شفاء العليل

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

شفاء العليل

المؤلف:

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]


المحقق: عصام فارس الحرستاني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٧٦
  نسخة غير مصححة

الثاني : أن المخلوق قد يجبر غيره إجبارا يكون به ظالما معتديا عليه ، والربّ أعدل من ذلك ، فإنه لا يظلم أحدا من خلقه ، بل مشيئته نافذة فيهم بالعدل والإحسان ، بل عدله فيهم من إحسانه إليهم ، كما سنبينه إن شاء الله تعالى.

الثالث : أن المخلوق يكون ، في جبره لغيره ، سفيها أو عائبا أو جاهلا ، والرب تعالى إذا جبر عبده على أمر من الأمور ، كان له في ذلك من الحكمة والعدل والإحسان والرحمة ما هو محمود عليه بجميع وجوه الحمد.

الرابع : أن المخلوق يجبر غيره لحاجته إلى ما جبره عليه ، ولانتفاعه بذلك ، وهذا لأنه فقير بالذات ، وأما الرب تعالى فهو الغنيّ بذاته ، الذي كلّ ما سواه محتاج إليه ، وليس به حاجة إلى أحد.

الخامس : أن المخلوق يجبر غيره لنقصه ، فيجبره ليحصل له الكمال بما أجبره عليه ، والرب تعالى له الكمال المطلق من جميع الوجوه ، وكماله من لوازم ذاته ، لم يستفده من خلقه ، بل هو الذي أعطاهم من الكمال ما يليق بهم ، فالمخلوق يجبر غيره ليتكمل ، والرب تعالى منزه عن كل نقص ، فكماله المقدس ينفي الجبر.

السادس : أن المخلوق يجبر غيره على فعل ، يعينه به على غرضه ، لعجزه عن التوصّل إليه إلا بمعاونته له ، فصار الفعل من هذا ، والقهر والإكراه من هذا محصلا لغرض المكره ، كما أنّ المعين لغيره باختياره شريك له في الفعل ، والرب تعالى غنيّ عما سواه بكل وجه ، فيستحيل في حقه الجبر.

السابع : أنّ المجبور على ما لا يريد فعله ، يجد من نفسه فرقا ضروريا بينه وبين ما يريد فعله باختياره ومحبته ، فالتسوية بين الأمرين تسوية بين ما علم ، بالحسّ والاضطرار ، الفرق بينهما ، وهو كالتسوية بين حركة المرتعش وحركة

٣٤١

الكاتب ، وهذا من أبطل الباطل.

الثامن : أن الله سبحانه قد فطر العباد على أن المجبور المكره على الفعل معذور ، لا يستحق الذمّ والعقوبة ويقولون : قد أكره على كذا ، وجبره السلطان عليه ، وكما أنهم مفطورون على هذا ، فهم مفطورون أيضا على ذم من فعل القبائح باختياره ، وشريعته سبحانه موافقة لفطرته في ذلك ، فمن سوّى بين الأمرين ، فقد خرج عن موجب الشرع والعقل والفطرة.

التاسع : أن من أمر غيره بمصلحة المأمور وما هو محتاج إليه ، ولا سعادة له ولا فلاح إلا به ، لا يقال : جبره على ذلك ، وإنما يقال : نصحه وأرشده ونفعه وهداه ، ونحو ذلك. وقد لا يختار المأمور المنهي ذلك ، فيجبره الناصح له على ذلك من له ولاية الإجبار ، وهذا جبر الحقّ ، وهو جائز ، بل واقع في شرع الرب وقدره وحكمته ورحمته وإحسانه ، لا نمنع هذا الجبر.

العاشر : أن الرب ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فجعله العبد فاعلا لقدرته ومشيئته واختياره أمر يختصّ به تبارك وتعالى ، والمخلوق لا يقدر أن يجعل غيره فاعلا إلا بإكراهه له على ذلك ، فإن لم يكرهه ، لم يقدر على غير الدعاء والأمر بالفعل ، وذلك لا يصيّر العبد فاعلا فالمخلوق هو يجبر غيره على الفعل ، ويكرهه عليه ، فنسبة ذلك إلى الرب تشبيه له في أفعاله بالمخلوق الذي لا يجعل غيره فاعلا إلا بجبره له ، وإكراهه ، فكمال قدرته تعالى وكمال علمه وكمال علمه وكمال مشيئته وكمال عدله وإحسانه وكمال غناه وكمال ملكه وكمال حجته على عبده تنفي الجبر.

٣٤٢

فصل

فالطوائف كلها متفقة على الكسب ، ومختلفون في حقيقته ، فقالت القدرية : هو إحداث العبد لفعله ، بقدرته ومشيئته استقلالا ، وليس للرب صنع فيه ، ولا هو خالق فعله ، ولا مكونه ، ولا مريد له.

