شفاء العليل

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

شفاء العليل

المؤلف:

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]


المحقق: عصام فارس الحرستاني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٧٦
  نسخة غير مصححة

إثباته مع إثبات الأسباب والحكم والقوى والعلل ، فنفوها.

وبين الطائفتين بعد المشرقين ، ولا تستهن بأمر هذه المسألة فإن شأنها أعظم ، وخطرها أجلّ ، وفروعها كثيرة ، ومن فروعها أنهم لما تكلموا فيما يحدثه الله تعالى من المطر والنبات والحيوان والحرّ والبرد والليل والنهار والإهلال والإبدار والكسوف والاستسرار وحوادث الجو وحوادث الأرض ، انقسموا قسمين ، وصاروا طائفتين ، فطائفة جعلت الموجب لذلك مجرد ما رأوه علّة وسببا ، من الحركات الفلكية والقوى الطبيعية والنفوس والعقول ، فليس عندهم لذلك فاعل مختار مريد.

وقابلهم طائفة من المتكلمين ، فلم يسبّبوا لذلك سببا إلا مجرد المشيئة والقدرة ، وأن الفاعل المختار يرجّح مثلا على مثل بلا مرجّح ولا سبب ولا حكمة ولا غاية يفعل لأجلها ، ونفوا الأسباب والقوى والطبائع والقرائن والحكم والغايات ، حتى يقول من أثبت الجوهر الفرد منهم : إنّ الفلك والرحا ونحوهما ، مما يدور ، متفكك دائما عند الدوران. والقادر المختار يعيده كل وقت كما كان ، وإن الألوان والمقادير والأشكال والصفات تعدم على تعاقب الآنات ، والقادر المختار يعيدها كل وقت ، وإنّ ملوحة ماء البحر كل لحظة تعدم وتذهب ، ويعيدها القادر المختار ، كل ذلك بلا سبب ولا حكمة ولا علة غائية ، ورأوا أنهم لا يمكنهم التخلص من قول الفلاسفة أعداء الرسل إلا بذلك ، ورأى أعداء الرسل أنهم لا يمكنهم الدخول في الشريعة إلا بالتزام أصول هؤلاء ، ولم يهتد الطائفتان للحق الذي لا يجوز غيره وهو أنه سبحانه يفعل بمشيئته وقدرته وإرادته ، ويفعل ما يفعله بأسباب وحكم وغايات محمودة ، وقد أودع العالم من القوى والطبائع والغرائز والأسباب والمسببات ما به قام الخلق والأمر ، وهذا قول جمهور أهل الإسلام وأكثر طوائف النّظّار ، وهو قول الفقهاء

٥٢١

قاطبة إلا من خلّى الفقه ناحية ، وتكلم بأصول النفاة ، فعادى فقهه أصول دينه.

٥٢٢

الباب الثاني والعشرون

في استيفاء شبه النافين للحكمة

والتعليل وذكر الأجوبة عنها

قالت النفاة : قد أجلبتم علينا بما استطعتم من خيل الأدلّة ورجلها ، فاسمعوا الآن ما يبطله ، ثم أجيبوا عنه ، إن أمكنكم الجواب ، فنقول : ما قاله أفضل متأخريهم محمد بن عمر الرازي : كلّ من فعل فعلا لأجل تحصيل مصلحة أو لدفع مفسدة ، فإن كان تحصيل تلك المصلحة أولى من عدم تحصيلها ، كان ذلك الفاعل قد استفاد بذلك الفعل تحصيل ذلك ومن كان كذلك كان ناقصا بذاته مستكملا بغيره ، وهو في حق الله محال ، وإن كان تحصيلها وعدمه بالنسبة إليه سواء ، فمع ذلك لا يحصل الرجحان ، فامتنع تحصيلها. ثم أورد سؤالا وهو ، لا يقال حصولها واللاحصولها بالنسبة إليه ، وإن كان على التساوي ، إلا أنّ حصولها للعبد أولى من عدم حصولها له ، فلأجل هذه الأولوية العائدة إلى العبد يرجّح الله سبحانه الوجود على العدم ، ثم أجاب بأنّا نقول : تحصيل تلك المصلحة وعدم تحصيلها له إما أن يكونا متساويين إلى الله أو لا يستويان ، وحينئذ يعود التقسيم المذكور.

قال المثبتون : الجواب عن هذه الشبهة من وجوه.

