شفاء العليل

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

شفاء العليل

المؤلف:

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]


المحقق: عصام فارس الحرستاني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٧٦
  نسخة غير مصححة

فإن قيل : فأيّ واد تسلكونه غير هذين الواديين ، وأي طريق تمرون فيها سوى هذين الطريقين؟.

قيل : نعم هاهنا طريقة ثالثة ، لم يسلكها الفريقان ، ولم يهتد إليها الطائفتان ، ولو حكّمت كلّ طائفة ما معها من الحق ، والتزمت لوازمه وطردته ، لساقها إلى هذه الطريق ، ولأوقعها على المحجّة المستقيمة ، فنقول ، وبالله التوفيق ، وهو المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله : العبد بجملته مخلوق لله جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله ، فهو مخلوق من جميع الوجوه ، وخلق على نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله ، وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه ، فهو الذي خلقه وكوّنه كذلك ، وهو لم يجعل نفسه كذلك ، بل خالقه وباريه جعله محدثا لإرادته وأفعاله ، وبذلك أمره ونهاه ، وأقام عليه حجته ، وعرضه للثواب والعقاب ، فأمره بما هو متمكن من إحداثه ، ونهاه عما هو متمكّن من تركه ، ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكّنه منها ، وأقدره عليها ، وناطها (١) به ، وفطر خلقه على مدحه وذمه عليها مؤمنهم وكافرهم ، المقرّ بالشرائع منهم والجاحد لها ، فكان مريدا شائيا بمشيئة الله له ، ولو لا مشيئة الله أن يكون شائيا ، لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائيا ، فالربّ سبحانه أعطاه مشيئة وقدرة وإرادة ، وعرفه ما ينفعه وما يضره ، وأمره أن يجري مشيئته وإرادته وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه ، فإجراؤها في طريق هلاكه بمنزلة من أعطى عبده فرسا يركبها ، وأوقفه على طريق نجاة وهلكة ، وقال : أجرها في هذا الطريق ، فعدل بها إلى الطريق الأخرى ، وأجراها فيها ، فغلبته بقوة رأسها وشدة سيرها ، وعزّ عليه ردها عن جهة جريها ، وحيل بينه وبين إدارتها إلى ورائها مع اختيارها وإرادتها ، فلو

__________________

(١) ناطها : علقها ، ربطها به.

٣٦١

قلت : كان ردّها عن طريقها ممكنا له مقدورا ، أصبت ، وإن قلت : لم يبق في هذه الحال بيده من أمرها شيء ، ولا هو متمكّن ، أصبت ، بل قد حال بينه وبين ردّها من يحول بين المرء وقلبه ، ومن يقلّب أفئدة المعاندين وأبصارهم.

وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة ، فتأمل حال من عرضت له صورة بارعة الجمال ، فدعاه حسنها إلى محبّتها ، فنهاه عقله ، وذكره ما في ذلك من التلف والعطب ، وأراه مصارع العشّاق عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه ، فعاد يعاود النظر مرة مرة ، ويحثّ نفسه على التعلق وقوة الإرادة ، ويحرض على أسباب المحبة ، ويدني الوقود من النار ، حتى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها ، ورمت بشررها ، وقد أحاطت به ، طلب الخلاص ، قال له القلب : هيهات : لات حين مناص ، وأنشده :

تولّع بالعشق حتى عشق

فلما استقلّ به لم يطق

رأى لجّة ظنها موجة

فلما تمكّن منها غرق

فكان التّرك أولا مقدورا له ، لما لم يوجد السبب التام والإرادة الحازمة الموجبة للفعل ، فلما تمكن الداعي ، واستحكمت الإرادة ، قال المحب لعاذله :

يا عاذلي والأمر في يده

هلّا عذلت وفي يدي الأمر

فكان أول الأمر إرادة واختيارا ومحبة ، ووسطه اضطرارا ، وآخره عقوبة وبلاء ، ومثّل هذا برجل ركب فرسا ، لا يملكه راكبه ، ولا يتمكن من ردّه ، وأجراه في طريق ينتهي به إلى موضع هلاك ، فكان الأمر إليه قبل ركوبها ، فلما توسطت به الميدان ، خرج الأمر عن يده ، فلما وصلت به إلى الغاية ، حصل على الهلاك. ويشبه هذا حال السكران الذي قد زال عقله ، إذا جني

٣٦٢

عليه في حال سكره ، لم يكن معذورا لتعاطيه السبب اختيارا ، فلم يكن معذورا بما ترتّب عليه اضطرارا وهذا مأخذ من أوقع طلاقه من الأئمة.

ولهذا قالوا : إذا زال عقله بسبب يعذر فيه ، لم يقع طلاقه ، فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته ، والذين لم يوقعوا الطلاق قولهم أفقه ، كما أفتى به عثمان بن عفان ، ولم يعلم له في الصحابة مخالف ، ورجع عليه الإمام أحمد ، واستقر عليه قوله. فإنّ الطلاق ما كان عن وطر ، والسكران لا وطر له في الطلاق.

وقد حكم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعدم وقوع الطلاق في حال الغلق (١) ، والسكر من الغلق كما أنّ الإكراه والجنون من الغلق ، بل قد نصّ الإمام أحمد وأبو عبيد وأبو داود على أنّ الغضب إغلاق ، وفسر به الإمام أحمد الحديث في رواية أبي طالب ، وهذا يدل على أنّ مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع ، وهذا هو الصحيح الذي يفتى به ، إذا كان الغضب شديدا ، قد أغلق عليه قصده ، فإنه يصير بمنزلة السكران والمكره ، بل قد يكونان أحسن حالا منه ، فإن العبد في حال شدة غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال.

وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذه الحال ، ولو أجابه لقضى عليه أجله ، وقد عذر سبحانه من اشتدّ به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة بعد ما يئس منها ، فقال : اللهمّ أنت عبدي ، وأنا ربك ؛ ولم يجعله بذلك كافرا ، لأنه أخطأ بهذا القول من شدة الفرح ، فكمال رحمته وإحسانه وجوده يقتضي أن لا يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه وأهله وولده ، ولا بطلاقه لزوجته ، وأما إذا زال عقله بالغضب ، فلم يعقل ما

__________________

(١) حسن. وهو حديث «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» : رواه أحمد (٦ / ٢٧٦) وأبو داود (٢١٩٣) ، وابن ماجة (٢٠٤٦) عن عائشة.

٣٦٣

يقول ، فإنّ الأمة متفقة على أنه لا يقع طلاقه ولا عتقه ، ولا يكفر بما يجري على لسانه من كلمة الكفر.

٣٦٤

الباب التاسع عشر

في ذكر مناظرة جرت بين جبري

وسنيّ جمعهما مجلس مذاكرة

قال الجبري : القول بالجبر لازم لصحة التوحيد ، ولا يستقيم التوحيد إلا به ، لأنّا إن لم نقل بالجبر ، أثبتنا فاعلا للحوادث مع الله ، إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل ، وهذا شرك ظاهر ، لا يخلص منه إلا القول بالجبر.

قال السنيّ : بل القول بالجبر مناف للتوحيد ، ومع منافاته للتوحيد فهو مناف للشرائع ودعوة الرسل والثواب والعقاب ، فلو صحّ الجبر ، لبطلت الشرائع ، وبطل الأمر والنهي ، ويلزم من بطلان ذلك بطلان الثواب والعقاب.

قال الجبري : ليس من العجب دعواك منافاة الجبر للأمر والنهي والثواب والعقاب ، فإنّ هذا لم يزل يقال ، وإنما العجب دعواك منافاته للتوحيد ، وهو من أقوى أدلة التوحيد ، فكيف يكون المصوّر للشيء المقوّي له منافيا له.

قال السني : منافاته للتوحيد من أظهر الأمور ، ولعلها أظهر من منافاته الأمر والنهي ، وبيان ذلك أنّ أصل عقد التوحيد وإثباته هو شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، والجبر ينافي الكلمتين ، فإن الإله هو المستحقّ لصفات الكمال ، المنعوت بنعوت الجلال ، وهو الذي تألهه

٣٦٥

القلوب ، وتصمد إليه بالحب والخوف والرجاء ، فالتوحيد الذي جاءت به الرسل هو إفراد الربّ بالتألّه الذي هو كمال الذل والخضوع والانقياد له ، مع كمال المحبة والإثابة وبذل الجهد في طاعته ومرضاته ، وإيثار محابّه ومراده الديني على محبة العبد ومراده ، فهذا أصل دعوة الرسل ، وإليه دعوا الأمم ، وهو التوحيد الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه ، لا من الأوّلين ولا من الآخرين ، وهو الذي أمر به رسله ، وأنزل به كتبه ، ودعا إليه عباده ، ووضع لهم دار الثواب والعقاب لأجله ، وشرع الشرائع لتكميله وتحصيله.

وكان من قولك أيها الجبريّ أنّ العبد لا قدرة له على هذا البتة ، ولا أثر له فيه ، ولا هو فعله ، وأمره بهذا أمر له بما لا يطيق ، بل أمر له بإيجاد فعل الرب ، وأن الرب سبحانه أمره بذلك ، وأجبره على ضده ، وحال بينه وبين ما أمره به ، ومنعه منه وصده عنه ، ولم يجعل له إليه سبيلا بوجه من الوجوه ، مع قولك : إنه لا يحبّ ولا يحبّ ، فلا تتألهه القلوب بالمحبة والود والشوق والطلب وإرادة وجهه. والتوحيد معنى ينتظم من إثبات الإلهية وإثبات العبودية ، فرفعت معنى الإلهية بإنكار كونه محبوبا مودودا ، تتنافس القلوب في محبته ، وإرادة وجهه والشوق إلى لقائه ، ورفعت حقيقة العبودية بإنكار كون العبد فاعلا وعابدا ومحبا ، فإنّ هذا كله مجاز لا حقيقة له عندك ، فضاع التوحيد بين الجبر وإنكار محبته وإرادة وجهه ، لا سيما والوصف الذي وصفته به منفّر للقلوب عنه ، حائل بينها وبين محبته ، فإنك وصفته بأنه يأمر عبده بما لا قدرة له على فعله ، وينهاه عما لا يقدر على تركه ، بل يأمره بفعله هو سبحانه ، وينهاه عن فعله هو سبحانه ، ثم يعاقبه أشدّ العقوبة على ما لم يفعله البتة ، بل يعاقبه على أفعاله هو سبحانه ، وصرّحت بأنّ عقوبته على ترك ما أمره وفعل ما نهاه بمنزلة عقوبته على ترك طيرانه إلى السماء ، وترك تحويله للجبال عن أماكنها ، ونقله مياه البحار عن مواضعها ، وبمنزلة عقوبته له على ما لا صنع له فيه ، من لونه وطوله وقصره ، وصرحت بأنه يجوز عليه أن

٣٦٦

يعذب أشد العذاب لمن لم يعصه طرفة عين ، وأن حكمته ورحمته لا تمنع ذلك ، بل هو جائز عليه ، ولو لا خبره عن نفسه بأنه لا يفعل ذلك ، لم ننزهه عنه.

