شفاء العليل

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

شفاء العليل

المؤلف:

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]


المحقق: عصام فارس الحرستاني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٧٦
  نسخة غير مصححة

[ما من كتاب أعظم إثباتا للأسباب كالقرآن]

فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ، ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به ، وأنت لا تجد كتابا من الكتب أعظم إثباتا للأسباب من القرآن ، وبالله العجب! إذا كان الله خالق السبب والمسبب ، وهو الذي جعل هذا سببا لهذا ، والأسباب والمسببات طوع مشيئته ، وقدرته منقادة لحكمه ، إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها ، كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم ، وإغراق الماء على كليمه وقومه ، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع ، تمنع تأثيرها مع بقاء قواها ، وإن شاء خلّى بينها وبين اقتضائه لآثارها ، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا ، فأيّ قدح يوجب ذلك في التوحيد ، وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟! ولكنّ ضعفاء العقول إذا سمعوا أنّ النار لا تحرق ، والماء لا يغرق ، والخبز لا يشبع ، والسيف لا يقطع ، ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ، ولا هو سبب لهذا الأثر ، وليس فيه قوة ، وإنما الخالق المختار يشاء حصول كلّ أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا ، قالت : هذا هو التوحيد ، وإفراد الرب بالخلق والتأثير ، ولم يدر قائل هذا أن هذه إساءة ظن بالتوحيد ، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاءوا به ، كما تراه عيانا في كتبهم ، ينفّرون به الناس عن الإيمان ، ولا ريب أنّ الصديق الجاهل قد يضرّ ما لا يضره العدو العاقل. قال تعالى عن ذي القرنين : (وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤)) [الكهف].

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : علما.

قال قتادة وابن زيد وابن جريج والضحاك : علما تسبب به إلى ما يريد.

٤٨١

وكذلك قال إسحاق : علما يوصله إلى حيث يريد. وقال المبرد : وكل ما وصل شيئا بشيء فهو سبب.

وقال كثير من المفسرين : آتيناه من كل ما بالخلق إليه حاجة علما ومعونة له ، وقد سمّى الله سبحانه الطريق سببا ، في قوله : فأتبع سببا. قال مجاهد : طريقا. وقيل : السبب الثاني هو الأول ، أي : أتبع سببا من تلك الأسباب التي أوتيها ، مما يوصله إلى مقصوده.

وسمّى سبحانه أبواب السماء أسبابا ، إذ منها يدخل إلى السماء. قال تعالى عن فرعون (لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ (٣٧)) [غافر] أي : أبوابها التي أدخل منها إليها ، وقال زهير :

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

ولو رام أسباب السماء بسلّم

وسمّى الحبل سببا لإيصاله إلى المقصود ، قال تعالى (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ (١٥)) [الحج] قال بعض أهل اللغة : السبب من الحبال القويّ الطويل ، قال : ولا يدعى الحبل سببا حتى يصعد به وينزل ، ثم قيل لكل شيء ، وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها : سبب ، يقال : ما بيني وبين فلان سبب ، أي : آصرة رحم ، أو عاطفة مودة.

وقد سمى تعالى وصل الناس بينهم أسبابا ، وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائجهم بعضهم من بعض قال تعالى (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦)) [البقرة] يعني الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا ، وقال ابن عباس وأصحابه : يعني أسباب المودة الواصلات التي كانت بينهم في الدنيا. وقال ابن زيد : هي الأعمال التي كانوا يؤملون أن يصلوا بها إلى ثواب الله وقيل : هي الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها.

٤٨٢

وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك كله أسبابا لأنها كانت يتوصّل بها إلى مسبباتها ، وهذا كله عند نفاة الأسباب مجاز ، لا حقيقة له ، وبالله التوفيق.

فصل

الأصل الخامس : أنه سبحانه حكيم ، لا يفعل شيئا عبثا ، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل ، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة ، لأجلها فعل ، كما هي ناشئة عن أسباب ، بها فعل ، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع ، لا تكاد تحصى ، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها ، فنذكر بعض أنواعها.