وقالت الجبرية : الكسب اقتران الفعل بالقدرة الحادثة ، من غير أن يكون لها فيه أمر. وكلا الطائفتين فرّق بين الخلق والكسب ، ثم اختلفوا فيما وقع به الفرق ، فقال الأشعري في عامة كتبه : معنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة محدثة ، فمن وقع منه الفعل بقدرة قديمة ، فهو فاعل خالق ، ومن وقع منه بقدرة محدثة ، فهو مكتسب.

وقال قائلون : من يفعل بغير آلة ولا جارحة ، فهو خالق ، ومن يحتاج في فعله إلى الآلات والجوارح ، فهو مكتسب ، وهذا قول الإسكافي وطوائف من المعتزلة. قال : واختلفوا هل يقال : إن الإنسان فاعل على الحقيقة؟ فقالت المعتزلة كلها إلا الناشئ : إنّ الإنسان فاعل محدث ومخترع ومنشئ على الحقيقة دون المجاز ، وقال الناشئ : الإنسان لا يفعل في الحقيقة ، ولا يحدث في الحقيقة. وكان يقول : إن البارئ أحدث كسب الإنسان ، قال : فلزمه محدث ، لا لمحدث في الحقيقة ، ومفعول ، لا لفاعل في الحقيقة.

قلت : وجه إلزامه ذلك أنه قد أعطى أن الإنسان غير فاعل لفعله ، وفعله مفعول ، وليس هو فعلا لله ، ولا فعلا للعبد ، فلزمه مفعول من غير فاعل ، ولعمر الله إن هذا الإلزام لازم لأبي الحسن وللجبرية ، فإن عندهم الإنسان ليس بفاعل حقيقة ، والفاعل هو الله ، وأفعال الإنسان قائمة ، لم تقم بالله ،

٣٤٣

فإذا لم يكن الإنسان فاعلها مع قيامها به ، فكيف يكون الله سبحانه هو فاعلها؟ ولو كان فاعلها ، لعادت أحكامها عليه ، واشتقت له منها أسماء ، وذلك مستحيل على الله ، فيلزمك أن تكوّن أفعالا لا فاعل لها ، فإن العبد ليس بفاعل عندك ، ولو كان الرب فاعلا لها ، لاشتقت له منها أسماء وعاد حكمها عليه.

فإن قيل : فما تقولون أنتم في هذا المقام؟.

قلنا : لا نقول بواحد من القولين ، بل نقول : هي أفعال للعباد حقيقة ، ومفعولة للرب ، فالفعل عندنا غير المفعول ، وهو إجماع من أهل السنة ، حكاه الحسين بن مسعود البغوي وغيره ، فالعبد فعلها حقيقة ، والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة ، وخالق فاعليته ، وسر المسألة أن العبد فاعل منفعل باعتبارين : هل هو منفعل في فاعليته ، فربه تعالى هو الذي جعله فاعلا بقدرته ومشيئته ، وأقدره على الفعل ، وأحدث له المشيئة التي يفعل بها؟.

قال الأشعري : وكثير من أهل الإثبات يقولون : إن الإنسان فاعل في الحقيقة ، بمعنى مكتسب ، ويمنعون أنه محدث ، قلت : هؤلاء وقفوا عند ألفاظ الكتاب والسنة ، فإنهما مملوءان من نسبة الأفعال إلى العبد باسمها العام وأسمائها الخاصة ، فالاسم العام كقوله تعالى : تعملون ، تفعلون ، تكسبون. والأسماء الخاصة : يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويؤمنون ، ويخافون ، ويتوبون ، ويجاهدون. وأما لفظ الإحداث فلم يجيء إلا في الذم كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لعن الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا» (١) فهذا ليس بمعنى الفعل والكسب ، وكذلك قول عبد الله بن مغفل لابنه : إياك والحدث

__________________

(١) رواه البخاري (١١١) وأطرافه ومنها (١٨٧٠) ، ومسلم (١٣٧٠) عن علي.

٣٤٤

في الإسلام. ولا يمتنع إطلاقه على فعل الخير مع التقييد.

قال بعض السلف : إذا أحدث الله لك نعمة ، فأحدث لها شكرا ، وإذا أحدثت ذنبا ، فأحدث له توبة ، ومنه قوله : هل أحدثت توبة؟ وأحدث للذنب استغفارا ، ولا يلزم من ذلك إطلاق اسم المحدث عليه ، والإحداث على فعله.