أحدها : أن قولك : إنّ كل من فعل لغرض يكون ناقصا بذاته مستكملا

٥٢٣

بغيره ، ما تعني بقولك : إنه يكون ناقصا بذاته ، أتعني به أنه يكون عادما لشيء من الكمال الذي لا يجب أن يكون له ، قبل حدوث ذلك المراد ، أم تعني به أن يكون عادما لما ليس كمالا ، قبل وجوده ، أم تعني به معنى ثالثا؟ فإن عنيت الأول ، فالدعوى باطلة ، فإنه لا يلزم من فعله لغرض حصوله أولى من عدمه ، أن يكون عادما لشيء من الكمال الواجب قبل حدوث المراد ، فإنه يمتنع أن يكون كمالا قبل حصوله ، وإن عنيت الثاني ، لم يكن عدمه نقصا ، فإنّ الغرض ليس كمالا قبل وجوده ، وما ليس بكمال في وقت ، لا يكون عدمه نقصا فيه ، فما كان قبل وجوده عدمه أولى من وجوده ، وبعد وجوده وجوده أولى من عدمه ، لم يكن عدمه قبل وجوده نقصا ، ولا وجوده بعد عدمه نقصا ، بل الكمال عدمه قبل وقت وجوده ، ووجوده وقت وجوده ، وإذا كان كذلك ، فالحكم المطلوبة والغايات من هذا النوع وجودها وقت وجودها هو الكمال ، وعدمها حينئذ نقص ، وعدمها وقت عدمها كمال ووجودها هو الكمال ، وعدمها حينئذ نقص ، وعدمها وقت عدمها كمال ووجودها حينئذ نقص ، وعلى هذا فالنافي هو الذي نسب النقص إلى الله لا المثبت ، وإن عنيت به أمرا ثالثا ، فلا بد من بيانه حتى ننظر فيه.

الجواب الثاني : إن قولك : يلزم أن يكون ناقصا بذاته ، مستكملا بغيره. أتعني به أنّ الحكمة التي يجب وجودها ، إنما حصلت له من شيء خارج عنه ، أم تعني أن تلك الحكمة نفسها غير له ، وهو مستكمل بها؟ فإن عنيت الأول ، فهو باطل ، فإنه لا ربّ غيره ، ولا خالق سواه ، ولم يستفد سبحانه من غيره كمالا بوجه من الوجوه ، بل العالم كله إنما استفاد الكمال الذي فيه منه سبحانه ، وهو لم يستفد كماله من غيره ، كما لم يستفد وجوده من غيره ، وإن عنيت الثاني ، فتلك الحكمة صفته سبحانه ، وصفاته ليست غيرا له ، فإن حكمته قائمة به ، وهو الحكيم الذي له الحكمة ، كما أنه العليم الذي له العلم ، والسميع الذي له السمع والبصير الذي له البصر ، فثبوت حكمته لا

٥٢٤

يستلزم استكماله بغير منفصل عنه ، كما أن كماله سبحانه بصفاته ، وهو لم يستفدها من غيره.

الجواب الثالث : أنه سبحانه إذا كان إنما يفعل لأجل أمر ، هو أحبّ إليه من عدمه ، كان اللازم من ذلك حصول مراده الذي يحبه ، وفعل لأجله ، وهذا غاية الكمال ، وعدمه هو النقص ، فإن من كان قادرا على تحصيل ما يحبه وفعله في الوقت الذي يحب ، على الوجه الذي يحب ، فهو الكامل حقا ، لا من لا محبوب له أوله محبوب ، لا يقدر على فعله.

الجواب الرابع : أن يقال : أنت ذكرت في كتبك أنه لم يقم على نفي النقص ، عن الله ، دليل عقلي ، واتّبعت في ذلك الجويني وغيره ، وقلتم : إنما ينفى النقص عنه عزوجل بالسمع ، وهو الإجماع ، فلم تنفوه عن الله عزوجل بالعقول ، ولا بنصّ منقول عن الرسول ، بل بما ذكرتموه من الإجماع ، وحينئذ فإنما ينفى بالإجماع ما انعقد الإجماع على نفيه ، والفعل بحكمة لم ينعقد الإجماع على نفيه ، فلم تجمع الأمة على انتفاء التعليل لأفعال الله ، فإذا سميت أنت ذلك نقصا ، لم تكن هذه التسمية موجبة لانعقاد الإجماع على نفيها ، فإن قلت : أهل الإجماع أجمعوا على نفي النقص ، وهذا نقص. قيل : نعم! الأمة مجمعة على ذلك ، ولكن الشأن في هذا الوصف ، المعنى : أهو نقص فيكون قد أجمعت على نفيه؟ فهذا أول المسألة والقائلون بإثباته ليس هو عندهم نقصا ، بل هو عين الكمال ، ونفيه عين النقص ، وحينئذ فنقول في.

الجواب الخامس : إنّ إثبات الحكمة كمال ، كما تقدم تقريره ، ونفيه نقص ، والأمة مجمعة على انتفاء النقص عن الله ، بل العلم بانتفائه عن الله تعالى من أعلى العلوم الضرورية المستقرة في فطر الخلق. فلو كانت أفعاله معطّلة عن الحكم والغايات المحمودة ، لزم النقص ، وهو محال ، ولزوم

٥٢٥

النقص من انتفاء الحكم أظهر في العقول والفطر والعلوم الضرورية والنظرية من لزوم النقص من إثبات ذلك ، وحينئذ فنقول في.

الجواب السادس : النقص إما أن يكون جائزا ، أو ممتنعا ، فإن كان جائزا ، بطل دليلك ، وإن كان ممتنعا ، بطل دليلك أيضا ، فبطل الدليل على التقديرين.

الجواب السابع : أن النقص منتف عن الله عزوجل عقلا ، كما هو منتف عنه سمعا ، والعقل والنقل يوجب اتّصافه بصفات الكمال ، والنقص هو ما يضادّ صفات الكمال ، فالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والحياة صفات كمال ، وأضدادها نقص ، فوجب تنزيهه عنها لمنافاتها لكماله ، وأما حصول ما يحبه الرب تعالى في الوقت الذي يحبه ، فإنما يكون كمالا ، إذا حصل على الوجه الذي يحبه ، فعدمه قبل ذلك ليس نقصا ، إذ كان لا يحبّ وجوده قبل ذلك.

