شفاء العليل

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

شفاء العليل

المؤلف:

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]


المحقق: عصام فارس الحرستاني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٧٦
  نسخة غير مصححة

القلوب حقيقة ، وأنه إن شاء يقيم القلب أقامه ، وإن شاء أن يزيغه أزاغه ، لا يقر بأن الله على كل شيء قدير ، ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض ، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ، يقول : من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى ، كلمه منها ، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها ، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده وأنه يتجلى لهم يضحك ، وأنه يريهم نفسه المقدسة ، وأنه يضع رجله على النار ، فيضيق بها أهلها ، وينزوي بعضها إلى بعض ، إلى غير ذلك من شئونه وأفعاله التي من لم يقرّبها ، لم يقر بأنه على كل شيء قدير ؛ فيا لها كلمة من حبر الأمة وترجمان القرآن. وقد كان ابن عباس شديدا على القدرية ، وكذلك الصحابة ، كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.

٨١
٨٢

الباب العاشر

في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن

بالقضاء والقدر

وهي أربع مراتب :

المرتبة الأولى : علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها.

المرتبة الثانية : كتابته لها قبل كونها.

المرتبة الثانية : مشيئته لها.

الرابعة : خلقه لها.

فأما المرتبة الأولى : وهي العلم السابق ، فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم ، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة ، وخالفهم مجوس الأمة. وكتابته السابقة تدلّ على علمه بها قبل كونها ، وقد قال تعالى (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠)) [البقرة].

قال مجاهد : علم من إبليس المعصية ، وخلقه لها.

٨٣

وقال قتادة : كان في علمه أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة.

وقال ابن مسعود : أعلم ما لا تعلمون من إبليس.

وقال مجاهد أيضا : علم من إبليس أنه لا يسجد لآدم.

وقال تعالى (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)) [لقمان].

وفي المسند (١) من حديث لقيط بن عامر ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب؟ فقال : «ضنّ ربّك بمفاتيح خمس من الغيب ، لا يعلمها إلا الله. وأشار بيده ، فقلت : ما هنّ؟ قال : علم المنية ، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه. وعلم المنيّ حين يكون في الرحم ، قد علمه ، ولا تعلمونه. وعلم ما في غد ، قد علم ما أنت طاعم ولا تعلمه. وعلم يوم الغيث يشرق عليكم مشفقين ، فيظل يضحك. قد علم أن غوثكم إلى قريب» قال لقيط : لن تعدم من رب ـ يضحك ـ خيرا. وعلم يوم الساعة.

وقد تقدم حديث علي المتفق على صحته : «ما منكم من أحد ، ما من نفس منفوسة ، إلا وقد علم مكانها من الجنة أو النار» (٢).

وقال البزار : حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي قال : حدثنا عبيد الله بن موسى قال : حدثنا فضل بن مرزوق عن عطية ، عن أبي سعيد ،

__________________

(١) أحمد (٤ / ١٣) وهو ضعيف من حديث لقيط بن عامر ، ففيه من لا يعتد بتوثيقه.

(٢) رواه البخاري (١٣٦٢) ، ومسلم (٢٦٤٧) عن علي. وقد مر قريبا.

٨٤

عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، أحسبه قال : «يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود ، فيقول الهالك في الفترة : لم يأتني كتاب ولا رسول. ويقول المعتوه : أي رب! لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا. ويقول المولود : أي رب لم أدرك العمل ، قال : فيرفع لهم نار ، فيقال لهم : ردوها : أو قال : ادخلوها فيردها من كان في علم الله سعيدا أن لو أدرك العمل ، قال : ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا أن لو أدرك العمل ، فيقول تبارك وتعالى : إياي عصيتم ، فكيف رسلي بالغيب» (١).

وفي الصحيحين (٢) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : «ما من مولود يولد إلا على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» كما تنتج البهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها ، قالوا يا رسول الله : أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال : «الله أعلم بما كانوا عاملين».

