شفاء العليل

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

شفاء العليل

المؤلف:

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]


المحقق: عصام فارس الحرستاني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٧٦
  نسخة غير مصححة

الباب الخامس

في ذكر التقدير الرابع ليلة القدر

قال الله تعالى : (حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)) [الدخان] وهذه هي ليلة القدر قطعا لقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)) [القدر].

ومن زعم أنها ليلة النصف من شعبان ، فقد غلط. قال سفيان : عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : ليلة القدر ليلة الحكم وقال سفيان : عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير : يؤذن للحجاج في ليلة القدر ، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم ، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم.

وقال ابن علية : حدثنا ربيعة بن كلثوم ، قال : قال رجل للحسن ، وأنا أسمع : أرأيت ليلة القدر في كلّ رمضان هي؟ قال : نعم والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كل رمضان ، وإنها لليلة القدر ، يفرق فيها كلّ أمر حكيم ، فيها يقضي الله كل أجل وعمل ورزق إلى مثلها.

وذكر يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة ، من موت وحياة ورزق ومطر حتى الحجاج ، يقال : ويحج فلان ويحج فلان.

وذكر عن سعيد بن جبير في هذه الآية : إنك لترى الرجل يمشي في

٦١

الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى ، وقال مقاتل : يقدر الله في ليلة القدر أمر السنة في بلاده وعباده ، إلى السنة القابلة.

وقال أبو عبد الرحمن السلمي : يقدر أمر السنة كلها في ليلة القدر ، وهذا هو الصحيح ، إن القدر مصدر قدر الشيء يقدره قدرا ، فهي ليلة الحكم والتقدير. وقالت طائفة : ليلة القدر ليلة الشرف والعظمة ، من قولهم : لفلان قدر في الناس ، فإن أراد صاحب هذا القول ، أنّ لها قدرا وشرفا ، مع ما يكون فيها من التقدير ، فقد أصاب ، وإن أراد ، أن معنى القدر فيها هو الشرف والخطر ، فقد غلط ، إن الله سبحانه أخبر أنّ فيها يفرق أي : يفصل الله ويبين ويبرم كلّ أمر حكيم.

٦٢

الباب السادس

في التقدير الخامس اليومي

قال الله تعالى : (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)) [الرحمن].

ذكر الحاكم في «صحيحه» من حديث أبي حمزة الثمالي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أن مما خلق الله لوحا محفوظا ، من درة بيضاء ، دفتاه من ياقوتة حمراء ، قلمه نور ، وكتابه نور ينظر فيه كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة ، ففي كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ، ويعز ويذل ، ويفعل ما يشاء ، فذلك قوله (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)) (١) [الرحمن].

وقال مجاهد والكلبيّ وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل : من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويمنع وينصر ويعز ويذلّ ، ويفك عانيا ويشفي مريضا ، ويجيب داعيا ، ويعطي سائلا ويتوب على قوم ، ويكشف كربا ، ويغفر ذنبا ، ويضع أقواما ويرفع آخرين. دخل كلام بعضهم في بعض.

وقد ذكر الطبراني في «المعجم» والستة وعثمان بن سعيد الدارمي في

__________________

(١) ضعيف. رواه الحاكم (٢ / ٤٧٤) عن ابن عباس من تفسيره ، وفيه أبو حمزة الثّمالي وهو ثابت بن أبي صفية : ضعيف رافضي.

٦٣

«كتاب الرد على المريسي» عن عبد الله بن مسعود قال : إن ربكم عزوجل ليس عنده ليل ولا نهار ، نوّر السموات والأرض نور وجهه ، وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة فيعرض عليه أعمالكم فيها على ما يكره ، فيغضبه ذلك ، وأول من يعلم غضبه حملة العرش ، يجدونه يثقل عليهم ، فيسبّحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة ، ثم ينفخ جبريل في القرن ، فلا يبقى شيء إلا سمع صوته ، فيسبّحون الرحمن ثلاث ساعات ، حتى يمتلئ الرحمن عزوجل رحمة ، فتلك ست ساعات ، ثم يؤتى بالأرحام ، فينظر فيها ثلاث ساعات ، فذلك قوله في كتابه (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ (٦)) [آل عمران] وقوله (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)) [الشورى] فتلك تسع ساعات ، ثم يؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات ، فذلك قوله في كتابه (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ (٢٦)) [الرعد] (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)) [الرحمن] قال : هذا شأنكم وشأن ربكم تبارك وتعالى.

