أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

لا يجوز ذلك في المشترك متّكلا على أوضاع عديدة بعدد الآحاد ، فلا يطرأ حينئذ على الآحاد وحدة لا من جهة اعتبار المتكلّم كما في مفهوم الخمسة فإنّه يعدّ معنى واحدا ، ولا من جهة الوضع كما في العام المذكور ؛ فإذا لا فرق بين قولنا : عين مشيرا إلى كلّ من الباصرة والجارية والميزان إلى آخر المعاني بإشارة إجماليّة بتوسّط مفهوم كلّ واحد من هذه المعاني ، وبين قولنا : كلّ واحد من هذه المعاني في أنّه يصير كلّ من المعاني في كلتا الصورتين موردا لإشارة إجماليّة مستقلّة ، إلّا أنّ المتكلّم في الأوّل متّكل في كلّ من إرادته الإجماليّة المتعلّقة بالآحاد على وضع مستقلّ ، وفي الثاني متّكل في جميعها على وضع واحد ، وليعلم أنّ مقام الاستعمال غير مقام الحكم ، فيمكن أن يلاحظ الآحاد في الأوّل منفردا منفردا ، وفي الثاني مجموعا ، كما يمكن العكس ، نعم الإرادة الاستعماليّة كاشفة عن مطابقة الإرادة الجدّية لها ما لم تقم قرينة على الخلاف.

ثمّ إنّه يرد على من فصّل بين المفرد ، فلم يجوّز الاستعمال في الأكثر فيه وبين التثنية والجمع ، فجوّزه فيها مستندا إلى أنّها في قوّة تكرار المفرد ، أنّ من المعلوم بالوجدان كون التثنية والجمع من باب تعدّد الدالّ والمدلول ، وأنّ المادّة فيها هو المادّة في المفرد ، فيدلّ على الماهيّة الدالّ عليها المفرد والعلامة يفيد التعدّد الفردي ، فيصير المعنى بعد ضم الثاني إلى الأوّل فردين أو أفراد من الماهيّة ، وحينئذ فإن اريد من المادّة في تثنية المشترك وجمعه أكثر من معنى واحد ولوحظ التعدّد المستفاد من العلامة بالنسبة إلى كلّ من المعاني المرادة من المادّة فهذا من باب استعمال المفرد في الأكثر ، وقد منعه القائل المذكور ، وإن استعمل المادّة في معنى والعلامة في معنى آخر فهذا استعمال للفظين في معنيين لا لفظ واحد فيهما.

«فصل»

قد اختلف في أنّ المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدإ في الحال ، أو في الأعمّ منه ومن المنقضي عنه المبدا ، بعد الاتّفاق على كونه مجازا في من يتلبّس به في

٦١

الاستقبال ، وقبل الخوض في النزاع لا بدّ من رسم امور :

الأوّل : لا إشكال في أنّ بعض المشتقّات غير داخل في حريم النزاع كالماضي والمستقبل والأمر والنهي ، وكذا المصادر لو قلنا بدخولها في المشتقّات ، وأنّ المشتقّ منه هو نفس المادّة المجرّدة عن الهيئة ، كما أنّ بعض الجوامد داخل فيه كالزوج والزوجة والرقّ والحرّ ، فالجامع لمحلّ النزاع كلّ ما كان جاريا على الذوات ومحتاجا في التحقّق والانتزاع إلى أمر خارج عن الذات ، فخرج بالقيد الأوّل الأفعال والمصادر ، وبالثاني مثل الإنسان والحجر والنار ممّا كان جاريا على الذات ولا يحتاج في الانتزاع إلى أزيد من الذاتيات ، بخلاف الضارب والزوج ونحوهما ؛ فإنّ الأوّل محتاج في التحقّق إلى عرض الضرب والثاني إلى الإضافة المخصوصة ، والشاهد على شمول محلّ النزاع لما كان بهذا الوصف من الجوامد ما حكي عن الإيضاح والمسالك في مسألة ما لو أرضعت إحدى الزوجتين الكبيرتين الزوجة الصغيرة بالرضاع الكامل ، ثمّ أرضعتها الاخرى كذلك وكان ذلك بعد الدخول بالكبيرتين من الترديد في حرمة الكبيرة الثانية بعد القطع بحرمة الصغيرة ؛ لكونها ربيبة ، والكبيرة الاولى لصيرورتها أمّ الزوجة مستندا في الترديد في الثانية إلى أنّ زوجيّة الصغيرة قد ارتفعت بإرضاع الاولى ، فصدق أمّ الزوجة على المرضعة الثانية مبنيّ على كون المشتق حقيقة فيما انقضى.