وقلت : إن تكليفه عباده بما كلفهم به بمنزلة تكليف الأعمى للكتابة ، والزّمن للطيران ، فبغّضت الرب إلى من دعوته إلى هذا الاعتقاد ، ونفّرته عنه ، وزعمت أنك تقرر بذلك توحيده ، وقد قلعت شجرة التوحيد من أصلها.

وأما منافاة الجبر للشرائع فأمر ظاهر ، لا خفاء به ، فإنّ مبنى الشرائع على الأمر والنهي ، وأمر الآمر لغيره بفعل نفسه لا بفعل المأمور ونهيه عن فعله ، لا فعل المنهي ، عبث ظاهر ، فإنّ متعلق الأمر والنهي فعل العبد وطاعته ومعصيته ، فمن لا فعل له ، كيف يتصور أن يوقعه بطاعة أو معصية ، وإذا ارتفعت حقيقة الطاعة والمعصية ، ارتفعت حقيقة الثواب والعقاب ، وكان ما يفعله الله بعباده يوم القيامة ، من النعيم والعذاب ، أحكاما جارية عليهم ، بمحض المشيئة والقدرة ، لا أنها بأسباب طاعاتهم ومعاصيهم ، بل هاهنا أمر آخر ، وهو أنّ الجبر مناف للخلق كما هو مناف للأمر ، فإن الله سبحانه له الخلق والأمر ، وما قامت السموات إلا بعدله ، فالخلق قام بعدله ، وبعدله ظهر ، كما أنّ الأمر بعدله وبعدله وجد ، فالعدل سبب وجود الخلق ، والأمر وغايته ، فهو عليه الفاعلية الغائية ، والجبر لا يجامع العدل ، ولا يجامع الشرع والتوحيد.

قال الجبري : لقد نطقت أيها السنيّ بعظيم ، وفهت بكبير ، وناقضت بين متوافقين ، وخالفت بين متلازمين ، فإن أدلة العقول والشرع المنقول قائمة على الجبر ، وما دلّ عليه العقل والنقل كيف ينافي موجب العقل والشرع ، فاسمع الآن الدليل الباهر والبرهان القاهر ، على الجبر ، ثم نتبعه بأمثال ،

٣٦٧

فنقول : صدور الفعل عند حصول القدرة والداعي إما أن يكون واجبا ، أو لا يكون واجبا ، فإن كان واجبا ، كان فعل العبد اضطراريا ، وذلك عين الجبر ، لأن حصول القدرة والداعي ليس بالعبد ، وإلا لزم التسلسل ، وهو ظاهر ، وإذا كان كذلك فعند حصولهما يكون واجبا ، وعند عدم حصولهما يكون الفعل ممتنعا ، فكان الجبر لازما لا محالة ، وأما إن لم يكن حصول الفعل ، عند حصول القدرة والداعي واجبا ، فإما أن يتوقف رجحان الفعل على رجحان الترك على مرجح ، أو لا يتوقف ، فإن توقّف ، كان حصول ذلك الفعل عند حصول المرجح واجبا ، وإلا عاد الكلام ولزم التسلسل ، وإذا كان واجبا كان اضطراريا ، وهو عين الجبر ، وإن لم يتوقف على مرجح ، كان جائز الوقوع وجائز العدم ، فوقوعه بغير مرجح يستلزم حصول الأثر بلا مؤثر ، وذلك محال.

فإن قلت : المرجح هو إرادة العبد ، قلت لك : إرادة العبد حادثة ، والكلام في حدوثها كالكلام في حدوث المراد بها ، ويلزم التسلسل.

قال السني : هذا أحدّ سهم في كنانتك ، وهو بحمد الله سهم لا ريش له ولا نصل ، مع عوجه وعدم استقامته ، وأنا استفسرك عمّا في هذه الحجة من الألفاظ المجملة المستعملة على حق وباطل ، وأبين فسادها ، فما تعني بقولك : إن كان الفعل عند القدرة والداعي واجبا ، كان فعل العبد اضطراريا ، وهو عين الجبر ، أتعني به أن يكون مع القدرة والداعي بمنزلة حركة المرتعش ، وحركة من نفضته الحمّى ، وحركة من رمي به من مكان عال ، فهو يتحرك في نزوله اضطرارا منه ، أم تعني به أن الفعل عند اجتماع القدرة والداعي يكون لازم الوقوع بالقدرة؟ فإن أردت ، بكونه اضطراريا ، المعنى الأول ، كذبتك العقول والفطر والحس والعيان ، فإن الله فطر عباده على التفريق بين حركة من رمي به من شاهق ، فهو يتحرك إلى أسفل ، وبين حركة

