شفاء العليل

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]

شفاء العليل

المؤلف:

شمس الدّين محمّد بن أبي بكر بن أيّوب الزّرعي [ ابن قيّم الجوزيّة ]


المحقق: عصام فارس الحرستاني
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار الجيل
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٧٦
  نسخة غير مصححة

وقال قوم موسى له (وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)) [البقرة].

وقال لسيد ولد آدم وأكرمهم عليه (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ (٢٤)) [الكهف] وقال (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللهُ (٤٩)) [يونس].

وقال عن أهل الجنة (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ (١٠٧)) [هود].

وعن أهل النار كذلك ليبين أنّ الأمر راجع إلى مشيئته ، ولو شاء لكان غير ذلك.

وقال : (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ (٥٤)) [الإسراء] وقال (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (١٨)) [المائدة].

وقال (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ (٢٧)) [الشورى] وقال (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ (٣٠)) [الإسراء].

وقال : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ (٣٩)) [الرعد] وقال : (مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)) [الأنعام].

وقال : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)) [إبراهيم] وقال (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٢٧)) [إبراهيم] وقال (وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا (٥٢)) [الشورى] وقال (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)) [البقرة] وقال (قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ (١٦)) [يونس] وقال (نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨)) [الإنسان] وقال (وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ (٥٦)) [المدثر] وفي الآية

١٢١

الأخرى (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ (٣٠)) [الإنسان] فأخبر أن مشيئتهم وفعلهم موقوفان على مشيئته لهم ، هذا وهذا ، وقال (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ (٢٦)) [آل عمران] وقال (وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)) [يونس] وقال (وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ (٢٤)) [الأحزاب] وقوله (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ (١٠٥)) [البقرة] وقوله (وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ (٢١)) [النور] وقوله (وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ (٢٦١)) [البقرة] وقوله (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ (٥٦)) [يوسف] وقوله (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ (٧٦)) [يوسف] وقوله (ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ (٢١)) [الحديد] (وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (١١)) [إبراهيم] وقوله (فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ (١١٠)) [يوسف] وقوله (فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ (٤٨)) [الروم] وقوله (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ (١٠٠)) [يوسف] وقوله (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ (٢٦٩)) [البقرة] وقوله (وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ (٦٦)) [يس] وقوله (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ (٢٠)) [البقرة] وقوله (إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ (٣٣)) [الشورى] وقوله (لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً (٦٥)) [الواقعة] (لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً (٧٠)) [الواقعة] وقوله (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ (٢٨)) [التوبة] وقوله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ (١٣٣)) [الأنعام] وقوله (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ (٢٢٠)) [البقرة] وقوله (اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ (١٣)) [الشورى] وقوله عن كليمه موسى (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ (١٥٥)) [الأعراف].

وهذه الآيات ونحوها تتضمن الرد على طائفتي الضّلّال نفاة المشيئة بالكلية ، ونفاة مشيئة أفعال العباد وحركاتهم وهداهم وضلالهم ، وهو سبحانه تارة يخبر أنّ كل ما في الكون بمشيئته ، وتارة أن ما لم يشأ لم يكن ، وتارة أنه لو شاء لكان خلاف الواقع ، وأنه لو شاء لكان خلاف القدر الذي قدره وكتبه ، وأنه لو شاء ما عصي ، وأنه لو شاء لجمع خلقه على الهدى ،

١٢٢

وجعلهم أمة واحدة ، فتضمن ذلك أنّ الواقع بمشيئته ، وأن ما لم يقع فهو لعدم مشيئته ، وهذا حقيقة الربوبية ، وهو معنى كونه رب العالمين ، وكونه القيوم القائم بتدبير عباده ، فلا خلق ولا رزق ولا عطاء ولا منع ولا قبض ولا بسط ولا موت ولا حياة ولا إضلال ولا هدى ولا سعادة ولا شقاوة إلا بعد إذنه ، وكلّ ذلك بمشيئته وتكوينه إذ لا مالك غيره ، ولا مدبّر سواه ، ولا رب غيره.

قال تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ (٦٨)) [القصص] وقال (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ (٥)) [الحج] وقال (فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨)) [الانفطار] وقال (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً (٥٠)) [الشورى] وقال (يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (٣٥)) [النور].

وتقدم في حديث حذيفة بن أسيد ، في صحيح مسلم (١) ، في شأن الجنين «فيقضي ربك ما يشاء ، ويكتب الملك».

وفي صحيح البخاري (٢) من حديث أبي موسى عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء» (٣).

