تراثنا ـ العددان [ 79 و 80 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 79 و 80 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
ISBN: 1016-4030
الصفحات: ٤٣٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

قال عليه السلام : ذاك قبري ، ولا تمضي الأيّام والليالي حتّىٰ يصير مختلف شيعتي ، فمَن زارني في غربتي كان معي في درجتي يوم القيامة .

ولمّا فرغ دعبل من إنشاد قصيدته أعطاه الإمام عليه السلام صرّةً وجبّة خزّ ، وٱنصرف دعبل .

فلمّا كان في الطريق اعترض اللصوص القافلة وأخذوا كلّ ما كان معهم ، وجلسوا ناحيةً يقتسمون ما سلبوه ، فتمثّل أحدهم بقول دعبل : أرىٰ فيئهم . . . فقال له دعبل : لمَن هذا البيت ؟ قال : لرجل من خزاعة يدعىٰ : دعبل بن علي . فقال : أنا دعبل . فردّوا علىٰ القافلة جميع ما أخذوه .

ثمّ إنّ دعبل وصل إلىٰ قم ، فأنشد أهاليها القصيدة وأخبرهم بما أعطاه الإمام عليه السلام ، فسألوه أن يبيعهم الجبّة فأبىٰ ، فلحقه جماعة منهم وأخذوا منه الجبّة ودفعوا إليه ألف دينار بدلاً عنها ، فطلب منهم قطعةً منها ليضعها في كفنه فأعطوه .

وفي هذه القصّة فوائد :

أوّلاً : ذكر طرف من عبادات الإمام الرضا عليه السلام .

وثانياً : علم الإمام بالمغيّبات ؛ ففي القصّة علىٰ ذلك دلالات .

وثالثاً : مسألة التبرّك بالنبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام وعقيدة المسلمين بمختلف الفرق منذ صدر الإسلام ، ولعلّنا نشرح هذا الموضوع في الموضع المناسب إن شاء الله تعالىٰ .

٤١
 &

ورابعاً : التأمّل والتدقيق في ألفاظ ومضامين النصوص الواردة قد يوصل إلىٰ معانٍ أكثر عمقاً ؛ فالنصّ المذكور يصف الّذين استولوا علىٰ القافلة بـ : « اللصوص » ، ويذكر أنّ : رئيسهم كان يصلّي ، وقد حلّ كتاف دعبل وجميع أهل القافلة ، وردّ ما أُخذ منهم إليهم ؛ لكرامة دعبل ، وهذه قرائن يمكن أن نستظهر منها أنّ هؤلاء لم يكونوا لصوصاً همّهم السلب والنهب فقط ، بل هم من المضطهدين الثائرين علىٰ ظلم الخليفة ، وأنّ استيلاءهم علىٰ القافلة هو بعض أعمالهم في محاربة الخليفة وتضعيف سلطانه في البلاد .

وجاء خبر صلاة الإمام الرضا عليه السلام عن أبي الصلت الهروي أيضاً في رواية أُخرىٰ . .

* أمّا أبو الصلت الهروي ـ وهو عبد السلام بن صالح ـ : فمن علماء الحديث والكلام ، خَدَمَ الإمام الرضا وروىٰ عن كبار العلماء ورووا عنه .

وقد ذُكر في كتب الحديث والرجال ، لا سيّما بمناسبة روايته حديث « مدينة العلم » ، وهو : عن أبي معاوية الضرير ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها » .

هذا الحديث الصحيح الدالّ علىٰ أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام من سائر الصحابة أجمعين ، فحاول بعض النواصب الطعن فيه بالقدح في أبي الصلت ، لكنّ جماعةً من أعاظم أهل السُنّة انبروا لإثبات صحّة الحديث وللدفاع عن وثاقة أبي الصلت . وإنْ شئت التفصيل فارجع إلىٰ الجزء الحادي عشر من كتابنا الكبير نفحات الأزهار .

* وتبقىٰ قضيّة سجن الإمام الرضا عليه السلام في سرخس ، وهي

٤٢
 &

مدينة بين « نيسابور » و « مرو » ؛ يقول الراوي : «لمّا قدم عليّ بن موسىٰ الرضا عليه السلام نيسابور أيّام المأمون ، قمت في حوائجه والتصرّف في أمره ما دام بها ، فلمّا خرج إلىٰ مرو شيّعته إلىٰ سرخس ، فلمّا خرج من سرخس أردت أن أشيّعه إلىٰ مرو ، فلمّا سار مرحلةً أخرج رأسه من العماريّة وقال لي : يا عبد الله ! انصرف راشداً فقد قمت بالواجب وليس للتشييع غاية . . . » (١) .

