شفاء العليل

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

شفاء العليل

المؤلف:

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]


المحقق: عصام فارس الحرستاني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٧٦
  نسخة غير مصححة

جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكرا أبدا.

ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في «إشاراته» : العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسرّ الله تعالى في القدر ، وهذا كلام منسلخ من الملل ومتابعة الرسل. وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر ، وإنما أرسلوا لإنكار المنكر ، فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر ، فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام : إياك نعبد وإياك نستعين وفي مقام : فاعبده وتوكّل عليه ، فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره ، فهذا حقيقة المعرفة ، وصاحب هذا المقام هو العارف بالله ، وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول :

أصبحت منفعلا لما يختاره

مني ففعلي كله طاعات

ويقول : أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته ويقول : العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسرّ الله في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من أتباعهم ، وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل فقال تعالى (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا (١٤٨)) إلى قوله (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)) [الأنعام] وقال تعالى (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) إلى قوله (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥)) [النحل] وقال تعالى (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ (٤٧)) [يس] وقال تعالى (وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)) [الزخرف].

٤١

فهذه أربعة مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه وشيخهم وإمامهم في ذلك عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال (رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)) [الحجر] فإن قيل : قد علم بالنصوص والمعقول صحة قولهم : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا. ولو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا. ولو شاء الرحمن ما عبدناهم. فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وقد قال تعالى (وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ (١٣٧)) [الأنعام] وقال (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها (١٣)) [السجدة] فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون ، وأهل السنة جميعا يقولون : لو شاء الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به كافر ولا عصاه أحد من خلقه ، فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون.

(قيل :) أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين ولم ينكر عليهم صدقا ولا حقّا بل أنكر عليهم أبطل الباطل ، فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتا لقدره وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه وتوكلا عليه واستعانة به ، ولو قالوه كذلك لكانوا مصيبين ، وإنما قالوه معارضين به لشرعه ودافعين به لأمره فعارضوا شرعه وأمره ، ودفعوه بقضائه وقدره ووافقهم على ذلك كلّ من عارض الأمر ودفعه بالقدر.

وأيضا فإنهم احتجوا بمشيئته العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال معارضة الأمر بالقدر ودفعه به والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه وأن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر وقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدّعي التحقيق والمعرفة أو يدعى فيه ذلك. وقالوا : العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم ؛ وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله منه ،

٤٢

فإنه قال في باب التوبة من «منازل السائرين ولطائف التوبة» ثلاثة أشياء :

أولها : أن ننظر في الجناية والقضية ، فنعرف مراد الله فيها إذ خلّاك وإتيانها فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين : أن يعرف عبرته في قضائه ، وبره في مسيره ، وحلمه في إمهال راكبه ، وكرمه في قبول العذر منه ، وفضله في مغفرته ، والثاني : ليقيم على العبد حجّة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته.

واللطيفة الثانية : أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنّته لم تبق له حسنة بحال ، لأنه يسير بين مشاهدة المنّة ويطلب عيب النفس والعمل.

واللطيفة الثالثة : أنّ مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة ، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم.

فهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح ، والشرائع كلها مبناها على استحسان هذا واستقباح هذا ؛ بل مشاهدة الحكم تزيد البصير استحسانا للحسن واستقباحا للقبيح ، وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره ، قوي استحسانه واستقباحه ، فإنه يوافق في ذلك ربّه ورسله ومقتضى الأسماء الحسنى والصفات العلى ، وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر ، وغضبه لله ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة ، وكلامه المتقدم بيّن في رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسّنه الله وهو كالمحكم فيه وهذا متشابه فيردّ إلى محكم كلامه ، والذي يليق به ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في الفناء والاصطلام (١) فقال : الفناء عبارة

__________________

(١) الاصطلام : استئصال.

٤٣

عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه ، فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة.

مثاله : رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض ، فأذهله ما يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به ، وهذا تقريب والأمر فوق ذلك ، فكيف بمن أشهده الله عزوجل فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء مواتا لا قوام لها إلا بقدرته ، فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق تعالى ، وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها ، وصفّى الله عبده من درنه ، ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء ، فمتى تجلّت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية ، تلاشى الوجود الذي للعبد واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ، ويكون العبد في ذلك آكلا شاربا ، فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده ؛ لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء في أوقات سكره ، ويبقى وجوده كالخيال قائما بالعبودية في حضرة ذي الجلال ، وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف ، وذلك هو البقاء بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء ، بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله عزوجل مشهده فيه قيامه عليه بتدبيره ، ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد ، فيصير به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح.