وفي صحيح البخاري (٤) ، من حديث علي بن أبي طالب ، حين طرقه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفاطمة ليلا ، فقال : «ألا تصليان» فقال علي : إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا».

__________________

(١) سبق تخريجه.

(٢) البخاري (١٤٣٢).

(٣) ورواه مسلم (٢٦٢٧) عن أبي موسى الأشعري أيضا.

(٤) البخاري (١١٢٧).

١٢٣

وفي صحيحه أيضا (١) ، في قصة نومهم في الوادي ، عنه صلى الله تعالى عليه وسلم : «إن الله قبض أرواحكم حين شاء ، وردّها حين شاء».

وفي حديث ابن مسعود الذي في المسند (٢) وغيره في قصة رجوعهم من الحديبية ونومهم عن صلاة الصبح ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله لو شاء لم تناموا عنها ، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم ، فهكذا لمن نام ونسي».

وفي لفظ آخر : إن الله سبحانه لو شاء أيقظنا ، ولكنه أراد أن يكون لمن بعدكم (٣).

وفي مسند الإمام أحمد (٤) ، عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها ، أنه رأى فيما يرى النائم ، كأنه مرّ برهط من اليهود ، فقال : من أنتم؟ قالوا : نحن اليهود قال : إنكم أنتم القوم لو لا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله ، فقالت اليهود : وأنتم القوم لو لا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ثم مرّ برهط من النصارى ، فقال : من أنتم؟ قالوا : نحن النصارى قال : إنكم أنتم القوم لو لا أنكم تقولون : المسيح ابن الله : قالوا : وأنتم القوم لو لا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد ، فلما أصبح أخبر بها من أخبر ، ثم أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأخبره ، فقال : أخبرت أحدا؟ فقال : نعم! فلما صلوا ، خطبهم فحمد الله وأثنى عليه فقال : «إن طفيلا رأى رؤيا ، فأخبر بها من أخبر منكم ، وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم. زاد البيهقي ، فلا تقولوها ، ولكن قولوا : ما شاء الله وحده لا شريك له».

__________________

(١) رواه البخاري (٥٩٥) عن أبي قتادة.

(٢) صحيح. رواه أحمد (١ / ٣٨٦ ، ٣٩٣ ، ٤٦٤).

(٣) انظر العزو الآنف.

(٤) أحمد ٥ / ٧٢ وهو صحيح من حديث طفيل بن سخبرة.

١٢٤

وروى جعفر ، عن عون ، عن الأجلح ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس ، قال : جاء رجل إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكلمه في بعض الأمر ، فقال الرجل لرسول الله : ما شاء الله ، وشئت ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أجعلتني لله عدلا ، بل ما شاء الله وحده» (١).

وروى شعبة عن منصور ، عن عبد الله بن يسار ، عن حذيفة ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تقولوا ما شاء الله ، وشاء فلان ، ولكن قولوا ما شاء الله ، ثم شاء فلان» (٢).

قال الشافعي في رواية الربيع عنه : المشيئة إرادة الله. قال الله عزوجل (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ (٣٠)) [الإنسان] فأعلم الله خلقه ، أنّ المشيئة له دون خلقه ، وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله ، فيقال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما شاء الله ، ثم شئت ، ولا يقال : ما شاء الله وشئت. قال : ويقال : من يطع الله ورسوله ، فإن الله تعبّد العباد بأن فرض عليهم طاعة رسوله ، فإذا أطيع رسول الله ، فقد أطيع الله بطاعة رسوله.

وفي صحيح مسلم (٣) ، من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن ، كقلب واحد ، يصرفها كيف يشاء» ثم قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك».

وفي حديث النواس بن سمعان ، سمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «ما من قلب

__________________

(١) صحيح رواه أحمد (١ / ٢١٤ ، ٢٨٣ ، ٣٤٧) عن ابن عباس.

(٢) صحيح. رواه أحمد (٥ / ٣٨٤ ، ٣٩٤) عن حذيفة.

(٣) مسلم (٢٦٥٤).

١٢٥

إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن ، إن شاء أقامه ، وإن شاء أزاغه» (١).

وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «اللهم يا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك» (٢). والميزان بيد الرحمن ، يرفع أقواما ، ويخفض آخرين ، إلى يوم القيامة (٣).

وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ، سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو قائم على المنبر يقول : «إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس» (٤) وذكر الحديث وقال في آخره : «فذلك فضلي أوتيه من أشاء».

وفي صحيح البخاري مرفوعا : «مثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء» (٥).

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همام ، هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «قال الله تبارك وتعالى : لا يقل ابن آدم يا خيبة الدّهر ، فإني أنا الدهر ، أرسل الليل والنهار ، فإذا شئت قبضتهما» (٦).

