تراثنا ـ العددان [ 79 و 80 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 79 و 80 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
ISBN: 1016-4030
الصفحات: ٤٣٢
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

حينئذٍ لعدم تعلّق النهي بذاتِ شيء من العوضين باعتبار عدم قابليّته للعوضيّة ، وإنّما وقع باعتبار أمر خارج عن ذلك وإن أثم باعتبار إيقاعه في ذلك الزمان المنهيّ عن الإيقاع فيه » (١) .

* خامساً : مسألة الإجزاء .

ويقع البحث في هذه المسألة عن أنّه هل توجد ملازمة عقلية بين إتيان المكلّف بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري ، وبين حكم الشارع بإجزاءِ ما أتىٰ به عن المأمور به بالأمر الأوّلي الاختياري ، أو الواقعي ، أم لا ؟ وقد قسّموا البحث في هذه المسألة علىٰ مقامين :

* المقام الأوّل :

في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري ، ولم يتّفق العلماء هنا علىٰ القولِ بالإجزاء عقلاً ، فما هو معروف في فتاواهم من القول بالإجزاء ، لا بُدّ أن يكون مردّه إلىٰ ما استفادوه من الأدلّة الشرعية في هذا المقام .

قال الشيخ المظفّر رحمه‌الله : « لا شكَّ في أنّ هذه الأوامر الاضطرارية أوامر واقعية حقيقية ذات مصالح ملزمة كالأوامر الأوّلية . . . وإذا امتثلها المكلّف أدّىٰ ما عليه في هذا الحال وسقط عنه التكليف بها .

ولكن يقع البحث والتساؤل فيما لو ارتفعت تلك الحالة الاضطرارية الثانوية ، ورجع المكلّف إلىٰ حالته الأُولىٰ من التمكّن من أداءِ ما كان عليه واجباً في حالة الاختيار ، فهل يجزئه ما كان قد أتىٰ به في حال الاضطرار ،

__________________

(١) الحدائق الناضرة ١٠ / ١٧٦ ـ ١٧٧ .

١٠١
 &

أو لا يجزئه ، بل لا بُدّ له من إعادة الفعل في الوقت أداءً . . . أو إعادته خارج الوقت قضاءً ؟

إنّ هذا أمر يصحّ فيه الشكّ والتساؤل ، وإن كان المعروف بين الفقهاء في فتاويهم القول بالإجزاء مطلقاً أداءً وقضاءً .

غير أنّ إطباقهم علىٰ القول بالإجزاء ليس مستنداً إلىٰ دعوىٰ أنّ البديهيّة العقلية تقضي به ، لأنّه هنا يمكن تصوّر عدم الإجزاء بلا محذور عقليّ ، أعني : يمكننا أن نتصوّر عدم الملازمة بين الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري وبين الإجزاء به عن الأمر الواقعي الاختياري » (١) .

وفصّل المحقّق الأصفهاني في هذا المقام في ما يخصّ حكم العقل بالملازمة ، فقسّم المكلّف به اضطراراً إلىٰ ثلاثة أقسام :

أوّلها : أن يكون مشتملاً علىٰ عين مصلحة الواجب الأوّلي .

والثاني : أن يكون مشتملاً علىٰ مصلحة ملزمة لكنّها من غير نوع المصلحة الموجودة في الفعل الاختياري .

والثالث : أن يكون مشتملاً علىٰ مرتبة نازلة من المصلحة القائمة بالفعل الاختياري .

وذهب إلىٰ أنّ لازم الإتيان بالأوّل الإجزاء ، ولازم الإتيان بالثاني عدم الإجزاء ، وفرّق في الثالث بين ما أمكن تدارك مصلحة الفعل الاختياري فذهب إلىٰ عدم الإجزاء ، وما إذا لم يمكن ذلك فذهب إلىٰ الإجزاء (٢) .

ثمّ قال : « هذا ، وأمّا الحكم بحسب الأدلّة ، فهو يختلف باختلاف

__________________

(١) أُصول الفقه ٢ / ٢٤٧ ـ ٢٤٨ .

(٢) وقاية الأذهان : ١٩٨ .

١٠٢
 &

الموارد . . . فإنّ إجزاء هذه الأحكام عن الواقعيّات الأوّلية تابع لما يستفاد من الأدلّة من أمر العذر الذي أخذه الشارع في موضوعاتها ، فإن علم منها أنّه العذرُ وقت العمل ، فلا شكَّ في الإجزاء ؛ لأنّ المفروض أنّها بدل عن تلك الأحكام ، ولا معنىٰ للجمع بين البدل والمبدل منه . . . وإن علم منها أنّه العذر المستوعب ، فلا حكم حتّىٰ يبحث عن إجزائه ، وعلىٰ فرض عدم استفادة أحد الأمرين من الأدلّة ، وٱنتهاء النوبة إلىٰ الأصل العملي ، فلا شكَّ أنّ الأصل عدم تلك الأحكام ، فلا بُدّ من إحراز تلك الأوامر أوّلاً ، ثمّ البحث عن إجزائها » (١) .