ووجه آخر : وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحو والتمييز ، فيستر من قلبه محل الزهد والصبر والورع ، لا بمعنى أنّ

٤٤

تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد ، لكن بمعنى أنّ الشهود ستر محلها من القلب ، وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال العالي ، فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا وتبعا ، وصار القلب مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب العبد لوجد فيه الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها ، وفي حال البقاء والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه. إذا علمت ذلك ، انحل إشكال قوله : إنّ مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده إلى معنى الحكم أي : إن صفة حكم الله حشت بصيرته ، وملأتها فشهد قيام الله على الأشياء وتصرّفه فيها وحكمه عليها ، فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية ، فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق ، ويسمى هذا جمعا ، لأنّ العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كلّ حكم وقع في الكون ، وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات اجتمع قلبه ، ولضعف قلبه حين هذا الاجتماع لم يتّسع للتمييز الشرعي بين الحسن والقبيح ، بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طيّ هذه المعرفة الساترة له عن التمييز ، لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح ، بل اندرج في مشهده ، وانطوى بحيث لو فتش لوجد حكم التحسين والتقبيح مستورا في طيّ مشهده ذلك وبالله التوفيق.

وتلخيص ما ذكره شيخنا رحمه‌الله أنّ للفعل وجهين ؛ وجه قائم بالرب تعالى ، وهو قضاؤه وقدره له وعلمه به ، والعبد له ملاحظتان : ملاحظة للوجه الأول ، وملاحظة للوجه الثاني ، والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى ، بل يشهد قضاء الرب وقدره ومشيئته ، ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته ، فيشهد الربوبية والعبودية فيجتمع في

٤٥

قلبه معنى قوله (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)) [التكوير] مع قوله (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ (٢٩)) [التكوير] وقوله (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ (٥٦)) [المدثر].

فمن الناس من يتّسع قلبه لهذين الشهودين ، ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما ، بقوة الوارد عليه وضعف المحل ، فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له ، فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي ، وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ، ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته ، فيغيب بشهود الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته ، فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو قبيحا ، وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه ، وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه ، وبالله التوفيق.

فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه ، وعبّاد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ، ولو أغضبهم غيرهم ، وقصّر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة ، فما احتجّ بالقدر على إبطال الأمر والنهي إلا من هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه.

وتأمّل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله ، وأنه لو لا محبته ورضاه به لما شاءه منهم (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)) [الأنعام] فأخبر سبحانه أنّ الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه ، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ، فثبتت حجته

٤٦

البالغة عليهم بذلك ، واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه ، ثم قرر تمام الحجة بقوله (فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه ، وأنه لا ربّ غيره ، ولا إله سواه ، فكيف يعبدون معه إلها غيره. فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم ، وأنّ الأمر كله لله وأنّ كلّ شيء ما خلا الله باطل ، فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد ، فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك ، فكانت حجة الله هي البالغة وحجّتهم هي الداحضة ، وبالله التوفيق.

إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربّه بعده ، وهداه واصطفاه. وآدم أعرف بربه من أن يحتجّ بقضائه وقدره على معصيته ، بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم ، فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية ، ولهذا قال له : أخرجتنا ونفسك من الجنة ، وفي لفظ : خيّبتنا. فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال : إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي ، والقدر يحتجّ به في المصائب دون المعايب أي : أتلومني على مصيبة قدّرت عليّ وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة ، هذا جواب شيخنا رحمه‌الله.

وقد يتوجه جواب آخر وهو انّ الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضرّ في موضع ، فينفع إذا احتجّ به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم ، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع ، لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ، ولا يبطل به شريعة ، بل يخبر بالحق المحض على وجه

٤٧

التوحيد والبراءة من الحول والقوة.