__________________

(١) صحيح. رواه أحمد (٤ / ١٨٢) عن النواس بن سمعان الكلابي.

(٢) صحيح. رواه الترمذي (٣٥٢٢) عن أم سلمة.

(٣) صحيح. رواه الترمذي (٣٠٤٥) ، وابن ماجة (١٩٧) عن أبي هريرة. وأصله في الصحيحين.

(٤) البخاري (٥٥٧) وأخرجه أحمد ٢ / ١٢١ و ١٢٩ ، وليس في مسلم.

(٥) رواه البخاري (٥٦٤٤) عن أبي هريرة. وبنحو لفظه في مسلم (٢٨٠٩) عنه.

(٦) رواه البخاري (٦١٨٢) ، ومسلم (٢٢٤٦) عن أبي هريرة ، أما الإسناد الذي ساقه المؤلف فهو إسناد أحمد (٢ / ٣١٨).

١٢٦

قال الشافعي : تأويله والله أعلم ، أنّ العرب كان شأنها أن تذم الدهر ، وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم ، من موت أو هرم أو تلف أو غير ذلك ، فيقولون : إنما يهلكنا الدهر ، وهو الليل والنهار ، ويقولون : أصابتهم قوارع الدهر ، وأبادهم الدهر ، فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء ، فيذمون الدهر بأنه الذي يفنيهم ويفعل بهم ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تسبوا الدهر» (١) على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء ، فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبون الله تبارك وتعالى ، فإنه فاعل هذه الأشياء.

وفي حديث أنس يرفعه : «اطلبوا الخير دهركم كله ، وتعرّضوا لنفحات رحمة الله ، فإن لله عزوجل سحائب من رحمته ، يصيب بها من يشاء من عباده ، وسلوا الله أن يستر عوراتكم ، ويؤمّن روعاتكم» (٢).

وفي الصحيحين (٣) ، من حديث عبادة بن الصامت قال : كنا عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا ، فمن وفى منكم ، فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا ، فعوقب به ، فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فهو إلى الله ، إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له». وفيهما أيضا من حديث احتجاج الجنة والنار قول الله للجنة : «أنت رحمتي ، أرحم بك من أشاء ، وللنار : أنت عذابي ، أعذب بك

__________________

(١) هذا اللفظ رواه مسلم (٢٢٤٦) (٥) عن أبي هريرة.

(٢) ضعيف. رواه ابن أبي الدنيا في «الفرج بعد الشدة» (٢٧) ، والبيهقي في «الشعب» (١١٢١) ، والطبراني (٧٢٠) ، وأبو نعيم (٣ / ١٦٢) ، والقضاعي (٧٠١) عن أنس ، وفيه عيسى بن موسى بن إياس بن البكير : ضعفه أبو حاتم. ورواية ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة.

(٣) البخاري (١٨) ، ومسلم (١٧٠٩).

١٢٧

من أشاء» (١) وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يقل أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت ، وارحمني إن شئت ، وارزقني إن شئت ، ليعزم مسألته ، إنه يفعل ما يشاء ، لا مكره له» (٢).

وفي صحيح مسلم (٣) عنه يرفعه : «المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلّ خير ، احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء ، فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ، ولكن قل : قدّر الله وما شاء فعل ، فإنّ لو تفتح عمل الشيطان».

وفي حديث أبي ذر : «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته» (٤) الحديث ، وفي آخره : ذلك بأني جواد أفعل ما أشاء ، عطائي كلام ، فإذا أردت شيئا ، فإنما أقول له كن فيكون.

وفي حديث أنس بن مالك ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أنعم الله على عبد من نعمة من أهل وولد ، فيقول : ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، فيرى فيه آية دون الموت» (٥) وهذا الحديث الصحيح مشتق من قوله تعالى : (وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ (٣٩)) [الكهف].

وفي حديث الشفاعة : «فإذا رأيت ربي ، وقعت له ساجدا ، فيدعني ما شاء

__________________

(١) البخاري (٤٨٥٠) ، ومسلم (٢٨٤٦) عن أبي هريرة.

(٢) البخاري (٦٣٣٩) ، ومسلم (٢٦٧٩).

(٣) مسلم (٢٦٦٤).

(٤) رواه مسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذر.

(٥) ضعيف. رواه البيهقي في «الشعب» (٤٥٢٥).

١٢٨

الله أن يدعني» (١).

وفي حديث : «آخر أهل الجنة دخولا إليها. فيسكت ما شاء الله أن يسكت. وفيه قوله سبحانه : لا أهزأ بك ، ولكني على ما أشاء قدير» (٢) والحديثان في الصحيحين.