قال الطبراني : حدثنا بشر بن موسى قال : حدثنا يحيى بن إسحاق قال : أخبرنا حماد بن سلمة ، عن أبي عبد السلام ، عن عبد الله أو عبيد الله بن مكرز ، عن ابن مسعود فذكره.

وقال عثمان بن سعيد الدارمي : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن سلمة : عن الزبير بن أبي عبد السلام ، عن أيوب بن عبيد الله الفهري ، أن ابن مسعود قال : إنّ ربكم ليس عنده ليل ولا نهار ، فذكر الحديث إلى قوله : فيسبّحه حملة العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة ، فهذا تقدير يومي ، والذي قبله تقدير حولي ، والذي قبله تقدير عمري عند تعلق النفس به ، والذي قبله كذلك عند أول

٦٤

تخليقه وكونه مضغة ، والذي قبله تقدير سابق على وجوده ، لكن بعد خلق السموات والأرض ، والذي قبله تقدير سابق على خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق ، وفي ذلك دليل على كمال علم الرب وقدرته وحكمته ، وزيادة تعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه ، وقد قال تعالى (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)) [الجاثية].

وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ ، فتستنسخ الملائكة ما يكون من أعمال بني آدم قبل أن يعملوها ، فيجدون ذلك موافقا لما يعملونه ، فيثبت الله تعالى منه ما فيه ثواب أو عقاب ، ويطرح منه اللغو.

وذكر ابن مردويه في تفسيره ، من طرق إلى بقية ، عن أرطاة بن المنذر ، عن مجاهد ، عن ابن عمر ، يرفعه ، إنّ أول ما خلق الله القلم ، فأخذه بيمينه ، وكلتا يديه يمين ، فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول من برّ أو فجور ، رطب أو يابس ، فأحصاه عند الذكر ، وقال اقرءوا إن شئتم (هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)) [الجاثية] فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه.

وقال آدم : حدثنا ورقاء عن عطاء بن السائب ، عن مقسم ، عن ابن عباس : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون قال : تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم ، فإنما يعمل الإنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب.

وفي تفسير الأشجع ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مقسم عن ابن عباس قال : كتب في الذكر عنده كلّ شيء هو كائن ، ثم بعث الحفظة على آدم وذريته ، وكل ملائكته ينسخون من الذكر ما يعمل العباد ثم قرأ (هذا كِتابُنا

٦٥

يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)) [الجاثية].

وفي تفسير الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال : هي أعمال أهل الدنيا الحسنات والسيئات تنزل من السماء كل غداة وعشية ، ما يصيب الإنسان في ذلك اليوم أو الليلة الذي يقتل ، والذي يغرق ، والذي يقع من فوق بيت ، والذي يتردّى من جبل ، والذي يقع ، والذي يحرق بالنار ، فيحفظوا عليه ذلك كله ، وإذا كان الشيء صعدوا به إلى السماء ، فيجدونه كما في السماء مكتوبا في الذكر الحكيم.

٦٦

الباب السابع

في أن سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقتضي ترك

الأعمال بل يقتضي الاجتهاد والحرص

يسبق إلى أفهام كثير من الناس أن القضاء والقدر ، إذا كان قد سبق ، فلا فائدة في الأعمال ، وأنّ ما قضاه الربّ سبحانه وقدره ، لا بدّ من وقوعه ، فتوسط العمل لا فائدة فيه ، وقد سبق إيراد هذا السؤال من الصحابة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فأجابهم بما فيه الشفاء والهدى.

ففي الصحيحين (١) عن علي بن أبي طالب قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ومعه مخصرة ، فنكس ، فجعل ينكث بمخصرته ، ثم قال : ما منكم من أحد ، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار ، وإلّا قد كتبت شقية أو سعيدة. فقال رجل : يا رسول الله : أفلا نتّكل على كتابنا ، وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل السعادة ، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة فقال : اعملوا ، فكلّ ميسر ، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ، ثم قرأ

__________________

(١) البخاري (١٦٣٢) ، ومسلم (٢٦٤٧).