يوضحه : أنّ آدم قال لموسى : أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا عليّ قبل أن أخلق ، فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة ، وزال أمره حتى كأن لم يكن ، فأنّبه مؤنّب عليه ولامه ، حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول : هذا أمر كان قد قدّر عليّ قبل أن أخلق. فإنه لم يدفع بالقدر حقا ، ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ، ففي الحال والمستقبل ، بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم ، فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره ، فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا (لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا (١٤٨)) [الأنعام] (لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ (٢٠)) [الزخرف] فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه ، وأنهم لم يندموا على فعله ، ولم يعزموا على تركه ، ولم يقروا بفساده ؛ فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه ، وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود ؛ فإذا لامه لائم بعد ذلك ، قال : كان ما كان بقدر الله.

ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر ، وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل.

فإن قيل : فقد احتج عليّ بالقدر في ترك قيام الليل وأقره النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كما في الصحيح عن عليّ أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلا ، فقال لهم ألا تصلون قال : فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثها بعثها ، فانصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين قلت له ذلك ، ولم يرجع إليّ شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول (وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤)) [الكهف].

٤٨

قيل : عليّ لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم وإنما قال : إن نفسه ونفس فاطمة بيد الله ، فإذا شاء أن يوقظهما ويبعث أنفسهما بعثهما ، وهذا موافق لقول النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة ناموا في الوادي : إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردّها حيث شاء ، وهذا احتجاج صحيح صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرّط ، واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح ، وقد أرشد النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به.

فروى مسلم في صحيحه (١) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : «المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلّ خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل ، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان».

فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان :

أحدها : أن الله سبحانه موصوف بالمحبة وأنه يحبّ حقيقة.

الثاني : أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها ، فهو القويّ ويحب المؤمن القويّ وهو وتر يحب الوتر ، وجميل يحب الجمال ، وعليم يحب العلماء ، ونظيف يحب النظافة ، ومؤمن يحب المؤمنين ، ومحسن يحب المحسنين وصابر يحب الصابرين ، وشاكر يحب الشاكرين.

ومنها : أنّ محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض.

ومنها : أنّ سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده.

__________________

(١) مسلم (٢٦٦٤).

٤٩

والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع ، فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا ، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا ، وأن يكون حرصه على ما ينتفع به ، فإن حرص على ما لا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك ، فالخير كله في الحرص على ما ينفع.

ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه ، أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام إياك نعبد وإياك نستعين ، فإنّ حرصه على ما ينفعه عبادة لله ، ولا تتم إلا بمعونته ، فأمره بأن يعبده وأن يستعين به ، ثم قال : ولا تعجز ، فإنّ العجز ينافي حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله ، فالحريص على ما ينفعه ، المستعين بالله ، ضد العاجز ، فهذا إرشاد له قبل رجوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمّة الأمور بيده ومصدرها منه ومردّها إليه فإن فاته ما لم يقدر له ، فله حالتان : حالة عجز ، وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى لو ، ولا فائدة في «لو» هاهنا بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن ، وذلك كله من عمل الشيطان ، فنهاه صلى الله تعالى عليه وسلم عن افتتاح عمله بهذا المفتاح ، وأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته ، وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد ، فلم يبق له هاهنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجود المقدور ، وإذا انتفت امتنع وجوده ، فلهذا قال : فإن غلبك أمر فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا ، ولكن قل : قدّر الله وما شاء فعل ، فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول مطلوبه وحالة فواته ، فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا ، بل هو أشد شيء إليه ضرورة ، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ظاهرا وباطنا ، في حالتي حصول المطلوب وعدمه ، وبالله التوفيق.

٥٠

الباب الرابع

في ذكر التقدير الثالث والجنين في بطن أمه وهو تقدير

شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله وسائر ما يلقاه

وذكر الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك

عن عبد الله بن مسعود : قال : حدثنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : «إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات ، يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيدخلها» متفق عليه (١).

وعن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين

__________________

(١) البخاري (٣٢٠٨) ، ومسلم (٢٦٤٣).

٥١

ليلة فيقول : يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان ، فيقول : أي رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان ، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ، ثم تطوى الصحيفة ، فلا يزاد فيها ولا ينقص» رواه مسلم (١).

