادات ومكارم الأخلاق وكلّ ما يقصد به سير الناس في حياتهم على أحسن منهاج.

ومن هنا يعلم حال طعام الإنسان ولباسه ، فلكلّ صورٌ تُحقق كلّ واحدة منها أحد الأنواع الثلاثة.

وفي ظلّ هذا التحليل ، تقدر على تمييز ما شرّع للمقاصد الضرورية عما شرّع للحاجيات من الأغراض ، أو الكماليات منها.

٧. الإلماع إلى ما شرّعه الإسلام للأنواع الثلاثة

إذا وقفت على تعريف الأنواع الثلاثة من المقاصد العامة للشريعة فلنذكر

٣٥٠

شيئاً ممّا شرعه الإسلام لهذه الأنواع الثلاثة ، ليكون القارئ على بصيرة منها ، ويعرف ما شرع لأجل تحقّقها ، أو لصيانتها.

الف. ما شرعه للأُمور الضرورية

قد تعرفت على رءوس الأُمور الضرورية الخمسة وترتّبها من العالي للنازل.

١. الدين

يُعتبر الدين بمعنى الإيمان والعمل بالأحكام أول الضروريات الخمس ، فقد أوجب الإيمان بالله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، قاصداً بتشريعها ترسيخه في القلوب ، وذلك باتّباع الأحكام التي لا يصلح الناس إلّا بها ، كما أنّه شرّع لتحقّقه إيجاب الجهاد ، وعقوبة المرتد عن دينه ، وعقوبة من يبتدع فيه ما ليس منه ، كلّ ذلك صيانة للدين.

٢. النفس

شرّع لإيجادها الزواج للتوالد والتناسل ، وشرع لحفظها إيجاب تناول ما يُقيمُها من ضروري الطعام والشراب واللباس والسكن ، وأوجب القصاص والدية لدفع الضرر عنها.

٣. العقل

شرع لحفظ العقل تحريم الخمر وكلّ مسكر ، كما حرم تناول أي مخدّر.

٤. العرض

شرع لحفظ العرض حدّ الزاني والزانية والقاذف.

٣٥١

٥. المال

شرع لتحصيله وكسبه إيجاب السعي للرزق وإباحة المعاملات ، كما شرع لحفظه : تحريم السرقة والغش والخيانة ، وأكل أموال الناس بالباطل وإتلاف مال الغير ، إلى غير ذلك من الأحكام التي بها تصان أموال الناس.

هذا كلّه ما شرّعه لتحقّق الأُمور الضرورية وصيانتها من الزوال.

ب. ما شرّعه للأُمور الحاجية

قد عرفت أنّ الأُمور الحاجية هي ما تُيسَّر بها الحياة ويُرفع الحرج ، وقد شرع الإسلام في مختلف الأبواب ما يرفع بها الحرج ويحصل اليسر.

وعلى ضوء ذلك ألزم الإفطار في رمضان للمريض والمسافر كما ألزم المسافر بقصر الصلاة ، وفرض الصلاة قاعداً لمن كان عاجزاً عن القيام ، وفرض التيمّم لفاقد الماء.

وفي كثير من أنواع العقود أُمور شرّعت لرفع الحرج ، ومثال ذلك الطلاق الذي شُرّع للخلاص من الزوجة عند الحاجة ، والخيار إذا كان العقد مشتملاً على الضرر والحرج وحلّيّة الصيد والطيبات من الرزق.

ج. ما شرعه الإسلام للأُمور التحسينية

قد عرفت أنّ الأُمور التحسينية ترجع إلى طيبات الحياة ورفاهة العيش ، فقد شرع الإسلام الطهارة للبدن عند الصلاة والاحتراز عن النجاسات وندب إلى أخذ الزينة عند كلّ مسجد. وعلى كلّ تقدير فاستقراء الأحكام الشرعية وعللها في

٣٥٢

مختلف الأبواب يكشف عن أنّ الهدف من التشريع هو حفظ ضروريات الناس وحاجياتهم وتحسيناتهم. (١)

٨. مقاصد الشريعة والتقسيم الثلاثي

قد تعرّفت على التقسيم الثلاثي لمقاصد الشريعة الذي ورثه الباحثون عن إمام الحرمين والغزالي ثمّ الشاطبي ، وحاك على منوالهم المتأخرون في العصر الحاضر ، ولكن يصحّ هذا التقسيم فيما إذا نظرنا إلى الشريعة من منظار التجزئة ، أمّا إذا نظرنا إلى مجموع الديانة الإسلامية عقيدة وشريعة وقِيَماً فالمقصد الأسنى للوحي المحمدي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) هو تربية الإنسان في ظل العقيدة الصحيحة والعمل الصالح على نحو يكون فيه موجوداً مثالياً يُمثّل أسماء الله وصفاته ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه مخاطباً الملائكة : (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ). (٢)