٣٦٨

من يرقى في الجبل إلى علوه ، وبين حركة المرتعش ، وبين حركة المصفق ، وبين حركة الزاني والسارق ، والمجاهد والمصلي ، وحركة المكتوف الذي قد أوثق رباطا ، وجر على الأرض ، فمن سوّى بين الحركتين ، فقد خلع ربقة (١) العقل والفطرة والشرعة من عنقه ، وإن أردت المعنى الثاني ، وهو كون العقل لازم الوجود عند القدرة ، والداعي كان لازم الوجود ، وهذا لا فائدة فيه ، وكونه لازما وواجبا ، بهذا المعنى ، لا ينافي كونه مختارا مرادا له مقدورا له غير مكره عليه ، ولا مجبور ، فهذا الوجوب واللزوم لا ينافي الاختيار ، ثم نقول : لو صحّت هذه الحجة ، لزم أن يكون الرب سبحانه مضطرا على أفعاله مجبورا عليها ، بمعنى ما ذكرت من مقدماتها ، وأنه سبحانه يفعل بقدرته ومشيئته ، وما ذكرت من وجوب الفعل ، عند القدرة والداعي ، وامتناعه عند عدمهما ثابت في حقه سبحانه ، وقد اعترف أصحابك بهذا الإلزام ، وأجابوا عنه بما لا يجدي شيئا.

قال ابن الخطيب عقيب ذكر هذه الشبهة : فإن قلت : هذا ينفي كونه فاعلا مختارا ، قلت : الفرق أنّ إرادة العبد محدثة ، فافتقرت إلى إرادة ، يحدثها الله دفعا للتسلسل ، وإرادة الباري قديمة ، فلم تفتقر إلى إرادة أخرى.

وردّ هذا الفرق صاحب «التحصيل» فقال : ولقائل أن يقول : هذا لا يدفع التقسيم المذكور ، قلت ، : فإنّ التقسيم متردد بين لزوم الفعل عند الداعي ، وامتناعه عند عدمه ، وهذا التقسيم ثابت في حق الغائب والشاهد ، وكون إرادة الرب سبحانه قديمة ، من لوازم ذاته ، لا فاعل لها ، لا يمنع هذا الترديد والتقسيم ، فإن عند تعلّقها بالمراد يلزم وقوعه ، وعند عدم تعلقها به يمتنع وقوعه ، وهذا اللزوم والامتناع لا يخرجه سبحانه عن كونه فاعلا مختارا ، ثم

__________________

(١) ربقة : عروة (وثاق).

٣٦٩

نقول : هذا المعنى لا يسمى جبرا ولا اضطرارا ، فإنّ حقيقة الجبر ما حصل بإكراه غير الفاعل له على الفعل ، وحمله على إيقاعه بغير رضاه واختياره ، والرب سبحانه هو الخالق للإرادة والمحبة والرضا في قلب العبد ، فلا يسمى ذلك جبرا لا لغة ولا عقلا ولا شرعا ، ومن العجب احتجاجك ، بالقدرة والداعي ، على أن الفعل الواقع بهما اضطراري من العبد ، والفعل عندكم لم يقع بهما ، ولا هو فعل العبد بوجه ، وإنما هو عين فعل الله ، وذلك لا يتوقف على قدرة من العبد ولا داع منه ، ولا هناك ترجيح له عند وجودهما ، ولا عدم ترجيح عند عدمهما ، بل نسبة الفعل إلى القدرة والداعي كنسبته إلى عدمهما ، فالفعل عندك غير فعل الله ، فلا ترجيح هناك من العبد ولا مرجّح ولا تأثير ولا أثر.

قال السنيّ : وقد أجابك إخوانك من القدرية ، عن هذه الحجة ، بأجوبة أخرى ، فقال أبو هاشم وأصحابه : لا يتوقف فعل القادر على الداعي ، بل يكفي في فعله مجرد قدرته. قالوا : فقولك عند حصول الداعي : إما أن يجب الفعل ، أو لا يجب. عندنا لا يجب الفعل بالداعي ، ولا يتوقف عليه ، ولا يمكنك أيها الجبري الرد على هؤلاء ، فإنّ الداعي عندك لا تأثير له في الفعل البتة ، ولا هو متوقف عليه ، ولا على القدرة ، فإن القدرة الحادثة عندك لا تؤثر في مقدورها ، فكيف يؤثر الداعي في الفعل ، فهذه الحجة لا تتوجه على أصولك البتة ، وغايتها إلزام خصومك بها على أصولهم.

وقال أبو الحسين البصري وأصحابه : يتوقف الفعل على الداعي. ثم قال أبو الحسين : إذا تجرّد الداعي ، وجب وقوع الفعل ، ولا يخرج بهذا الوجوب عن كونه اختياريا. وقال محمود الخوارزمي صاحبه : لا ينتهي بهذا الداعي إلى حد الوجوب ، بل يكون وجوده أولى ، قالوا : فنجيبك عن هذه الشبهة على الرأيين جميعا ، أما على رأي أبي هاشم ، فنقول : صدور إحدى

٣٧٠

الحركتين عنه دون الأخرى ، لا يحتاج إلى مرجّح ، بل من شأن القادر أن يوقع الفعل من غير مرجح لجانب وجوده على عدمه ، قالوا : ولا استبعاد في العقل في وجود مخلوق متمكن من الفعل بدلا عن الترك ، وبالضد من غير مرجح ، كما أن النائم والساهي يتحركان من غير داع وإرادة ، فإن قلتم : بل هناك داع وإرادة ، لا يذكرها النائم والناسي ، كان ذلك مكابرة ، قلت : وأصحاب هذا القول يقولون : إن القادر هو الذي يفعل مع جواز أن لا يفعل ، وأصحاب القول الأول يقولون : بل يفعل مع وجوب أن يفعل ، ومحمود الخوارزمي توسّط بين المذهبين ، وقال : بل يفعل مع أولوية أن يفعل. ولا ينتهي الترجيح إلى حد الوجوب ، فالأقوال خمسة :

أحدها : أنّ الفعل موقوف على الداعي ، فإذا انضمت القدرة إليه ، وجب الفعل بمجموع الأمرين ، وهذا قول جمهور العقلاء ، ولم يصنع ابن الخطيب شيئا في نسبته له إلى الفلاسفة وأبي الحسين البصري من المعتزلة.