٦٧

(فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)) [الليل].

وفي بعض طرق البخاري (١) : أفلا نتكل على كتابنا ، وندع العمل ، فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة.

وعن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : جاء سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال : يا رسول الله! بيّن لنا ديننا كأننا خلقنا الآن ، فيم العمل اليوم ، أفيما جفّت به الأقلام ، وجرت به المقادير ، أم فيما يستقبل؟ قال : لا ، بل فيما جفت به الأقلام ، وجرت به المقادير. قال : ففيم العمل؟ فقال : اعملوا فكل ميسر. رواه مسلم (٢).

وعن عمران بن حصين قال : قيل : يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ فقال : «نعم» قيل : ففيم يعمل العاملون؟ فقال : «كلّ ميسّر لما خلق له» متفق عليه (٣).

وفي بعض طرق البخاري : «كل يعمل لما خلق له أو لما يسّر له» (٤).

ورواه الإمام أحمد أطول من هذا ، فقال : حدثنا صفوان بن عيسى قال : حدثنا عزرة بن ثابت : عن يحيى بن عقيل ، عن أبي نعيم ، عن أبي الأسود الدؤلي ، قال : غدوت على عمران بن حصين يوما من الأيام ، فقال : إن

__________________

(١) البخاري (١٣٦٢).

(٢) مسلم (٢٦٤٨).

(٣) البخاري (٦٥٩٦) ، ومسلم (٢٦٤٩).

(٤) البخاري (٦٥٩٦).

٦٨

رجلا من جهينة أو مزينة أتى إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون ، فيه شيء قضي عليهم ، أو مضى عليهم في قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم ، واتّخذت عليهم الحجة؟ قال : بل شيء قضي عليهم ، قال : فلم يعملون إذا يا رسول الله؟! قال : من كان الله عزوجل خلقه لواحدة من المنزلتين ، فهيّأه لعملها ، وتصديق ذلك في كتاب الله (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨)) [الشمس] (١).

وقال المحاملي : حدثنا أحمد بن المقدام : حدثنا المعتمر بن سليمان. قال : سمعت أبا سفيان يحدث عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، أنه قال : نزل «فمنهم شقي وسعيد» فقال عمر : يا نبي الله : علام نعمل ، على أمر قد فرغ منه ، أم لم يفرغ منه؟ قال : لا! على أمر قد فرغ منه ، قد جرت به الأقلام ولكن كل ميسر. أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى» (٢).

فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ، ولا يوجب الاتكال عليه ، بل يوجب الجد والاجتهاد ، ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال : ما كنت أشد اجتهادا مني الآن. وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقّة أفهامهم وصحة علومهم ، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب ، فإن العبد ينال ما قدّر له بالسبب الذي أقدر عليه ومكّن منه وهيّئ له ، فإذا أتى

__________________

(١) أحمد (٤ / ٤٣٨) ، وهو في مسلم (٢٦٥٠).

(٢) صحيح. رواه الترمذي (٣١١١) عن عمر بن الخطاب. ولم نره في أمالي المحاملي ، والله أعلم.

٦٩

بالسبب ، أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب ، وكلما زاد اجتهادا في تحصيل السبب ، كان حصول المقدور أدنى إليه ؛ وهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه ، فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه ، وإذا قدر له أن يرزق الولد ، لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو التسري والوطء ، وإذا قدر له أن يستغل من أرضه من المغلّ كذا وكذا ، لم ينله إلا بالبذر وفعل أسباب الزرع ، وإذا قدر الشبع والري ، فذلك موقوف على الأسباب المحصلة لذلك من الأكل والشرب واللبس ، وهذا شأن أمور المعاش والمعاد.

فمن عطل العمل اتكالا على القدر السابق ، فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالا على ما قدر له.

وقد فطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية ، بل فطر الله على ذلك سائر الحيوانات ، فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم ، فإنه سبحانه رب الدنيا والآخرة ، وهو الحكيم بما نصبه من الأسباب في المعاش والمعاد ، وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة ، فهو مهيأ له ميسر له.

فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها ، كان أشد اجتهادا في فعلها من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه ، وقد فقه هذا كل الفقه من قال : ما كنت أشد اجتهادا مني الآن.

فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يفضي به إلى رياض مونقة وبساتين معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم ، لا يشوبه نكد ولا تعب ، كان حرصه على سلوكها واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه ، ولهذا قال أبو عثمان النهدي لسلمان : لأنا بأوّل هذا الأمر أشدّ فرحا مني

٧٠

بآخره ، وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة ، وهيأه ويسره للوصول إليها ، كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها ، فإنها سبقت له من الله قبل الوسيلة منه ، وعلمها الله وشاءها وكتبها وقدّرها وهيّأ له أسبابها ، لتوصله إليها ، فالأمر كله من فضله وجوده السابق ، فسبق له من الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها. فالمؤمن أشد فرحا بذلك من كون أمره مجعولا إليه.

كما قال بعض السلف : والله ما أحب أن يجعل أمري إليّ ، إنه إذا كان بيد الله خيرا من أن يكون بيدي ، فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها ، ومقتض لها ، لا أنه مناف لها وصادّ عنها ، وهذا موضع مزلة قدم ، من ثبتت قدمه فاز بالنعيم المقيم ، ومن زلت قدمه عنه ، هوى إلى قرار الجحيم.

فالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، أرشد الأمة في القدر إلى أمرين ، هما سببا السعادة : الإيمان بالأقدار ، فإنه نظام التوحيد ، والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره ، وذلك نظام الشرع ، فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر ، فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد ، أو القدح بإثباته في أصل الشرع ، ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه ، وهو القدر والشرع والخلق والأمر ؛ وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة ، وقد تقدم قوله : احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإنّ العاجز من لم يتسع للأمرين ، وبالله التوفيق.

٧١
٧٢

الباب الثامن

في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها

مُبْعَدُونَ (١٠١)) [الأنبياء]

وقد تقدمت الأحاديث بوقوع أهل السعادة في إحدى القبضتين وكتابتهم بأسمائهم وأسماء آبائهم في ديوان السعادة قبل خلقهم.

وفي صحيح الحاكم (١) من حديث الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ (٩٨)) [الأنبياء] قال المشركون : فالملائكة وعيسى وعزير ، يعبدون من دون الله ، قال : فنزلت (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١)) [الأنبياء] وهذا إسناد صحيح.

وقال علي بن المديني : حدثنا يحيى بن آدم قال : حدثنا أبو بكر بن عياش : عن عاصم ، قال : أخبرني أبو رزين ، عن أبي يحيى ، عن ابن عباس أنه قال : آية لا يسأل الناس عنها ، لا أدري أعرفوها ، فلم يسألوا عنها ، أو جهلوها فلا يسألون عنها ، فقيل له : وما هي؟ فقال : لما نزلت (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨)) [الأنبياء] شقّ

__________________

(١) صحيح. رواه الحاكم (٢ / ٣٨٤ ـ ٣٨٥).

٧٣

ذلك على قريش أو على أهل مكة ، وقالوا : يشتم آلهتنا! فجاء ابن الزبعرى فقال : ما لكم؟ قالوا : يشتم آلهتنا! قال : وما قال؟ قالوا : قال (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨)) [الأنبياء] قال : ادعوه لي ، فلما دعي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : يا محمد! هذا شيء لآلهتنا خاصة ، أم لكل من عبد من دون الله؟ فقال : لا بل لكل من عبد من دون الله ، قال : فقال ابن الزبعرى : خصمت ورب هذه البنية ، يعني الكعبة ، ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون ، وأن عيسى عبد صالح ، وأن عزيرا عبد صالح ، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة ، وهذه النصارى تعبد عيسى ، وهذه اليهود تعبد عزيرا ، قال : فضج أهل مكة ، فأنزل الله عزوجل (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها (١٠٢)) [الأنبياء] قال ونزلت (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)) [الزخرف] قال : هو الضجيج.