وليس المراد من الخلافة هي الخلافة عن موجود أرضيّ كان يعيش قبل آدم ، بل المراد هو الخلافة عن الله سبحانه في الأرض حتّى يكون ممثلاً لأسمائه وصفاته والدليل على ذلك الآية التالية : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٣) ، فلو كان المراد من الخلافة هو النيابة عن موجود أرضي بائد لم يكن وجه لذكر تعليم

__________________

(١) (انظر علم أُصول الفقه ، للأُستاذ عبد الوهاب خلاف.)

(٢) (البقرة : ٣٠.)

(٣) البقرة : ٣١.

٣٥٣

الأسماء لآدم (عليه‌السلام) يقول العلّامة الطباطبائي : «هذا السياق يشعر بأنّ الخلافة المذكورة إنّما كانت خلافة الله تعالى لا خلافة نوع من الموجود الأرضي كانوا في الأرض قبل الإنسان وانقرضوا ثمّ أراد الله تعالى أن يخلفهم بالإنسان كما احتمله بعض المفسرين ، وذلك لأنّ الجواب الّذي أجاب سبحانه به عنهم وهو تعليم آدم الأسماء لا يناسب ذلك ، وعلى هذا فالخلافة غير مقصورة على شخص آدم (عليه‌السلام) ، بل بنوه يشاركونه فيها من غير اختصاص». (١)

نعم النظرة التجزيئية تناسب التقسيم الثلاثي على النحو المعروف ، ومع ذلك كلّه يمكن أن نتجاوز هذا التقسيم الثلاثي مع حفظ النظرة ، ولذلك نرى أنّ الباحث الشيخ طه جابر العلواني قد تجاوزها ورتب المقاصد بثلاثيات مترتبة ، أعني :

ألف. التوحيد والتزكية والعمران.

وهذه المقاصد الثلاثة تستدعي المستويات الأُخرى من المقاصد ، وهي :

ب : العدل ، الحرية ، المساواة والتي بدورها تستدعي المستوى الأخير ، وهي :

ج : ضروريات ، حاجيات ، تحسينيّات.

وبذلك ساق الباحث منظومات ثلاثية كلّ يستدعي الآخر. (٢)

__________________

(١) (الميزان : ١١٥ / ١ ١١٦.)

(٢) مقاصد الشريعة ، ١٠ ، المقدمة.

٣٥٤

ثمرة التعرف على المقاصد

تظهر ثمرة التعرف على مقاصد الشرع وأغراضه في مقامين :

١. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر ، كتقديم حفظ الدين على حفظ النفس ، وهكذا ، كما سيوافيك بيانه.

٢. كون التعرف على المقاصد ، من مصادر التشريع بحيث يستكشف الحكم الشرعي من العلم بالغرض. وعلى هذا يقع الكلام هنا في مقامين :

المقام الأوّل : تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأجل التعرّف على المقاصد إذا كان هناك تعارض بين حفظ الحكم الضروري والحكم الحاجي فلا شك في تقديم الأوّل على الثاني.

كما إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الحاجي والحكم التحسيني يقدّم الأوّل على الثاني وهكذا. ومثله ما إذا وقع التزاحم بين الأُمور الضرورية الخمسة وهي : ١. الدين ، ٢. النفس ، ٣. العقل ، ٤. النسل أو العرض ، ٥. المال. فيقدّم حفظ الأوّل على الثاني وهكذا في سائر الموارد ، وإليك الأمثلة :

التزاحم بين الضروريات

قد عرفت أنّ الدين هو الضروري الأوّل الّذي تليه النفس ، فإذا دار الأمر بين الأمرين فحفظ الدين هو الأهم ، ولذلك وجب الجهاد بالنفس حفظاً للدين

٣٥٥

وإن كان فيه تضحية بالنفس.

كما أنّه إذا دار الأمر بين حفظ النفس والعقل ، فحفظ النفس أهمّ من حفظ العقل ، فلو أصيب بمرض لا يعالج إلّا بشرب الخمر ، يجب عليه شربه حفظاً للنفس وإن كان فيه إزالة للعقل بشكل مؤقّت.

ولو دار الأمر بين الاعتداء على العرض وقتل النفس فيجوز له الاعتداء لحفظ النفس ، كما أنّه لو دار الأمر بين حفظ العرض والاعتداء على مال الغير يجب الثاني حفظاً للعرض.