ومعنى الحديث : الله أعلم بما كانوا عاملين ، لو عاشوا ، وقد قال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ (٢٣)) [الجاثية] قال ابن عباس : علم ما يكون قبل أن يخلقه ، وقال أيضا : على علم قد سبق عنده. وقال أيضا : يريد الأمر الذي سبق له في أم الكتاب.

وقال سعيد بن جبير ومقاتل : على علمه فيه. وقال أبو إسحاق : أي على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه. وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين. وقال الثعلبي : على علم منه بعاقبة أمره ، قال : وقيل : على ما

__________________

(١) ضعيف. رواه البزاز (٢١٧٦) عن أبي سعيد الخدري ، وفيه فضيل بن مرزوق وعطية العوفي : ضعيفان.

(٢) البخاري (١٣٨٤) ، ومسلم (٢٦٥٨) (٢٣).

٨٥

سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه. وكذلك ذكر البغوي وأبو الفرج بن الجوزي قال : على علمه السابق فيه أنه لا يهتدي.

وذكر طائفة منهم المهدوي وغيره قولين في الآية ، وهذا أحدهما ، قال المهدوي : فأضله الله على علم علمه منه بأنه لا يستحقه. قال : وقيل : على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر ، وعلى الأول يكون «على علم» حال من الفاعل ، المعنى : أضله الله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه ، وعلى الثاني حال من المفعول ، أي : أضله الله في حال علم الكافر بأنه ضال.

قلت : وعلى الوجه الأول ، فالمعنى : أضله الله عالما به وبأقواله وما يناسبه ويليق به ، ولا يصلح له غيره قبل خلقه وبعده ، وأنه أهل للضلال ، وليس أهلا أن يهدى ، وأنه لو هدى لكان قد وضع الهدى في غير محله وعند من لا يستحقه ، والرب تعالى حكيم ، إنما يضع الأشياء في محالّها اللائقة بها ، فانتظمت الآية على هذا القول في إثبات القدر والحكمة التي لأجلها قدّر عليه الضلال ، وذكر العلم إذ هو الكاشف المبيّن لحقائق الأمور ، ووضع الشيء في مواضعه ، وإعطاء الخير من يستحقه ومنعه من لا يستحقه ، فإن هذا لا يحصل بدون العلم ، فهو سبحانه أضله على علمه بأحواله التي تناسب ضلاله وتقتضيه وتستدعيه ، وهو سبحانه كثيرا ما يذكر ذلك مع إخباره بأنه أضل الكافر كما قال : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)) [الأنعام].

وقال تعالى : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)) [البقرة].

٨٦

وقال تعالى : (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)) [التوبة] (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤)) [التوبة] (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)) [الزمر] (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ (٢٧)) [إبراهيم] (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤)) [غافر] (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)) [غافر] (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩)) [الروم].

وقد أخبر سبحانه أنه يفعل ذلك عقوبة لأرباب هذه الجرائم ، وهذا إضلال ثان بعد الإضلال الأول كما قال تعالى (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً (١٥٥)) [النساء] وقال تعالى (وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)) [الأنعام] وقال (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥)) [الصف] وقال تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً (١٠)) [البقرة] وقال (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)) [الأنفال].

أي : إن تركتم الاستجابة لله ورسوله عاقبكم بأن يحول بينكم وبين قلوبكم ، فلا تقدرون على الاستجابة بعد ذلك ، ويشبه هذا إن لم يكن بعينه قوله (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا (١٣)) [يونس] الآية. وفي موضع آخر (تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)) [الأعراف].

وفي هذه الآية ثلاثة أقوال : أحدها ، قال أبو إسحاق : هذا إخبار عن قوم لا يؤمنون ، كما قال عن نوح (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ (٣٦)) [هود] واحتج على هذا بقوله (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)) [الأعراف]

٨٧

قال وهذا يدل على أنه قد طبع على قلوبهم.

وقال ابن عباس : فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا يوم أخذ ميثاقهم ، حين أخرجهم من ظهر آدم ، فآمنوا كرها ، وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب.

وقال مجاهد : فما كانوا ، لو أحييناهم بعد هلاكهم ، ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم.