قال الأشعري : وبلغني أنّ بعضهم أطلق في الإنسان أنه محدث في الحقيقة ، بمعنى مكتسب ، قلت : هاهنا ألفاظ ، وهي فاعل وعامل ومكتسب وكاسب وصانع ومحدث وجاعل ومؤثر ومنشئ وموجد وخالق وبارئ ومصور وقادر ومريد ، وهذه الألفاظ ثلاثة أقسام : قسم لم يطلق إلّا على الربّ سبحانه ، كالبارئ والبديع والمبدع ، وقسم لا يطلق إلا على العبد كالكاسب والمكتسب ، وقسم وقع إطلاقه على الرب والعبد كاسم صانع وفاعل وعامل ومنشئ ومريد وقادر ، وأما الخالق والمصور فإن استعملا مطلقين غير مقيدين ، لم يطلقا إلا على الربّ كقوله : (الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ (٢٤)) [الحشر] ، وإن استعملا مقيّدين ، أطلقا على العبد ، كما يقال لمن قدر شيئا في نفسه : إنه خلقه قال :

ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفر

أي : لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما قدرته في نفسك ، وغيرك يقدر أشياء ، وهو عاجز عن إنفاذها وإمضائها ، وبهذا الاعتبار صحّ إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى : (فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)) [المؤمنون] أي : أحسن المصورين والمقدرين ، والعرب تقول : قدرت الأديم وخلقته : إذا قسته ، لتقطع منه مزادة أو قربة ونحوها.

قال مجاهد : يصنعون ، ويصنع الله ، والله خير الصانعين.

٣٤٥

وقال الليث : رجل خالق ، أي : صانع ، وهن الخالقات : للنساء.

وقال مقاتل : يقول تعالى : هو أحسن خلقا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء ، وأما البارئ ، فلا يصحّ إطلاقه إلا عليه سبحانه ، فإنه الذي برأ الخليقة ، وأوجدها بعد عدمها ، والعبد لا تتعلق قدرته بذلك ، إذ غاية مقدوره التصرف في بعض صفات ما أوجده الرب تعالى وبرأه ، وتغييرها من حال إلى حال على وجه مخصوص ، لا تتعداه قدرته ، وليس من هذا : بريت القلم ، لأنه معتلّ لا مهموز ، ولا برأت من المرض ، لأنه فعل لازم غير متعدّ ، وكذلك مبدع الشيء وبديعه ، لا يصح إطلاقه إلا على الرب ، كقوله : (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (١١٧)) [البقرة]. والإبداع إيجاد المبدع على غير مثال سبق ، والعبد يسمى مبتدعا ، لكونه أحدث قولا ، لم تمض به سنّة ، ثم يقال لمن اتبعه عليه : مبتدع أيضا ، وأما لفظ الموجد ، فلم يقع في أسمائه سبحانه ، وإن كان هو الموجد على الحقيقة ، ووقع في أسمائه الواجد ، وهو بمعنى الغني الذي له الوجد ، وأما الموجد فهو مفعل من أوجد ، وله معنيان ، أحدهما : أن يجعل الشيء موجودا ، وهو تعدية وجده وأوجده.

قال الجوهري : وجد الشيء عن عدم ، فهو موجد ، مثل حمّ فهو محموم ، وأوجده الله ، ولا يقال وجده ، والمعنى الثاني : أوجده ، جعل له جدة وغنى ، وهذا يتعدى إلى مفعولين ، قال في الصحاح : أوجده الله مطلوبه ، أي : أظفره به ، وأوجده ، أي : أغناه ، قلت : وهذا يحتمل أمرين ، أحدهما : أن يكون من باب حذف أحد المفعولين ، أي : أوجده مالا وغنى ، وأن يكون من باب صيّره واجدا ، مثل أغناه وأفقره ، إذا صيّره غنيا وفقيرا ، فعلى التقدير الأول يكون تعدية وجد مالا وغنى ، وأوجده الله إياه ، وعلى الثاني يكون تعديه وجد وجدا إذا استغنى ، ومصدر هذا الوجد بالضم والفتح والكسر ، قال

٣٤٦

تعالى : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ (٦)) [الطلاق] فغير ممتنع أن يطلق على من يفعل بالقدرة المحدثة أنه أوجد مقدوره ، كما يطلق عليه أنه فعله وعمله وصنعه وأحدثه ، لا على سبيل الاستقلال ، وكذلك لفظ المؤثر لم يرد إطلاقه في أسماء الرب ، وقد وقع إطلاق الأثر والتأثير على فعل العبد ، قال تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ (١٢)) [يس].

قال ابن عباس : ما أثروا من خير أو شر فسمى ذلك آثارا ، لحصوله بتأثيرهم.