النوع الأول : التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه كقوله (حِكْمَةٌ بالِغَةٌ) وقوله : (وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) وقوله (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح ، وسمّي حكمة ، لأن العلم والعمل قد تعلّقا بمتعلقهما ، وأوصلا إلى غايتهما ، وكذلك لا يكون الكلام حكمة حتى يكون موصلا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة ، فيكون مرشدا إلى العلم النافع والعمل الصالح ، فتحصل الغاية المطلوبة ، فإذا كان المتكلم به لم يقصد مصلحة المخاطبين ولا هداهم ولا إيصالهم إلى سعادتهم ودلالتهم على أسبابها وموانعها ، ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة ، ولا تكلم لأجلها ، ولا أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجلها ، ولا نصب الثواب والعقاب لأجلها ، لم يكن حكيما ، ولا كلامه حكمة فضلا عن أن تكون بالغة.

النوع الثاني : إخباره أنه فعل كذا لكذا ، وأنه أمر بكذا لكذا ، كقوله (ذلِكَ

٤٨٣

لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ (٩٧)) [المائدة] وقوله (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢)) [الطلاق] وقال (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)) [المائدة] وقوله (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (١٦٥)) [النساء] وقوله (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ (١٠٥)) [النساء] وقوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ (٢٩)) [الحديد] وقوله (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ (١٤٣)) [البقرة] وقوله (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ (٢٨)) [الجن] أي : ليتمكنوا بهذا الحفظ والرصد من تبليغ رسالاته فيعلم الله ذلك واقعا.

وقوله : (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١)) [الأنفال] وقوله : (وَيُبْطِلَ الْباطِلَ (٨)) [الأنفال] وقوله : (وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ (١٢٦)) [آل عمران] وقوله : (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا (١٠٢)) [النحل] وقوله : (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً (٣١)) [المدثر] وقوله : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (١٤٣)) [البقرة] وقوله : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (٤٤)) [النحل] وقوله : (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)) [إبراهيم] وقوله : (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (٢٥)) [الحديد] وقوله : (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)) [الأنعام] وقوله : (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ

٤٨٤

وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)) [النحل]. وهذا في القرآن.

فإن قيل : اللام في هذا كله لام العاقبة كقوله (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (٨)) [القصص] وقوله : (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا (٥٣)) [الأنعام] وقوله : (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (٥٣)) [الحج] وقوله : (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (٤٢)) [الأنفال] وقوله : (وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)) [الأنعام] فإن ما بعد اللام في هذا ليس هو الغاية المطلوبة ولكن لما كان الفعل منتهيا إليه ، وكان عاقبة الفعل ، دخلت عليه لام التعليل ، وهي في الحقيقة لام العاقبة ، فالجواب من وجهين :

أحدهما : إن لام العاقبة إنما تكون في حقّ من هو جاهل أو هو عاجز عن دفعها ، فالأول كقوله : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (٨)) [القصص] والثاني : كقول الشاعر :

لدوا للموت وابنوا للخراب

فكلكم يصير إلى ذهاب

وأما من هو بكلّ شيء عليم ، وعلى كل شيء قدير ، فيستحيل في حقّه دخول هذه اللام ، وإنما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة.

الجواب الثاني : إفراد كل موضع من تلك المواضع بالجواب ، أما قوله (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً (٨)) [القصص] فهو تعليل لقضاء الله سبحانه بالتقاطه وتقديره له ، فإنّ التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره ، فهو سبحانه قدّر ذلك وقضى به ، ليكون لهم عدوا وحزنا ، وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه حزنا لهم وحسرة عليهم ، فإنّ من اختار

٤٨٥

أخذ ما يكون هلاكه على يديه ، إذا أصيب به ، كان أعظم لحزنه وغمه وحسرته من أن لا يكون فيه صنع ولا اختيار ، فإنه سبحانه أراد أن يظهر لفرعون وقومه ولغيرهم من خلقه كمال قدرته وعلمه وحكمته الباهرة ، وأن هذا الذي يذبح فرعون الأبناء في طلبه هو الذي يتولى تربيته في حجره وبيته باختياره وإرادته ، ويكون في قبضته وتحت تصرفه ، فذكر فعلهم به في هذا أبلغ وأعجب من أن يذكر القضاء والقدر ، وقد أعلمنا سبحانه أنّ أفعال عباده كلها واقعة بقضائه وقدره.