وهذا الإيراد الذي أورده ابن الزبعرى لا يرد على الآية ، فإنه سبحانه قال : إنكم وما تعبدون من دون الله ، ولم يقل : ومن تعبدون ، وما لما لا يعقل ، فلا يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير ، وإنما ذلك للأحجار ونحوها التي لا تعقل. وأيضا فإن السورة مكية ، والخطاب فيها لعبّاد الأصنام ، فإنه قال : إنكم وما تعبدون ، فلفظه «إنكم» ولفظه «ما» تبطل سؤاله وهو رجل فصيح من العرب ، لا يخفى عليه ذلك ، ولكن إيراده إنما كان من جهة القياس والمعلوم المعنوي الذي يعم الحكم فيه بعموم علته ، أي إن كان كونه معبودا ، يوجب أن يكون حصب جهنم ، فهذا المعنى يعنيه موجود في الملائكة وعزير والمسيح ، فأجيب بالفارق وذلك من وجوه.

أحدها : أن الملائكة والمسيح وعزيرا ممن سبقت لهم من الله الحسنى ، فهم سعداء ، لم يفعلوا ما يستوجبون به النار ، فلا يعذبون بعبادة غيرهم مع

٧٤

بغضهم ومعاداتهم لهم ، فالتسوية بينهم وبين الأصنام أقبح من التسوية بين البيع والربا والميتة والمذكى ، وهذا شأن أهل الباطل ، وإنما يسوون بين ما فرق الشرع والعقل والفطرة بينه ، ويفرقون بين ما سوّى الله ورسوله بينه.

الفرق الثاني : أن الأوثان حجارة غير مكلّفة ولا ناطقة ، فإذا حصبت بها جهنم إهانة لها ولعابديها ، لم يكن في ذلك من لا يستحق العذاب بخلاف الملائكة والمسيح وعزير ، فإنهم أحياء ناطقون ، فلو حصبت بهم النار كان ذلك إيلاما وتعذيبا لهم.

الثالث : أنّ من عبد هؤلاء بزعمه ، فإنه لم يعبدهم في الحقيقة ، فإنهم لم يدعوا إلى عبادتهم ، وإنما عبد المشركون الشياطين ، وتوهموا أن العبادة لهؤلاء ؛ فإنهم عبدوا ـ بزعمهم ـ من ادعى أنه معبود مع الله ، وأنه معه إله ، وقد برّأ الله سبحانه ملائكته والمسيح وعزيرا من ذلك ، وإنما ادعى ذلك الشياطين ، وهم بزعمهم يعتقدون أنهم يرضون بأن يكونوا معبودين مع الله ، ولا يرضى بذلك إلا الشياطين ، ولهذا قال سبحانه (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)) [سبأ] وقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ (٦٠)) [يس] وقال تعالى (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)) [الأنبياء].

فما عبد غير الله إلا الشيطان ، وهذه الأجوبة منتزعة من قوله (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى (١٠١)) [الأنبياء] فتأمل الآية ، فتجدها تلوح في صفحات ألفاظها ، وبالله التوفيق.

٧٥

والمقصود : ذكر الحسنى التي سبقت من الله لأهل السعادة قبل وجودهم.

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد قال : حدثنا أبو عامر العقديّ قال : حدثنا عروة بن ثابت الأنصاري قال : حدثنا الزهري ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، أن عبد الرحمن بن عوف مرض مرضا شديدا ، أغمي عليه فأفاق ، فقال : أغمي عليّ؟ قالوا : نعم ، قال : إنه أتاني رجلان غليظان ، فأخذا بيدي ، فقالا : انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين ، فانطلقا بي ، فتلقاهما رجل ، وقال : أين تريدان به؟ قالا : نحاكمه إلى العزيز الأمين ، فقال : دعاه ، فإن هذا ممن سبقت له السعادة ، وهو في بطن أمه.

وقال عبد الله بن محمد البغوي : حدثنا داود بن رشيد قال : حدثنا ابن علية قال : حدثني محمد بن محمد القرشي ، عن عامر بن سعدة ، قال : أقبل سعد من أرض له ، فإذا الناس عكوف على رجل ، فاطّلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليها ، فنهاه ، فكأنما زاده إغراء ، فقال : تريد أن تسب أقواما هم خير منك ، لتنتهين أو لأدعونّ عليك ، فقال : كأنما يخوفني نبي من الأنبياء ، فانطلق فدخل دارا فتوضأ ، ودخل المسجد ، ثم قال : اللهم إن كان هذا قد سب أقواما قد سبقت لهم منك حسنى ، أسخطك سبّه إياهم فأرني اليوم آية تكون للمؤمنين آية. وقال : تخرج بختية (١) من دار بني فلان ، لا يردها شيء حتى تنتهي إليه ، ويتفرق الناس ، وتجعله بين قوائمها ، وتطأه حتى طفى (٢). قال : فأنا رأيت سعدا يتبعه الناس يقولون : استجاب الله لك يا أبا إسحاق ، استجاب الله لك يا أبا إسحاق وقال تعالى (وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ

__________________

(١) أي : ناقة كبيرة.