وفيهما (٣) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لكل نبي دعوة ، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة».

وقال : «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد» (٤).

وقال : «إني لأطمع أن يكون حوضي ، إن شاء الله ، أوسع ما بين أيلة إلى كذا» (٥).

وقال في المدينة : «لا يدخلها الطاعون ولا الدجال ، إن شاء الله» (٦).

وقال في زيارة المقابر : «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» (٧).

__________________

(١) رواه البخاري (٤٤٧٦) ، ومسلم (١٩٣) عن أنس.

(٢) رواه البخاري (٨٠٦) ، ومسلم (١٨٢) عن أبي هريرة.

(٣) البخاري (٦٣٠٤) ، ومسلم (١٩٨).

(٤) رواه مسلم (٢٤٩٦) عن أم مبشر.

(٥) قارن بحديث عقبة بن عامر الذي رواه البخاري (١٣٤٤) وأطرافه ، ومسلم (٢٢٩٦).

(٦) رواه البخاري (١٨٨٠) ، ومسلم (١٣٧٩) عن أبي هريرة ، والبخاري (٧٤٧٣) عن أنس.

(٧) رواه مسلم (٢٤٩) عن أبي هريرة.

١٢٩

وقال لما حاصر الطائف : «إنّا قافلون غدا إن شاء الله» (١).

وقال لما قدم مكة : «منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة» (٢).

وقال يوم بدر : «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله ، وهذا مصرع فلان إن شاء الله» (٣).

وقال في بعض أسفاره : إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم ثم إنكم تأتون الماء غدا إن شاء الله» (٤).

وقال للأعرابي الذي عاده من الحمى : «لا بأس ، طهور إن شاء الله» (٥).

وأخبر عن سليمان بن داود أنه قال : لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة ، كل واحدة تأتي بفارس ، يقاتل في سبيل الله ؛ فقال له الملك : قل إن شاء الله ، فلم يقل ، فطاف عليهن جميعا ، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة ، جاءت بشق رجل. وأيم الذي نفس محمد بيده : لو قال : إن شاء الله ، لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون» (٦).

وقال : «من حلف ، فقال : إن شاء الله ، فإن شاء مضى ، وإن شاء رجع غير حنث» (٧).

__________________

(١) رواه البخاري (٧٤٨٠) ، ومسلم (١٧٧٨) عن عبد الله بن عمر.

(٢) رواه البخاري (١٥٨٩) عن أبي هريرة.

(٣) رواه مسلم (١٧٧٩) عن أنس.

(٤) رواه مسلم (٦٨١) عن أبي قتادة.

(٥) رواه البخاري (٥٦٥٦) عن ابن عباس.

(٦) رواه البخاري (٢٨١٩) ، ومسلم (١٦٥٤) عن أبي هريرة.

(٧) صحيح. رواه النسائي (٧ / ٢٥) عن ابن عمر.

١٣٠

وقال : «لأغزون قريشا ، ثم قال في الثالثة : إن شاء الله» (١)

وقال : «ألا مشمّر للجنة؟ فقالت الصحابة : نحن المشمرون لها يا رسول الله فقال : «قولوا : إن شاء الله» (٢).

وقال تعالى : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ (٢٤)) [الكهف] قال الحسن : إذا نسيت أن تقول : إن شاء الله. وهذا هو الاستثناء الذي كان يجوّزه ابن عباس متراخيا ، ويتأول عليه الآية ، لا الاستثناء في الإقرار واليمين والطلاق والعتاق ، وهذا من كمال علم ابن عباس وفقهه في القرآن.

وقد أجمع المسلمون على أن الحالف ، إذا استثنى في يمينه متصلا بها ، فقال : لأفعلن كذا ، أولا أفعله إن شاء الله ، إنه لا يحنث ، إذا خالف ما حلف عليه ، لأن من أصل أهل الإسلام ، أنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله ، فإذا علق الحالف الفعل أو الترك ، بالمشيئة ، لم يحنث عند عدم المشيئة ، ولا تجب عليه الكفارة.

ولو ذهبنا نذكر كلّ حديث أو أثر جاء فيه لفظ المشيئة ، وتعليق فعل الرب بها ، لطال الكتاب جدا.

وأما الإرادة ، فورودها في نصوص القرآن والسنة معلوم أيضا ، كقوله تعالى (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧)) [هود]. (فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما (٨٢)) [الكهف] (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً (١٦)) [الإسراء]. (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (١٨٥)) [البقرة]. (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ

__________________

(١) صحيح. رواه أبو داود (٣٢٨٥) عن عكرمة ، ووصله الطحاوي في «المشكل» (٢ / ٣٧٨) ، والبيهقي في «السنن» (١٠ / ٤٧) ، والطبراني (١١٧٤٢) وغيرهم عن ابن عباس.