وأما قوله تعالى : (لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا (٥٣)) [الأنعام] فلا ريب أن هذا تعليل لفعله المذكور ، وهو امتحان بعض خلقه ببعض ، كما امتحن السادات والأشراف بالعبيد والضعفاء والموالي ، فإذا نظر الشريف والسيد إلى العبد والضعيف والمسكين قد أسلم ، أنف وحمي أن يسلم معه أو بعده ، ويقول : هذا يسبقني إلى الخير والفلاح ، وأتخلّف أنا ، فلو كان ذلك خيرا وسعادة ما سبقنا هؤلاء إليه؟! فهذا القول منهم هو بعض الحكم والغاية المطلوبة بهذا الامتحان ، فإن هذا القول دالّ على إباء واستكبار وترك الانقياد للحقّ بعد المعرفة التامة به ، وهذا وإن كان علّة ، فهو مطلوب لغيره ، والعلل الغائية تارة تطلب لنفسها وتارة تطلب لغيرها ، فتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه ، وقول هؤلاء ما قالوه وما يترتب عليه هذا القول موجب لآثار مطلوبة للفاعل ، من إظهار عدله وحكمته وعزه وقهره وسلطانه وعطائه من يستحق عطاءه ، ويحسن وضعه عنده ، ومنعه من يستحق المنع ، ولا يليق به غيره ، ولهذا قال تعالى (أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)) [الأنعام] الذين يعرفون قدر النعمة ويشكرون المنعم عليهم فيما منّ عليهم من بين من لا يعرفها ، ولا يشكر ربه عليها ، وكانت فتنة بعضهم ببعض لحصول هذا التميز الذي ترتب عليه شكر هؤلاء وكفر هؤلاء.

٤٨٦

فصل

وأما قوله (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ (٥٣)) [الحج] فهي على بابها ، وهي لام الحكمة والتعليل ، أخبر الله سبحانه أنه جعل ما ألقاه الشيطان في أمنية الرسول محنة واختبارا لعباده ، فافتتن به فريقان ، وهم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ، وعلم المؤمنون أنّ القرآن والرسول حقّ ، وأن إلقاء الشيطان باطل ، فآمنوا بذلك ، وأخبتت له قلوبهم ، فهذه غاية مطلوبة مقصودة بهذا القضاء والقدر ، والله سبحانه جعل القلوب على ثلاثة أقسام : مريضة ، وقاسية ، ومخبتة ، وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافا وإذعانا ، أو لا تكون كذلك ، فالأول : حال القلوب القاسية الحجرية التي لا تقبل ما يبث فيها ، ولا ينطبع فيها الحق ، ولا ترتسم فيها العلوم النافعة ، ولا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة. وأما النوع الثاني فلا يخلو إما أن يكون الحق ثابتا فيه ، لا يزول عنه لقوته مع لينه ، أو أن يكون ثابتا مع ضعف وانحلال ، والثاني : هو القلب المريض ، والأول هو الصحيح المخبت ، وهو جمع الصلابة والصفاء واللين ، فيبصر الحق بصفائه ، ويشتد فيه بصلابته ، ويرحم الخلق بلينه ، كما في أثر مرويّ : «القلوب آنية الله في أرضه ، فأحبّها إلى الله أصلبها وأرقّها وأصفاها» كما قال تعالى في أصحاب هذه القلوب (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (٢٩)) [الفتح] فهذا وصف منه للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم ، واشتدوا على الكفار بصلابتها ، وتراحموا فيما بينهم بلينها ، وذلك أنّ القلب عضو من أعضاء البدن ، وهو أشرف أعضائه وملكها المطاع ، وكل عضو كاليد مثلا إما أن تكون جامدة ويابسة ، لا تلتوي ولا تبطش ، أو تبطش