وقال الشيخ المظفّر ـ بعد أن قرّر أنّ ذهابهم إلىٰ القولِ بالإجزاء غير مستند إلىٰ دعوىٰ أنّ البديهيّة العقلية تقتضي الإجزاء ـ : « لا إشكال في أنّ المأتيَّ به في حال الاضطرار أنقص من المأمور به في حال الاختيار ، والقول بالإجزاء فيه ، معناه : كفاية الناقص عن الكامل ، مع فرض التمكّن من أداءِ الكامل في الوقت أو خارجه ، ولا شكَّ في أنّ العقل لا يرىٰ بأساً بالأمر بالفعل ثانياً بعد زوال الضرورة ؛ تحصيلاً للكامل الذي قد فات منه ، بل قد يلزم العقل بذلك إذا كان في الكامل مصلحة ملزمة لا يفي بها الناقص ، ولا يسدُّ مسدَّ الكامل في تحصيلها .

والمقصود الذي نريد أن نقوله بصريح العبارة : ( أنّ الإتيان بالناقص ، ليس بالنظرة الأُولىٰ ممّا يقتضي عقلاً الإجزاء عن الكامل ) ، فلا بُدّ أن يكون ذهاب الفقهاء إلىٰ الإجزاء لسرٍّ هناك » (٢) .

ثمّ إنّه ذكر أربعة أُمور تصلح كلّها أو بعضها لتوجيه القول بالإجزاء ،

__________________

(١) وقاية الأذهان : ٢٠٠ ـ ٢٠١ .

(٢) أُصول الفقه ٢ / ٢٤٧ ـ ٢٤٨ .

١٠٣
 &

وليس منها حكم العقل بالملازمة ، بل كلّها مستفادة من فهم النصوص الشرعية الواردة في التكاليف الاضطرارية .

والحاصل : إنّ دلالة النصوص علىٰ إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري عن الاختياري تُغني عن القول بالملازمة العقلية المفيدة للإجزاء ، وأمّا القول بأنّ العقل يحكم بعدم الملازمة وعدم الإجزاء ، فإنّه مناف لما هو مستفاد من الأدلّة الشرعية .

* المقام الثاني :

في إجزاء المأمور به بالأمر الظاهري ، وهو : الأمر الثابت بالحجج الظاهرية ، أي : الأمارات والأُصول العملية ، فإذا أتىٰ المكلّف بالوظيفة وفقاً للحجّة الظاهرية ، ثمّ انكشف الواقع بعد ذلك ، وتبيّن أنّه غير ما قامت عليه الأمارة أو الأصل ، فهل يجب علىٰ المكلّف امتثال الأمر الواقعي أداءً في الوقت وقضاءً خارجه ، أم لا يجب عليه ذلك ، ويجزي ما أتىٰ به علىٰ طبق الأمارة والأصل ، وإن تبيّن خطَأُهما ؟

والرأي السائد لدىٰ العلماء هو عدم الإجزاء ، سواء انكشف خطأ الأمارة أو الأصل يقيناً أو بحجّة معتبرة ، ولا فرق في ذلك بين قيام الحجّة الظاهرية التي انكشف خطَأُها علىٰ الأحكام أو الموضوعات .

نعم ، ذهبوا إلىٰ الإجزاء في الأحكام ؛ للإجماع عليه ، لا لكونه مقتضىٰ القاعدة العقلية .

هذا كلّه بناءً علىٰ ثبوت الحكم الظاهري ، وهو بحاجة إلىٰ إعادة النظر ؛ لأنّه في مورد الأمارة يتوقّف علىٰ حجّيّة الظنّ ، وفي مورد الأصل العملي يتوقّف علىٰ القول بعدم توفّر الأدلّة الشرعيّة علىٰ بعض الأحكام ،

١٠٤
 &

وكِلا الأمرين محلّ تأمّل ونظر يحتاج بيانه إلىٰ بحث مستقلّ .

والحاصل من بحث الملازمات العقلية بنوعيها : أنّ بعضها غير ثابت أصلاً ، والثابت منها لا يكشف عن أحكام ليس عليها دليل من الآيات والروايات ، بحيث يتوقّف استنباطها علىٰ تلك الملازمات .

كما أنّ الحاصل من بحث الدليل العقلي عموماً :

أوّلاً : إنّ تشريع الأحكام عن طريق العقل مستقلّاً عن الأدلّة النقلية من الكتاب والسُنّة محرّم شرعاً .

ثانياً : إنّ اكتشاف الأحكام الشرعية عن طريق القياس محرّم أيضاً ؛ لأنّه لا يؤدّي إلىٰ العلم بالحكم الشرعي ، ولا يفيد أكثر من الظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئاً .

ثالثاً : إنّ اكتشاف الحكم الشرعي عن طريق ما هو ثابت من الملازمات العقلية وإن كان جائزاً ؛ لاشتراطه بأدائه إلىٰ العلم بالحكم ، إلّا أنّه ليس ضرورياً ؛ إذ لا يتوقّف عليه الاستنباط بعد توفّر الأدلّة الشرعية الكاشفة عن أحكام جميع الوقائع .

فينبغي صرف الجهد العقلي إلىٰ اكتشاف الأحكام من أدلّتها الشرعية ، ولا حاجة لإنفاق الوقت والجهد في تأسيس قواعد لحلّ مشاكل افتراضية ليس لها وجود في مجال استنباط الأحكام .

بقيت هناك نقطتان تجدر الإشارة إليهما في ختام البحث :

النقطة الأُولىٰ :

تتعلّق بتقريب كيفية وفاء الشريعة بأحكام جميع القضايا ، بما فيها القضايا الحادثة بعد عصر التشريع ، فقد يقال بصعوبة تصوير ذلك ، بدعوىٰ

١٠٥
 &

« أنّ النصوص التشريعية من قرآنٍ أو سُنّةٍ هي نصوصٌ متناهية ، بينما الحوادث الواقعة والمتوقّعة غير متناهية ، فلا سبيل إلىٰ إعطاء الحوادث والمعاملات الجديدة منازلها وأحكامها في فقه الشريعة إلّا عن طريق الرأي » (١) .

والجواب عن ذلك : إنّ الشارع المقدّس قد احتاط لهذا الأمر بأن شرّع الأحكام علىٰ نحوين :

أوّلهما : الأحكام الشرعية التي يتعلّق كلّ منها بموضوع خاصّ أو عنوان جزئي ، فيختصّ به ولا يتعدّاه إلىٰ غيره ، كحرمة الخمر ، ووجوب الصلاة .

وثانيهما : الأحكام الشرعية التي يتعلّق كلّ منها بعنوان عامّ أو موضوع كلّي يصلح للانطباق علىٰ أفراد ومصاديق متعدّدة ، وهذا النوع من الأحكام هو المصطلح عليه لدىٰ الفقهاء بـ : « القواعد الفقهية » التي تحدّد في ضوئها أحكام الوقائع المستجدّة التي ينطبق عليها العنوان الكلّي أو الموضوع العامّ الذي تعلّق به الحكم الشرعي .

وبتشريع هذا النحو من الأحكام تتمكّن الشريعة من الوفاء بأحكام القضايا المتجدّدة عبر الزمن ، بنحو لا يبقي فراغاً في منطقة التشريع ، ولا يترك مجالاً لدعوىٰ ضرورة الاستعانة بالعقل في صياغة الأحكام أو اكتشافها عن طريق القياس ، وما ينجم عن ذلك من تسرّب القوانين الوضعيّة إلىٰ ساحة التشريع الإلٰهي .

__________________

(١) موسوعة فقه السلف ١ / ٨٢ ـ ٨٣ ؛ وٱنظر : أعلام الموقّعين ـ لابن القيّم ـ ١ / ٣٣٣ .

١٠٦
 &

وإلىٰ هذا النوع من الأحكام الكلّيّة أو القواعد الفقهيّة تشير الأحاديث الواردة عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ، كـ : قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « إنّما علينا أن نلقي إليكم الأُصول ، وعليكم أن تفرّعوا » (١) ، وقول الإمام الرضا عليه‌السلام : « علينا إلقاء الأُصول وعليكم التفريع » (٢) .

قال الحرّ العاملي قدس‌سره: « هذان الحديثان تضمّنا جواز التفريع علىٰ الأُصول المسموعة منهم ، وهي : القواعد الكلّيّة المأخوذة عنهم لا علىٰ غيرها ، فلا دلالة له [ علىٰ ] أكثر من العمل بالنصّ العامّ ، ولا خلاف فيه بين العقلاء » (٣) .

وفي بصائر الدرجات : « عن موسىٰ بن بكر ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : الرجل يغمىٰ عليه اليوم أو اليومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك ، كم يقضي ؟

فقال : ألا أُخبرك بما ينتظم هذا وأشباهه ؟ فقال : كلّ ما غلب الله عليه من أمرٍ ، فالله أعذر لعبده » (٤) .

النقطة الثانية :

لو افترضنا أنّنا لم نجد في النصوص الشرعية دليلاً يحدّد حكم قضيّة ما ، فلا يسوغ لنا أن نعزو ذلك إلىٰ تفريط الشارع المقدّس في بيان حكم هذه القضيّة ، ولا إلىٰ ضياع النصّ الخاصّ بحكمها ؛ فقد تقدّم أنّ

__________________

(١) السرائر : ٤٧٧ ، وسائل الشيعة ٢٧ / ٦١ ح ٣٣٢٠١ .