الجواب الثامن : أن يقال : الكمال الذي يستحقه سبحانه وتعالى ، هو الكمال الممكن ، أو الممتنع ، فالأول مسلّم ، والثاني باطل قطعا ، فلم قلت :

إن وجود الحادث في غير وقته الذي وجد فيه ممكن ، بل وجودا لحادث في الأزل ممتنع ، فعدمه لا يكون نقصا.

الجواب التاسع : أن عدم الممتنع لا يكون كمالا ، فإن الممتنع ليس بشيء في الخارج ، وما ليس بشيء ، لا يكون عدمه نقصا ، فإنه إن كان في المقدور ما لا يحدث إلا شيئا بعد شيء ، كان وجوده في الأزل ممتنعا ، فلا يكون عدمه نقصا ، وإنما يكون الكمال وجوده حين يمكن وجوده.

الجواب العاشر : أن يقال : إنه تعالى أحدث أشياء بعد أن لم يكن محدثا لها ، كالحوادث المشهودة حتى أن القائلين بكون الفلك قديما ، عن علة

٥٢٦

موجبة ، يقرون بذلك ، ويقولون : إنه يحدث الحوادث بواسطته ، وحينئذ فنقول : هذا الإحداث إما أن يكون صفة كمال ، وإما أن لا يكون ، فإن كان صفة كمال ، فقد كان فاقدا لها قبل ذلك ، وإن لم يكن صفة كمال ، فقد اتصف بالنقص.

فإن قلت : نحن نقول بأنه ليس صفة كمال ولا نقص.

قيل : فهلّا قلتم في ذلك التعليل؟ وأيضا فهذا محال في حق الرب تعالى ، فإن كل ما يفعله يستحق عليه الحمد ، وكل ما يقوم من صفاته فهو صفة كمال ، وضده نقص ، وقد ينازع النّظّار في الفاعلية ، هل هي صفة كمال أم لا ، وجمهور المسلمين من جميع الفرق يقولون : هي صفة كمال. وقالت طائفة : ليست صفة كمال ولا نقص ، وهو قول أكثر الأشعرية ، فإذا التزم له هذا القول ، قيل له : الجواب من وجهين.

أحدهما : أن من المعلوم تصريح العقل ، أن من يخلق أكمل ممن لا يخلق ، كما قال تعالى : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)) [النحل] وهذا استفهام إنكار ، يتضمن الإنكار على من سوّى بين الأمرين ، يعلم أن أحدهما أكمل من الآخر قطعا ، ولا ريب أن تفضيل من يخلق على من لا يخلق في الفطر والعقول كتفضيل من يعلم على من لا يعلم ، ومن يقدر على من لا يقدر ، ومن يسمع ويبصر على من لا يسمع ولا يبصر ؛ ولما كان هذا مستقرا في فطر بني آدم ، جعله الله تعالى من آلة توحيده وحججه على عباده قال تعالى : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)) [النحل] وقال تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٩)) [الزمر] وقال تعالى : (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ (٢٢)) [فاطر] وقال

٥٢٧

تعالى : (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)) [هود].

فمن سوّى بين صفة الخالقية وعدمها فلم يجعل وجودها كمالا ، ولا عدمها نقصا فقد أبطل حجج الله وأدلة توحيده ، وسوى بين ما جعل بينهما أعظم التفاوت ، وحينئذ فنقول في.

الجواب الحادي عشر : إذا كان الأمر كما ذكرتم ، فلم لا يجوز أن يفعل لحكمة؟ يكون وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء ، كما أنه عندكم لم يحدث ما يحدثه مع كون الإحداث والخلق وعدمه بالنسبة إليه سواء ، مع أن هذه إرادة لا تعقل في الشاهد ، فقولوا مثل ذلك في الحكمة ، وإن ذلك لا يعقل ، لا سيما والفعل عندكم هو المفعول المنفصل فجوّزوا أيضا أن يفعل لحكمة منفصلة ، وأنتم إنما قلتم ذلك فرارا من قيام الحوادث به ومن التسلسل ، فكذلك قولوا بنظير ذلك في الحكمة ، والذي يلزم أولئك فهو نظير ما يلزمكم سواء.

الجواب الثاني عشر : أن يقال : العقل الصريح يقضي بأنّ من لا حكمة لفعله ولا غاية يقصدها به أولى بالنقص ممّن يفعل لحكمة ، كانت معدومة ثم صارت موجودة ، في الوقت الذي اقتضت حكمته إحداث الفعل فيه ، فكيف يسوغ لعاقل أن يقول : فعله للحكمة يستلزم النقص ، وفعله لا لحكمة لا نقص فيه؟.