قلت : وهو نظير قوله : ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه.

وقال آخرون : لما جاءتهم رسلهم بالآيات التي اقترحوها ، وطلبوها ، ما كانوا ليؤمنوا بعد رؤيتها ومعاينتها بما كذبوا به من قبل رؤيتها ومعاينتها ، فمنعهم تكذيبهم السابق بالحق لما عرفوه من الإيمان به بعد ذلك ، وهذه عقوبة من ردّ الحق أو أعرض عنه فلم يقبله ، فإنه يصرف عنه ويحال بينه وبينه ، ويقلب قلبه عنه ، فهذا إضلال العقوبة ، وهو من عدل الرب في عبده ، وأما الإضلال السابق الذي ضل به عن قبوله أولا ، والاهتداء به فهو إضلال ناشئ عن علم الله السابق في عبده ، أنه لا يصلح للهدى ، ولا يليق به ، وأن محله غير قابل له ، فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه ، كما هو أعلم حيث يجعل رسالته ، فهو أعلم حيث يجعلها أصلا وميراثا.

وكما أنه ليس كلّ محلّ أهلا لتحمل الرسالة عنه وأدائها إلى الخلق ، فليس كل محل أهلا لقبولها والتصديق بها كما قال تعالى (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)) [الأنعام].

أي : ابتلينا واختبرنا بعضهم ببعض ، فابتلى الرؤساء والسادة بالأتباع والموالي والضعفاء ، فإذا نظر الرئيس والمطاع إلى المولى والضعيف أنفه

٨٨

وأنف أن يسلم وقال : هذا يمنّ الله عليه بالهدى والسعادة دوني؟! قال الله تعالى (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)) [الأنعام] وهم الذين يعرفون النعمة وقدرها ، ويشكرون الله عليها بالاعتراف والذل والخضوع والعبودية ، فلو كانت قلوبكم مثل قلوبهم ، تعرفون قدر نعمتي وتشكروني عليها ، وتذكروني بها وتخضعون لي كخضوعهم ، وتحبوني كحبهم ، لمننت عليكم كما مننت عليهم ولكن لمنّني ونعمي محالّ لا تليق إلا بها ، ولا تحسن إلّا عندها ، ولهذا يقرن كثيرا بين التخصيص والعلم كقوله هاهنا (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)) [الأنعام] وقوله (وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (١٢٤)) [الأنعام] وقوله (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩)) [القصص].

أي : سبحانه المتفرد بالخلق والاختيار مما خلق وهو الاصطفاء والاجتباء ، ولهذا كان الوقف التام عند قوله «ويختار» ثم نفى عنهم الاختيار الذي اقترحوه بإرادتهم ، وأن ذلك ليس إليهم بل إلى الخلاق العليم الذي هو أعلم بمحالّ الاختيار ومواضعه ، لا من قال (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)) [الزخرف] فأخبر سبحانه أنه لا يبعث الرسل باختيارهم ، وأن البشر ليس لهم أن يختاروا على الله ، بل هو الذي يخلق ما يشاء ويختار.

ثم نفى سبحانه أن تكون لهم الخيرة كما ليس لهم الخلق ، ومن زعم أن «ما» مفعول يختار ، فقد غلط ، إذ لو كان هذا هو المراد ، لكانت الخيرة منصوبة على أنها خبر كان ، ولا يصح المعنى ما كان لهم الخيرة فيه وحذف العائد ، فإن العائد هاهنا مجرور بحرف ، لم يجر الموصول بمثله ، فلو حذف مع الحرف ، لم يكن عليه دليل ، فلا يجوز حذفه ، وكذلك لم يفهم معنى

٨٩

الآية من قال : إن الاختيار هاهنا هو الإرادة كما يقوله المتكلمون أنه سبحانه فاعل بالاختيار ، فإن هذا الاصطلاح حادث منهم ، لا يحمل عليه كلام الله ، بل لفظ الاختيار في القرآن مطابق لمعناه في اللغة ، وهو اختيار الشيء على غيره ، وهو يقتضي ترجيح ذلك المختار وتخصيصه وتقديمه على غيره ، وهذا أمر أخص من مطلق الإرادة والمشيئة.