نعم ما ذكرناه هو الضابطة الغالبة ، ولكن ربما ينعكس الحكم ، فلو أكره عالم مُطاع على شرب الخمر على رءوس الأشهاد وهُدّد بالقتل على تركه فلا يجوز له شربه ، لأنّ في ذلك زعزعة لإيمان الناس وهدماً لعقيدتهم.

وبذلك يعلم أنّه إذا كان هناك تزاحم بين الضروري والحاجي ، يقدّم الأوّل على الثاني ، فلو كان في إتيان الواجبات كلفة ومشقة فيقدّم الأوّل وتتحمّل المشقة ، وإلّا لزم ترك الفرائض والنوافل بحجّة أنّ فيها مشقة وقد تقدّم أنّ عدم الحرج من الحاجيات ولا يتحمل إلّا إذا دار الأمر بينه وبين الامتثال لأحكام الدين.

ثمّ إنّه إذا دار الأمر بين الحاجي والأمر التحسيني فيقدّم الأوّل ، ولذلك اغتفرت الجهالة في المزارعة والمساقاة لحاجة الناس إليهما وإن كان فيها ترك التحسينات. هذه هي النتائج المترتبة على التعرف لمقاصد الشريعة ، وقد عرفت أنّها ثمرات غالبية ، وربما يطرأ على المورد عنوان آخر يوجب قلب الحكم.

٣٥٦

التعرف على الأهم عن طريق آخر غير التعرف على المقاصد

إنّ التعرف على مقاصد الشريعة هو أحد الطرق لتقديم أحد المتزاحمَيْن على الآخر ، وهناك طريق آخر سلكه أصحابنا لا بأس بذكره لإيقاف الآخرين عليه :

إنّ الأُصوليين من الإمامية فتحوا باباً باسم التعارض والتزاحم ، وبيان الفرق بينهما ، ومرجّحات كلّ منهما قالوا :

إذا كان التنافي في مقام الجعل والإنشاء على وجه لا يمكن للحكيم إنشاء حكمين عن جدّ لموضوع واحد ، فهو المسمّى بالمتعارضين ، كما إذا أنشأ وقال : ثمن العذرة سحت ، وقال : لا بأس ببيع العذرة.

وأمّا لو كان التنافي راجعاً إلى مقام الامتثال مع كمال الملاءمة في مقام الإنشاء والجعل فهو المسمّى بالمتزاحمين كما إذا أمر المولى بإنقاذ الغريق ، ففوجئ بغريقين وليس له قدرة إلّا بإنقاذ أحدهما ، فالدليلان متلائمان في مقام الجعل ، متزاحمان في مقام الامتثال.

وقد ذكر الأُصوليون لتقدّم أحد الدليلين على الآخر ، عدّة مرجّحات نشير إليها على وجه الإيجاز فإنّ التزاحم ينقسم إلى الأقسام التالية :

١. ما يكون التزاحم لأجل كون مخالفة أحد الحكمين مقدّمة لامتثال الآخر ، كما إذا توقّف إنقاذ الغريق على التصرّف في أرض الغير.

٢. ما يكون منشأ التزاحم وقوع التضاد بين متعلّقين من باب التصادف لا دائماً ، كما إذا زاحمت إزالة النجاسة عن المسجد ، إقامةَ الصلاة فيه.

٣. ما يكون أحد المتعلّقين مترتّباً في الوجوب على الآخر ، كالقيام في الركعة الأُولى والثانية مع عدم قدرته عليه إلّا في ركعة واحدة ، أو كالقيام في الصلاتين :

٣٥٧

الظهر والعصر ، مع عدم استطاعته إلّا على القيام في واحدة منهما.

ومثله إذا دار أمره بين الصلاة قائماً في مخبأ بلا ركوع وسجود ، أو الصلاةَ معهما من دون قيام في مخبأ آخر.

إذا عرفت ذلك فلنذكر مرجّحات باب التزاحم التي هي وسيلة التعرف على الأهم.

١. تقديم ما لا بدل له على ما له بدل

إذا كان هناك واجبان لأحدهما بدل شرعاً ، دون الآخر ، فالعقل يحكم بتقديم الثاني على الأوّل ، جمعاً بين الامتثالين ، كالتزاحم الموجود بين رعاية الوقت وتحصيل الطهارة الحدثية بالماء ، فبما أنّ الوقت فاقد للبدل ، بخلاف الطهارة الحدثية ، فتُقدّم مصلحة الوقت على مصلحة الطهارة الحدثية بالماء ، فيتيمم بدلاً عن الطهارة المائية ويصلّي في الوقت.