ومن هذا الخبر يظهر أنّ الإمام عليه السلام لم يتوقّف في « سرخس » ، بل توجّه إلىٰ مرو مباشرةً ؛ قال المسعودي : « وصل إلىٰ المأمون أبو الحسن علي بن موسىٰ الرضا وهو بمدينة مرو ، فأنزله المأمون أحسن إنزال » (٢) .

ثمّ إنّه في سنة ٢٠١ جعل المأمون الإمام عليه السلام وليّ عهده ، بإشارةٍ من الفضل بن سهل الذي كان وزيره ومدبّر أُموره ، فلمّا بلغ خبره العبّاسيّين ببغداد ساءهم ذلك ، فأخرجوا إبراهيم بن المهدي وبايعوه بالخلافة ، والفضل يخفي الأخبار عن المأمون ، حتّىٰ بلغه الخبر ، فغضب علىٰ الفضل وندم من ولاية عهد الإمام عليه السلام ، فعزم علىٰ المسير إلىٰ بغداد ومعه الإمام الرضا والفضل بن سهل .

روي عن الحسن بن عباد ـ وكان كاتب الرضا عليه السلام ـ قال : دخلت عليه وقد عزم المأمون بالمسير إلىٰ بغداد ، فقال الرضا : يا بن عباد ! ما ندخل العراق ولا نراها . قال : فبكيت وقلت : آيستني أن آتي أهلي وولدي . فقال : أمّا أنت فستدخلها ، وإنّما عنيت نفسـي (٣) .

__________________

(١) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ١ / ١٤٧ ـ ١٤٨ ، وكذلك في معجم البلدان ٣ / ٢٠٨ .

(٢) مروج الذهب ٤ / ٢٨ حوادث السنة ٢٠٠ ؛ وٱنظر : بحار الأنوار ٤٩ / ١٤٢ ـ ١٤٣ .

(٣) الأنوار البهيّة ـ للشيخ عبّاس القمّي ـ : ٢٣٣ ـ ٢٣٤ .

٤٣
 &

أمّا الفضل ، فقد احتال المأمون عليه حتّىٰ قتله في حمّامٍ بسرخس ، وهناك سجن الإمام عليه السلام في دارٍ كما في الرواية عن أبي الصلت .

وأمّا الإمام عليه السلام ، فقد احتال عليه حتّىٰ سمّه ؛ قال ياسر الخادم : لمّا كان بيننا وبين طوس سبعة منازل اعتلّ أبو الحسن عليه السلام ، فدخلنا طوس وٱشتدّت به العلّة ، فبقينا بطوسٍ أيّاماً (١) ، فلمّا قضىٰ نحبه أمر المأمون بدفنه بسناباد من طوس بجنب قبر هارون ، وذلك في سنة ٢٠٣ (٢) .

وينبغي الإشارة هنا إلىٰ نقاط :

١ ـ ذكر الخطيب البغدادي ، وعنه ابن عساكر : أنّ الإمام عليه السلام مات بسرخس (٣) ، وهو غلط فاحش ، إلّا أنّ صدوره من مثلهما ليس بغريب .

٢ ـ قد ذكرت المصادر أنّ المباشر لقتل الفضل غيلةً في الحمام بسرخس هو خال المأمون وٱسمه : غالب ، وأضافت عدّة منها أنّه قد تعاون معه في ذلك أربعة من مماليك المأمون ـ وفي بعضها : من خواصّه ـ لكنّه جعل لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار ، فقالوا له : أنت أمرتنا بقتله . فأنكر وضرب أعناقهم (٤) !

٣ ـ قد تكلّم بعض العلماء في أخبار أنّ المأمون قد سمّ الإمام عليه

__________________

(١) الأنوار البهيّة : ٢٣٣ ـ ٢٣٤ .

(٢) بحار الأنوار ٤٩ / ١٤٢ ـ ١٤٣ .

(٣) تاريخ بغداد ١٠ / ١٨٢ ، تاريخ دمشق ٣٣ / ٢٨١ ـ ٢٨٢ .

(٤) سير أعلام النبلاء ١٠ / ٢٨٤ وٱنظر الهامش ، المنتظم في تاريخ الملوك والأُمم ١٠ / ١١٢ .

٤٤
 &

السلام ، مستدلّين بأنّه قد توجّع له وأظهر الحزن عليه ، لكنّه استدلالٌ عجيبٌ ؛ فقد رأينا المأمون يجعل عشرة آلاف دينار لمن جاء بقتلة الفضل ثمّ يضرب أعناقهم وقد أمر هو بقتله ! !

وأيضاً ، فقد أظهر حزناً شديداً لمصرع الفضل وعزّى والدته وقال : إنّ الله أخلفني عليك بدل ابنك .

فبكت وقالت : كيف لا أحزن علىٰ ولدٍ أكسبني ولداً مثلك (١) ؟

وبعد . .

فإنّ خبر سجن الإمام عليه السلام في سرخس يحتاج إلىٰ دراسة أكثر !