(٢) السرائر : ٤٧٧ ، وسائل الشيعة ٢٧ / ٦٢ ح ٣٣٢٠٢ .

(٣) الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة : ٢١٤ ـ ٢١٥ .

(٤) بصائر الدرجات : ٣٢٦ ـ ٣٢٧ .

١٠٧
 &

الشارع قد أكمل الدين وتعهّد بحفظه ، والتفسير الصحيح لهذه الحالة هو ما ذكره الشارع نفسه من أنّه وسّع علىٰ المكلّف وتركه مطلق العنان ، ولم يلزمه بفعل أو تركٍ تجاه هذه القضيّة .

وقد ورد بهذا الشأن كثير من الأدلّة في مصادر الفريقين ، منها :

١ ـ قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « الحلال ما أحلّه الله في كتابه ، والحرام ما حرّم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو ممّا عفا عنه » (١) .

٢ ـ قول الإمام عليّ عليه‌السلام : « إنّ الله افترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها ، وحدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسياناً ، فلا تتكلّفوها » (٢) .

٣ ـ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم » (٣) .

٤ ـ « عن عبد الأعلىٰ بن أعين ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام : مَن لم يعرف شيئاً ، عليه شيء ؟ قال : لا » (٤) .

٥ ـ قول الإمام الصادق عليه‌السلام : « إنّ الله عزّ وجلّ احتجّ علىٰ الناس بما آتاهم وما عرّفهم » (٥) .

فعدم وجود دليل خاصّ أو عامّ يبيّن حكم واقعة ما ، دليل علىٰ أنّ

__________________

(١) سُنن الترمذي ٤ / ٢٢٠ ح ١٧٢٦ ، سُنن ابن ماجة ٥ / ٧٣ ح ٣٣٦٧ ، سُنن البيهقي ١٤ / ٢٩٧ ح ١٩٩٣٥ ، المستدرك علىٰ الصحيحين ٥ / ١٥٨ .

(٢) وسائل الشيعة ١٥ / ٢٦٠ ح ٢٠٤٥٢ ، نهج البلاغة : ٤٨٧ الحكمة ١٠٥ .

(٣) الكافي ١ / ١٦٤ ح ٣ ، التوحيد : ص ٤١٣ ح ٩ .

(٤) الكافي ١ / ١٦٤ ح ٢ ، التوحيد : ٤١٢ ح ٨ .

(٥) التوحيد : ٤١٠ ح ٢ .

١٠٨
 &

حكمها الإباحة ، ولا يدلّ علىٰ نقص في التشريع أو فقدان لبعض أدلّة الأحكام ، بنحو يضطرّنا إلىٰ الرجوع إلىٰ العقل وٱتّخاذه مقنّناً أو كاشفاً عن الأحكام ، وعليه ينبغي حصر وظيفة العقل باستنباط الأحكام بالرجوع إلىٰ النصوص الشرعية من آيات الكتاب الكريم ، وأحاديث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين .

والحمد لله ربّ العالمين .

*      *     *

١٠٩
 &

مصادر البحث

١ ـ القرآن الكريم .

٢ ـ اجتهاد الرسول ، لنادية شريف العمري ، مؤسّسة الرسالة / بيروت ، ١٤٠١ هـ ـ ١٩٨١ م .

٣ ـ الإحكام في أُصول الأحكام ، لابن حزم علي بن أحمد الأندلسي ، تحقيق لجنة من العلماء ، ط ٢ ، دار الجيل / بيروت ، ١٤٠٥ هـ ـ ١٩٨٥ م .

٤ ـ اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشّي ) ، لأبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي ، تحقيق محمّد فاضل الميبدي والسيّد أبو الفضل الموسويان ، نشر وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / طهران ، ١٤٢٤ هـ .

٥ ـ الإسماعيليّون والمغول ونصير الدين الطوسي ، لحسن الأمين ، مركز دراسات الغدير / قم ، ١٤١٧ هـ ـ ١٩٩٧ م .

٦ ـ أُصول الفقه ، للشيخ محمّد رضا المظفّر ، مطبعة النعمان / النجف الأشرف ، ١٣٨٦ هـ ـ ١٩٦٦ م .

٧ ـ الأُصول العامة للفقه المقارن ، للسيّد محمّد تقي الحكيم ، دار الأندلس / بيروت ، ١٩٦٣ م .

٨ ـ أعلام الموقّعين ، لابن قيّم الجوزية ، تحقيق طٰه عبد الرؤوف ، دار الجيل / بيروت .

٩ ـ بشارة المصطفىٰ لشيعة المرتضىٰ ، لمحمّد بن علي الطبري ، تحقيق جواد القيّومي الأصفهاني ، مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، ١٤٢٠ هـ .

١٠ ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لمحمّد بن أحمد ، ابن رشد القرطبي ، ١٣٨٩ هـ ـ ١٩٦٩ م .