ومن العجب أن المتكلمين يمتنعون من إطلاق التأثير والمؤثر على من أطلق عليه في القرآن والسنة ، كما قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لبني سلمة : «دياركم تكتب آثاركم» (١) أي : الزموا دياركم ، ويخصونه بمن لم يقع إطلاقه عليه في كتاب ولا سنة ، وإن استعمل في حقه الإيثار والاستئثار ، كما قال أخو يوسف : (تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا (٩١)) [يوسف]. وفي الأثر : «إذا استأثر الله بشيء فاله عنه» (٢). وقال الناظم :

استأثر الله بالثناء وبالحمد وولى الملامة الرجلا

ولما كان التأثير تفعيلا ، من أثّرت في كذا تأثيرا ، فأنا مؤثر ، لم يمتنع إطلاقه على العبد.

قال في الصحاح : التأثير : إبقاء الأثر في الشيء ، وأما لفظ الصانع فلم يرد في أسماء الرب سبحانه ، ولا يمكن ورودها ، فإن الصانع من صنع شيئا عدلا كان أو ظلما ، سفها أو حكمة ، جائزا أو غير جائز ، وما انقسم مسمّاه

__________________

(١) مر من قبل.

(٢) لم أجد هذا الأثر.

٣٤٧

إلى مدح وذم ، لم يجئ اسمه المطلق في الأسماء الحسنى ، كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم ، لانقسام معاني هذه الأسماء إلى محمود ومذموم ، بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير وقد سمّى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم العبد صانعا.

قال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا مروان بن معاوية ، قال : حدثنا أبو مالك ، عن ربعي بن حراش (١) ، عن حذيفة ، قال : قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» (٢).

وقد أطلق سبحانه على فعله اسم الصنع ، فقال : (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ (٨٨)) [النمل] ، وهو منصوب على المصدر ، لأن قوله تعالى : (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ (٨٨)) [النمل] يدل على الصنعة ، وقيل : هو نصب على المفعولية ، أي : انظروا صنع الله ، فعلى الأول يكون صنع الله مصدرا بمعنى الفعل ، وعلى الثاني ، يكون بمعنى المصنوع المفعول ، فإنه الذي يمكن وقوع النظر والرؤية عليه ، وأما الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلا ، كقوله : (وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢)) [الرعد] وقوله : (فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ (١٩)) [المؤمنون] وقوله (وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١)) [الواقعة] وهو كثير ، ولم يرد لفظ المنشئ ، وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر ، وهو شروعه في الفعل وابتداؤه له ، يقول : أنشأ يحدّثنا ، وأنشأ السير ، فهو منشئ لذلك ، وهذا إنشاء مقيّد ، وإنشاء الربّ إنشاء مطلق ، وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء : أنشأه الله ، أي : ابتدأ خلقه ، وأنشأ يفعل كذا : ابتدأ ، وفلان ينشئ الأحاديث : أي : يبتدئ وضعها ، والناشئ : أول

__________________

(١) تصحفت في المطبوع إلى : «خراش».

(٢) صحيح. رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص : ٧٣) عن حذيفة.

٣٤٨

ما ينشأ من السحاب.

قال الجوهري : وناشئة الليل أول ساعاته.

قلت : هذا قد قاله غير واحد من السلف : إن ناشئة الليل أوله التي منها ينشأ الليل ، والصحيح أنها لا تختص بالساعة الأولى ، بل هي ساعاته ناشئة بعد ناشئة ، كلما انقضت ساعة ، نشأت بعدها أخرى.

وقال أبو عبيدة : ناشئة الليل ساعاته وآناؤه ، ناشئة بعد ناشئة.

قال الزجاج : ناشئة الليل : كل ما نشأ منه ، أي : حدث منه ، فهو ناشئة.

قال ابن قتيبة : هي آناء الليل وساعاته ، مأخوذة من نشأت تنشأ نشأ ، أي : ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء ، وأنشأها الله فنشأت. والمعنى : أن ساعات الليل الناشئة. وقول صاحب الصحاح منقول عن كثير من السلف.

قال عليّ بن الحسين : ناشئة الليل : ما بين المغرب إلى العشاء ، وهذا قول أنس وثابت وسعيد بن جبير والضحاك والحكم ، واختيار الكسائي ، قالوا : ناشئة الليل أوله ، وهؤلاء راعوا معنى الأولية في الناشئة.

وفيها قول ثالث : أنّ الليل كله ناشئة ، وهذا قول عكرمة وأبي مجلز ومجاهد والسدي وابن الزبير وابن عباس في رواية.

قال ابن أبي مليكة : سألت ابن الزبير وابن عباس عن ناشئة الليل ، فقالا : الليل كلّه ناشئة ، فهذه أقوال من جعل ناشئة الليل زمانا ، وأما من جعلها فعلا ينشأ بالليل ، فالناشئة عندهم اسم لما يفعل بالليل ، من القيام ، وهذا قول ابن مسعود ومعاوية بن قرة وجماعة ، قالوا : ناشئة الليل : قيام الليل.