*      *     *

__________________

(١) سير أعلام النبلاء ١٠ / ٩٩ ـ ١٠٠ .

٤٥
 &

(٦) امتحنوا شيعتنا بثلاث

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، قال :

« امتحنوا شيعتنا عند ثلاث : عند مواقيت الصلاة ؛ كيف محافظتهم عليها ؟ وعند أسرارهم ؛ كيف حفظهم لها عند عدوّنا ؟ وعند أموالهم ؛ كيف مواساتهم لإخوانهم فيها ؟ » (١) .

بيان :

إنّه ليس كلّ مَن يدّعي شيئاً تُسمع دعواه ، ويُقبل منه ما يقول . .

ومَن ادّعىٰ التشيّع لأهل البيت عليهم السلام تُقبل منه الدعوىٰ كيفما كان ؟ !

من الناس مَن يدّعي « الحبّ » لأهل البيت ، ومنهم مَن يدّعي « التشيّع » لهم ، لكنّ الحبّ صفة نفسانية وحالة باطنية تبرزها الإطاعة للمحبوب « فإنّ المحبّ لمَن يحبّ مطيع » ، أمّا « التشيّع » فمفهومٌ لا يتحقّق إلّا بالطاعة .

والحبّ من المفاهيم المشكّكة ، فهو يقبل القلّة والكثرة ، والشدّة والضعف ، لكنّ « التشيّع » لا يصدق إلّا بالاتّباع المطلق ؛ فمَن تابع أهل البيت عليهم السلام في بعض الأُمور ولم يتابعهم في البعض الآخر ـ فضلاً

__________________

(١) وسائل الشيعة ٤ / ١١٢ ح ٤٦٥٠ .

٤٦
 &

عن أنْ يخالفهم ـ فليس بشيعةٍ لهم . .

ولذا جاء عن الإمام عليه السلام : « والله ما أنا بإمامٍ إلّا لمَن أطاعني ، فأمّا مَن عصاني فلست له بإمام .

لِمَ يتعلّقون باسمي ؟ !

ألا يكفّون اسمي من أفواههم ؟ ! » .

أي : فالّذين يدّعون التشيّع ويقولون نحن جعفريّة ولا يطيعون عليهم أنْ يكفّوا اسم الإمام من أفواههم ، إنّه يقول : « فوالله لا يجمعني الله وإيّاهم في دار » (١) .

وقد أمر الإمام عليه السلام بامتحان من يدّعي التشيّع لهم بثلاثة أُمور كلّ منها يشير إلىٰ بعد من الأبعاد الأساسيّة في الحياة الفردية والاجتماعية :

١ ـ البعد العبادي :

فالصلاة ـ في البعد العبادي في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ـ : « عمود الدين ، مثلها كمثل عمود الفسطاط ، إذا ثبت العمود ثبتت الأوتاد والأطناب ، وإذا مال العمود وٱنكسر لم يثبت وتد ولا طنب » (٢) .

ويقول عليه السلام : « أحبّ الأعمال إلىٰ الله عزّ وجلّ : الصلاة » (٣) .

ويقول : « أوّل ما يحاسب به العبد : الصلاة ، فإنْ قُبلت قُبل سائر أعماله ، وإذا رُدّت رُدّ عليه سائر عمله » (٤) .

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٦ / ٢٣٨ ح ٢١٤٥٣ .

(٢) وسائل الشيعة ٤ / ٢٧ ح ٤٤٢٤ .

(٣) وسائل الشيعة ٤ / ٣٨ ح ٤٤٥٤ .

(٤) وسائل الشيعة ٤ / ٣٤ ح ٤٤٤٢ .

٤٧
 &

وقال رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم : « لا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ما حافظ علىٰ الصلوات الخمس لوقتهنّ ، فإذا ضيّعهنّ تجرّأ عليه فأدخله العظائم » (١) .

بل قال صلّىٰ الله عليه وآله : « ما بين الكفر والإيمان إلّا ترك الصلاة » (٢) .

ولعلّه لهذا السبب قدّم الإمام عليه السلام الصلاة في الذكر علىٰ غيرها في روايتنا .

٢ ـ البعد الاجتماعي :

الظاهر ـ بقرينة قوله عليه السلام : « عند عدوّنا » ـ أنّ المراد هو : الأسرار المتعلّقة بالمذهب لا الأسرار الشخصيّة في الشؤون الفردية ، وإنْ لم يبعد إرادتها كذلك . .

لقد لاقىٰ أهل البيت عليهم السلام منذ اليوم الأوّل أنواع الظلم والأذىٰ من الحكّام الظالمين ، فإنّهم لم يألوا جهداً مدّة ملكهم في القضاء علىٰ الأئمّة وذرّية رسول الله صلّىٰ الله عليه وآله وسلّم ، فكانوا بين قتيل وأسير وهارب وخائف ، فلا تجد في بلاد الإسلام بلدةً إلّا وفيها قبرٌ لأحدهم تشارك في قتله الأُمويّون والعبّاسيّون ، أو مات شريداً بعيداً عن أهله ووطنه . .