٤٨٧

بضعف ، فذلك مثل القلب القاسي ، أو تكون مريضة ضعيفة عاجزة ، ولضعفها ومرضها ، فذلك مثل الذي فيه مرض ، أو تكون باطشة بقوة ولين ، فذلك مثل القلب العليم الرحيم ، فبالعلم خرج عن المرض الذي ينشأ من الشهوة والشبهة ، وبالرحمة خرج عن القسوة ، ولهذا وصف سبحانه من عدا أصحاب القلوب المريضة والقاسية بالعلم والإيمان والإخبات. فتأمل ظهور حكمته سبحانه في أصحاب هذه القلوب ، وهم كل الأمة ، فأخبر أنّ الذين أوتوا العلم علموا أنه الحقّ من ربهم ، كما أخبر أنهم في المتشابه يقولون : آمنا به كلّ من عند ربنا ، وكلا الوصفين موضع شبهة ، فكان حظهم منه الإيمان ، وحظ أرباب القلوب المنحرفة عن الصحة الافتتان ، ولهذا جعل سبحانه إحكام آياته في مقابلة ما يلقي الشيطان بإزاء الآيات المحكمات في مقابلة المتشابهات ، فالأحكام هاهنا بمنزلة إنزال المحكمات هناك ، ونسخ ما يلقي الشيطان هاهنا في مقابلة ردّ المتشابه إلى المحكم هناك ، والنسخ هاهنا رفع ما ألقاه الشيطان ، لا رفع ما شرعه الرب سبحانه ، وللنسخ معنى آخر ، وهو النسخ من أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يرده ، ولا دلّ اللفظ عليه ، وإن أوهمه ، كما أطلق الصحابة النسخ على قوله (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ (٢٨٤)) [البقرة] قالوا نسختها قوله (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (٢٨٦)) [البقرة] الآية ، فهذا نسخ من الفهم ، لا نسخ للحكم الثابت ، فإنّ المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضا ، ولهذا عمّهم بالمحاسبة ، ثم أخبر بعدها أنه يغفر لمن يشاء ، ويعذّب من يشاء ، ففهم المؤاخذة التي هي المعاقبة من الآية تحميل لها فوق وسعها ، فرفع هذا المعنى من فهمه بقوله (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (٢٨٦)) [البقرة] إلى آخرها ، فهذا رفع لفهم غير المراد من إلقاء الملك ، وذاك رفع لما ألقاه غير الملك في أسماعهم أو في التمني ، وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة والتابعين : وهو ترك الظاهر إما بتخصيص عام ، أو

٤٨٨

بتقييد مطلق ، وهذا كثير في كلامهم جدا ، وله معنى رابع : وهو الذي يعرفه المتأخرون ، وعليه اصطلحوا ، وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له ، فهذه أربعة معان للنسخ. والإحكام له ثلاثة معان :

أحدها : الإحكام الذي في مقابلة المتشابه كقوله (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (٧)) [آل عمران].

والثاني : الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان ، كقوله (فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ (٥٢)) [الحج] وهذا الإحكام يعم جميع آياته وهو إثباتها وتقريرها وبيانها ، ومنه قوله (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ (١)) [هود].

الثالث : إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة ، كما يقوله السلف كثيرا : هذه الآية محكمة غير منسوخة ، وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل ، فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أمنيته ما يلقيه المبلغ ، أو في سمع المبلغ ، فالحكم هنا هو المنزل من عند الله ، أحكمه الله ، أي : فصله من اشتباهه بغير المنزل ، وفصل منه ما ليس منه بإبطاله ، وتارة يكون في إبقاء المنزل واستمراره ، فلا ينسخ بعد ثبوته ، وتارة يكون في معنى المنزل وتأويله ، وهو تمييز المعنى المقصود من غيره ، حتى لا يشتبه به. والمقصود : أن قوله (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (٥٣)) [الحج] هي لام التعليل على بابها ، وهذا الاختبار والامتحان مظهر لمختلف القلوب الثلاثة ، فالقاسية ، والمريضة ظهر خبؤها من الشك والكفر ، والمخبتة ظهر خبؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبّته وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه ، وهذا من أعظم حكمة هذا الإلقاء.