١١ ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد ، للشيخ محمّد بن الحسن الصفّار ، تعليق وتصحيح الميرزا محسن كوچه باغي ، منشورات الأعلمي / طهران ، ١٤٠٤ هـ .

١١٠
 &

١٢ ـ التبصرة في أُصول الفقه ، لأبي إسحاق الشيرازي ، تحقيق محمّد حسن هيتو ، دار الفكر / دمشق ، ١٤٠٣ هـ ـ ١٩٨٣ م .

١٣ ـ تحف العقول عن آل الرسول ، لعلي بن الحسين بن شعبة الحرّاني ، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفّاري ، مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، ١٤٠٤ هـ .

١٤ ـ التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) ، لفخر الدين محمّد بن عمر الرازي .

١٥ ـ الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة ، للشيخ يوسف البحراني ، طبعة مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، ١٣٧٧ هـ .

١٦ ـ حقائق الأُصول ، للسيّد محسن الحكيم ، النجف الأشرف ، ١٣٧٢ هـ .

١٧ ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ، لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني ، دار الكتاب العربي / بيروت ، ١٤٠٥ هـ ـ ١٩٨٥ م .

١٨ ـ الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور ، لجلال الدين السيوطي ، دار الفكر / بيروت ، ١٤١٤ هـ ـ ١٩٩٣ م .

١٩ ـ دعائم الإسلام ، للقاضي أبو حنيفة النعمان ، تحقيق علي أصغر فيضي ، دار المعارف / مصر ، ١٣٨٣ هـ ـ ١٩٦٣ م .

٢٠ ـ روضة الناظر وجنّة المناظر ، لابن قدامة ، عبد الله بن أحمد ، تحقيق شعبان محمّد إسماعيل ، مؤسّسة الريّان / بيروت ، ١٤١٩ هـ ـ ١٩٩٨ م .

٢١ ـ السرائر ، لمحمّد بن إدريس الحلّي ، مؤسّسة النشر الإسلامي / قم ، ١٤١٤ هـ .

٢٢ ـ سُنن ابن ماجة ، لمحمّد بن يزيد القزويني ، تحقيق بشّار عوّاد معروف ، دار الجيل / بيروت ، ١٤١٨ هـ ـ ١٩٩٨ م .

٢٣ ـ سُنن أبي داود ، لسليمان بن الأشعث ، ضبط وتعليق محمّد محيي الدين عبد الحميد ، دار الفكر / بيروت .

٢٤ ـ سُنن البيهقي ، لأحمد بن الحسين ، دار الفكر / بيروت ، ١٤١٦ هـ ـ ١٩٩٦ م .

٢٥ ـ سُنن الترمذي ، لمحمّد بن عيسىٰ ، تحقيق إبراهيم عطوة عوض ،

١١١
 &

دار إحياء التراث العربي / بيروت ، ١٣٨١ هـ ـ ١٩٦٢ م .

٢٦ ـ سُنن النسائي ، لأحمد بن شُعيب ، ضبط وتصحيح عبد الوارث محمّد علي ، دار الكتب العلمية / بيروت ، ١٤١٦ هـ ـ ١٩٩٥ م .

٢٧ ـ شرح التجريد ، لعلاء الدين علي بن محمّد القوشجي ، الطبعة الحجرية .

٢٨ ـ شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد المعتزلي ، عزّ الدين عبد الحميد ابن هبة الله بن محمّد المدائني ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء الكتب العربية / مصر ، ١٣٨٥ هـ ـ ١٩٦٥ م .

٢٩ ـ الصادع في الردّ علىٰ مَن قال بالقياس والرأي والاستحسان والتعليل ، لابن حزم الأندلسي ، تحقيق محمّد رضا الأنصاري ، مجلّة دراسات أُصولية / قم ، العدد المزدوج ( ٤ ـ ٥ ) لسنة ١٤٢٤ هـ .

٣٠ ـ صحيح البخاري ، لمحمّد بن إسماعيل ، تحقيق مصطفىٰ ديب البُغا ، دار ابن كثير ودار اليمامة / دمشق وبيروت ، ١٤١٤ هـ ـ ١٩٩٣ م .

٣١ ـ صحيح مسلم بشرح النووي ، تحقيق خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة / بيروت ، ١٤٢٢ هـ ـ ٢٠٠١ م .

٣٢ ـ علل الشرائع ، للشيخ الصدوق ، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ، مؤسّسة الأعلمي / بيروت ، ١٤٠٨ هـ ـ ١٩٨٨ م .

٣٣ ـ العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ، لابن الجوزي ، تحقيق خليل الميس ، دار الكتب العلمية / بيروت ، ١٤٢٤ هـ ـ ٢٠٠٣ م .