ثمّ بذل أعوان الظلمة غاية جهدهم معهم في إخمال ذكر أهل البيت وإطفاء نورهم ، وحملوا الناس علىٰ شتمهم وسبّهم ولعنهم علىٰ المنابر ،

__________________

(١) وسائل الشيعة ٤ / ١١٢ ح ٤٦٤٨ .

(٢) وسائل الشيعة ٤ / ٤٢ ح ٤٤٦٨ .

٤٨
 &

وإخفاء فضائلهم وستر مناقبهم .

وما لاقىٰ أهل البيت من الأعداء لوناً من الشدائد والمحن إلّا لاقاه أتباعهم ، وما قاسوا نوعاً من الظلم إلّا قاساه أشياعهم ؛ فلماذا داسوا بطن عمّار ، ونفوا أبا ذرّ ، وقتلوا حِجراً وعمرو بن الحمق . . وجرىٰ ما جرىٰ علىٰ الكميل ورشيد الهجري وميثم التمّار . . واتّصل البلاء ولا يزال إلىٰ يومنا هذا ؟ !

أمّا محو أسماء الشيعة من الديوان ، وحرمانهم من العطاء ، وردّ شهاداتهم في المحاكم . . . فهذا أقلّ ما وقع عليهم ، حتّىٰ إذا احتاج إلىٰ أكلةٍ أو شربةٍ باع ثوبه ، وإلّا عاش بحسرةٍ أو مات فقراً . .

ثمّ ما اكتفوا بذلك ، فأحدثوا المذاهب والأقوال في مقابل الدين ومذهب أهل بيت سيّد المرسلين ، ووضعوا المدارس ونصبوا فيها المدرّسين وحملوا الناس علىٰ الانتماء إليها ، حتّىٰ نشأ أبناؤهم عليها وكادوا لا يعرفون غيرها . .

في مثل هذه الظروف ، التي لا يجرأ أحد علىٰ ذكر حديث عن أمير المؤمنين وأبنائه الطاهرين ، بل لا يمكنه أن يتفوّه باسمه ، حتّىٰ جاء في رواية عن أبي عبد الله عليه السلام : « إيّاكم وذكر عليّ وفاطمة ؛ فإنّ الناس ليس شيء أبغض إليهم من ذكر عليّ وفاطمة » (١) ، كان من الطبيعي أن يأمر الأئمّة عليهم السلام بـ « الكتمان » و « التقيّة » ، وينهوا عن « الإذاعة » .

ولعلّ الفرصة تسنح لنا أن نتكلّم عن ذلك ببعض التفصيل في موضع آخر إن شاء الله تعالىٰ .

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٦ / ٢٣٨ ح ٢١٤٥٤ .

٤٩
 &

٣ ـ البعد الاقتصادي :

يقول عليه السلام : « وعند أموالهم ؛ كيف مواساتهم لإخوانهم فيها ؟ » .

وفي رواية أُخرىٰ : « اختبروا إخوانكم بخصلتين ، فإن كانت فيهم وإلّا فاعزب ثمّ اعزب ثمّ اعزب : المحافظة علىٰ الصلوات في مواقيتها ، والبرّ بالإخوان في العسر واليسر » (١) .

و « البرّ » في « العسر واليسر » هو : « المواساة » .

وقد ورد عن أبي جعفر عليه السلام وقد قيل له : إنّ الشيعة عندنا كثير . فقال : « فهل يعطف الغني علىٰ الفقير ؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسيء ؟ ويتواسون ؟ فقلت : لا . فقال : ليس هؤلاء شيعة ، الشيعة مَن يفعل هذا » (٢) .

فهو في هذا الخبر ينفي أن يكون غير المواسي لأخيه الشيعي شيعيّاً .

وفي الخبر السابق يقول في مَن ليست فيه هذه الخصلة : « فاعزب ثمّ اعزب ثمّ اعزب » ، أي : ابتعد عنه ، قالها ثلاث مرّات لا مرّة واحدة ، وهي عبارة أُخرىٰ عن أنّه ليس من الشيعة ؛ لأنّ الأئمّة طالما يأمرون شيعتهم بالتواصل والتقارب فيما بينهم . . .

للموضوع صلة . . .

__________________

(١) وسائل الشيعة ١٢ / ١٤٨ ح ١٥٩٠٣ .

(٢) الكافي ٢ / ١٧٣ .