الثاني : أن الفعل يجب بقدرة الله وقدرة العبد ، وهذا قول من يقول : إن قدرة العبد مؤثرة في مقدوره مع قدرة الله على عين مقدور العبد ، وهذا قول أبي إسحاق ، واختيار الجويني في النظامية.

الثالث : قول من يقول : يجب بقدرة الله فقط ، وهذا قول الأشعري والقاضي أبي بكر ، ثم اختلفا ، فقال القاضي : كونه فعلا واقع بقدرة الله ، وكونه صلاة أو حجا أو زنا أو سرقة واقع بقدرة العبد ، فتأثير قدرة الله في ذات الفعل ، وتأثير قدرة العبد في صفة الفعل ؛ وقال الأشعري : أصل الفعل ووصفه واقعان بقدرة الله ، ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا.

الرابع : قول من يقول : لا يجب الفعل من القادر البتة ، بل القادر هو الذي يفعل ، مع جواز أن لا يفعل ، فلا ينتهي فعل القادر المختار إلى

٣٧١

الوجوب أصلا ، وهذا قول أبي هاشم وأصحابه.

الخامس : أن يكون عند الداعي أولى بالوقوع ، ولا ينتهي إلى حد الوجوب ، وهذا قول الخوارزمي.

وقد سلّم أبو الحسين أنّ الفعل يجب مع الداعي ، وسلم أن الداعي مخلوق لله ، وقال : إن العبد مستقلّ بإيجاد فعله. قال : والعلم بذلك ضروري.

قال ابن الخطيب : وهذا غلوّ منه في القدر ، وقوله : إنه يتوقف على الداعي ، والداعي خلق لله ، غلو في الجبر ، فجمع بين القدر والجبر مع غلوه فيهما ، ولم ينصفه ، فليس ما ذهب إليه غلوا في قدر ولا جبر ، فإنّ توقّف الفعل على الداعي ووجوبه عنده بقدرة العبد ، ليس جبرا فضلا أن يكون غلوا فيه ، وكون العبد محدثا لفعله ضرورة بما خلقه الله فيه من القدرة والاختيار ، ليس قولا بمذهب القدرية ، فضلا عن كونه غلوا فيه.

فصل

قال الجبري : إذا كان الداعي ليس من أفعالنا ، وهو علم القادر أن في ذلك الفعل مصلحة له ، وذلك أمر مركوز في طبيعته التي خلق عليها ، وذلك مفعول لله فيه ، والفعل واجب عنده ، فلا معنى للجبر إلا هذا.

قال له السني : أخوك القدري يجيبك عن هذا ، بأنّ ذلك الداعي قد يكون جهلا وغلطا ، وهذه أمور يحدثها الإنسان في نفسه ، فيفعل على حسب ما يتوهم أن فيه مصلحته ، صادفها أو لم يصادفها ، فالداعي لا ينحصر في

٣٧٢

العلم خاصة.

قال الجبري : لا يساوي هذا الجواب شيئا ، فإنّ العطشان مثلا يدعوه الداعي إلى شرب الماء ، لعلمه بنفعه وشهوته وميله إلى شربه ، وذلك العلم وتلك الشهوة والميل إلى الشرب من فعل الله ، فيجب على القدري أن يترك مذهبه صاغرا داحرا ، ويعترف بأنّ ذلك الفعل مضاف إلى من خلق فيه الداعي المقتضي.

قال القدري : ذلك الداعي وإن كان من فعل الله إلا أنه جار مجرى فعل المكلف ، لأنه قادر على أن يبطل أثره ، بأن يستحضر صارفا عن الشرب ، مثل أن يحجم عن الشراب تجربة ، هل يقدر على مخالفة الداعي أم لا ، فإحجامه لأجل التجربة أثر داع ثان ، هو الصارف يعارض الداعي ، فالحي قادر على تحصيله ، وقادر على إبقاء الداعي الأول بحاله ، فإبقاؤه الداعي الأول بحاله ، وإعراضه عن إحضار المعارض له أمر ، لولاه ما حصل الشرب ، فمن هذا الوجه كان الشرب فعلا له ، لأنه قادر على تحصيل الأسباب المختلفة التي تصدر عنها الآثار ، ويصير هذا كمن شاهد إنسانا في نار متأجّجة ، وهو قادر على إطفائها عنه ، من غير مشقة ولا مانع ، فإنه إن لم يطفها ، استحقّ الذم ، وإن كان الإحراق من أثر النار.

وقد أجاب ابن أبي الحديد بجواب آخر ، فقال : ويمكن أن يقال : إذا تجرد الداعي ، كما ذكرتم في صورة العطشان ، فإنّ التكليف بالفعل والترك يسقط ، لأنه يصير أسوأ حالا من الملجأ. وهذا من أفسد الأجوبة على أصول جميع الفرق ، فإن مقتضى التكليف قائم ، فكيف يسقط مع حضور الفعل والقدرة؟! وهذا قسم رابع من الذين رفع عنهم التكليف ، أثبته هذا القدري زائدا على الثلاثة الذين رفع عنهم القلم ، وهذا خرق منه ، لإجماع الأمة المعلوم بالضرورة ، ولو سقط التكليف عند تجرد الداعي ، لكان كل من تجرد

٣٧٣

داعيه إلى فعل ما أمر به ، قد سقط عنه التكليف ، وهذا القول أقبح من القول بتكليف ما لا يطاق ، ولهذا كان القائلون به أكثر من هذا القائل ، وقولهم يحكى ويناظر عليه.