وقال آخرون ، منهم عائشة : إنما يكون القيام ناشئة ، إذا تقدّمه نوم. قالت

٣٤٩

عائشة : ناشئة الليل القيام بعد النوم ، وهذا قول ابن الأعرابي ، قال : إذا نمت من أول الليل نومة ، ثم قمت ، فتلك النشأة ، ومنه ناشئة الليل.

فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من ، إضافة نوع إلى جنسه ، أي : ناشئة منه ، وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في ، أي : طاعة ناشئة فيه ، والمقصود أن الإنشاء ابتداء ، سواء تقدّمه مثله كالنشأة الثانية ، أو لم يتقدمه كالنشأة الأولى ، وأما الجعل فقد أطلق على الله سبحانه بمعنيين : أحدهما الإيجاد والخلق ، والثاني التصيير. فالأول يتعدى إلى مفعول ، كقوله : (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ (١)) [الأنعام]. والثاني أكثر ما يتعدى إلى مفعولين ، كقوله : (إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا (٣)) [الزخرف].

وأطلق على العبد بالمعنى الثاني خاصة ، كقوله : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً (١٣٦)) [الأنعام].

وغالب ما يستعمل في حق العبد في جعل التسمية والاعتقاد حيث لا يكون له صنع في المجعول كقوله : (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً (١٩)) [الزخرف] وقوله : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً (٥٩)) [يونس] وهذا يتعدى إلى واحد وهو جعل اعتقاد وتسمية ، وأما الفعل والعمل فإطلاقه على العبد كثير (لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)) [المائدة] ، (لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)) [المائدة] ، (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)) [المائدة] ، وأطلقه على نفسه فعلا واسما ، فالأول كقوله : (وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧)) [إبراهيم] والثاني كقوله : (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦)) [البروج] وقوله : (وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩)) [الأنبياء] في موضعين من كتابه : أحدهما قوله : (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩)) [الأنبياء] والثاني قوله : (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤)) [الأنبياء].

٣٥٠

فتأمل قوله : كنّا فاعلين ، في هذين الموضعين المتضمنين للصنع العجيب الخارج عن العادة ، كيف تجده كالدليل على ما أخبر به ، وأنه لا يستعصي على الفاعل حقيقة ، أي : شأننا الفعل ، كما لا يخفى الجهر والإسرار بالقول على من شأنه العلم والخبرة ، ولا تصعب المغفرة على من شأنه أن يغفر الذنوب ، ولا الرزق على من شأنه أن يرزق العباد ، وقد وقع الزجاج على هذا المعنى بعينه ، فقال : وكنا فاعلين : قادرين على فعل ما نشاء.

٣٥١
٣٥٢

الباب الثامن عشر

في فعل وأفعل في القضاء والقدر

والكسب وذكر الفعل والانفعال

ينبغي الاعتناء بكشف هذا الباب ، وتحقيق معناه ، فبذلك ينحل عن العبد أنواع من ضلالات القدرية والجبرية ، حيث لم يعطوا هذا الباب حقّه من العرفان.

اعلم أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل ، والعبد فاعل منفعل ، وهو في فاعليته منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه.

فالجبرية شهدت كونه منفعلا ، يجري عليه الحكم ، بمنزلة الآلة والمحل ، وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار ، ولم يجعلوه فاعلا إلا على سبيل المجاز ، فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة مرض وألم ، ومات ونحو ذلك ، مما هو فيه منفعل محض.

والقدرية شهدت كونه فاعلا محضا غير منفعل في فعله.

وكلّ من الطائفتين نظر بعين عوراء ، وأهل العلم والاعتدال أعطوا كلا المقامين حقه ، ولم يبطلوا أحد الأمرين بالآخر ، فاستقام لهم نظرهم ومناظرتهم ، واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه ، ومهدوا وقوع الثواب

٣٥٣

والعقاب على من هو أولى به ، فأثبتوا نطق العبد حقيقة ، وإنطاق الله له حقيقة ، قال تعالى : (وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ (٢١)) [فصلت] فالإنطاق فعل الله الذي لا يجوز تعطيله ، والنطق فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره ، كما قال تعالى : (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)) [الذاريات] فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي ، حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر به ، وأن هذا حقيقة لا مجاز ، ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازا ، لم يكن ناطقا عنده حقيقة ، فلا يكون التشبيه بنطقه محققا لما أخبر به ، فتأمله.

ونظير هذا قوله تعالى : (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣)) [النجم] فهو المضحك المبكي حقيقة ، والعبد الضاحك الباكي حقيقة ، كما قال تعالى : (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً (٨٢)) [التوبة] وقال : (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠)) [النجم].

فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى ، لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك ، فإذا أحبّ عبدا أنطقه بما يحب ، وأثابه عليه ، وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه ، فعاقبه عليه ، وهو الذي أنطق هذا وهذا ، وأجرى ما يحبّ على لسان هذا ، وما يكره على لسان هذا ، كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه ، وعلى قلب هذا ما أبكاه ، وكذلك قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (٢٢)) [يونس] وقوله : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ (١١)) [الأنعام] فالتسيير فعله حقيقة ، والسير فعل العبد حقيقة ، فالتسيير فعل محض ، والسير فعل وانفعال ، ومن هذا قوله تعالى (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها (٣٧)) [الأحزاب] فهو سبحانه المزوج ورسوله المتزوج ، وكذلك قوله (وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)) [الدخان] فهو المزوّج وهم المتزوجون وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله : (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ

٣٥٤

قُلُوبَهُمْ (٥)) [الصف] فالإزاغة فعله ، والزيغ فعلهم.

فإن قيل : أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله ، وأنه لو لا إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا ولا ضحكوا ولا بكوا ، وقد دلّت هذه الآية على أن فعله بعد فعلهم ، وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن زاغوا ، وهذا يدل على أن إزاغة قلوبهم هو حكمه عليها بالزيغ ، لا جعلها زائغة ، وكذلك قوله : أنطقنا الله ، المراد : جعل لنا آلة النّطق ، وأضحك وأبكى ، جعل لهم آلة الضحك والبكاء ، قيل : أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير الإزاغة التي زاغوا بها أولا عقوبة لهم على زيغهم ، والربّ تعالى يعاقب على السيئة بمثلها ، كما يثيب على الحسنة بمثلها ، فحدث لهم زيغ آخر غير الزيغ الأول ، فهم زاغوا أولا ، فجازاهم الله بإزاغة فوق زيغهم.

فإن قيل : فالزيغ الأول من فعلهم ، وهو مخلوق لله فيهم ، على غير وجه الجزاء ، وإلا تسلسل الأمر ، قيل : بل الزيغ الأول وقع جزاء لهم وعقوبة على تركهم الإيمان والتصديق لما جاءهم من الهدى ، وهذا الترك أمر عدمي ، لا يستدعي فاعلا ، فإنّ تأثير الفاعل إنما هو في الوجود لا في العدم.

فإن قيل : فهذا التّرك العدمي له سبب ، أولا سبب له؟ قيل : سببه عدم سبب ضده ، فبقي ، على العدم الأصلي ، ويشبه هذا قوله : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ (١٩)) [الحشر] عاقبهم على نسيانهم له بأن أنساهم أنفسهم ، فنسوا مصالحها أن يفعلوها ، وعيوبها أن يصلحوها ، وحظوظها أن يتناولوها ، ومن أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها ، وهي لا نعيم لها ولا سرور ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته ، والإقبال عليه والإعراض عما سواه ، فأنساهم ذلك لما نسوه ، وأحدث لهم هذا النسيان نسيانا آخر ، وهذا ضد حال الذين ذكروه ، ولم ينسوه ، فذكّرهم

٣٥٥

مصالح نفوسهم ، ففعلوها ، وأوقفهم على عيوبها ، فأصلحوها ، وعرّفهم حظوظها العالية فبادروا إليها ، فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان ومحبّته وذكره وشكره ، فلما خلت قلوبهم من ذلك ، لم يجدوا عن ضده محيصا ، وهذا يبين لك كمال عدله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها.

وإذا كان قضاؤه عليها ، بالكفر والذنوب ، عدلا منه عليها ، فقضاؤه عليها بالعقوبة أعدل وأعدل ، فهو سبحانه ماض في عبده حكمه عدل فيه قضاؤه ، وله فيها قضاءان : قضاء السبب ، وقضاء المسبب ، وكلاهما عدل فيه ، فإنه لما ترك ذكره وترك فعل ما يحبه ، عاقبه بنسيان نفسه ، فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه ويسخطه ، بقضائه الذي هو عدل ، فترتب له على هذا الفعل والترك عقوبات وآلام ، لم يكن له منها بدّ ، بل هي مترتبة عليه ترتّب المسببات على أسبابها ، فهو عدل محض من الرب تعالى ، فعدل في العبد أولا وآخرا ، فهو محسن في عدله محبوب عليه محمود فيه ، يحمده من عدل فيه طوعا وكرها.