٥٠
 &

مكانة « العقل » في التشريع

السيّد عليّ الهاشمي

بسم الله الرحمٰن الرحيم

اتّفق علماء المسلمين علىٰ حرمة ممارسة الإنسان للتشريع في قبال الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسُنّة ؛ إذ أجمعوا ـ ولو نظريّاً ـ علىٰ أنّه لا اجتهاد في مقابل النصّ ، إلّا أنّهم اختلفوا بعد ذلك في تحديد موقع العقل في الشريعة علىٰ ثلاثة أقوال :

الأوّل : جواز رجوع الفقيه إلىٰ العقل بوصفه مصدراً مستقلّاً للتشريع في طولِ الكتاب والسُنّة ، لمعرفة أحكام الموضوعات التي لم يرد نصّ من الشارع لبيان حكمها الشرعي .

الثاني : جواز اتّخاذ العقل طريقاً كاشفاً عن الأحكام الشرعية التي لا نجد دليلا عليها من الآيات والروايات .

الثالث : حصر وظيفة العقل باستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها المتمثّلة في الكتاب والسُنّة .

وسوف نتعرّض في ما يلي لكلّ من هذه الأقوال بالبحث والنقد ، ونحاول أن نتعرَّف أيّها الحقيق بالاتّباع . .

٥١
 &

أمّا القول الأوّل :

فهو يمثّل اتّجاهاً لدىٰ بعض فقهاء أهل السُنّة ، يفسح المجال لتدخّل العقل في التشريع ، بذريعة عدم بيان الشريعة لأحكام جميع الموضوعات ، وهذا الاتّجاه هو المعروف بـ : « اجتهاد الرأي » ، في قبال التعبّد بالنصوص وعدم الانسياق وراءَ الرأي والتقدير الشخصي في مجال تحديد الأحكام ، الذي كان عليه أئمة أهل البيت عليهم‌السلام والسائرون علىٰ هداهم . .

قال ابن حزم : « فكان ممّا حدث بعده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعة أشياء غلط فيها القوم فتديّنوا بها ، ووفّق الله تعالىٰ آخرين لإسقاط القولِ بها ، ويسّرهم للثبات علىٰ ما بيّنه تعالىٰ في كتابه وعلىٰ لسانِ رسوله ، وتلك الأشياء التي حدثت هي : الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد .

فكان حدوث الرأي في القرن الأوّل . . . وحقيقة معنىٰ لفظ الرأي الذي اختلفنا فيه هو : الحكم في الدين بغير نصّ ، ولكن بما رآه المفتي أحوط وأعدل في التحريم والتحليل أو الإيجاب .

ومَن وقف علىٰ هذا الحدّ وعرف معنىٰ الرأي ، اكتفىٰ في إيجاب المنع منه بغير برهان ؛ إذ هو قول بلا برهان » (١) .

ويمكن إبطال هذا القول بالأدلّة التالية :

الدليل الأوّل :

ما دلّ من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة علىٰ انحصار حقّ

__________________

(١) الصادع في الردّ علىٰ من قال بالقياس والرأي والاستحسان والتعليل ، مجلّة دراسات أُصولية ـ قم ، العدد المزدوج ( ٤ ـ ٥ ) ، ص ٢٣٧ ـ ٢٣٨ .

٥٢
 &

التشريع بالله عزّ وجلّ ، وعلىٰ حرمة تدخّل الإنسان في مجال التشريع ، ومن ذلك :

١ ـ قوله تعالىٰ : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (١) .

ومن الواضح : أنّ ما أنزله الله سبحانه علىٰ نبيّه الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منحصر بالكتاب والسُنّة ، فالآية صريحة في الدلالة علىٰ انحصار التشريع بهما ، وفي إلحاقِ من يلجأ إلىٰ استمداد الأحكام من غيرهما بالكافرين .

فإن قيل :

إنّ هذه الآية توجب الحكم بما أنزل الله تعالىٰ ، ولكنّها لم تنهَ عن الأخذ بحكم العقل في ما لم ينزل به من الله حكم .

فالجواب :

إنّ هذا يرد علىٰ فرض وجود وقائع لم ينزل بها حكم شرعي ، وهو ليس صحيحاً قطعاً ؛ لِما هو ثابت بالعديد من أدلّة الكتاب والسُنّة ـ التي سنعرض لها عمّا قريب ـ من أنّ أحكام الشريعة شاملة لكلِّ الوقائع ، وأنّه ما من واقعة إلّا ولله فيها حكم ، والروايات المفسِّرة لهذه الآية (٢) تدلّ علىٰ أنّ المراد : أنّ الأحكام جميعها قد بُلّغت ، وأنّ المخالف لِما بُلّغ ونَزل في القرآن أو سُنّة النبيّ والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام حاكم بغير ما أنزل الله تعالىٰ .

__________________

(١) سورة المائدة ٥ : ٤٤ .

(٢) سنورد بعضها ضمن عنوان : الدليل الثالث ، من هذا البحث .