الجواب الثالث عشر : أن هؤلاء النفاة يقولون : إنه سبحانه يفعل ما يشاء من غير اعتبار حكمة ، فيجوّزون عليه كل ممكن ، حتى الأمر بالشرك والكذب والظلم والفواحش والنهي عن التوحيد والصدق والعدل والعقاب ، وحينئذ فنقول : إذا جازت عليه هذه المرادات ، وليس في إرادتها نقص ،

٥٢٨

وهذا مراد ، فلا نقص فيه. فقولهم : من فعل شيئا لشيء كان ناقصا بدونه ، قضية كلية ممنوعة العموم ، وعمومها أولى بالمنع من قول القائل : من أكرم أهل الجهل والظلم والفساد ، وأهان أهل العلم والعدل والبرّ ، كان سفيها جائرا ، وهذا عند النّفاة جائز على الله ، ولم يكن به سفيها جائرا ، وكذلك قول القائل : من أرسل إماءه وعبيده يفجر بعضهم ببعض ، ويقتل بعضهم بعضا ، وهو قادر على أن يكفّهم ، كان سفيها ، والله قد فعل ذلك ، ولم يدخل في عموم هذه القضية ، فكذا القضية الكلية التي ادعوا ثبوتها في محل النزاع أولى أن تكون باطلة منتقضة.

الجواب الرابع عشر : أنه لو سلّم لهم أنه مستكمل بأمر حادث ، لكان هذا من الحوادث المرادات ، وكل ما هو حادث مراد عندهم ، فليس بقبيح ، فإن القبح عندهم ليس إلا مخالفة الأمر والنهي ، والله ليس فوقه آمر ولا ناه ، فلا ينزه عندهم عن شيء من الممكنات البتّة إلا ما أخبر بأنه لا يكون ، فإنهم ينزهونه عن كونه لمخالفة حكمته. والقبيح عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة ، وما دخل تحت القدرة لم يكن قبيحا ولا مستلزما نقصا عندهم ، وجماع ذلك.

الجواب الخامس عشر : أنه ما من محذور يلزم من تجويز فعله لحكمة إلا والمحاذير التي يلزم من كونه يفعل لا لحكمة أعظم امتناعا ، فإن كانت تلك المحاذير غير ممتنعة ، كانت محاذير إثبات الحكمة أولى بعدم الامتناع ، وإن كانت محاذير إثبات الحكمة ممتنعة ، فمحاذير نفيها أولى بالامتناع.

الجواب السادس عشر : إن فعل الحي العالم الاختياري لا لغاية ولا لغرض ، يدعوه إلى فعله ، لا يعقل بل هو من الممتنعات ، ولهذا لا يصدر إلا من مجنون أو نائم أو زائل العقل ، فإن الحكمة والعلة الغائيّة هي التي تجعل

٥٢٩

المريد مريدا ، فإنه إذا علم بمصلحة الفعل ونفعه وغايته انبعثت إرادته إليه ، فإذا لم يعلم في الفعل مصلحة ، ولا كان له فيه غرض صحيح ، ولا داع يدعوه إليه ، فلا يقع منه إلا على سبيل العبث ، هذا الذي لا يعقل العقلاء سواه ، وحينئذ فنفي الحكمة والعلة والغاية عن فعل أحكم الحاكمين نفي لفعله الاختياري في الحقيقة ، وذلك أنقص النقص ، وقد تقدم تقرير ذلك ، وبالله التوفيق.

الباب الثالث والعشرون

قال نفاة الحكمة : هب أن الحجة بطلت ، فلا يلزم من بطلان دليل بطلان الحكم ، فنحن نذكر حجة غيرها ، فنقول : لو كان فعله تعالى معلّلا بعلة ، فتلك العلة إن كانت قديمة ، لزم من قدمها قدم الفعل ، وهو محال ، وإن كانت محدثة ، افتقر كونه موجدا لتلك العلة إلى علة أخرى ، وهو محال ، وهذا معنى قول القائل : علة كل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه ، قالوا : ونحن نقرر هذه الحجة تقريرا أبسط من هذا ، فنقول :

لو كان فعله تعالى لحكمة ، فتلك الحكمة إما قديمة ، أو محدثة ، فإن كانت قديمة ، فإما أن يلزم من قدمها قدم الفعل ، أو لا يلزم ، فإن لزم ، فهو محال ، وإن لم يلزم القدم ، والفعل موجود بدونها ، فالحكمة غير حاصلة من ذلك الفعل ، لحصوله دونها ، وما لا يكون الحكمة متوقفة على حصوله ، لا يكون متوقفا عليها ، وهو المطلوب ، وإن كانت الحكمة حادثة بحدوث الفعل ، فإما أن تفتقر إلى فاعل ، أو لا تفتقر إلى فاعل ، فإن لم تفتقر ، لزم حدوث من غير فاعل ، وهو محال ، وإن افتقرت إلى فاعل ، فذلك الفاعل

٥٣٠

إما أن يكون هو الله أو غيره ، لا يجوز أن يكون غيره ، لأنه لا خالق إلا الله ، وإن كان هو الله ، فإما أن يكون له في فعله غرض ، أو لا غرض له فيه ، فإن كان الأول ، فالكلام فيه كالكلام في الأول ، ويلزم التسلسل ، وإن كان الثاني ، فقد خلا فعله عن الغرض ، وهو المطلوب.

فإن قلت : فعله لذلك الغرض لغرض ، هو نفسه ، فما خلا عن غرض ، ولم يلزم التسلسل.