٤٨٩

فصل

وأما اللام في قوله (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (٤٢)) [الأنفال] فلام التعليل على بابها ، فإنها مذكورة في بيان حكمته في جمع أوليائه وأعدائه على غير ميعاد ، ونصرة أوليائه مع قلّتهم ورقتهم وضعف عددهم وعدّتهم ، على أصحاب الشوكة والعدد والحد والحديد الذي لا يتوهم بشر أنهم ينصرون عليهم ، فكانت تلك آية من أعظم آيات الرب سبحانه ، صدّق بها رسوله وكتابه ، ليهلك بعدها من اختار لنفسه الكفر والعناد عن بيّنة ، فلا يكون له على الله حجة ، ويحيا من حيّ بالإيمان بالله ورسوله عن بينة ، فلا يبقى عنده شكّ ولا ريب ، وهذا من أعظم الحكم ، ونظير هذا قوله (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠)) [يس].

فصل

وأما اللام في قوله (وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (١١٣)) [الأنعام] فهي على بابها للتعليل ، فإنها إن كانت تعليلا لفعل العدو ، وهو إيحاء بعضهم إلى بعض ، فظاهر ، وعلى هذا فيكون عطفا على قوله : غرورا ، فإنه مفعول لأجله ، أي : ليغروهم بهذا الوحي ، ولتصغى إليه أفئدة من يلقى إليه ، فيرضاه ويعمل بموجبه ، فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم

٤٩٠

من الإيحاء المذكور ، وهو أربعة أمور : غرور من يوحون إليه ، وإصغاء أفئدتهم إليهم ، ومحبتهم لذلك ، وانفعالهم عنده بالاقتراف. وإن كان ذلك تعليلا لجعله سبحانه لكلّ نبيّ عدوا ، فيكون هذا الحكم من جملة الغايات والحكم المطلوبة بهذا الجعل ، وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها ، لأنها مفضية إلى أمور ، هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه ، وفواتها يستلزم فوات ما هو أحبّ إليه من حصولها ، وعلى التقديرين فاللام لام التعليل والحكمة.

فصل

النوع الثالث : الإتيان بكي الصريحة في التعليل ، كقوله تعالى (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ (٧)) [الحشر].

فعلّل سبحانه تسمية الفيء بين هذه الأصناف ، كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء ، والأقوياء دون الضعفاء ، وقوله سبحانه (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (٢٣)) [الحديد] فأخبر سبحانه أنه قدّر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع ، وهو الأحسن ، ثم أخبر أنّ مصدر ذلك قدرته عليه ، وأنه يسير عليه ، وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم ، إذا علموا أنّ المصيبة فيه بقدره وكتابته ، ولا بد قد كتبت قبل خلقهم ، هان عليهم الفائت ، فلم يأسوا عليه ، ولم يفرحوا بالحاصل ، لعلمهم أن المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض ، فكيف يفرح بشيء قد قدّرت المصيبة فيه قبل

٤٩١

خلقه ، ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب ، أو خوف فواته أو حصول مكروه أو خوف حصوله ، نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله ، وعلى فوته حيث لم يحصل ، ونبّه بعدم الفرح به إذا وجد ، على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها ، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع ، وهذه هي أنواع المصائب ، فإذا تيقّن العبد أنها مكتوبة مقدرة ، وأنّ ما أصابه منها لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، هانت عليه ، وخفّ حملها ، وأنزلها منزلة الحرّ والبرد.