٥٣
 &

٢ ـ قوله تعالىٰ عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (١) .

وهو يؤكّد أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع كونه أكمل الخلق وأكرمهم علىٰ الله سبحانه ، ليس مخوّلاً بإصدار الأحكام استناداً إلىٰ عقله ورأيه الشخصي ، وإنّما هو مقيّد بتبليغ ما يتلقّاه من ربّه عن طريق الوحي ، فغيره ممّن لا يبلغ شأوه من الناس أَوْلىٰ بأن يمنع من اتّخاذ رأيه وعقله مصدراً للتشريع .

هذا وقد روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام قوله لهشام بن الحكم : « إنّ لله علىٰ الناسِ حجّتين : حجّة ظاهرة وحجّة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة عليهم‌السلام ، وأمّا الباطنة فالعقول » (٢) .

ولا ينبغي أن يتوهّم من هذا الحديث أنّ العقل يقع في مرتبة النبيّ والإمام من حيث خصوصيّة كونهما مصدراً للتشريع ؛ فإنّ هذه الخصوصيّة قد نُفيت عن العقل بالأدلّة التي نسوق بعضها فعلاً في هذا البحث ، وأُثبتت للحجّة الظاهرة فقط .

قال تعالىٰ : ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (٣) ، وقال تعالىٰ : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (٤) ، فأعطىٰ بذلك حقّ الطاعة والتشريع للنبيّ والإمام ، وهما الحجّة الظاهرة ، وميّزهما بذلك عن الحجّة الباطنة ، أي : العقل .

فلا بُدّ من حمل مراد الشارع بالحديث المذكور علىٰ الجانب

__________________

(١) سورة النجم ٥٣ : ٣ و ٤ .

(٢) الكافي ١ / ١٦ ح ١٢ كتاب العقل والجهل .

(٣) سورة النساء ٤ : ٥٩ .

(٤) سورة الحشر ٥٩ : ٧ .

٥٤
 &

العقائدي خاصّة دون التشريعي ، وأنّ الحجّة الباطنة تهدي الإنسان إلىٰ معرفة ربّه ، وإلىٰ إدراك أنّه ليس بوسعه أن يعرف ما يرضي الله وما يسخطه ، بل لا بُدّ له من طلب الرسل ليتعرّف منهم دين الله تعالىٰ ، ويصوغ سلوكه الفردي والاجتماعي في إطار أحكام الدين ، وسيأتي قريباً ما أقرّه الإمام الصادق عليه‌السلام من « أنّ مَن عَرفَ أنّ له ربّاً ، فينبغي أن يعرف أنّ لذلك الربّ رضاً وسخطاً ، وأنّه لا يعرف رضاه أو سخطه إلّا برسول ، فمَن لم يأته الوحي ، فقد ينبغي له أن يطلب الرسل ، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة ، وأنّ لهم الطاعة المفترضة » (١) .

٣ ـ الروايات المتضافرة في مصادر الفريقين التي تنهىٰ عن ( الابتداع ) في الدين ، وهو : إدخال ما ليس من الدين فيه .

فكلّ حكم لم يرد فيه نصّ من الشارع ، لا يجوز لأيّ أحد من الناس أن يضيفه إلىٰ الشريعة وأن يلزم به المسلمين ؛ لأنّه لو كان مراداً للشارع المقدّس لجاء به نصٌّ من الكتاب أو السُنّة .

وقد كثرت الروايات التي تذمّ الابتداع وتحذّر منه وتتوعّد عليه ؛ نظراً لِما ينتج عنه من اختلاط التشريع الإلٰهي بالأحكام الوضعية التي ما أنزل الله بها من سلطان .

ومن هذه الروايات :

١ ـ قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « من أَحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه ، فهو ردّ » (٢) .

__________________

(١) الكافي ١ / ١٦٨ ـ ١٦٩ ح ٢ كتاب الحجّة .

(٢) كنز العمّال ١ / ٢١٩ ح ١١٠١ .

٥٥
 &

٢ ـ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « اتّبعوا ولا تبتدعوا ؛ فقد كفيتم » (١) .

٣ ـ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « ألا وكلّ بدعة ضلالة ، ألا وكلّ ضلالة في النار » (٢) .

٤ ـ قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : « ما أُحدثت بدعة إلّا ترك بها سُنّة ، فاتّقوا البِدع ، وٱلزموا المَهْيَع » (٣) .

٥ ـ قوله عليه‌السلام أيضاً : « إنّما بدءُ الفتن أهواء تُتَّبَع ، وأحكام تُبتدع ، يخالَف فيها كتاب الله ، يُقلّد فيها رجالٌ رجالاً علىٰ غير دين الله » (٤) .