قلنا : فيلزم مثله في كل مفعول مخلوق ، وهو أن يكون الغرض منه هو نفسه ، من غير حاجة إلى غرض آخر ، وهو المطلوب ، فهذه حجة باهرة وافية بالغرض.

قال أهل الحكمة : بل هي حجة داحضة باطلة من وجوه ، والجواب عنها من وجوه :

الجواب الأول : أن نقول : لا يخلو إما أن يمكن أن يكون الفعل قديم العين أو قديم النوع ، أو لا يمكن واحد منهما ، فإن أمكن أن يكون قديم العين أو النوع ، أمكن في الحكمة التي يكون الفعل لأجلها أن تكون كذلك ، وإن لم يمكن أن يكون الفعل قديم العين ولا النوع ، فيقال : إذا كان فعله حادث العين أو النوع ، كانت الحكمة كذلك ، فالحكمة يحذى بها حذو الفعل ، فما جاز عليه جاز عليها ، وما امتنع عليه امتنع عليها.

الجواب الثاني : إن من قال : إنه خالق مكون في الأزل لما لم يكن بعد ، قال : قولي هذا كقول من قال : هو مريد في الأزل لما لم يكن بعد ، فقولي بقدم كونه فاعلا ، كقول هؤلاء بقدم كونه مريدا ، وعلى هذا فيمكنني أن أقول بقدم الحكمة التي يخلق ويريد لأجلها ، ولا يلزم من قدم الحكمة قدم الفعل كما لم يلزم من قدم الإرادة قدم المراد ، وكما لم يلزم من قدم صفة التكوين

٥٣١

قدم المكون ، فقولي في قدم الحكمة مع حدوث الفعل التي فعل لأجلها ، كقولكم في قدم الإرادة والتكوين سواء ، وما لزمني لزمكم مثله ، وجوابكم هو جوابي بعينه ، ولا يمتنع ذلك على أصول طائفة من الطوائف ، فإن من قال من الفلاسفة : إن فعله قديم للمفعول المعني ، يقول : إنّ الحكمة قديمة ، ومن قال بحدوث أعيان الفعل ودوام نوعه ، يقول ذلك في الحكمة سواء ، ومن قال بحدوث نوع الفعل وقيامه بالرب ، قال ذلك في الحكمة أيضا ، كما يقوله كثير من النظار ، فلا يمتنع على أصل طائفة من الطوائف إثبات الحكمة في فعله سبحانه.

الجواب الثالث : قولك : يفتقر كونه محدثا لتلك العلة إلى علة أخرى ، ممنوع ، فإن هذا إنما يلزم أن لو قيل : كل حادث فلا بدّ له من علة ، ونحن لا نقول هذا ، بل نقول : يفعله لحكمة ، ومعلوم أنّ المفعول لأجله مراد للفاعل محبوب له ، والمراد المحبوب تارة يكون مرادا لنفسه ، وتارة يكون مرادا لغيره ، والمراد لغيره لا بدّ أن ينتهي إلى المراد لنفسه قطعا للتسلسل ، وهذا كما نقوله في خلقه بالأسباب أنه يخلق كذا بسبب كذا ، وكذا بسبب كذا حتى ينتهي الأمر إلى أسباب لا سبب لها سوى مشيئة الرب ، فكذلك يخلق لحكمة ، وتلك الحكمة لحكمة حتى ينتهي الأمر إلى حكمة لا حكمة فوقها.

الجواب الرابع : إن النفاة يقولون : كلّ مخلوق فهو مراد لنفسه لا لغيره ، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون بعض المخلوقات مرادا لغيره ، وينتهي الأمر إلى مراد لنفسه ، بل هذا أولى بالجواز من جعل كلّ مخلوق مرادا لنفسه ، وكذلك فالأمر يكون مرادا لغيره حتى ينتهي إلى أمر مراد لنفسه.

الجواب الخامس : أن يقال : غاية ما ذكرتم أنه يستلزم التسلسل ، ولكن أي نوعي التسلسل هو اللازم؟ التسلسل الممتنع أو الجائز ، فإن عنيتم

٥٣٢

الأول ، منع اللزوم ، وإن عنيتم الثاني مع انتفاء اللازم ، فإن التسلسل في الآثار المستقبلة ممكن ، بل واجب ، وفي الآثار الماضية فيه قولان للناس ، والتسلسل في العلل والفاعلين محال ، باتفاق العقلاء ، بأن يكون لهذا الفاعل فاعل قبله ، وكذلك ما قبله إلى غير نهاية وأما أن يكون الفاعل الواحد القديم الأبدي لم يزل يفعل ، ولا يزال ، فهذا غير ممتنع ، إذا عرف هذا فالحكمة التي لأجلها يفعل الفعل تكون حاصلة بعده ، فإذا كان بعدها حكمة أخرى ، فغاية ذلك أن يلزم حوادث لا نهاية لها ، وهذا جائز بل واجب باتفاق المسلمين ، ولم ينازع إلا بعض أهل البدع من الجهمية والمعتزلة.

فإن قيل : فيلزم من هذا أن لا تحصل الغاية المطلوبة أبدا.