٣٤ ـ عوالي اللآلي ، لابن أبي جمهور الأحسائي ، تحقيق مجتبىٰ العراقي ، مطبعة سيّد الشهداء / قم ، ١٤٠٣ هـ ـ ١٩٨٣ م .

٣٥ ـ الفتاوىٰ الواضحة ، للسيّد محمّد باقر الصدر ، مطبعة الآداب / النجف الأشرف ، ١٣٩٦ هـ .

٣٦ ـ فجر الإسلام ، لأحمد أمين ، دار الكتاب العربي / بيروت ، ١٩٦٩ م .

٣٧ ـ الفصول المهمّة في أُصول الأئمّة ، للحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن ، منشورات بصيرتي / قم .

١١٢
 &

٣٨ ـ الكافي ، للكليني محمّد بن يعقوب الرازي ، تحقيق علي أكبر الغفّاري ، دار الكتب الإسلامية / طهران ، ١٣٨٨ هـ .

٣٩ ـ كتاب سُليم بن قيس الهلالي ، تحقيق محمّد باقر الأنصاري ، الناشر : « دليل ما » / قم ، ١٤٢٤ هـ .

٤٠ ـ كفاية الأُصول ، للآخوند الخراساني ، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم ، ١٤٠٩ هـ .

٤١ ـ كنز العمّال ، للمتّقي الهندي ، مؤسّسة الرسالة / بيروت ، ١٤٠٥ هـ .

٤٢ ـ المحاسن ، لأحمد بن محمّد البرقي ، تحقيق المحدّث الأُرموي ، دار الكتب الإسلامية / قم .

٤٣ ـ المحصول في علم الأُصول ، لفخر الدين محمّد بن عمر الرازي ، تحقيق محمّد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية / بيروت ، ١٤٢٠ هـ ـ ١٩٩٩ م .

٤٤ ـ محاضرات في أُصول الفقه ، لمحمّد إسحاق الفيّاض ، تقريراً لبحث السيّد الخوئي ، مطبعة النجف ، ١٣٨٢ هـ ـ ١٩٦٢ م .

٤٥ ـ المستدرك علىٰ الصحيحين ، للحاكم النيسابوري محمّد بن عبد الله ، صنعة عبد السلام علّوش ، دار المعرفة / بيروت ، ١٤١٨ هـ ـ ١٩٩٨ م .

٤٦ ـ مستدرك وسائل الشيعة ، لميرزا حسين النوري الطبرسي ، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم ، ١٤٠٧ هـ .

٤٧ ـ مسند أحمد بن حنبل ، شرحه ووضع فهارسه حمزة أحمد الزين ، دار الحديث / القاهرة ، ١٤١٦ هـ ـ ١٩٩٥ م .

٤٨ ـ معاني الأخبار ، للشيخ الصدوق ، تصحيح علي أكبر الغفّاري ، نشر جماعة المدرّسين / قم ، ١٣٦١ هـ . ش .

٤٩ ـ مقدّمة ابن خلدون ، مراجعة لجنة من العلماء ، ط المكتبة التجارية / مصر .

٥٠ ـ موسوعة فقه السلف ـ إبراهيم النخعي ، محمّد روّاس قلعه چي ، دار النفائس / بيروت ، ١٤٠٦ هـ ـ ١٩٨٦ م .

٥١ ـ النصّ والاجتهاد ، للسيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي ،

١١٣
 &

مؤسّسة الأعلمي / بيروت ، ١٣٨٦ هـ ـ ١٩٦٦ م .

٥٢ ـ نهاية الدراية في شرح الكفاية ، للشيخ محمّد حسين الأصفهاني ، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم ، ١٤١٨ هـ ـ ١٩٩٨ م .

٥٣ ـ نهج البلاغة ، جمع الشريف الرضي ، تحقيق صبحي الصالح ، دار الكتاب اللبناني / بيروت ، ١٩٨٠ م .

٥٤ ـ هداية الأبرار إلىٰ طريق الأئمّة الأطهار ، للشيخ حسين الكركي ، تصحيح رؤوف جمال الدين ، النجف ، ١٣٩٦ هـ .

٥٥ ـ وسائل الشيعة ، للحرّ العاملي الشيخ محمّد بن الحسن ، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم ، ١٤١٦ هـ .

٥٦ ـ وقاية الأذهان ، للشيخ محمّد رضا الأصفهاني ، تحقيق مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث / قم ، ١٤١٣ هـ .

*      *     *

١١٤
 &

العزاء والرثاء سُنّة قرآنية

الشيخ محمّد السند

بسم الله الرحمٰن الرحيم

يطرح بعضهم سؤالاً عن المبرّر الشرعي والأهداف الدينية وراء تكرار العزاء وإقامة المأتم علىٰ سيّد الشهداء عليه‌السلام وبضعة المصطفىٰ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّ عام ، مع تطاول المدّة ، بنحو رتيب وندبة راتبة ، والحال إنّ الندبة والرثاء علىٰ السبط الشهيد سُنّة إلٰهية تكوينية وقرآنية ، وكذلك هو سُنّة نبوية .