فصل

النوع الرابع : ذكر المفعول له ، وهو علة للفعل المعلل به ، كقوله (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً (٨٩)) [النحل] ونصب ذلك على المفعول له أحسن من غيره ، كما صرح به في قوله (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (٤٤)) [النحل] وفي قوله (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)) [البقرة] فإتمام النعمة هو الرحمة ، وقوله (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩)) [الشعراء] وقوله (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ (١٧)) [القمر] أي : لأجل الذكر كما قال (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)) [الدخان] وقوله (فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦)) [المرسلات] أي : للإعذار والإنذار ، وقوله (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)) [الأنعام] فهذا كله مفعول لأجله وقوله (أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥)) [عبس] إلى قوله (مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣)) [النازعات] والمتاع واقع موقع التمتيع ، كما يقع السلام موقع التسليم

٤٩٢

والعطاء موضع الإعطاء.

وأما قوله (يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً (١٢)) [الرعد] فيحتمل أن يكون من ذلك ، أي : إخافة لكم وإطماعا ، وهو أحسن ، ويحتمل أن يكون معمول فعل محذوف ، أي : فيرونهما خوفا وطمعا ، فيكونان حالا وقوله (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها (٦)) [ق] إلى قوله (تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)) [ق] أي : لأجل التبصرة والذكرى ، والفرق بينهما أنّ التبصرة توجب العلم والمعرفة ، والذكرى توجب الإنابة والانقياد ، وبهما تتم الهداية.

فصل

النوع الخامس : الإتيان بأن والفعل المستقبل بعدها ، تعليلا لما قبله ، كقوله (أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا (١٥٦)) [الأنعام] وقوله (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى (٥٦)) [الزمر] وقوله (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (٢٨٢)) [البقرة] ونظائره ، وفي ذلك طريقان :

أحدهما : للكوفيين ، والمعنى : لئلا تقولوا ، ولئلا تقول نفس.

والثاني للبصريين : أن المفعول له محذوف ، أي : كراهة أن تقولوا ، أو حذار أن تقولوا فإن قيل : كيف يستقيم الطريقان في قوله تعالى (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (٢٨٢)) [البقرة] فإنك إن قدّرت : لئلا تضلّ إحداهما. لم يستقم العطف ، فتذكر إحداهما عليه. وإن قدرت : حذار أن تضل إحداهما. لم يستقم العطف أيضا. وإن قدرت : إرادة أن تضل. لم تصح أيضا ، قيل : هذا من الكلام الذي ظهور معناه مزيل للإشكال ، فإن

٤٩٣

المقصود إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلّت ونسيت ، فلما كان الضلال سببا للإذكار ، جعل موضع العلة ، كما تقول : أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط ، فأدعمه بها ، فإنما أعددتها للدعم ، لا للميل ، وأعددت هذا الدواء أن أمرض ، فأتداوى به ، ونحوه ، وهذا قول سيبويه والبصريين.

قال أهل الكوفة : تقديره : كي تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت ، فلما تقدم الجزاء ، اتصل بما قبله ، ففتحت أن.

قال الفراء : ومثله قوله : ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى. معناه : ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل ، لأنه إنما يعجبه الإعطاء ، لا السؤال ، ومن ذلك قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ (١٧٣)) [الأعراف] فذكر سبحانه من حكم أخذ الميثاق عليهم أن لا يحتجوا يوم القيامة بغفلتهم عن هذا الأمر ، ولا بتقليد الأسلاف ، ومنه قوله : (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ (٧٠)) [الأنعام] فالضمير في به للقرآن ، وأن تبسل ، في محلّ نصب على أنه مفعول له ، أي : حذار أن تسلم نفس إلى الهلكة والعذاب ، وترتهن بسوء عملها.

فصل

النوع السادس : ذكر ما هو من صرائح التعليل ، وهو «من أجل» كقوله (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ

٤٩٤

جَمِيعاً (٣٢)) [المائدة].

وقد ظنت طائفة أن قوله : من أجل ذلك ، تعليل لقوله : فأصبح من النادمين ، أي : من أجل قتله لأخيه ، وهذا ليس بشيء ، لأنه يشوش صحة النظم ، وتقلّ الفائدة بذكره ، ويذهب شأن التعليل بذلك للكتابة المذكورة وتعظم شأن القتل ، حين جعل علة لهذه الكتابة ، فتأمله.

فإن قلت : كيف يكون قتل أحد بني آدم للآخر علة لحكمه على أمة أخرى بذلك الحكم ، وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلّهم؟.