قال في الصحاح : الخيرة الاسم من قولك : خار الله لك في هذا الأمر ، والخيرة أيضا ، يقول : محمد خيرة الله من خلقه ، وخيرة الله أيضا بالتسكين ، والاختيار : الاصطفاء ، وكذلك التخيير والاستخارة طلب الخيرة ، يقال : استخر الله يخر لك. وخيّرته بين الشيئين : فوّضت إليه الاختيار ، انتهى. فهذا هو الاختيار في اللغة ، وهو أخص مما اصطلح عليه أهل الكلام ، ومن هذا قوله (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (٣٦)) [الأحزاب] وقوله تعالى (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا (١٥٥)) [الأعراف] أي : اختار منهم ، وبهذا يحصل جواب السؤال الذي تورده القدرية ، يقولون في الكفر والمعاصي : هل هي واقعة باختيار الله أم بغير اختياره ، فإن قلتم باختياره ، فكل مختار مرضي مصطفى محبوب ، فتكون مرضية محبوبة له ، وإن قلتم : بغير اختياره ، لم يكن بمشيئته واختياره ، وجوابه أن يقال : ما تعنون بالاختيار العام في اصطلاح المتكلمين ، وهو المشيئة والإرادة ، أم تعنون به الاختيار الخاص الواقع في القرآن والسنة وكلام العرب؟ وإن أردتم بالاختيار الأول ، فهي واقعة باختياره ، بهذا الاعتبار ، لكن لا يجوز أن يطلق ذلك عليها ، لما في لفظ الاختيار من معنى الاصطفاء والمحبة ، بل يقال : واقعة بمشيئته وقدرته. وإن أردتم بالاختيار معناه في القرآن ولغة العرب ، فهي غير واقعة باختياره بهذا المعنى ، وإن كانت واقعة بمشيئته ، فإن قيل : فهل تقولون إنها واقعة بإرادته ، أم لا تطلقون ذلك؟.

٩٠

قيل : لفظ الإرادة في كتاب الله نوعان : إرادة كونية شاملة لجميع المخلوقات كقوله (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦)) [البروج] وقوله (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً (١٦)) [الإسراء] وقوله (إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ (٣٤)) [هود] ونظائر ذلك. وإرادة دينية أمرية ، لا يجب وقوع مرادها كقوله (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ (١٨٥)) [البقرة] وقوله (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ (٢٧)) [النساء] فهي مرادة بالمعنى الأول غير مرادة بالمعنى الثاني ، وكذلك قيل : هل هي واقعة بإذنه أم لا؟ والإذن أيضا نوعان : كونيّ كقوله (وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ (١٠٢)) [البقرة] وديني أمري كقوله (آللهُ أَذِنَ لَكُمْ (٥٩)) [يونس] وقوله (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا (٣٩)) [الحج].

ولفظ الاختيار مشتق من الخير المخالف للشر ، ولما كان الأصل في الحي أنه يريد ما ينفعه وما هو خير ، سميت الإرادة اختيارا ؛ وهذا يتضمن أن الإرادة لا ترجّح نوعا على نوع إلا لمرجّح رجّح ذلك النوع عند الفاعل ، والمقصود أنه يذكر العلم عند التخصيصات كقوله تعالى (وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢)) [الدخان].

لا خلاف بين الناس أن المعنى : على علم منا بأنهم أهل الاختيار ، فالجملة في موضع نصب على الحال ، أي : اخترناهم عالمين بهم وبأحوالهم وما يقتضي اختيارهم من قبل خلقهم. ذكر سبحانه اختيارهم وحكمته في اختياره إياهم ، وذكر علمه الدال على مواضع حكمته واختياره ، ومن هذا قوله سبحانه (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١)) [الأنبياء] وأصح الأقوال في الآية أن المعنى : من قبل نزول التوراة فإنه سبحانه قال (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)) [الأنبياء] وقال (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)) [الأنبياء] ثم قال : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ذلك ، ولهذا قطعت «قبل» عن الإضافة ، وبنيت ، لأن المضاف

٩١

منوي معلوم ، وإن كان غير مذكور في اللفظ ، وذكر سبحانه هؤلاء الثلاثة وهم أئمة الرسل وأكرم الخلق عليه محمد وإبراهيم وموسى ، وقد قيل «من قبل» أي : في حال صغره قبل البلوغ ، وليس في اللفظ ما يدل على هذا ، والسياق إنما يقتضي من قبل ما ذكر.