وقد أوضحت الكثير من الكتب والمراجع التاريخية والدراسات عدّة من هذه الوجوه :

فالوجه الأوّل : وهو السُنّة التكوينية الإلٰهية .

يشير إليه قوله تعالىٰ : ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) (١) ؛ إذ

__________________

(١) سورة الدُخان ٤٤ : ٢٩ .

١١٥
 &

أنّ الله سبحانه وتعالىٰ قد نفىٰ ـ في هذه الآية الكريمة ـ بكاء السماء والأرض علىٰ هلاك قوم فرعون الظالمين ، وهو ما يقضي بوجود شأن فعل البكاء من السماء والأرض كظاهرة كونية ، وإلّا لَما كان للنفي معنىً محصّل . .

وقد أشارت المصادر العديدة من كتب أهل سُنّة الجماعة بوقوع هذه الظاهرة الكونية عند مقتل الحسين عليه‌السلام من مطر السماء دماً ، وٱحمرارها مدّة مديدة ، ورؤية لون الدم علىٰ الجدران وتحت الصخور والأحجار في المدن والبلاد الإسلامية ، فلاحظ ما ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة الحسين عليه‌السلام بأسانيد متعدّدة (١) .

بل قد أطلعنا أخيراً بعض المؤمنين علىٰ كتاب ( ذي أنكلوساكسون كرونكل ) ، كتبه مؤلّفه سنة ١٩٥٤ م ، يشتمل علىٰ ذكر الأحداث التاريخية التي مرّت بها الأُمّة البريطانية منذ عهد المسيح عليه‌السلام .

وهو يذكر لكلّ سنة أحداثها ، حتّىٰ يأتي علىٰ ذكر أحداث سنة ٦٨٥ م ، التي تقابل سنة ٦١ هـ سنة استشهاد السبط عليه‌السلام ، فيذكر المؤلّف أنّ في هذه السنة مطرت السماء دماً ، وأصبح الناس في بريطانيا فوجدوا أن ألبانهم وأزبادهم تحوّلت إلىٰ دم (٢) . .

هذا مع أنّ الكاتب لم يجد لهذه الظاهرة تفسيراً ، ولم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلىٰ مقارنة ذلك لسنة ٦١ هـ .

__________________

(١) تاريخ مدينة دمشق ١٤ / ٢٢٦ ـ ٢٣٠ من ترجمة الإمام الحسين عليه‌السلام .

(٢) لاحظ : ص ٣٥ وص ٣٨ وص ٤٢ من كتاب The Anglo-Saxon Chrovicle وقد سجّل الكتاب في مكتبة Everyman’s Libarary برقم ٦٢٤ .

١١٦
 &

وأمّا الوجه الثاني : وهو كون ذلك سُنّة قرآنية .

فهو علىٰ نمطين :

الأوّل : افتراض الباري تعالىٰ مودّة أهل البيت عليهم‌السلام ، بل وجعل هذه الفريضة من عظائم الفرائض القرآنية ، وذلك في قوله تعالىٰ : ( ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّـهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (١) . .

فقد جعل المودّة أجراً علىٰ مجموع الرسالة المشتملة علىٰ أُصول الدين العظيمة ، ممّا يدلّل علىٰ كون هذه الفريضة في مصاف أُصول الديانة .

ثمّ بيّن تعالىٰ أنّ المودّة لها لوازم وأحكام ، منها : الاتّباع ، كما في قوله تعالىٰ : ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ ) (٢) .

ومنها : الإخبات والإيمان بذلك ، كما في قوله تعالىٰ : ( وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ) (٣) .

ومنها : الحزن لحزنهم ، والفرح لفرحهم ، كما في قوله تعالىٰ : ( إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ

__________________

(١) سورة الشورىٰ ٤٢ : ٢٣ .

(٢) سورة آل عمران ٣ : ٣١ .

(٣) سورة الحُجرات ٤٩ : ٧ .

١١٧
 &

وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ ) (١) . .

ففد بيّن تعالىٰ ـ من خلال دلالة هذه الآية علىٰ أنّ العداوة للرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقتضاها الحزن لفرحه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته عليهم‌السلام ، والفرح لمصيبته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته عليهم‌السلام ـ أنّ المحبّة تقتضي الحزن لمصابهم ، والفرح لفرحهم .

ونظير هذه الدلالة قوله تعالىٰ : ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) (٢) . .

فعلىٰ هذه الدلالة القرآنية يكون العزاء وإقامة المأتم والرثاء والندبة علىٰ مصاب السبط عليه‌السلام ، بضعة المصطفىٰ ، سيّد شباب أهل الجنّة ، ريحانة الرسول الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، من مقتضيات الفريضة العظيمة الخالدة بخلود الدين ، وهي : مودّة القربىٰ .