الدليل الثاني :

ما دلَّ من الأحاديث علىٰ أنّ الإنسان ليس مكلّفاً بالتشريع ؛ لأنّه لا يمتلك القدرة علىٰ معرفة ما يرضي الله تعالىٰ وما يسخطه ، وليس لديه إحاطة بالملاكات الواقعية التي يقوم عليها التشريع وتبتني عليها الأحكام الإلٰهيّة ، ومن هذه الأحاديث :

١ ـ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « ليس لله علىٰ خلقه أن يعرفوا ، وللخلقِ علىٰ الله أن يعرّفهم ، ولله علىٰ الخلقِ إذا عرّفهم أن يقبلوا » (٥) .

٢ ـ عن الإمام الصادق عليه‌السلام في حديث طويل أنّه قال : « بالعقل عرف العباد خالقهم وأنّهم مخلوقون ، وأنّه المدبِّرُ لهم وأنّهم المدبَّرون ، وأنّه

__________________

(١) كنز العمّال ١ / ٢٢١ ح ١١١٢ .

(٢) الكافي ١ / ٥٧ ح ٢٢ .

(٣) نهج البلاغة : الخطبة ١٤٥ . .

والمَهْيَع : الطريق الواسع المنبسط ، كنايةً عن سعة الشريعة ووفائها بجميع الأحكام بنحوٍ لا يترك مسوّغاً للابتداع .

(٤) نهج البلاغة : الخطبة ٥٠ .

(٥) الكافي ١ / ١٦٤ ح ١ .

٥٦
 &

الباقي وهم الفانون . . .

قيل له : فهل يكتفي العباد بالعقل دون غيره ؟

قال : إنّ العاقل لدلالة عقله الذي جعله الله قوامه وزينته وهدايته ، علم أنّ الله هو الحقّ ، وأنّه هو ربّه ، وعلم أنّ لخالقه محبّة ، وأنّ له كراهة ، وأنّ له طاعة ، وأنّ له معصية ، فلم يجد عقلَه يدلُّه علىٰ ذلك » (١) .

أي : لم يجد عقله يدلّه علىٰ ما يحبّه الله ولا علىٰ ما يكرهه ، حتّىٰ يعرف العصيان من الطاعة .

٣ ـ « عن منصور بن حازم ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : . . . إنّ مَن عَرَفَ أنّ له ربّاً ، فينبغي أن يعرف أنّ لذلك الربِّ رضاً وسخطاً ، وأنّه لا يعرف رضاه أو سخطه إلّا بوحي أو رسول ، فمَن لم يأته الوحي ، فقد ينبغي له أن يطلب الرسل ، فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة ، وأنّ لهم الطاعة المفترضة . . . فقال عليه‌السلام : رحمك الله » (٢) .

الدليل الثالث :

ما دلَّ من الآيات والروايات علىٰ إكمال الدين ووفاء النصوص الشرعية ببيان أحكام جميع الموضوعات ، وأنّه ما مِن واقعة إلّا وللهِ فيها حكم ، ومنها :

١ ـ قوله تعالىٰ : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (٣) .

__________________

(١) الكافي ١ / ٢٩ كتاب العقل والجهل .

(٢) الكافي ١ / ١٦٨ ـ ١٦٩ ح ٢ كتاب الحجّة .

(٣) سورة المائدة ٥ : ٣ .

٥٧
 &

٢ ـ قوله تعالىٰ : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (١) .

٣ ـ قوله تعالىٰ : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (٢) .

٤ ـ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « ما مِن شيء إلّا وفيه كتاب أو سُنّة » (٣) .

٥ ـ قول الإمام الباقر عليه‌السلام : « إنّ الله تبارك وتعالىٰ لم يدع شيئاً تحتاج إليه الأُمّة إلّا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجعل لكلِّ شيء حدّاً ، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه ، وجعل علىٰ مَن تعدّىٰ ذلك الحدِّ حدّاً » (٤) .

٦ ـ ما ورد عن سماعة ، أنّه سأل الإمام عليّ بن موسىٰ الرضا عليه‌السلام : « أكلّ شيء في كتاب الله وسُنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو تقولون فيه ؟

فقال : بل كلّ شيء في كتاب الله وسُنّة نبيّه » (٥) .

٧ ـ « عن الإمام الرضا عليه‌السلام : فمَن زعمَ أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل دينه ، فقد ردَّ كتاب الله ، ومَن ردَّ كتاب الله فهو كافر » (٦) .

٨ ـ عن الإمام الصادق عليه‌السلام وهو يتحدّث عن شمول الشريعة : « فيها كلّ حلال وحرام ، وكلّ شيءٍ يحتاج إليه الناس ، حتّىٰ الأرش في الخدش » (٧) .

__________________

(١) سورة الأنعام ٦ : ٣٨ .

(٢) سورة النحل ١٦ : ٨٩ .