وقيل : المعني بقوله «من قبل» أي : في سابق علمنا ، وليس في الآية أيضا ما يدل على ذلك ، ولا هو أمر مختص بإبراهيم ، بل كل مؤمن. فقد قدّر الله هداه في سابق علمه ، والمقصود قوله : وكنّا به عالمين. قال البغوي : أنه أهل للهداية والنبوة ، وقال أبو الفرج : أي عالمين بأنه موضع لإيتاء الرشد.

وقال صاحب الكشاف : المعنى علمه به أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة وصفات قد رضيها وحمدها حتى أهّله لمخالّته ومخالصته ، وهذا كقولك في حر من الناس : أنا عالم بفلان. فكلامك هذا من الاحتواء على محاسن الأوصاف ، وهذا كقوله (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (١٢٤)) [الأنعام] وقوله (وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ (٣٢)) [الدخان] ونظيره قوله (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)) [آل عمران] وقريب منه قوله (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١)) [الأنبياء] حيث وضعنا هذا التخصيص في المحل الذي يليق به من الأماكن والأناسي.

فصل

وهو سبحانه كما هو العليم في اختياره من يختاره من خلقه ، وإضلاله من يضله منهم ، فهو العليم الحكيم بما في أمره وسرعه من العواقب الحميدة

٩٢

والغايات العظيمة قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)) [البقرة] بيّن سبحانه أن ما أمرهم به ، يعلم ما فيه من المصلحة والمنفعة لهم التي اقتضت أن يختاره ويأمرهم به ، وهم قد يكرهونه إما لعدم العلم ، وإما لنفور الطبع. فهذا علمه بما في عواقب أمره مما لا يعلمونه ، وذلك علمه بما في اختياره من خلقه بما لا يعلمونه ، فهذه الآية تضمنت الحض على التزام أمر الله ، وإن شقّ على النفوس ، وعلى الرضا بقضائه ، وإن كرهته النفوس.

وفي حديث الاستخارة : «اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاقدره لي ، ويسّره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلمه شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضّني به» (١).

ولما كان العبد يحتاج ، في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده ، إلى علم ما فيه من المصلحة وقدره عليه وتيسره له ، وليس له من نفسه شيء من ذلك ، بل علمه ممن علّم الإنسان ما لم يعلم ، وقدرته منه ، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز ، وتيسيره منه ، فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسّر عليه بعد إقداره ، أرشده النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى محض العبودية ، وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها ، وطلب

__________________

(١) رواه البخاري (١١٦٢) عن جابر بن عبد الله.

٩٣

القدرة منه ، فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز ، وطلب فضله منه ، فإن لم ييسره له ، ويهيئه له ، وإلا فهو متعذر عليه ، ثم إذا اختاره له بعلمه ، وأعانه عليه بقدرته ، ويسره له من فضله ، فهو يحتاج إلى أن يبقيه عليه ، ويديمه بالبركة التي يضعها فيه.

والبركة تتضمن ثبوته ونموه ، وهذا قدر زائد على إقداره عليه وتيسيره له ، ثم إذا فعل ذلك كله ، فهو محتاج إلى أن يرضيه به ، فإنه قد يهيئ له ما يكرهه ، فيظل ساخطا ، ويكون قد خار الله له فيه.

قال عبد الله بن عمر : إنّ الرجل ليستخير الله ، فيختار له ، فيسخط على ربه ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة ، فإذا هو قد خار له.

وفي «المسند» (١) من حديث سعد بن أبي وقاص ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : «من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى ، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله. ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله عزوجل. ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله».