قال الحسن : لقد دخلوا النار ، وإنّ حمده لفي قلوبهم ، ما وجدوا عليه سبيلا ، وسنزيد هذا الموضع بسطا وبيانا في باب «دخول الشر في القضاء الإلهي» إن شاء الله ، إذ المقصود هاهنا بيان كون العبد فاعلا منفعلا ، والفرق في هذا الباب بين فعل وأفعل وأن الله سبحانه أفعل ، والعبد فعل ، فهو الذي أقام العبد وأضلّه وأماته ، والعبد هو الذي قام وضل ومات ، وأما قولكم : إن معنى أنطقه وأضحكه وأبكاه : جعل له آلة ينطق بها ويضحك ويبكي ، فإعطاؤه الآلة وحدها لا يكفي في صدق الفعل ، بأنه أنطقه وأضحكه ، فلو أنّ رجلا صمت يوما كاملا ، فحلف حالف أنّ الله أنطقه ، لكان كاذبا حانثا ، ولو دعوت كافرين إلى الإسلام فنطق أحدهما بكلمة الشهادة وسكت

٣٥٦

الآخر ، لم يقل أحد قط : إن الله قد أنطق الساكت ، كما أنطق المتكلم ، وكلاهما قد أعطي آلة النطق ، ومتعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب الفعل لا الإفعال.

فإن قيل : هل تطردون هذا في جميع أفعال العبد من كفره وزناه وسرقته ، فتقولون : إنّ الله أفعله ، وهو الذي فعل ، أم تخصّون ذلك ببعض الأفعال ، فيظهر تناقضكم؟.

قيل : هاهنا أمران : أمر لغوي ، وأمر معنوي ، فأما اللغوي فإن ذلك لا يطّرد في لغة العرب ، لا يقولون : أزنى الله الرجل ، وأسرقه وأشربه وأقتله ، إذا جعله يزني ويسرق ويشرب ويقتل ، وإن كان في لغتها : أقامه وأقعده وأنطقه وأضحكه وأبكاه وأضله ، وقد يأتي هذا مضاعفا كفهّمه وعلّمه وسيّره ، وقال تعالى : (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ (٧٩)) [الأنبياء] فالتفهيم منه سبحانه ، والفهم من نبيه سليمان ، وكذلك قوله : (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥)) [الكهف] فالتعليم منه سبحانه ، وكذلك التسيير ، والسير والتعلم من العبد ، فهذا المعنى ثابت في جميع الأفعال ، فهو سبحانه هو الذي جعل العبد فاعلا ، كما قال : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا (٧٣)) [الأنبياء] (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (٤١)) [القصص] فهو سبحانه الذي جعل أئمة الهدى ، يهدون بأمره ، وجعل أئمة الضلال والبدع ، يدعون إلى النار ، فامتناع إطلاق : أكلمه فتكلّم ، لا يمنع من إطلاق أنطقه فنطق ، وكذلك امتناع إطلاق : أهداه بأمره ، وادعاه إلى النار ، لا يمنع من إطلاق جعله يهدي بأمره ، ويدعو إلى النار.

فإن قيل : ومع ذلك كلّه هل تقولون : إن الله سبحانه هو الذي جعل الزانيين يزنيان ، وهو الذي جمع بينهما على الفعل ، وساق أحدهما إلى صاحبه.

٣٥٧

قيل : أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حقّ وباطل ، فيطلقها من يريد حقها ، فينكرها من يريد باطلها ، فيردّ عليه من يريد حقّها ، وهذا باب إذا تأمله الذكيّ الفطن ، رأى منه عجائب ، وخلّصه من ورطات ، تورط فيها أكثر الطوائف ، فالجعل المضاف إلى الله سبحانه ، يراد به الجعل الذي يحبه ويرضاه ، والجعل الذي قدّره وقضاه قال الله : (ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ (١٠٣)) [المائدة] فهذا نفي لجعله الشرعيّ الديني ، أي : ما شرع ذلك ، ولا أمر به ، ولا أحبه ورضيه ، وقال تعالى : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ (٤١)) [القصص] فهذا جعل كونيّ قدري ، أي : قدرنا ذلك وقضيناه ، وجعل العبد إماما يدعو إلى النار أبلغ من جعله يزني ويسرق ويقتل ، وجعله كذلك أيضا لفظ مجمل ، يراد به أنه جبره وأكرهه عليه ، واضطره إليه ، وهذا محال في حقّ الربّ تعالى ، وكماله المقدس يأبى ذلك ، وصفات كماله تمنع منه ، كما تقدم ، ويراد به أنه مكّنه من ذلك ، وأقدره عليه من غير أن يضطرّه إليه ، ولا أكرهه ولا أجبره ، فهذا حق.

فإن قيل : هذا كله عدول عن المقصود ، فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود؟.

قيل : الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود ، بإقدار الله له على ذلك ، وتمكينه منه ، من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى فعلها.

فإن قيل : فمن الذي خلقها إذا؟.

قيل لكم : ومن الذي فعلها؟.