وعن عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول : الشقيّ من شقي في بطن أمه ، والسعيد من وعظ بغيره. فأتى رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري ، فحدّثه بذلك من قول ابن مسعود ، فقال : وكيف يشقى رجل بغير عمل؟! فقال له الرجل : أتعجب من ذلك ، فإني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا ، فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ، ثم قال يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ، ثم يقول يا رب أجله ، فيقضي ربّك ما يشاء ، ويكتب الملك ثم يقول : يا رب رزقه ، فيقضي ربك ما يشاء ، ويكتب الملك بالصحيفة في يده ، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص (٢).

وفي لفظ آخر : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأذنيّ هاتين يقول : «إنّ النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ، ثم يتسور عليها الملك. قال زهير بن معاوية : أحسبه قال : الذي يخلقها ، فيقول : يا رب أذكر أم أنثى؟ فيجعله الله ذكرا أو أنثى. ثم يقول : يا رب أسوّي أم غير سويّ ، فيجعله الله سويا أو غير سوي ، ثم يقول : يا رب ما رزقه وما أجله وما خلقه ، ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا.

وفي لفظ آخر : إن ملكا موكلا بالرحم إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله

__________________

(١) مسلم (٢٦٤٤).

(٢) رواه مسلم (٢٦٤٥). عن عبد الله بن مسعود ، والحديث عن حذيفة بن أسيد.

٥٢

ولبضع وأربعين ليلة» ثم ذكر نحوه (١).

وهذا الحديث بطرقه انفرد به مسلم.

وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : «إن الله عزوجل وكل بالرحم ملكا فيقول : أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة؟ وإذا أراد أن يقضي خلقا قال الملك : أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد ، فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه» متفق عليه (٢).

وقال ابن وهب : أخبرني يونس عن ابن شهاب ، أن عبد الرحمن بن هنيدة حدثهم ، أن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : «إذا أراد الله أن يخلق النسمة قال ملك الأرحام معها : يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله بأمره ثم يقول : يا رب شقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره ، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها» (٣).

قال ابن وهب : وأخبرني عبد الله بن لهيعة ، عن بكر بن سوادة الجذامي ، عن أبي تميم الجيشاني ، عن أبي ذر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إذا دخلت ، يعني النطفة في الرحم أربعين ، أتى ملك النفس فعرج إلى الرب فقال : يا رب عبدك أذكر أو أنثى؟ فيقضي الله بما هو قاض ، أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو كائن (٤) وذكر بقية الحديث.

__________________

(١) مسلم (٢٦٤٥) (٤) عن أبي سريحة حذيفة بن أسيد.

(٢) البخاري (٣١٨) ، ومسلم (٢٦٤٦).

(٣) حديث صحيح. رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (١٨٢) وابن وهب عن عبد الله بن عمر.

(٤) صحيح. رواه ابن وهب ـ كما ذكر المؤلف ـ عن أبي ذر الغفاري وفيه ابن لهيعة : ضعيف ، إلا أن رواية ابن وهب عنه صحيحة.

٥٣

وقال ابن وهب : أخبرني ابن لهيعة عن كعب بن علقمة عن عيسى عن هلال عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : إذا مكثت النطفة في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها ملك فاختلجها (١) ، ثم عرج بها إلى الله تعالى أخلق يا أحسن الخالقين؟ فيقضي الله فيها بما يشاء من أمره ثم تدفع إلى الملك فيسأل الملك عند ذلك فيقول : يا رب أسقط أم يتيم فيبين له ، ثم يقول يا رب أواحد أم توأم فيبين له ، ثم يقول أقطع رزقه مع خلقه ، فيقضيهما جميعا فو الذي نفس محمد بيده لا ينال إلا ما قسم له يومئذ ، إذا أكل رزقه قبض.

وقال عبد الله بن أحمد : أخبرنا العلاء ، قال : حدثنا أبو الأشعث ، قال : حدثنا أبو عامر عن الزبير بن عبد الله قال : حدثني جعفر بن مصعب قال : سمعت عروة بن الزبير يحدث عن عائشة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : «إن الله سبحانه حين يريد أن يخلق الخلق ، يبعث ملكا ، فيدخل الرحم فيقول : أي رب ما ذا؟ فيقول : غلام أو جارية أو ما شاء أن يخلق في الرحم ، فيقول : أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول شقي أو سعيد ، فيقول : أي رب ما أجله؟ فيقول : كذا وكذا ، فيقول : ما خلقه ما خلائقه؟ فيقول : كذا وكذا. فما شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم» (٢).