فالمقدور يكتنفه أمران : الاستخارة قبله ، والرضا بعده. فمن توفيق الله لعبده وإسعاده إياه أن يختار قبل وقوعه ، ويرضى بعد وقوعه ، ومن خذلانه له أن لا يستخيره قبل وقوعه ، ولا يرضى به بعد وقوعه.

وقال عمر بن الخطاب : لا أبالي أصبحت على ما أحبّ أو على ما أكره ، لأني لا أدري الخير فيما أحبّ أو فيما أكره.

وقال الحسن : لا تكرهوا النقمات الواقعة والبلايا الحادثة ، فلربّ أمر تكرهه ، فيه نجاتك ، ولرب أمر تؤثره ، فيه عطبك.

__________________

(١) أحمد ١ / ١٦٨ ، والترمذي (٢١٥١).

٩٤

فصل

ومما يناسب هذا قوله تعالى : (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧)) [الفتح].

بيّن سبحانه حكمة ما كرهوه عام الحديبية ، من صدّ المشركين لهم ، حتى رجعوا ولم يعتمروا ، وبيّن لهم أن مطلوبهم يحصل بعد هذا ، فحصل في العام القابل ؛ وقال سبحانه : فعلم ما لم تعلموا ، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا. وهو صلح الحديبية ، وهو أول الفتح المذكور في قوله : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ، فإن بسببه حصل من مصالح الدين والدنيا والنصر وظهور الإسلام وبطلان الكفر ما لم يكونوا يرجونه قبل ذلك ، ودخل الناس بعضهم في بعض ، وتكلم المسلمون بكلمة الإسلام وبراهينه وأدلته جهرة ، لا يخافون ، ودخل في ذلك الوقت في الإسلام قريب ممن دخل فيه إلى ذلك الوقت ، وظهر لكل أحد بغي المشركين وعداوتهم وعنادهم ، وعلم الخاص والعام أن محمدا وأصحابه أولى (١) الحق والهدى ، وأن أعداءهم ليس بأيديهم إلا العدوان والعناد ، فإن البيت الحرام لم يصدّ عنه حاج ولا معتمر من زمن إبراهيم.

فتحققت العرب عناد قريش وعداوتهم ، وكان ذلك داعية لبشر كثير ، إلى الإسلام ، وزاد عناد القوم وطغيانهم ، وذلك من أكبر العون على نفوسهم ،

__________________

(١) الوجه أن تكون (أولو) وتسبق بالضمير (هم).

٩٥

وزاد صبر المؤمنين واحتمالهم والتزامهم لحكم الله وطاعة رسوله ، وذلك من أعظم أسباب نصرهم ، إلى غير ذلك من الأمور التي علمها الله ، ولم يعلمها الصحابة ، ولهذا سماه فتحا ، وسئل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، أفتح هو؟ قال : نعم.

فصل

ويشبه هذا قول يوسف الصديق (يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)) [يوسف] فأخبر أنه يلطف لما يريده ، فيأتي به بطرق خفية لا يعلمها الناس ، واسمه اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية ، ومنه التلطف كما قال أهل الكهف (وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩)) [الكهف] فكان ظاهر ما امتحن به يوسف من مفارقة أبيه وإلقائه في السجن وبيعه رقيقا ، ثم مراودة التي هو في بيتها عن نفسه ، وكذبها عليه وسجنه محنا ومصائب ، وباطنها نعما وفتحا ، جعلها الله سببا لسعادته في الدنيا والآخرة.

ومن هذا الباب ما يبتلي به عباده من المصائب ، ويأمرهم به من المكاره وينهاهم عنه من الشهوات ، هي طرق يوصلهم بها إلى سعادتهم في العاجل والآجل ، وقد حفّت الجنة بالمكاره ، وحفّت النار بالشهوات ، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم : «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سرّاء شكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر ، فكان خيرا له ،

٩٦

وليس ذلك إلا للمؤمن» (١) فالقضاء كلة خير لمن أعطي الشكر والصبر جالبا ما جلب. وكذلك ما فعله بآدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله تعالى عليهم وسلم ، من الأمور التي هي في الظاهر محن وابتلاء ، وهي في الباطن طرق خفية ، أدخلهم بها إلى غاية كمالهم وسعادتهم.