قيل : بل اللازم أن لا تزال الغاية المطلوبة حاصلة دائما ، وهذا أمر معقول في الشاهد ، فإن الواحد من الناس يفعل الشيء لحكمة يحصل بها محبوبه ، ثم يلزم من حصول محبوبه محبوب آخر يفعل لأجله ، وهلمّ جرا ، حتى لو تصوّر دوامه أبدا ، لكانت هذه حاله وكماله ، فلم تزل محبوباته تحصل شيئا بعد شيء ، وهذا هو الكمال الذي يريده ، مع غناه التام الكامل عن كلّ ما سواه ، وفقر ما سواه إليه من جميع الوجوه ، وهل الكمال إلا ذلك؟ وفواته هو النقص ، وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة والإحسان ، فرحمته وإحسانه من لوازم ذاته ، فلا يكون إلا رحيما محسنا ، وهو سبحانه إنما أمر العباد بما يحبه ويرضاه ، وأراد لهم من إحسانه ورحمته ما يحبه ويرضاه ، لكن فرق بين ما يريد هو سبحانه أن يخلقه ويفعله لما يحصل به من الحكمة التي يحبها ، فهذا يفعله سبحانه ، ولا بد من وجوده ، وبين ما يريد من العباد أن يفعلوه ويأمرهم بفعله ، ويجب أن يقع منهم ، ولا يشاء خلقه وتكوينه.

ففرق بين ما يريد خلقه ، وما يأمر به ، ولا يريد خلقه ، فإن الفرق بين ما يريد الفاعل أن يفعله ، وما يريد من المأمور أن يفعله ، فرق واضح ،

٥٣٣

والله سبحانه له الخلق والأمر. فالخلق فعله ، والأمر قوله ، ومتعلقه أفعال عباده ، وهو سبحانه قد يأمر عبده ويريد من نفسه أن يعين عبده على فعل ما أمره ، لتحصل حكمته ومحبته من ذلك المأمور به ، وقد يأمره ولا يريد من نفسه إعانته على فعل المأمور ، لما له من الحكمة الثابتة في هذا الأمر وهذا الترك ، يأمره لئلا يكون له عليه حجة ، ولئلا يقول : ما جاءني من نذير ، ولو أمرتني لبادرت إلى طاعتك ، ولم يرد من نفسه إعانته ، لأن محله غير قابل لهذه النعمة. والحكمة التامة تقتضي أن لا توضع النعم عند غير أهلها. وأن لا تمنع من أهلها.

قال تعالى : (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها (٢٦)) [الفتح] وقال : (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)) [الأنعام] وقال : (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ (٢٣)) [الأنفال] ولا يقال : فهلّا سوّى بين خلقه في جعلهم كلهم أهلا لذلك ، فإن هذا ممكن له ، ولا أن يقال : فهلا سوّى بين صورهم وأشكالهم وأعمارهم وأرزاقهم ومعاشهم ، وهذا وإن كان ممكنا ، فالذي وقع من التفاوت بينهم هو مقتضى حكمته البالغة وملكه التام وربوبيته ، فاقتضت حكمته أن سوّى بينهم في الأمر ، وفاوت بينهم في الإعانة عليه ، كما فاوت بينهم في العلوم والقدر والغنى والحسن والفصاحة وغير ذلك ، والتخصيصات الواقعة في ملكه لا تناقض حكمته ، بل هي من أدلّ شيء على كمال حكمته ، ولولاها لم يظهر فضله ، ومنه قال تعالى : (وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)) [الحجرات] فضلا من الله ونعمة ، والله عليم بمن يصلح لهذه النعمة ، حكيم في وضعها عند أهلها ومنعها غير أهلها ، وقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)) [الحديد].

٥٣٤

وقال تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)) [الجمعة] وقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)) [المائدة].

وقالت الرسل لقومهم : (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (١١)) [إبراهيم] وقال تعالى : (وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ (٣٢)) [الزخرف] الآية.

وفي حديث : «مثل المؤمنين واليهود والنصارى قال تعالى لأهل الكتاب : هل ظلمتكم من حقّكم من شيء؟ قالوا : لا ، قال : فهو فضلي أوتيه من أشاء» (١).

وقال تعالى : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً (٧٠)) [النساء] أي : يعلم أين يضع فضله ومن يصلح له ممن لا يصلح ، بل يمنعه غير أهله ، ولا يضعه عند غير أهله ، وهذا كثير في القرآن ، يذكر أن تخصيصه هو فضله ورحمته ، فلو ساوى بين الخلائق لم يعرف قدر فضله ونعمته ورحمته ، فهذا بعض ما في تخصيصه من الحكمة.

وفي كتاب «الزهد» للإمام أحمد ، أن موسى قال : يا رب! هلّا سويت بين

__________________

(١) رواه البخاري (٢٢٦٨) و (٢٢٦٩) عن عبد الله بن عمر.

٥٣٥

عبادك؟ قال : إني أحببت أن أشكر.