قلت : الرب سبحانه يجعل أقضيته وأقداره عللا وأسبابا لشرعه وأمره ، فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمه الديني الأمري ، وذلك أنّ القتل عنده لمّا كان من أعلى أنواع الظلم والفساد ، فخّم أمره ، وعظّم شأنه ، وجعل إثمه أعظم من إثم غيره ، ونزّل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها ، ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبّه بمنزلة المشبه به من كل الوجوه ، فإذا كان قاتل الأنفس كلها يصلى النار ، وقاتل النفس الواحدة يصلاها ، صح تشبيهه به ، كما يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر ومن شرب عدة قناطير ، وإن اختلف مقدار الإثم ، وكذلك من زنى مرة واحدة ، وآخر زنا مرارا كثيرة ، كلاهما آثم ، وإن اختلف قدر الإثم ، وهذا معنى قول مجاهد : من قتل نفسا واحدة يصلى النار بقتلها كما يصلاها من قتل الناس جميعا.

وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا في وصفه ، وإن شئت قلت : التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها ، فإنه لا يختلف بقلة القتل وكثرته ، كما لو شرب قطرة ، فإن حدّه حد من شرب راوية ، ومن زنى بامرأة واحدة ، حده حدّ من زنى بألف ، وهذا تأويل الحسن وابن زيد ، قالا : يجب عليه من

٤٩٥

القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا ، ولك أن تجعل التشبيه في الأذى والغمّ الواصل إلى المؤمنين بقتل الواحد منهم ، فقد جعلهم كلهم خصماءه ، وأوصل إليهم من الأذى والغم ما يشبه القتل ، وهذا تأويل ابن الأنباري. وفي الآية تأويلات أخر.

فصل

النوع السابع : التعليل بلعلّ ، وهي في كلام الله سبحانه للتعليل مجردة عن معنى الترجي ، فإنها إنما يقارنها معنى الترجّي ، إذا كانت من المخلوق ، وأما في حق من لا يصح عليه الترجي ، فهي للتعليل المحض ، كقوله : (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)) [البقرة] فقيل هو تعليل لقوله : «اعبدوا ربكم» ، وقيل : تعليل لقوله «خلقكم». والصواب : أنه تعليل للأمرين ، لشرعه ، وخلقه ومنه قوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)) [البقرة] وقوله : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)) [يوسف] وقوله : (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)) [الأنعام]. (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤)) [طه] فلعل ، في هذا كله ، قد أخلصت للتعليل ، والرجاء الذي فيها متعلق بالمخاطبين.

٤٩٦

فصل

النوع الثامن : ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له ، وتارة يذكر بإن ، وتارة يقرن بالفاء ، وتارة يذكر مجردا.

فالأول : كقوله : (وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)) [الأنبياء]. وقوله : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)) [الذاريات] وقوله : (كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)) [يوسف] وقوله : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)) [الأعراف].

والثاني كقوله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا (٣٨)) [المائدة] وقوله : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ (٢)) [النور] (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (٤)) [النور].

والثالث : كقوله : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)) [الحجر] وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ (٢٧٧)) [البقرة] وهذا في التنزيل يزيد على عدة آلاف موضع ، بل القرآن مملوء منه ، فإن قيل : هذا إنما يفيد كون تلك الأفعال أسبابا لما رتّب عليها ، لا يقتضي إثبات التعليل في فعل الرب وأمره ، فأين هذا من هذا؟ قيل : لما جعل الربّ سبحانه هذه الأوصاف عللا لهذه الأحكام وأسبابا لها ، دل ذلك على أنه حكم بها شرعا وقدرا لأجل تلك الأوصاف ، وأنه لم يحكم بها لغير

٤٩٧

علّة ولا حكمة ، ولهذا كان كل من نفى التعليل والحكم ، نفى الأسباب ، ولم يجعل لحكم الربّ الكوني والديني سببا ولا حكمة ، هي العلة الغائيّة ، وهؤلاء ينفون الأسباب والحكم ، ومن تأمّل شرع الربّ وقدره وجزاءه ، جزم جزما ضروريا ببطلان قول النفاة ، والله سبحانه قد رتب الأحكام على أسبابها وعللها ، وبيّن ذلك خبرا وحسّا وفطرة وعقلا ، ولو ذكرنا ذلك على التفصيل ، لقام منه عدة أسفار.