فتأمل قصة موسى وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون للأطفال ، ووحيه إلى أمه أن تلقيه في اليمّ ، وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدّر هلاكه على يديه ، وهو يذبح الأطفال في طلبه ، فرماه في بيته وحجره ، على فراشه ، ثم قدر له سببا أخرجه من مصر ، وأوصله به إلى موضع ، لا حكم لفرعون عليه ، ثم قدّر له سببا أوصله به إلى النكاح والغنى بعد العزوبة والعيلة ، ثم ساقه إلى بلد عدوه ، فأقام عليه به حجته ، ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه ، وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون.

وهذا كله مما يبين أنه سبحانه يفعل ما يفعله ، لما يريده من العواقب الحميدة والحكم العظيمة التي لا تدركها عقول الخلق ، مع ما في ضمنها من الرحمة التامة والنعمة السابغة والتعريف إلى عباده بأسمائه وصفاته ، فكم في أكل آدم ، من الشجرة التي نهي عنها ، وإخراجه بسببها من الجنة ، من حكمة بالغة ، لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها ، وكذلك ما قدّره لسيد ولده من الأمور التي أوصله بها إلى أشرف غاياته وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد العواقب ، وكذلك فعله بعباده وأوليائه ، يوصل إليهم نعمه ، ويسوقهم إلى كمالهم وسعادتهم في الطرق الخفية التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا لاحت لهم عواقبها.

__________________

(١) رواه مسلم (٢٩٩٩) عن صهيب.

٩٧

وهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله ، ويحصر اللسان عن التعبير عنه. وأعرف خلق الله به أنبياؤه ورسله ، وأعرفهم به خاتمهم وأفضلهم ، وأمّته في العلم به على مراتبهم ودرجاتهم ومنازلهم ، من العلم بالله وبأسمائه وصفاته ، وهو سبحانه قد أحاط علما بذلك كله ، قبل السموات والأرض ، وقدّره وكتبه عنده ، ثم يأمر ملائكته بكتابة ذلك من الكتاب الأول ، قبل خلق العبد ، فيطابق حاله وشأنه لما كتب في الكتاب ولما كتبته الملائكة ، لا يزيد شيئا ولا ينقص مما كتبه سبحانه وأثبته عنده ، كان في علمه قبل أن يكتبه ، ثم كتبه كما في علمه ، ثم وجد كما كتبه قال تعالى (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧٠)) [الحج].

والله سبحانه قد علم ، قبل أن يوجد عباده ، أحوالهم وما هم عاملون وما هم إليه صائرون ، ثم أخرجهم إلى هذه الدار ، ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه ، وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه ، فاستحقوا المدح والذم والثواب والعقاب ، بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم السابق ، ولم يكونوا يستحقون ذلك ، وهي في علمه قبل أن يعملوها ، فأرسل رسله ، وأنزل كتبه ، وشرع شرائعه إعذارا إليهم وإقامة للحجة عليهم لئلا يقولوا : كيف تعاقبنا على علمك فينا ، وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟! فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم ، حصل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار ، وكما ابتلاهم بأمره ونهيه ، ابتلاهم بما زيّن لهم من الدنيا وبما ركّب فيهم من الشهوات ، فذلك ابتلاء بشرعه وأمره ، وهذا ابتلاء بقضائه وقدره ، وقال تعالى (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧)) [الكهف] وقال (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (٧)) [هود].