فمواضع التحصل ومواقع الفصل التي يقدح بها نفاة الحكمة هي من أدلّ شيء على كمال حكمته سبحانه ، ووضعه للفضل مواضعه ، وجعله عند أهله الذين هم أحقّ به وأولى من غيرهم ، وهو الذي جعلهم كذلك بحكمته وعلمه وعزته وملكه ، فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين. ولا يجب بل لا يمكن المشاركة في حكمته ، بل ما حصل للخلائق كلهم من العلم بها كنقرة عصفور في البحر المحيط ، وأي نقص في دوام حكمته شيئا بعد شيء كما تدوم إرادته وكلامه وأفعاله وإحسانه وجوده وإنعامه؟ وهل الكمال إلا في هذا التسلسل؟ فما ذا نفر النفاة منه أنفرهم أن يقال : لم يزل ولا يزال حيا عليما قديرا حكيما متكلما محسنا جوادا ملكا موصوفا بكل كمال غنيا عن كل ما سواه ، لا تنفد كلماته ، ولا تتناهى حكمته ، ولا تعجز قدرته ، ولا يبيد ملكه ، ولا تنقطع إرادته ومشيئته ، بل لم يزل ولا يزال له الخلق والأمر والحكمة والحكم؟ وهل النقص إلا سلب ذلك عنه؟ والله الموفق بفضله وإعانته.

الجواب السادس : أنّ الرب تبارك وتعالى إذا خلق شيئا ، فلا بد من وجود لوازمه ، ولا بد من عدم أضداده ، فوجود الملزوم بدون لازمه محال ، ووجود الضد مع ضده ممتنع ، والمحال الممتنع ليس بشيء ، ولا يتصور العقل وجوده في الخارج ، وغدا كان هذا التسلسل الجائز من لوازم خلقه وحكمته ، لم يكن في القول محذور ، بل كان المحذور في نفيه ، توضيحه.

الجواب السابع : إنه لم يقم دليل عقليّ ولا سمعي على امتناع دوام أفعال الرب ، في الماضي والمستقبل أصلا ، وكلّ أدلة النّفاة من أولها إلى آخرها

٥٣٦

باطلة ، وقد كفى مئونة إبطالها الرازيّ والآمدي في أكثر كتبهما وغيرهما ، وأما إثبات الحكمة ، فقد قام على صحته العقل والسمع والفطرة وسائر أنواع الأدلة ، مما تقدمت الإشارة إلى بعض ذلك ، فكيف يقدح في هذا المعلوم الصحيح بذلك النفي الذي لم يقم على صحته دليل البتة؟!.

الجواب الثامن : أن التسلسل إما أن يكون ممكنا ، أو ممتنعا ، فإن كان ممكنا ، بطل استدلالكم ، وإن كان ممتنعا ، أمكن أن يقال في دفعه : تنتهي المرادات إلى مراد لنفسه ، لا لغيره ، وينقطع التسلسل.

الجواب التاسع : أن يقال : ما المانع أن تكون الفاعلية معللة بعلة قديمة؟ قولكم : يلزم من قدمها قدم المعلول ، ينتقض عليكم بالإرادة ، فإنها قديمة ، ولم يلزم من قدمها قدم المراد.

فإن قلتم : الإرادة القديمة تعلقت بالمراد الحادث في وقت حدوثه ، واقتضت وجوده حينئذ ، فهلّا قلتم : إن الحكمة القديمة تعلقت بالمراد وقت حدوثه ، كما قلتم في الإرادة.

فإن قلتم : شأن الإرادة التخصيص ، قيل لكم : وكذلك الحكمة شأنها تخصيص الشيء بزمانه ومكانه وصفته ، فالتخصيص مصدره الحكمة والإرادة والعلم والقدرة ، فإن لزم من قدم الحكمة قدم الفعل ، لزم من قدم الإرادة قدمه ، وإن لم يلزم ذلك ، لم يلزم هذا.

الجواب العاشر : أن يقال : لو لم يكن فعله لحكمة وغاية مطلوبة ، لم يكن مريدا ، فإنّ المريد لا يعقل كونه مريدا إلا إذا كان يريد لغرض وحكمة ، فإذا انتفت الحكمة والغرض ، انتفت الإرادة ، ويلزم من انتفاء الإرادة أن يكون موجبا بالذات ، وهو علة تامة في الأزل لمعلوله ، فيلزم أن يقارنه جميع معلوله ، ولا يتأخر ، فيلزم من ذلك قدم الحوادث المشهودة ، وإنما

٥٣٧

لزم ذلك من انتفاء الحكمة والغرض المستلزمة لنفي الإرادة المستلزمة للإيمان الذاتي المستلزم لقدم الحوادث ، وتقرير هذا وبسطه في غير هذا الموضع.

فصل

قال نفاة الحكمة : جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين : تحصيل اللذة والسرور ، ودفع الألم والحزن والغم ، والله سبحانه قادر على تحصيل هذين المطلوبين ابتداء ، من غير شيء من الوسائط ، ومن كان قادرا على تحصيل المطلوب ابتداء بغير واسطة ، كان توسّله إلى تحصيله بالوسائط عبثا ، وهو على الله محال.

قال أصحاب الحكمة : عن هذه الشبهة أجوبة :

الجواب الأول : أن يقال : لا ريب أنّ الله على كلّ شيء قدير ، لكن لا يلزم إذا كان الشيء مقدورا ممكنا ، أن تكون الحكمة المطلوبة لوجوده يمكن تحصيلها مع عدمه ، فإن الموقوف على الشيء يمتنع حصوله بدونه ، كما يمتنع حصول الابن بكونه ابنا بدون الأب ، فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال ، والجمع بين الضدين محال ، ولا يقال : فيلزم العجز ، لأن المحال ليس بشيء ، فلا تتعلق به القدرة ، والله على كل شيء قدير ، فلا يخرج ممكن عن قدرته البتة.