فإن قلتم : الربّ سبحانه هو الفاعل للفسوق والعصيان ، أكذبكم العقل

٣٥٨

والفطرة ، وكتب الله المنزلة ، وإجماع رسله وإثبات حمده وصفات كماله ، فإنّ فعله سبحانه كله خير ، وتعالى أن يفعل شرا بوجه من الوجوه ، فالشرّ ليس إليه ، والخير هو الذي إليه ، ولا يفعل إلا خيرا ، ولا يريد إلا خيرا ، ولو شاء لفعل غير ذلك ، ولكنه تعالى تنزّه عن فعل ما لا ينبغي وإرادته ومشيئته ، كما هو منزه عن الوصف به والتسمية به.

وإن قلتم : العبد هو الذي فعلها بما خلق فيه من الإرادة والمشيئة.

قيل : فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها بهذا الاعتبار ، ولو سلك الجبريّ مع القدريّ هذا المسلك لاستراح معه وأراحه ، وكذلك القدري معه ، ولكن انحرف الفريقان عن سواء السبيل ، كما قال :

سارت مشرّقة وسرت مغربا

شتّان بين مشرّق ومغرّب

فإن قيل : فهل يمكنه الامتناع منها ، وقد خلقت فيه نفسها أو أسبابها الموجبة لها ، وخلق السبب الموجب خلق لمسببه وموجبه؟.

قيل : هذا السؤال يورد على وجهين ، أحدهما : أن يراد به أنه يصير مضطرا إليها ملجأ إلى فعلها بخلقها أو خلق أسبابها ، بحيث لا يبقى له اختيار في نفسه ، ولا إرادة ، وتبقى حركته قسرية لا إرادية. الثاني أنه هل لاختياره وإرادته وقدرته تأثير فيها ، أو التأثير لقدرة الربّ ومشيئته فقط ، وذلك هو السبب الموجب للفعل ، فإن أوردتموه على الوجه الأول فجوابه أنه يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل ، ولا يصير مضطرا ملجأ بخلقها فيه ، ولا بخلق أسبابها ودواعيها ، فإنها إنما خلقت فيه على وجه ، يمكنه فعلها وتركها ، ولو لم يمكنه الترك ، لزم اجتماع النقيضين ، وأن يكون مريدا غير مريد ، فاعلا غير فاعل ، ملجأ غير ملجأ.

وإن أوردتموه على الوجه الثاني ، فجوابه أنّ لإرادته واختياره وقدرته أثرا

٣٥٩

فيها ، وهي السبب الذي خلقها الله به في العبد ، فقولكم : إنه لا يمكنه الترك ، مع الاعتراف بكونه متمكنا من الفعل ، جمع بين النقيضين ، فإنه إذا تمكّن من الفعل ، كان الفعل اختياريا ، إن شاء فعله. وإن شاء لم يفعله ، فكيف يصح أن يقال : لا يمكنه ترك الفعل الاختياري الممكن ، هذا خلف من القول ، وحقيقة الأمر أنه يمكنه الترك لو أراده ، لكنه لا يريده ، فصار لازما بالإرادة الجازمة.

فإن قيل : فهذا يكفي في كونه مجبورا عليه.

قيل : هذا من أدلّ شيء على بطلان الجبر ، فإنه إنما لزم بإرادته المنافية للجبر ، ولو كان وجوب الفعل بالإرادة يقتضي الجبر ، لكان الرب تعالى وتقدس مجبورا على أفعاله ، لوجوبها بإرادته ومشيئته ، وذلك محال.

فإن قيل : الفرق أنّ إرادة الرب تعالى من نفسه ، لم يجعله غيره مريدا ، والعبد إرادته من ربه ، إذ هي مخلوقة له ، فإنه هو الذي جعله مريدا.

قيل : هذا موضع اضطرب فيه الناس ، فسلكت فيه القدرية واديا ، وسلكت الجبرية واديا ، فقالت القدرية : العبد هو الذي يحدث إرادته ، وليست مخلوقة لله ، والله مكّنه من إحداث إرادته بأن خلقه كذلك. وقالت الجبرية : بل الله هو الذي يحدث إرادات العبد شيئا بعد شيء ، فإحداث الإرادات فيه كإحداث لونه وطوله وقصره وسواده وبياضه ، مما لا صنع له فيه البتة ، فلو أراد أن لا يريد ، لما أمكنه ذلك ، وكان كما لو أراد أن يكون طوله وقصره ولونه على غير ما هو عليه ، فهو مضطر إلى الإرادة ، وكلّ إرادة من إرادته فهي متوقفة على مشيئة الرب لها بخصوصها ، فهي مرادة له سبحانه ، كما هي معلومة مقدورة ، فلزمهم القول بالجبر من هذه الجهة ، ومن جهة نفيهم أن يكون لإرادة العبد وقدرته أثر في الفعل.

٣٦٠