(٢) أي حتى يذبل وينتهي.

٧٦

اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا (٧٨)) [الحج] أي : الله سمّاكم من قبل القرآن وفي القرآن ، فسبقت تسمية الحق سبحانه لهم مسلمين قبل إسلامهم وقبل وجودهم ، وقال تعالى (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)) [الصافات].

وقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه في قوله : (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ (٢)) [يونس] قال : سبقت لهم السعادة في الذّكر الأول ، وهذا لا يخالف قول من قال : إنه الأعمال الصالحة التي قدموها ، ولا قول من قال : إنه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، فإنه سبق لهم من الله في الذكر الأول السعادة بأعمالهم على يد محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهو خير تقدم لهم من الله ، ثم قدمه لهم على يد رسوله ، ثم يقدمهم عليه يوم لقائه ، وقد قال تعالى (لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨)) [الأنفال].

وقد اختلف السلف في هذا الكتاب السابق ، فقال جمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم : لو لا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر ، في اللوح المحفوظ ، أنّ الغنائم حلال لكم ، لعاقبكم.

وقال آخرون : لو لا كتاب من الله سبق ، أنه لا يعذب أحدا إلا بعد الحجة ، لعاقبكم.

وقال آخرون : لو لا كتاب من الله سبق لأهل بدر ، أنه مغفور لهم ، وإن عملوا ما شاءوا لعاقبكم.

وقال آخرون ، وهو الصواب : لو لا كتاب من الله سبق ، بهذا كله ، لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم. والله أعلم.

٧٧
٧٨

الباب التاسع

في قوله تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)) [القمر]

قال سفيان عن زياد بن إسماعيل المخزومي : حدثنا محمد بن عباد بن جعفر قال : حدثنا أبو هريرة قال : جاء مشركو قريش إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخاصمون في القدر ، فنزلت هذه الآية (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)) [القمر] (١) رواه مسلم.

وقد روى الدار قطني من حديث حبيب بن عمرو الأنصاري ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : «إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين خصماء الله وهم القدرية» (٢).

ولكن حبيب هذا قال الدار قطني : مجهول ، والحديث مضطرب الإسناد ،

__________________

(١) رواه مسلم (٢٦٥٦) عن أبي هريرة.

(٢) ضعيف. رواه الطبراني في «الأوسط» (٧ / ٢٠٦ مجمع) ، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣٣٦) ، وابن الجوزي في «العلل» (٢١٩) من طريق الدار قطني وفيه حبيب بن عمر : مجهول.

٧٩

ولا يثبت.

والمخاصمون في القدر نوعان : أحدهما : من يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره ، كالذين قالوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا. والثاني : من ينكر قضاءه وقدره السابق. والطائفتان خصماء الله.

قال. عوف : من كذّب بالقدر فقد كذب بالإسلام ، إن الله تبارك وتعالى قدّر أقدارا ، وخلق الخلق بقدر ، وقسم الآجال بقدر ، وقسم الأرزاق بقدر ، وقسم البلاء بقدر ، وقسم العافية بقدر ، وأمر ونهى.

وقال الإمام أحمد : القدر قدرة الله. واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدا ، وقال : هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين ، وهو كما قال أبو الوفاء.

فإنّ إنكار القدر إنكار لقدرة الرب على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها ، وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها ، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم ، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله.

وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (٢٨)) [فاطر] قال : الذين يقولون : إن الله على كل شيء قدير ، وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ، ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات ، فإنّ أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها ، ولو كانوا يقرون بها ؛ فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها ، ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها ، بل يصرّحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به. ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن ، يفعل ما يشاء ، لا يقر بأن الله على كل شيء قدير ، ومن لا يقرّ بأنّ قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبها كيف يشاء ، وأنه سبحانه مقلب

٨٠