(٢) ضعيف. رواه ابن ماجه (٤٣٣٢) عن أسامة بن زيد ، وفيه الضّحّاك المعافري : مجهول.

١٣١

فَيَكُونُ (٨٢)) [يس] (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً (٤١)) [المائدة].

وقول نوح (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)) [هود] وقوله (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً (١٢٥)) [الأنعام]. وقوله (وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ (١١)) [الرعد] وقوله (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)) [النساء].

وأخبر أنه إذا لم يرد تطهير قلوب عباده ، لم يكن لهم سبيل إلى تطهيرها فقال (أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)) [المائدة] وقال (وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)) [الحج] و (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١)) [المائدة] وقال (ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ (٦)) [المائدة] وقوله (فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (١٧)) [المائدة] وقوله (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ (٣٣)) [الأحزاب] وقوله (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً (١٧)) [الأحزاب].

وقول صاحب يس (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣)) [يس] وقوله (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ (٣٨)) [الزمر] وقوله (يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ (١٧٦)) [آل عمران] وقوله (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ (١٨)) [الإسراء].

١٣٢

والنصوص النبوية في إثبات إرادة الله أكثر من أن تحصر ، كقوله : من يرد الله به خيرا ، يفقهه في الدين. ومن يرد الله به خيرا ، يصب منه. إذا أراد الله بالأمير خيرا ، جعل له وزير صدق. إذا أراد الله رحمة أمة ، قبض نبيها قبلها. إذا أراد الله هلكة أمة ، عذّبها ونبيها حيّ ، فأقرّ عينه بهلكها. إذا أراد الله بعبد خيرا ، عجّل له العقوبة في الدنيا. إذا أراد الله بعبد شرا ، أمسك عنه توبته حتى يوافي يوم القيامة كأنه عير (١). إذا أراد الله قبض عبد بأرض ، جعل له إليها حاجة. إذا أراد الله بأهل بيت خيرا ، أدخل عليهم باب الرفق. إذا أراد الله بقوم عذابا ، أصاب من كان فيهم ، ثم بعثوا على نيّاتهم.

والآثار النبوية في ذلك أكثر من أن نستوعبها.

فصل

وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه والتّنبّه له ، وبمعرفته تزول إشكالات كثيرة ، تعرض لمن لم يحط به علما ، وهو أن الله سبحانه له الخلق والأمر ، وأمره سبحانه نوعان : أمر كونيّ قدري ، وأمر ديني شرعي ، فمشيئته سبحانه متعلقة بخلقه وأمره الكوني ، وكذلك تتعلق بما يحب وبما يكرهه ، كله داخل تحت مشيئته ، كما خلق إبليس وهو يبغضه ، وخلق الشياطين والكفار والأعيان والأفعال المسخوطة له ، وهو يبغضها ، فمشيئته سبحانه شاملة لذلك كله. وأما محبته ورضاه فمتعلقة بأمره الديني وشرعه الذي شرعه على ألسنة رسله ، فما وجد منه ، تعلقت به المحبة والمشيئة جميعا ، فهو محبوب

__________________

(١) عير : حمار.

١٣٣

للرب ، واقع بمشيئته كطاعات الملائكة والأنبياء والمؤمنين ، وما لم يوجد منه ، تعلقت به محبته وأمره الديني ، ولم تتعلق به مشيئته.

وما وجد من الكفر والفسوق والمعاصي ، تعلقت به مشيئته ، ولم تتعلق به محبته ولا رضاه ولا أمره الديني ، وما لم يوجد منها ، لم تتعلق به مشيئته ولا محبته ، فلفظ المشيئة كوني ، ولفظ المحبة ديني شرعي ، ولفظ الإرادة ينقسم إلى إرادة كونية ، فتكون هي المشيئة ، وإرادة دينية ، فتكون هي المحبة.