الجواب الثاني : أنّ دعوى كون توسط أحد الأمرين ، إذا كان شرطا أو سببا له ، عبث ، دعوى كاذبة باطلة ، فإن العبث هو الذي لا فائدة فيه ، وأما

٥٣٨

توسّط الشرط أو السبب أو المادة التي يحدث فيها ما يحدثه ، فليس بعبث توضيحه.

الجواب الثالث : أن حصول الأعراض والصفات التي يحدثها الله سبحانه في موادها شروط لحصول تلك المواد ، ولا يتصور وجودها بدونها ، فتوسطها أمر ضروري لا بد منه ، فينقلب عليكم دليلكم ، ونقول : هل يقدر سبحانه على إيجاد تلك الحوادث ، بدون توسّط موادها الحاملة لها ، أو لا يمكن؟ فإن قلتم : يمكن ذلك ، كان توسطها عبثا ، وإن قلتم : لا يقدر ، كان تعجيزا ، فإن قلتم : هذا فرض مستحيل ، والمحال ليس بشيء ، قيل : صدقتم ، وهذا جوابنا بعينه.

الجواب الرابع : أن يقال : إذا كان في خلق تلك الوسائط حكم أخرى ، تحصل بخلقها للفاعل ، وفي خلقها مصالح ومنافع لتلك الوسائط ، لم يكن توسطها عبثا ، ولم تكن الحكمة حاصلة بعدمها ، كما أنه سبحانه إذا جعل رزق بعض خلقه في البخارات مثلا ، فاقتضى ذلك أنّ تخليق الصانع إلى من يحتاج ، فينتفع هؤلاء بالصانع ، وهؤلاء باليمن ، كان في ذلك مصلحة هؤلاء وهؤلاء ، وإذا تأملت الوجود ، رأيته قائما بذلك شاهدا على منكري الحكمة.

فكم لله سبحانه في إحداث تلك الوسائط من حكم ومصالح ومنافع للعباد ، لو بطلت تلك الوسائط ، لفاتت تلك الحكم والمصالح.

الجواب الخامس : قولك : يلزم العبث ، وهو على الله محال ، فيقال : إن كان العبث عليه محالا ، لزم أن لا يفعل ، ولا يأمر إلا لمصلحة وحكمة ، فبطل قولك بقولك ، وإن لم يكن العبث عليه محالا ، بطلت هذه الحجة ، فيتحقق بطلانها على التقديرين.

الجواب السادس : أن يقال : ما المانع أن يفعل سبحانه أشياء معللة

٥٣٩

وأشياء غير معللة ، بل مرادة لذاتها؟ وإذا جاز هذا ، جاز أن يقال : إن هذه الوسائط غير معللة ، ولا يمكنك نفي هذا القسم إلا بأن تقول : إن شيئا من أفعاله غير معلل البتة ، وأنت إنما نفيت هذا بلزوم العبث في توسط تلك الأمور ، ولا يلزم من انتفاء التعليم في بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع ، فإنه لا يجب أن يكون كلّ شيء لعلة ، فأنت نفيت جواز التعليل. وغاية هذه الحجة لو صحت ، أن تدل على أنه لا يجب في كل شيء ، أن يكون لعلة ، فلم يثبت الحكم والدليل ، وهذا كما يقول الفقهاء مع قولهم بالتعليل : إن من الأحكام ما يفيد غير معلل. فهلّا قلت في الخلق كقولهم في الأمر؟ وهذا إنما هو بطريق الإلزام ، وإلا فالحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات ، لأجلها شرع وفعل ، وإن لم يعلمها الخلق على التفصيل ، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها.

الجواب السابع : أن غاية هذه الشبهة أن يكون سبحانه قادرا على تحصيل تلك الحكم بدون تلك الوسائط كما هو قادر على تحصيلها بها ، وإذا كان الأمران مقدورين له ، لم يكن العدول عن أحد المقدورين إلى الآخر عبثا إلا إذا كان المقدور الآخر مساويا لهذا من كل وجه ، ولا يمكن عاقلا أن يقول : إنّ تعطيل تلك الوسائط وعدمها مساو من كل وجه لوجودها ، وهذا من أعظم البهت وأبطل الباطل ، وهو يتضمن القدح في الحس والعقل والشرع ، كما هو قدح في الحكمة ، فإنّ من جعل وجود الرسل وعدمهم سواء ، ووجود الشمس والقمر والنجوم والمطر والنبات والحيوان وعدمها سواء ، ووجود هذه الوسائط جميعا وعدمها سواء ، فلم يدع للمكابرة موضعا.

الجواب الثامن : قولك : جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين : تحصيل اللذة ، ودفع الهم والحزن. أتريد به الغرض الذي يفعل لأجلها الحيوان ، أو الحكمة التي يفعل الله سبحانه لأجلها ، أم تريد به ما هو أعم

٥٤٠