قال الجبري : إذا كان الداعي من الله ، وهو سبب الفعل ، والفعل واجب عنده ، كان خالق الفعل هو خالق الداعي ، أي : خالق السبب.

قال السنيّ : هذا حقّ ، فإن الداعي مخلوق لله في العبد ، وهو سبب الفعل ، والفعل يضاف إلى الفاعل ، لأنه صدر منه ، ووقع بقدرته ومشيئته واختياره ، وذلك لا يمنع إضافته ، بطريق العموم ، إلى من هو خالق كل شيء ، وهو على كل شيء قدير ، وأيضا فالداعي ليس هو المؤثر ، بل هو شرط في تأثير القادر في مقدوره ، وكون الشرط ليس من العبد ، لا يخرجه عن كونه فاعلا ، وغاية قدرة العبد وإرادته الجازمة أن يكون شرطا ، أو جزء سبب ، والفعل موقوف على شروط وأسباب ، لا صنع للعبد فيها البتة ، وأسهل الأفعال رفع العين لرؤية الشيء ، فهب أنّ فتح العين فعل العبد إلا أنه لا يستقل بالإدراك ، فإن تمام الإدراك موقوف على خلق الدرك ، وكونه قابلا للرؤية ، وخلق آلة الإدراك وسلامتها ، وصرف الموانع عنها ، فما تتوقف عليه الرؤية من الأسباب والشروط التي لا تدخل تحت مقدور العبد أضعاف أضعاف ما يقدر عليه من تقليب حدقته نحو المرئي ، فكيف يقول عاقل : إنّ جزء السبب أو الشرط موجب مستقل لوجود الفعل؟! وهذا الموضع مما ضلّ فيه الفريقان ، حيث زعمت القدرية أنه موجب للفعل ، وزعمت الجبرية أنه لا أثر له فيه ، فخالفت الطائفتان صريح المعقول والمنقول ، وخرجت عن السمع والعقل.

والتحقيق أنّ قدرة العبد وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء السبب التام الذي يجب فيه الفعل ، فمن زعم أن العبد مستقل بالفعل ، مع أن أكثر أسبابه ليست

٣٧٤

إليه ، فقد خرج عن موجب العقل والشرع ، فهب أن دواعي حركة الضرب منك مستقلا بها ، فهل سلامة الآلة منك؟ وهل وجود المحلّ المنفعل وقبوله منك؟ وهل خلق الفضاء بينك وبين المضروب ، وخلوه عن المانع منك؟ وهل إمساك قدرته عن مضاربتك وغلبك منك؟ وهل القوة التي في اليد والرباطات والاتصالات التي بين عظامها وشدّ أسرها منك؟ ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ما في الفعل ، وأن وجود قدرته وإرادته وعدمها بالنسبة إلى الفعل على السواء ، فقد كابر العقل والحس.

قال الجبري : إن انتهت سلسلة الترجيحات إلى مرجّح من العبد ، فذلك المرجح ممكن لا محالة ، فإن ترجّح بلا مرجح ، انسدّ عليكم باب إثبات الصانع ، إذا جوزتم رجحان أحد طرفي الممكن ، وإن توقف على مرجّح آخر ، لزم التسلسل ، فلا بد من انتهائه إلى مرجح من الله ، لا صنع للعبد فيه.

قال السني : أما إخوانك القدرية فإنهم يقولون : القادر المختار يحدث إرادته وداعيته لا مرجح من غيره ، قالوا : والفطرة شاهدة بذلك ، فإنّا لا نفعل ما لم نرد ، ولا نريد ما لم نعلم أن في الفعل منفعة لها أو دفع مضرة ، ولا نجد لهذه الإرادة إرادة أحدثتها ، ولا لعلمنا ، بأن ذلك نافع ، علما آخر أحدثه ، فالمرجّح هو ما خلق عليه العبد وفطر عليه من صفاته القائمة به ، فالله سبحانه أنشأ العبد نشأة ، يتحرك فيها بالطبع ، فحركته بالإرادة ، والمشيئة من لوازم نشئه ، وكونه حيوانا ، فإرادته وميله من لوازم كونه حيا ، فأفعال العبد الخاصة به هي الدواعي والإرادات لا غير ، وما يقع بها من الأفعال شبيه بالفعل المتولد من حيث كان المتولد سببا ، وهذه الأفعال صادرة عن الدواعي التي عرفها العبد ابتداء ، من غير واسطة ، فاشتراكهما في أن كل واحد منهما مستند إلى فعل خاص بالعبد ، فهما متماثلان من هذه الجهة.