وفي المسند (٣) من حديث إسماعيل بن عبيد الله ، وهو ابن أبي المهاجر ، أن أم الدرداء حدثته ، عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : «فرغ الله عزوجل إلى كل عبد من خمس : من أجله ، ورزقه ،

__________________

(١) فاختلجها : انتزعها.

(٢) حديث حسن. ورواه البزار (٢١٥١) عن عائشة.

(٣) أحمد ٥ / ١٩٧ ، وهو صحيح من حديث أبي الدرداء.

٥٤

ومضجعه ، وأثره ، وشقي ، أم سعيد».

وقال ابن حميد : حدثنا يعقوب بن عبد الله ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : إذا وقعت النطفة في الرحم ، تلبث أربعة أشهر وعشرا ، ثم تنفخ فيها الروح ، ثم تلبث أربعين ليلة ، ثم يبعث إليها ملك ، فنقفها في نقرة القفا ، وكتب شقيا أو سعيدا.

وروى ابن أبي خيثمة قال : حدثنا عبد الرحمن بن المبارك قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قال «السعيد من سعد في بطن أمه» (١) رواه أبو داود في «القدر» عن عبد الرحمن ، عن حماد عن هشام بن حسان عن محمد به.

وقال أحمد بن عبد : أخبرنا علي بن عبد الله بن ميسر ، قال : حدثنا عبد الحميد بن بيان ، قال : حدثنا خالد بن عبد الله ، عن يحيى بن عبيد الله ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : «الشقيّ من شقي في بطن أمه ، والسعيد من سعد في بطن أمه» (٢).

وقال سعيد عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : الشقي من شقي في بطن أمه ، والسعيد من وعظ بغيره. وقال شعبة عن مخارق ، عن طارق ، عن عبد الله بن مسعود قال : إنّ أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها ، فاتبعوا ولا تبتدعوا ، فإن الشقي من شقي في بطن أمه ، والسعيد من وعظ بغيره. وإن شر الروايا روايا الكذب

__________________

(١) إسناده صحيح ولا يصح مرفوعا رواه ابن أبي خثيمة ، وأبو داود في «القدر» عن أبي هريرة ، وهذا الكلام معروف من كلام ابن مسعود.

(٢) ضعيف. في إسناده يحيى بن عبيد الله ، وهو ابن موهب : ضعيف متروك. والمحفوظ أن هذا من كلام ابن مسعود.

٥٥

وشر الأمور محدثاتها ، وكل ما هو آت قريب ، رواهن أبو داود في القدر.

وذكر الطبراني من رواية أبي إسحاق عن أبي عبيدة عنه ، أنه كان يجيء كل يوم خميس ، يقوم قائما ، لا يجلس ، فيقول «إنما هما اثنتان فأحسن الهدي هدي محمد ، وأصدق الحديث كتاب الله ، وشر الأمور محدثتها ، وكل محدث ضلالة. إن الشقي من شقي في بطن أمه ، وإن السعيد من وعظ بغيره ، ألا فلا يطولنّ عليكم الأمد ، ولا يلهينكم الأمل ، فإن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما ليس آتيا. وإن من شرار الناس بطّال النهار جيفة الليل ، وإن قتل المؤمن كفر ، وإن سبابه فسوق ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ، ألا إن شر الروايا روايا الكذب ، وإنه لا يصلح من الكذب جدّ ولا هزل ، ولا أن يعد الرجل صفيّه ، ثم لا ينجزه ، ألا وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الصادق يقال له : صدق وبرّ ، وإن الكاذب يقال له : كذب وفجر. وإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : «إن العبد ليصدق ، فيكتب عند الله صدّيقا ، وإنه ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ، ألا هل تدرون ما العضه؟ هي النميمة التي تفسد بين الناس». وهذا متواتر ، عن عبد الله (١).