فصل

النوع التاسع : تعليله سبحانه عدم الحكم القدري والشرعي بوجود المانع منه ، كقوله : (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣)) [الزخرف] (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)) [الشورى] وقوله : (وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ (٥٩)) [الإسراء] أي : آيات الاقتراح ، لا الآيات الدالة على صدق الرسل التي يقيمها هو سبحانه ابتداء ، وقوله : (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ (٤٤)) [فصلت] وقوله : (وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)) [الأنعام].

فأخبر سبحانه عن المانع الذي منع من إنزال الملك عيانا بحيث يشاهدونه ، وأن حكمته وعنايته بخلقه منعت من ذلك ، فإنه لو أنزل الملك ،

٤٩٨

ثم عاينوه ، ولم يؤمنوا ، لعوجلوا بالعقوبة ، ولم ينظروا.

وأيضا فإنه جعل الرسول بشرا ، ليمكنهم التلقي عنه والرجوع إليه ، ولو جعله ملكا فإما أن يدعه على هيئة الملائكة أو يجعله على هيئة البشر ، والأول يمنعهم من التلقي عنه ، والثاني لا يحصل مقصودهم ، إذا كانوا يقولون : هو بشر ، لا ملك.

وقال تعالى : (وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥)) [الإسراء].

فأخبر سبحانه عن المانع من إنزال الملائكة ، وهو أنه لم يجعل الأرض مسكنا لهم ، ولا يستقرون فيها مطمئنين ، بل يكون نزولهم لينفّذوا أوامر الرب سبحانه ، ثم يعرجون إليه ، ومن هذا قوله : (وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ (٥٩)) [الإسراء].

فأخبر سبحانه عن حكمته في الامتناع من إرسال رسله بآيات الاقتراح والتشهّي ، وهي أنها لا توجب الإيمان ، فقد سألها الأوّلون ، فلما أوتوها كذبوا بها ، فأهلكوا ، فليس لهم مصلحة في الإرسال بها ، بل حكمته سبحانه تأبى ذلك كل الإباء ، ثم نبه على ما أصاب ثمود من ذلك ، فإنهم اقترحوا الناقة ، فلما أعطوا ما سألوا ، ظلموا ، ولم يؤمنوا ، فكان في إجابتهم إلى ما سألوا هلاكهم واستئصالهم.

ثم قال : (وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً (٥٩)) [الإسراء] أي : لأجل التخويف ، فهو منصوب نصب المفعول لأجله.

قال قتادة : إن الله يخوّف الناس بما شاء من آياته ، لعلهم يعتبرون أو يذكرون أو يرجعون ، وهذا يعم آياته التي تكون مع الرسل ، والتي تقع بعدهم

٤٩٩

في كل زمان ، فإنه سبحانه لا يزال يحدث لعباده من الآيات ما يخوفهم بها ، ويذكرهم بها ، ومن ذلك قوله : (وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧)) [الأنعام] أي : لا يعلمون حكمته تعالى ومصلحة عباده في الامتناع من إنزال الآيات التي يقترحها الناس على الأنبياء ، وليس المراد أن أكثر الناس لا يعلمون ، أن الله قادر ، فإنه لم ينازع في قدرة الله أحد من المقرّين بوجوده سبحانه ، ولكن حكمته في ذلك لا يعلمها أكثر الناس.

فصل

النوع العاشر : إخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره ، كقوله : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ (٢٢)) [البقرة] وقوله : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١)) [النبأ] إلى قوله : (وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦)) [النبأ] وقوله : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧)) [المرسلات] وقوله : (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ (٨١)) [النحل].

وقوله : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤)) [عبس] إلى قوله : (مَتاعاً لَكُمْ

٥٠٠