فأخبر في هذه الآية أنه خلق السموات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه ،

٩٨

وهذا من الحق الذي خلق به خلقه ، وأخبر في الآية التي قبلها أنه خلق الموت والحياة ليبتليهم أيضا ، فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه ، وقدّر عليهم الموت الذي ينالون به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب ، وإن خبّر في الآية الأولى أنه زين لهم ما على الأرض ، ليبتليهم به ، أيهم يؤثر ما عنده عليه ، وابتلا بعضهم ببعض ، وابتلاهم بالنعم والمصائب ، فأظهر هذا الابتلاء علمه السابق فيهم موجودا عيانا ، بعد أن كان غيبا في علمه ، فابتلى أبوي الإنس والجن كلا منهما بالآخر ، فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه ، وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه منه ، فلهذا قال للملائكة (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠)) [البقرة] واستمر هذا الابتلاء في الذرية إلى يوم القيامة فابتلى الأنبياء بأممهم ، وابتلى أممهم بهم ، وقال لعبده ورسوله وخليله : إني مبتليك ومبتل بك ، وقال (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)) [الأنبياء] وقال (وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً (٢٠)) [الفرقان].

وفي الحديث الصحيح أن ثلاثة أراد الله أن يبتليهم : أبرص وأقرع وأعمى ، فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في علمه قبل أن يخلقهم ، فأما الأعمى فاعترف بإنعام الله عليه ، وأنه كان أعمى فقيرا فأعطاه الله البصر والغنى ، وبذل للسائل ما طلبه شكرا لله. وأما الأقرع والأبرص فكلاهما جحدا ما كان عليه قبل ذلك ، من سوء الحال والفقر ، وقال في الغنى : إنما أوتيته كابرا عن كابرا (١).

وهذا حال أكثر الناس ، لا يعترف بما كان عليه أولا ، من نقص أو جهل وفقر وذنوب ، وأن الله سبحانه نقله من ذلك إلى ضدّ ما كان عليه ، وأنعم بذلك عليه ، ولهذا ينبه سبحانه الإنسان على مبدأ خلقه الضعيف ، من الماء

__________________

(١) رواه البخاري (٣٤٦٤) ، ومسلم (٢٩٦٤) عن أبي هريرة.

٩٩

المهين ، ثم نقله في أطباق خلقه وأطواره ، من حال إلى حال ، حتى جعله بشرا سويا ، يسمع ويبصر ويقول وينطق ويبطش ويعلم ، فنسي مبدأه وأوله وكيف كان ، ولم يعترف بنعم ربه عليه كما قال تعالى (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)) [المعارج].

وأنت إذا تأملت ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى ، وجدت تحتها كنزا عظيما من كنوز المعرفة والعلم ، فأشار سبحانه بمبدإ خلقه مما يعلمون من النطفة وما بعدها إلى موضع الحجة والآية الدالة على وجوده ووحدانيته وكماله وتفرده بالربوبية والإلهية ، وأنه لا يحسن به مع ذلك أن يتركهم سدى ، لا يرسل إليهم رسولا ، ولا ينزل عليهم كتابا ، وأنه لا يعجز ، مع ذلك ، أن يخلقهم بعد ما أماتهم خلقا جديدا ، ويبعثهم إلى دار ، يوفّيهم فيها أعمالهم من الخير والشر ، فكيف يطمعون في دخول الجنة ، وهم يكذبون ويكذّبون رسلي ويعدلون بي خلقي ، وهم يعلمون من أيّ شيء خلقتهم؟!.

ويشبه هذا قوله (نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ (٥٧)) [الواقعة] وهم كانوا مصدقين بأنه خالقهم ، ولكن احتج عليهم ، بخلقه لهم ، على توحيده ومعرفته وصدق رسله ، فدعاهم منهم ومن خلقه إلى الإقرار بأسمائه وصفاته وتوحيده وصدق رسله والإيمان بالمعاد ، وهو سبحانه يذكر عباده بنعمه عليهم ، ويدعوهم بها إلى معرفته ومحبته ، وتصديق رسله والإيمان بلقائه ، كما تضمنته سورة النعم وهي سورة النحل من قوله : خلق الإنسان من نطفة إلى قوله (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) (٨١) [النحل].

فذكّرهم بأصول النعم وفروعها ، وعدّدها عليهم نعمة نعمة ، وأخبر أنه أنعم بذلك عليهم ، ليسلموا له ، فتكمل نعمه عليهم بالإسلام الذي هو رأس

١٠٠