إذا عرفت هذا ، فقوله تعالى (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ (٧)) [الزمر] وقوله (لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥)) [البقرة] وقوله (وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (١٨٥)) [البقرة] لا يناقص نصوص القدر والمشيئة العامة الدالة على وقوع ذلك بمشيئته وقضائه وقدره ، فإن المحبة غير المشيئة ، والأمر غير الخلق ، ونظير هذا لفظ الأمر ، فإنه نوعان : أمر تكوين ، وأمر تشريع ، والثاني قد يعصى ويخالف ، بخلاف الأول ، فقوله تعالى (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها (١٦)) [الإسراء] لا يناقض قوله (إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ (٢٨)) [الأعراف] ولا حاجة إلى تكلّف تقدير : أمرنا مترفيها بالطاعة ، فعصونا ، وفسقوا فيها ، بل الأمر هاهنا أمر تكوين وتقدير ، لا أمر تشريع ، لوجوه : أحدها أن المستعمل في مثل هذا التركيب أن يكون ما بعد الفاء هو المأمور به ، كما تقول : أمرته فقام ، وأمرته فأكل ، كما لو صرح بلفظه «أفعل» كقوله تعالى (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا (٣٤)) [البقرة] وهذا كما تقول : دعوته فأقبل. وقال تعالى (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ (٥٢)) [الإسراء].

الثاني أن الأمر بالطاعة لا يخصّ المترفين ، فلا يصحّ حمل الآية عليه ، بل تسقط فائدة ذكر المترفين ، فإن جميع المبعوث إليهم مأمورون بالطاعة ، فلا يصح أن يكون أمر المترفين علة إهلاك جميعهم.

١٣٤

الثالث : أن هذا النسق العجيب والتركيب البديع مقتض ترتب ما بعد الفاء على ما قبلها ترتّب المسبب على سببه والمعلول على علته ، ألا ترى أن الفسق علة حق القول عليهم ، وحق القول عليهم علة لتدميرهم ، فهكذا ، الأمر سبب لفسقهم ، ومقتض له ، وذلك هو أمر التكوين لا التشريع.

الرابع : أن إرادته سبحانه لإهلاكهم إنما كانت بعد معصيتهم ومخالفتهم لرسله ، فمعصيتهم ومخالفتهم قد تقدمت ، فأراد الله إهلاكهم ، فعاقبهم بأن قدّر عليهم الأعمال التي يتحتم معها هلاكهم.

فإن قيل : فمعصيتهم السابقة سبب لهلاكهم ، فما الفائدة في قوله (أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها (١٦)) [الإسراء] وقد تقدم الفسق منهم؟.

قيل : المعصية السابقة وإن كانت سببا للهلاك ، لكن يجوز تخلف الهلاك عنها ، ولا يتحتم ، كما هو عادة الرب تعالى المعلومة في خلقه ، أنه لا يتحتم هلاكهم بمعاصيهم ، فإذا أراد إهلاكهم ولا بد ، أحدث سببا آخر ، يتحتم معه الهلاك ، ألا ترى أن ثمود لم يهلكهم بكفرهم السابق حتى أخرج لهم الناقة ، فعقروها ، فأهلكوا حينئذ ، وقوم فرعون لم يهلكهم بكفرهم السابق بموسى ، حتى أراهم الآيات المتتابعات ، واستحكم بغيهم وعنادهم ، فحينئذ أهلكوا. وكذلك قوم لوط لما أراد هلاكهم ، أرسل الملائكة إلى لوط في صورة الأضياف ، فقصدوهم بالفاحشة ، ونالوا من لوط ، وتواعدوه ، وكذلك سائر الأمم ، إذا أراد الله هلاكها ، أحدث لها بغيا وعدوانا ، يأخذها على أثره ، وهذه عادته مع عباده عموما وخصوصا ، فيعصيه العبد ، وهو يحلم عنه ، ولا يعاجله حتى إذا أراد أخذه ، قيّض له عملا يأخذه به مضافا إلى أعماله الأولى ، فيظنّ الظانّ أنه أخذه بذلك العمل وحده ، وليس كذلك ، بل حقّ عليه القول بذلك ، وكان قبل ذلك لم يحق عليه القول بأعماله الأولى ، حيث عمل ما يقتضي ثبوت الحق عليه ، ولكن لم يحكم به أحكم الحاكمين ، ولم

١٣٥

يمض الحكم ؛ فإذا عمل بعد ذلك ما يقرّر غضب الرب عليه ، أمضى حكمه عليه وأنفذه. قال تعالى (فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ (٥٥)) [الزخرف] وقد كانوا قبل ذلك أغضبوه بمعصية رسوله ، ولكن لم يكن غضبه سبحانه قد استقر واستحكم عليهم ، إذ كان بصدد أن يزول بإيمانهم ، فلما أيس من إيمانهم ، تقرر الغضب واستحكم ، فحلّت العقوبة. فهذا الموضع من أسرار القرآن وأسرار التقدير الإلهي ، وفكر العبد فيه من أنفع الأمور له ، فإنه لا يدري أي المعاصي هي الموجبة التي يتحتم عندها عقوبته ، فلا يقال بعدها ، والله المستعان.