الثاني : ما عقدنا هذا المقال له ، وهو : إنّ القرآن قد تضمّن الرثاء والندبة علىٰ خريطة وقائمة المظلومين طوال سلسلة أجيال البشرية . .

وقد استعرض القرآن الكريم ظلامتهم ، بدءاً من هابيل إلىٰ بقية أدوار الأنبياء والرسل ، وروّاد الصلاح والعدالة ، والجماعات المصلحة المقاومة للفساد والظلم ، كأصحاب الأُخدود ، وقوافل الشهداء عبر تاريخ البشرية ، وحتّىٰ الأطفال المجني عليهم نتيجة سُنن جاهلية ، كالموؤدة ، بل قد رثىٰ وندب القرآن الناقة ـ ناقة صالح عليه‌السلام ـ لمكانتها .

ولم يقتصر القرآن علىٰ الرثاء والندبة لمن وقعت عليهم الظلامات ،

__________________

(١) سورة التوبة ( براءة ) ٩ : ٥٠ .

(٢) سورة آل عمران ٣ : ١٢٠ .

١١٨
 &

بل أخذ في التنديد بالظالم والعتاة الظلمة ، وتوعّدهم بالعذاب والنقمة والبطش ، كما نجده في جملة من الموارد التي سنتعرّض لها ـ في هذا المقال ـ في السور القرآنية ، وهي :

* الأُولىٰ : قصّة أصحاب الأُخدود في سورة البروج .

فالسورة تستهلّ بالقَسم الإلٰهي أربع مرّات : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) (١) ، وهذا الابتداء بمثابة توثيق للواقعة والحادثة التي يريد الإخبار عنها ، وفي هذا منهجاً ودرساً يحثّ علىٰ توثيق الحادثة أوّلاً ، ثمّ الخوض في تفاصيلها ورسم أحداثها .

ثمّ تسرد السورة وقائع الحدث الذي جاء القسم الإلٰهي علىٰ وقوعه ، مبتدئة بلفظ : ( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ) (٢) ، وهو أُسلوب رثاء وندبة وعزاء ، نظير قول الراثي : قتل الحسين عطشاناً . كما أن توصيفهم بأصحاب الأُخدود بيان لكيفية القتل التي جرت عليهم .

وتواصل السورة تصوير مسرح الحدث ؛ استثارة للعواطف وتهييجها ، وذلك بوصف الأُخدود : ( النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ) (٣) ، وهو بيان لشدّة استعار النار التي أُجّجت لإحراقهم ، وهو وصف لبشاعة الجناية وفظاعتها .

ثمّ يتابع القرآن الكريم قوله : ( إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ) (٤) ، وهو بيان للقطة أُخرىٰ من مسرح عمليات الحادثة التي أوقعها الظالمين علىٰ

__________________

(١) سورة البروج ٨٥ : ١ ـ ٣ .

(٢) سورة البروج ٨٥ : ٤ .

(٣) سورة البروج ٨٥ : ٥ .

(٤) سورة البروج ٨٥ : ٦ .

١١٩
 &

المؤمنين ، من إرعابهم وتهديدهم بإجلاسهم علىٰ شفير الأُخدود المتأجّج أوّلاً ، ولأجل ممارسة الضغط عليهم للتخلّي عن مبادئهم التي يتمسّكون بها ، وفيه بيان لشدّة صلابة المؤمنين مع هذا الإرعاب المسلّط عليهم .

ثمّ تتابع السورة : ( وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ) (١) ، وهذا بيان يجسّد فوران الشفقة الإلٰهية علىٰ الظلامة ، والتلهّف علىٰ ما يُفعل بالمؤمنين .

ثمّ تتلو السورة : ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (٢) ، فيبيّن براءة المؤمنين في قبال شدّة الظلامة ، ومن جهة أُخرىٰ يبيّن شدّة صلابة المؤمنين وصمودهم وعلوّ مبدأهم .

ثمّ يبدأ الباري تعالىٰ بتهديد الظالمين وتنديده بهم من موقع المالك للسماوات والأرض ، والشاهد المراقب لكلّ الأُمور : ( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّـهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (٣) .

ثمّ يقول تعالىٰ : ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ . . . إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) (٤) . .

فيسطّر تعالىٰ قاعدة وسُنّة إلٰهية عامّة من الوقوف بصفّ المظلومين ومواجهة الظالمين ، وهو بذلك يربّي المسلمين والمؤمنين والقارئ للقرآن علىٰ التضامن مع المظلومين ، والنفرة من الظالمين والتنديد بهم عبر طول

__________________

(١) سورة البروج ٨٥ : ٧ .

(٢) سورة البروج ٨٥ : ٨ .

(٣) سورة البروج ٨٥ : ٩ .

(٤) سورة البروج ٨٥ : ١٠ ـ ١٤ .

١٢٠