(٣) الكافي ١ / ٥٩ ح ٤ .

(٤) الكافي ١ / ٥٩ ح ٢ .

(٥) الكافي ١ / ٦٢ ح ١٠ .

(٦) معاني الأخبار : ٩٦ .

(٧) بصائر الدرجات : ١٩٨ ، باب ١٢ في الأئمّة أنّ عندهم الصحيفة الجامعة ح ٤ ، الكافي ١ / ٣٣٩ كتاب الحجّة ، باب فيه ذكر الصحيفة ح ١ .

٥٨
 &

ويتحصّل ممّا تقدّم :

أوّلا : إنّ النصوص الواردة في الدليل الأوّل ، تدلّ علىٰ حرمة اتّخاذ العقل مصدراً مستقلّاً للتشريع .

ثانياً : إنّ نصوص الدليل الثاني توضّح علّة هذا التحريم ، وأنّها عدم قدرة العقل علىٰ إدراك ملاكات الأحكام من المصالح والمفاسد ، بل إنّ تكليف الإنسان بمعرفة الأحكام غير معقول ؛ لأنّه تكليف بغير المقدور .

ثالثاً : إنّ نصوص الدليل الثالث تثبت عدم الحاجة أصلاً إلىٰ العقل بوصفه مصدراً مستقلّاً للأحكام في طولِ الكتاب والسُنّة ؛ لأنّها تنصّ علىٰ وفاء الشريعة بأحكام جميع الوقائع ، وتنقض الأساس الذي استند إليه أصحاب القول الأوّل ، من عدمِ توفّر البيان الشرعي لأحكام بعض الوقائع .

وقد كان أصحاب القول بالرأي علىٰ وعي بأنّ الذهنية الإسلامية لا تستسيغ تدخّل الإنسان في التشريع ، ولا ترتضي تحكيم العقل في قبال النصوص الشرعية ، ولأجل ذلك حاولوا إقناع هذه الذهنية بأنّ هناك أحكاماً لم توضّحها النصوص ، الأمر الذي يضطرّنا إلىٰ الاستعانة باجتهاد الرأي لسدِّ الفراغ الحاصل في أدلّة الأحكام .

وقد كان عمر بن الخطّاب هو رائد اتّجاه تحكيم الرأي في مجال التشريع ، الأمر الذي تفطّن له وأقرّ به كثير من الباحثين ، ومنهم :

١ ـ الدكتور محمّد رواس قلعه‌چي ؛ فقد قال في مقدّمة كتابه من موسوعة فقه السلف ـ إبراهيم النخعي : « إنّ الأُستاذ لمدرسة الرأي هو عمر ابن الخطّاب ؛ لأنّه واجه من الأُمور المحتاجة إلىٰ التشريع ما لم يواجهه

٥٩
 &

خليفة قبله ولا بعده » (١) .

٢ ـ الدكتورة نادية العمري ؛ فقد قالت : « لم يكن الاجتهاد بالرأي والعمل بالقياس وتحقيق مقاصد الشريعة بدعةً ابتدعها التابعون المقيمون في العراق ، بل كان ذلك نموّاً لاتّجاه سبقهم فيه عدد من الصحابة ، منهم عمر بن الخطّاب » (٢) .

٣ ـ الأُستاذ أحمد أمين ؛ الذي قال : « بل يظهر لي أن عمر كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنىٰ الذي ذكرناه ؛ ذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصَّ من كتاب ولا سُنّة ، لكنّنا نرىٰ عمر سار أبعدَ من ذلك ، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها كانت الآية أو الحديث ، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه ، وهو أقرب شيء إلىٰ ما يعبّر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيّته » (٣) .

وقد كان عمر بن الخطّاب يتحدّث عن نقص الأدلّة الشرعية وكأنّه أمر مفروغ عنه ، « قال الشعبي : قال لي عمر بن الخطّاب : ما في كتاب اللهِ وقضاءِ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاقضِ به ، فإذا أتاك ما ليس في كتاب اللهِ ولم يقضِ به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فما قضىٰ به أئمّة العدل ، وما لم يقضِ به أئمّةُ العدل ، فأنت بالخيار ، إن شئت أن تجتهد رأيك ، وإن شئت تؤامرني ، ولا أرىٰ مؤامرتك إيّاي إلّا أسلم لك » . أخرجه وكيع في أخبار القضاة ( ٢ / ١٨٩ ) » (٤) .

وقد عمد القائلون بالرأي إلىٰ دعم ما يذهبون إليه ببعض الروايات ،

__________________

(١) موسوعة فقه السلف ١ / ٨٥ .

(٢) اجتهاد الرسول : ٣٢١ .

(٣) فجر الإسلام : ٢٣٨ .

(٤) روضة الناظر وجنّة المناظر ١ / ١١ مقدّمة المحقّق .

٦٠