وسنعقد لهذا الفصل بابا في الفرق بين القضاء الكوني والديني ، نشبع الكلام فيه إن شاء الله ، لشدة الحاجة إليه إذ المقصود في هذا الباب مشيئة الرب ، وأنها الموجبة لكل موجود ، كما أن عدم مشيئته موجب لعدم وجود الشيء ، فهما الموجبتان ، ما شاء الله وجب وجوده ، وما لم يشأ وجب عدمه وامتناعه ، وهذا أمر يعمّ كلّ مقدور من الأعيان والأفعال والحركات والسكنات ، فسبحانه أن يكون في مملكته ما لا يشاء أو أن يشاء شيئا فلا يكون ، وإن كان فيها ما لا يحبه ولا يرضاه ، وإن كان يحب الشيء فلا يكون ، لعدم مشيئته له ، ولو شاءه لوجد.

١٣٦

الباب الثالث عشر

في ذكر المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي

مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها

وهذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم ، وعليه اتفقت الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار ، وخالف في ذلك مجوس الأمة ، فأخرجت طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين ، وهي أشرف ما في العالم ، عن ربوبيته وتكوينه ومشيئته ، بل جعلوهم هم الخالقين لها ، ولا تعلق لها بمشيئته ، ولا تدخل تحت قدرته ، وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية ، فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ، ولا يضل مهتديا ، ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا والمصلي مصليا ، وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك ، لا بجعله تعالى.

وقد نادى القرآن بل الكتب السماوية كلها والسنة وأدلّة التوحيد والعقول على بطلان قولهم ، وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض ، وصنّف حزب الإسلام وعصابة الرسول وعسكره التصانيف في الردّ عليهم ، وهي أكثر من أن يحصيها إلا الله ، ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم ، ونواصيهم تحت أرجلهم ، إذ كانوا يردون باطلهم بالحق المحض وبدعتهم بالسنة ، والسنة لا يقوم لها شيء ، فكانوا معهم كالذمة مع المسلمين

١٣٧

إلى أن نبغت نابغة ، ردّوا بدعتهم ببدعة تقابلها ، وقابلوا باطلهم بباطل من جنسه ، وقالوا : العبد مجبور على أفعاله مقهور عليها ، لا تأثير له في وجودها البتة ، وهي واقعة بإرادته واختياره ، وغلا غلاتهم فقالوا : بل هي عين أفعال الله ، ولا ينسب إلى العبد إلا على المجاز ، والله سبحانه يلوم العبد ويعاقبه ويخلده في النار على ما لم يكن للعبد فيه صنع ، ولا هو فعله ، بل هو محض فعل الله ، وهذا قول الجبرية ، وهو إن لم يكن شرا من القدرية ، فليس هو بدونه في البطلان.

وإجماع الرسل واتفاق الكتب الإلهية وأدلة العقول والفطر والعيان ، يكذّب هذا القول ويرده ، والطائفتان في عمى عن الحق القويم والصراط المستقيم ، ولما رأى القاضي وغيره بطلان هذا القول وتناقضه للشرائع والعدل والجبلّة ، قالوا : قدرة العبد ، وإن لم تؤثر في وجود الفعل ، فهي مؤثرة في صفة من صفاته وتلك الصفة تسمى كسبا ، وهي متعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب ، فإن الحركة التي هي من طاعته ، والحركة التي هي من معصيته ، قد اشتركا في نفس الحركة ، وامتازت إحداهما عن الأخرى بالطاعة والمعصية ، فذات الحركة ووجودها واقع بقدرة الله وإيجاده ، وكونها طاعة ومعصية واقع بقدرة العبد وتأثيره.

وهذا وإن كان أقرب إلى الصواب ، فالقائل به لم يوفه حقه ، فإنّ كونها طاعة ومعصية هو موافقة الأمر ومخالفته ، فهذه الموافقة والمخالفة إما أن تكون فعلا للعبد ، يتعلق بقدرته واختياره ، وإن كان لم يكن للعبد اختيار ولا فعل ولا كسب البتة ، فلم يثبت هؤلاء من الكسب أمرا معقولا ، ولهذا يقال : محالات الكلام ثلاثة : كسب الأشعري ، وأحوال أبي هاشم ، وطفرة النظام.