٣٧٥

قال السني : وهذا جواب باطل بأبطل منه ، وردّ فاسد بأفسد منه ، ومعاذ الله ، والله أكبر وأجلّ وأعظم وأعزّ أن يكون في عبده شيء غير مخلوق له ، ولا هو داخل تحت قدرته ومشيئته ، فما قدر الله حقّ قدره من زعم ذلك ، ولا عرفه حقّ معرفته ، ولا عظّمه حق تعظيمه ، بل العبد جسمه وروحه وصفاته وأفعاله ودواعيه وكل ذرة فيه مخلوق لله خلقا ، تصرّف به في عبده. وقد بيّنّا أنّ قدرته وإرادته ودواعيه جزء من أجزاء سبب الفعل غير مستقل بإيجاده ، ومع ذلك فهذا الجزء مخلوق لله فيه ، فهو عبد مخلوق من كلّ وجه وبكلّ اعتبار ، وفقره إلى خالقه وبارئه من لوازم ذاته ، وقلبه بيد خالقه ، وبين إصبعين من أصابعه ، يقلّبه كيف يشاء ، فيجعله مريدا لما شاء وقوعه منه ، كارها لما لم يشأ وقوعه ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن.

ونعم والله سلسلة المرجحات تنتهي إلى أمر الله الكوني ومشيئته النافذة التي لا سبيل لمخلوق إلى الخروج عنها ، ولكن الجبر لفظ مجمل ، يراد به حقّ وباطل كما تقدم ، فإن أردتم به أنّ العبد مضطرّ في أفعاله ، وحركته في الصعود في السلم كحركته في وقوعه منه ، فهذا مكابرة للعقول والفطر ، إن أردتم به أنه لا حول له ولا قوة إلا بربه وفاطره ، فنعم لا حول ولا قوة إلا بالله ، وهي كلمة عامة لا تخصيص فيها بوجه ما ، فالقوة والقدرة والحول بالله ، فلا قدرة له ولا فعل إلا بالله فلا ننكر هذا ، ولا نجحده لتسمية القدريّ له جبرا ، فليس الشأن في الأسماء ، (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ (٢٣)) [النجم] ، فلا نترك ، لهذه الأسماء ، مقتضى العقل والإيمان.

والمحذور كلّ المحذور أن نقول : إن الله يعذب عبده على ما لا صنع له فيه ، ولا قدرة له عليه ، ولا تأثير له في فعله بوجه ما ، بل يعذبه على فعله هو سبحانه وعلى حركته ، إذا سقط من علو إلى سفل ، نعم لا يمتنع أن

٣٧٦

يعذبه على ذلك ، إذا كان قد تعاطى أسبابه بإرادته ومحبته ، كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره ، لتفريطه وعدوانه بارتكاب السبب ، وكما يعاقب العاشق الذي غلب على صبره وعقله ، وخرج الأمر عن يده لتفريطه السابق ، بتعاطي أسباب العشق ، وكما يعاقب الذي آل به إعراضه وبغضه للحقّ إلى أن صار طبعا وقفا ورينا على قلبه ، فخرج الأمر عن يده ، وحيل بينه وبين الهدى ، فيعاقبه على ما لم يبق له قدرة عليه ، ولا إرادة ، بل هو ممنوع منه ، وعقوبته عليه عدل محض ، لا ظلم فيه بوجه ما.

فإن قيل : فهل يصير في هذه الحال مكلّفا ، وقد حيل بينه وبين ما أمر به وصدّ عنه ومنع منه ، أم يزول التكليف؟.

قيل : ستقف على الجواب الشافي ، إن شاء الله ، عن هذا السؤال في باب «القول في تكليف ما لا يطاق» قريبا ، فإنه سؤال جيد ، إذ المقصود هاهنا الكلام في الجبر وما في لفظه من الإجمال وما في معناه من الهدى والضلال.

فصل

قال الجبري : إذا صدر من العبد حركة معينة ، فإما أن تكون مقدورة للرب وحده ، أو العبد وحده ، أو للرب والعبد ، أو لا للربّ ولا للعبد ، وهذا القسم الأخير باطل قطعا ، والأقسام الثلاثة قد قال بكلّ واحد منها طائفة ، فإن كانت مقدورة للرب وحده ، فهو الذي يقوله : وذلك عين الجبر ، وإن كانت مقدورة للعبد وحده ، فذلك إخراج لبعض الأشياء عن قدرة الربّ تعالى ، فلا يكون على كل شيء قدير ، ويكون العبد المخلوق الضعيف قادرا

٣٧٧

على ما لم يقدر عليه خالقه وفاطره ، وهذا هو الذي فارقت به القدرية للتوحيد ، وضاهت به المجوس ، وإن كانت مقدورة للرب والعبد ، لزمت الشركة ووقوع مفعول بين فاعلين ومقدور بين قادرين وأثر بين مؤثرين ، وذلك محال ، لأن المؤثرين إذا اجتمعا استقلالا على أثر واحد ، فهو غني عن كل منهما بكل منهما ، فيكون محتاجا إليهما مستغنيا عنهما.

قال السنيّ : قد افترق الناس في هذا المقام فرقا شتى.

ففرقة قالت : إنما تقع الحركة بقدرة الله وحده ، لا بقدرة العبد ، وتأثير قدرة العبد في كونها طاعة أو معصية ، فقدرة الرب وحده اقتضت وجودها ، وقدرة العبد اقتضت صفتها.

وهذا قول القاضي أبي بكر ومن اتبعه ، ولعمر الله إنه لغير شاف ولا كاف ، فإنّ صفة الحركة إن كان أثرا وجوديا ، فقد أثرت قدرته في أمر موجود ، فلا يمتنع تأثيرها في نفس الحركة ، وإن كان صفتها أمرا عدميّا ، كان متعلق قدرته عدما لا وجودا ، وذلك ممتنع إذ أثر القدرة لا يكون عدما صرفا.