وبلغ معاوية أن الوباء اشتد بأهل دار ، فقال : لو حوّلناهم عن مكانهم ، فقال له أبو الدرداء : وكيف لك يا معاوية بأنفس قد حضرت آجالها؟! فكأن معاوية وجد على أبي الدرداء ، فقال له كعب : يا معاوية لا تجد على أخيك ، فإن الله سبحانه لم يدع نفسا حين تستقر نطفتها في الرحم أربعين ليلة إلا

__________________

(١) صحيح. رواه الطبراني (٨٥٢٢) عن ابن مسعود من رواية ابنه أبي عبيدة عنه ولم يسمع منه لكن تابعه أبو الأحوص (٨٥١٨) كما رواه عبد الرزاق (٢٠٠٧٦) عن ابن مسعود موقوفا وأكثر ألفاظه متفرقة في أحاديث صحيحة أخرى.

والحديث : (إن العبد ليصدق ..) رواه البخاري (٦٠٩٤) ، ومسلم (٢٦٠٧) عن ابن مسعود مرفوعا.

٥٦

كتب خلقها وخلقها وأجلها ورزقها ، ثم لكل نفس ورقة خضراء معلقة بالعرش ، فإذا دنا أجلها خلقت تلك الورقة حتى تيبس ، ثم تسقط فإذا يبست سقطت تلك النفس ، وانقطع أجلها ورزقها ، ذكره أبو داود عن محمود بن خالد ، حدثنا مروان ، حدثنا معاوية بن سلام ، حدثني أخي زيد بن سلام عن جده ابن سلام قال بلغ معاوية ، فذكره.

وقال أبو داود : حدثنا واصل بن عبد الأعلى ، قال : حدثنا ابن فضيل عن الحسن بن عمرو الفقيمي ، عن الحكم ، عن مجاهد في قوله تعالى (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ (١٣)) [الإسراء] قال : ما من مولود يولد إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد.

وفي الصحيحين عن أبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن الغلام الذي قتله الخضر ، طبع يوم طبع كافرا ، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا» (١).

وفي صحيح مسلم (٢) عن عائشة قالت : توفي صبي من الأنصار ، فقلت : طوبى له ، عصفور من عصافير الجنة ، لم يعمل السوء ، ولم يدركه ، فقال : أو غير ذلك يا عائشة ، إن الله خلق للجنة أهلا ، خلقهم لها ، وهم في أصلاب آبائهم».

ولا يناقض هذا حديث سمرة بن جندب الذي رواه البخاري في صحيحه (٣) من رؤيا النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أطفال المشركين حول إبراهيم الخليل في

__________________

(١) رواه مسلم (٢٦٦١) عن أبي بن كعب وأصله في البخاري (٤٧٢٧) عن ابن عباس عن أبيّ.

(٢) مسلم (٢٦٦٢).

(٣) البخاري (١٣٨٦).

٥٧

الروضة ، فإن الأطفال منقسمون إلى شقي وسعيد كالبالغين ، فالذي رآه حول إبراهيم السعداء من أطفال المسلمين والمشركين ، وأنكر على عائشة شهادتها للطفل المعين أنه عصفور من عصافير الجنة.

فاجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته وسعادته ، وهو في بطن أمه ، واختلفت في وقت هذا التقدير ، وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على خلق السموات والأرض وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم.

ففي حديث ابن مسعود : أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم.

وحديث أنس غير مؤقت.

وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوما ، وفي لفظ : بأربعين ليلة ، وفي لفظ : ثنتين وأربعين ليلة ، وفي لفظ : بثلاث وأربعين ليلة ، وهو حديث تفرد به مسلم ، ولم يروه البخاري.

وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين ، ولا تعارض بينهما بحمد الله ، وأن الملك الموكّل بالنطفة يكتب ما يقدره الله سبحانه ، على رأس الأربعين الأولى ، حتى يأخذ في الطور الثاني ، وهو العلقة ، وأما الملك الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة ، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته ، وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة.

ولهذا قال في حديث ابن مسعود : ثم يرسل إليه الملك ، فيؤمر بأربع كلمات ، وأما الملك الموكل بالنطفة ، فذاك راتب معها ، ينقلها بإذن الله من حال إلى حال ، فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق

٥٨

وهو العلق ، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما ، فهو تقدير بعد تقدير.

فاتفقت أحاديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وصدّق بعضها بعضا ، ودلت كلها على إثبات القدر السابق ومراتب التقدير ، وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم أو غلط في الرواية ، ومتى صحت الرواية وفهمت كما ينبغي ، تبين أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة متضمنة لنفس الحق ، وبالله التوفيق.

٥٩
٦٠