ولما رأى طائفة فساد هذا ، قالوا : المؤثر في وجود الفعل هو قدرة الرب على سبيل الاستقلال ، قالوا : ولا يمتنع اجتماع المؤثرين على أثر واحد ،

١٣٨

ولم يستوحش هؤلاء من القول بوقوع مفعول بين فاعلين ولا مقدور بين قادرين ، قالوا : كما يمتنع وقوع معلوم بين عالمين ومراد بين مريدين ومحبوب بين محبوبين ، ومكروه بين مكروهين ، قالوا : ونحن نشاهد قادرين مستقلين ، كل منهما يمكنه أن يستقل بالفعل ، يقع بينهما مفعول واحد ، يشتركان في فعله والتأثير فيه ، قالوا : وليس معكم ما يبطل هذا إلا قولكم : إن إضافته إلى أحدهما على سبيل الاستقلال ، يمنع إضافته إلى الآخر ، وإضافته إليهما ، وفي هذه الحجة إجمال ، لا بد له من تفصيل ؛ فيجوز وقوع مفعول بين فاعلين ، لا يستقلّ أحدهما به كالمتعاونين على الأمر ، لا يقدر عليه أحدهما وحده ، ويجوز وقوع مفعول بين فاعلين ، يشتركان فيه ، كل منهما يستقل به على سبيل البدل ، وهذا ظاهر أيضا. ويجوز وقوع مفعول بين فاعلين ، يشتركان فيه ، وكلّ منهما يقدر عليه حال الانفراد ، كمحمول يحمله اثنان ، كل منهما يمكنه أن يستقل بحمله وحده ، وكل هذه الأقسام ممكنة بل واقعة.

بقي قسم واحد وهو مفعول بين فاعلين ، كل منهما فعله على سبيل الاستقلال ، فهذا محال ، فإنّ استقلال كل منهما بفعله ينفي فعل الآخر له ، فاستقلالهما ينافي استقلالهما. وأكثر الطوائف يقر بوقوع مقدور بين قادرين ، وإن اختلفوا في كيفية وقوعه.

فقالت طائفة : الفعل يضاف إلى قدرة الله سبحانه على وجه الاستقلال بالتأثير ، ويضاف إلى قدرة العبد ، لكنها غير مستقلة ، فإذا انضمت قدرة الله إلى قدرة العبد ، سارت قدرة العبد مؤثرة ، على سبيل الاستقلال ، بتوسط إعانة قدرة الله ، وجعل قدرة العبد مؤثرة ، والقائل بهذا لم يتخلص من الخطأ حيث زعم أنّ قدرة العبد مستقلة بإعانة قدرة الله له ، فعاد الأمر إلى اجتماع مؤثرين على أثر واحد ، لكن قدرة أحدهما وتأثيره مستند إلى قدرة

١٣٩

الآخر وتأثيره ، وكأنه ، والله أعلم ، أراد أنّ قدرة الرب مستقلة بالتأثير في إيجاد الفعل ، وهذا قد قاله طائفة من العلماء ، وقائل هذا لم يتخلص من الخطأ حيث جعل قدرة العبد مستقلة بالتأثير في إيجاد المقدور ، وهذا باطل ، إذ غاية قدرة العبد أن تكون سببا بل جزءا من السبب ، والسبب لا يستقل بحصول المسبّب ، ولا يوجبه ، وليس في الوجود ما يوجب حصول المقدور إلا مشيئة الله وحده ، وأصحاب هذا القول زعموا أنّ الله أعطى العبد قدرة وإرادة ، وفوض إليه بهما الفعل والترك ، وخلاه وما يريد ، فهو يفعل ويترك بقدرته وإرادته اللتين فوض إليه الفعل والترك بهما.

وقالت طائفة أخرى : مقدور العبد هو عين مقدور الرب ، بشرط أن يفعله العبد إذا تركه الربّ ، ولم يفعله ، لا على أنه يفعله ، والرب له فاعل ، لاستحالة خلق بين خالقين ، وهذا بعينه مذهب من يقول بوقوع مفعول بين فاعلين على سبيل ، وهذا مذهب كثير من القدرية ، منهم الشحّام وغيره.

وقالت طائفة : يجوز وقوع فعل بين فاعلين بنسبتين مختلفتين ، بإحداهما يكون محدثا ، وبالأخرى يكون كاسبا ، وهذا مذهب النجار (١) وضرار بن عمرو (٢) ومحمد بن عيسى بن حفص ، والفرق بين هذا المذهب ومذهب الأشعريين من وجهين :

أحدهما : أن صاحب هذا المذهب يقول : العبد فاعل حقيقة ، وإن لم

__________________

(١) النجار هو الحسين بن محمد الرازي رأس النّجّاريّة ، كان ينكر الرؤية ويقول بخلق القرآن.

(٢) ضرار بن عمرو رأس الضّرارية من المعتزلة ، كان ينكر عذاب القبر. مات في زمن الرشيد.

١٤٠