٢. تقديم المضيّق على الموسّع

إذا كان هناك تزاحم بين المضيّق الذي لا يرضى المولى بتأخيره ، والموسّع الذي لا يفوت بالاشتغال بالواجب المضيّق ، إلّا فضيلة الوقت ، فالعقل يحكم بتقديم الأوّل على الثاني ، ولذلك يجب امتثال إزالة النجاسة أوّلاً ثمّ القيام بالصلاة.

٣. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته

إذا دار الأمر بين ترك الأهم والمهم ، كإنقاذ الغريق والتصرّف في مال الغير ، فالعقل يحكم بتقديم الأهم على المهم ، وهذه من القضايا التي قياساتها معها.

٣٥٨

٤. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً

إذا كان أحد الواجبين متقدّماً في مقام الامتثال على الآخر زماناً ، كما إذا وجب صوم يوم الخميس والجمعة ، ولا يقدر إلّا على صيام يوم واحد ، أو إذا وجبت عليه صلاتان ولا يتمكن إلّا من الإتيان بواحدة منهما قائماً ، أو وجبت صلاة واحدة ولا يتمكن إلّا من القيام بركعة واحدة ، ففي جميع هذه الصور يستقلُّ العقل بتقديم ما يجب امتثاله سابقاً على الآخر ، حتى يكون في ترك الواجب في الزمان الثاني معذوراً ، إلّا إذا كان الواجب المتأخر أهمّ في نظر المولى فيجب صرف القدرة في الثاني ، وهو خارج عن الفرض.

وبعبارة أُخرى : لو صام يوم الخميس ، أو صلّى الظهر قائماً ، فقد ترك صوم يوم الجمعة والقيام في صلاة العصر عن عذر وحجّة بخلاف ما لو أفطر يوم الخميس وصلّى الظهر جالساً فقد ترك الواجب بلا عذر.

٥. تقديم الواجب المطلق على المشروط

إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور مرقد الإمام الحسين (عليه‌السلام) في كلّ يوم عرفة ، ثمّ حصلت له الاستطاعة فيقدّم الحج على زيارة الحسين (عليه‌السلام) ، لأنّه إذا قال القائل : لله عليَّ أن أزور الإمام الحسين (عليه‌السلام) في كلّ يوم عرفة ، إمّا أن لا يكون له إطلاق بالنسبة إلى عام حصول الاستطاعة للحج ، أو يكون.

فعلى الأوّل عدم الإطلاق لدليل النذر يكون الحجّ مقدّماً ، إذ لا يكون عندئذ إلّا واجب واحد.

وعلى الثاني ، بما أنّ الإطلاق مستلزم لترك الواجب أعني : الحجّ يكون إطلاق النذر لا نفسه باطلاً ، نظير ما إذا نذر شخص أن يقرأ القرآن من طلوع

٣٥٩

الفجر إلى طلوع الشمس ، فإنّه في حدّ نفسه راجح ، لكنّه بما أنّه مستلزم لتفويت الواجب وهي صلاة الصبح فلا ينعقد ، وهذا هو المراد من قولنا تقديم الواجب المطلق (الحج) على الواجب المشروط (زيارة الحسين) حيث إنّها مشروطة بعدم كونها مفوّتة للواجب.

وبذلك يعلم ، أنّ علاج المتزاحمين مبني على التعرف على الأهم والمهمّ ، كما في هذه الوجوه الستة ، وهذا مسلك سلكه أصحابنا الأُصوليون ، وراء التعرف على مقاصد الشريعة.

التزاحم بين الضررين

التزاحم بين الضررين من أوضح مصاديق باب التزاحم فللعقل في تقديم أحد الضررين على الآخر دور واضح ، وبما أنّ الرسالة لا تتّسع لذكر صورها مع أدلّتها ، فلنذكر رءوس المسائل ونترك التفصيل إلى محلّه :

١. إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس ، كما إذا كان الضرر متوجهاً إليه ، فهل يجوز دفع الضرر عن نفسه ، بتوجيهه إلى الغير؟

٢. إذا كان الضرر متوجّهاً إلى الغير ، فهل يجب دفع الضرر عن الغير بتحمّله عنه؟

هذا كلّه إذا كان هناك ضرر واحد ودار الأمر بين توجيهه إلى النفس أو الغير.

٣. أمّا إذا كان هنا ضرران ، كما إذا أدخلت الدابة التي ترعى في الصحراء رأسها في قدر الشخص الآخر ، ودار الأمر بين ذبحه وكسر القدر ، ولهذا النوع صور مذكورة في محلها.

٣٦٠