وفرقة أخرى ، قالت : بل الفعل وصفته واقع بمحض قدرة الله وحده ، ولا تاثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا ، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه.

وفرقة قالت : بل المؤثر قدرة العبد وحده دون قدرة الرب ، ثم انقسمت هذه الفرقة إلى فرقتين :

فرقة قالت : إنّ قدرة العبد هي المؤثرة ، مع كون الرب قادرا على الحركة ، وقالت : إنّ مقدورات العباد مقدورة لله تعالى ، وهذا قول أبي الحسين البصري وأتباعه الحسينية.

٣٧٨

وفرقة قالت : إن قدرة العبد هي المؤثرة ، والله سبحانه غير قادر على مقدور ، وهذا قول المشايخية أتباع أبي علي وأبي هاشم ، وليس عند ابن الخطيب وجمهور المتكلمين غير هذه الأقوال التي لا تشفي عليلا ، ولا تروي غليلا ، وليس عند أربابها إلا مناقضة بعضهم بعضا.

وقد أجاب بعض أصحاب أبي الحسين عن هذا السؤال ، وإن كان يقول بمقدور بين قادرين ، فله أن يقول في هذا المقام : إن كان الدليل الذي ذكرته دليلا صحيحا على استحالة اجتماعهما على فعل واحد ، فإنما يدل على استحالته على فعلهما على سبيل الجمع ، ولا يستحيل على سبيل البذل كما يستحيل حصول جوهرين في مكان واحد ، ولا يستحيل حصولهما فيه على البدل ، وهذا جواب باطل قطعا ؛ فإن مضمونه أنّ أحدهما لا يقدر عليه إلا إذا تركه الآخر ، فحال تلبس العبد بالفعل بقدرته وإرادته ، إن كان مقدورا لله ، فهو القول بمقدور بين قادرين ، وإن لم يكن مقدورا له ، لزم إخراج بعض الممكنات عن قدرته.

فإن قلت : هو قادر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد ، قيل لك : فهذا تصريح منك بأنه في حال قدرة العبد عليه ، لا يقدر عليه الربّ ، فلا ينفعك القول بأنه قادر عليه على البدل ، وأيضا فإن قدر عليه بشرط أن لا يقدر عليه العبد ، فإذا قدر العبد عليه ، انتفت قدرة الربّ لانتفاء شرطها ، وهذا مما صاح به عليكم أهل التوحيد من أقطار الأرض ، ورموكم به عن قوس واحدة ، وإنما صانعتم به أهل السنة مصانعة ، وإلا فحقيقة هذا القول أن العبد يقدر على ما لا يقدر عليه الرب ، وحكاية هذا الرأي الباطل كافية في فساده.

فإن قلت : كما لا يمتنع معلوم واحد بين عالمين ، ومراد واحد بين مريدين ، قيل : هذا من أفسد القياس ، لأنّ المعلوم لا يتأثر بالعالم ، والمراد

٣٧٩

لا يتأثر بالمريد ، فيصحّ الاشتراك في المعلوم والمراد ، كما يصح الاشتراك في المرئي والمسموع ، وأما المقدور فيجوز اشتراك القادرين فيه بالقدرة المصححة ، وهي صحة وقوعه من كلّ واحد منهما ، وصحة التأثير من أحدهما لا تنافي صحّته من الآخر ، أما اشتراكهما فيه بالقدرة الموجبة المقارنة لمقدورها ، فهو عين المحال إلا أن يراد الاشتراك على البدل ، فيكون تأثير أحدهما فيه شرطا في تأثير الآخر.

ولما تفطّن أبو الحسين لهذا قال : لست أقول : إن إضافته إلى أحدهما هي إضافته إلى الآخر ، كما أن الشيء الواحد يكون معلوما لعالمين ، ويمتنع أن يكون علم أحدهما به هو علم الآخر ، فهكذا أقول في المقدور بين قادرين ، ليست قدرة أحدهما عليه هي قدرة الآخر ، والمفعول بين فاعلين ، ليس فعل أحدهما فيه هو فعل الآخر ، وإنما معنى قولي هذا أنه فعل لهذا وتأثير له أنه لقدرته وداعيته وجد ، وليس معنى كونه وجد لقدرة هذا وداعيته هو معنى كونه وجد لقدرة الآخر وداعيته ، قال : وليس يمتنع في العقل إضافة شيء واحد إلى شيئين ، لكنه يمتنع أن يكون إضافته إلى أحدهما هي عين إضافته إلى الآخر.

وهذا لا يجدي عنه شيئا ، فإن التقسيم المذكور دائر فيه ، ونحن نقول : قد دلّ الدليل على شمول قدرة الرب سبحانه لكل ممكن من الذوات والصفات والأفعال ، وأنه لا يخرج شيء عن مقدوره البتة ، ودلّ الدليل أيضا على أن العبد فاعل لفعله بقدرته وإرادته ، وأنه فعل له حقيقة ، يمدح ويذم به عقلا وعرفا وشرعا ، وفطرة فطر الله عليها العباد حتى الحيوان البهيم ، ودل الدليل على استحالة مفعول واحد بالعين بين فاعلين مستقلين ، وأثر واحد بين مؤثرين فيه على سبيل الاستقلال ، ودلّ الدليل أيضا على استحالة وقوع حادث لا محدث له ، ورجحان راجح لا مرجّح له ، وهذه أمور كتبها الله

٣٨٠