ثمّ إنّه ربّما يتوّهم أنّ سبب التحريم في الكبيرة وصف كونها أمّ الزوجة ، وفي الصغيرة وصف كونها ربيبة ، وهذا يستلزم لأن تبقى زوجيّة الكبيرة ليطرأ على الصغيرة عنوان الربيبة فينعدم زوجيّتها ، وأن تبقى زوجيّة الصغيرة ليطرأ على الكبيرة عنوان أمّ الزوجة ، فينعدم زوجيّتها فيصير بقاء كلّ من الزوجيّتين علّة لزوال الاخرى ، وحينئذ فإن تقارنا في التأثير يلزم اجتماع الوجود والعدم في كليهما في زمان واحد ، وإن تعاقبا فيه يلزم أن يصير المؤثّر المتأخّر موجودا بعد الانعدام.

فالوجه أن يقال : لا شكّ أنّ بقاء كلتا الزوجيّتين وعدم ارتفاع شيء منهما مناف لأدلّة تحريم أمّ الزوجة والربيبة ، ولا يمكن الالتزام بانعدام احدى الزوجيّتين

٦٢

في الزمان السابق المتّصل بزمان تحقّق الرضاع الكامل وبقاء الاخرى وإن كان واقعا ، لمحذور مخالفة هذه الأدلّة كما هو واضح ؛ لكونه ترجيحا بلا مرجّح ، فلا بدّ من الالتزام بانعدام كلتيهما في الزمان المذكور لدفع حصول العنوانين لا لأجله ، أو الالتزام ببقاء كلتيهما وعدم زوال شيء منهما أصلا وأنّ الأدلة المذكورة مخصّصة بهذا المورد.

الثاني : قد اشتهر بين النحاة دلالة الافعال على الزمان وجعلوها المائز بينها وبين الأسماء ، والحقّ أنّ صيغة الأمر والنهي لا دلالة لهما على الزمان أصلا ، ويصحّ إطلاقهما على الحال والاستقبال من دون فرق وإن كان بتصرف الحال العرفي من الإطلاق في أوامر غير الشارع ، ألا ترى أنّ قولك : اضرب غدا أو بعد خمسين سنة صحيح بدون تجوّز ، كما في قولك : زيد ضارب غدا أو بعد خمسين سنة ، فكما لا دلالة للثاني على الزمان فكذا الأوّل.

نعم إيقاع الطلب لا بدّ أن يقع في الزمان كغيره من الإنشاءات وكالإخبار لكنّه تقييد عقليّ لا من باب أخذ الزمان في مفهومهما ، هذا هو الحال في الأوامر والنواهي الفارسيّة ويستكشف منها الحال في الأوامر والنواهي العربيّة ، وذلك لأنّا نقطع بأنّ لفظ «بزن» مثلا في الفارسيّة حاله حال لفظ «اضرب» في العربيّة بلا فرق كقطعنا بكون لفظ «آ» في هذه اللغة مرادفا للفظ «الماء» في تلك فيكفي الرجوع إلى أذهاننا في تشخيص معانيها، ولا حاجة إلى الرجوع إلى العرب.

وأمّا الفعل الماضي فالحقّ أنّه يستقاد منه الكون من قبل ، وأمّا أنّ لهذه القبليّة مبدأ أولا؟ فغير مفهوم من اللفظ ، نعم لازم حدوث الفاعل هو الأوّل ولازم قدمه الثاني ، وهذه القبليّة غير الزمان الاصطلاحي الحاصل من حركة الفلك ، كيف وهو يتّصف بها ، ويشهد لما ذكرنا أنّا لا نجد فرقا بين قولنا : علم الله ومضى الزمان وبين قولنا : علم زيد ومضى عمرو ، مع أنّه لو كان المأخوذ هو الزمان الاصطلاحي لكان الإطلاقان الأوّلان مجازا ، ومثل هذا يجري في المضارع أيضا فإنّه يدّل على الصدور من بعد وهو غير الزمان ، ولهذا يصحّ قولك : يأتي الزمان ويخلق الله. وحينئذ فإن

٦٣

كان المراد بالزمان الماضي والاستقبال الواقع في كلمات القوم في هذا المقام هو ما ذكرنا وكان التعبير به من باب ضيق العبارة فحسن ، وإن كان المراد هو الزمان الاصطلاحي ففيه ما عرفت.

وأمّا الفعل المستقبل فقد صرّح النحاة باشتراكه بين الحال والاستقبال ، أمّا استعماله في الاستقبال فواضح ، وأمّا في الحال ففيه إشكال ؛ لعدم صحّة قولنا : «يقوم» بالنسبة إلى حال التلبّس مع صحّة قولنا : «قائم» وعدم صحّة قولنا : أرى في الأمس بالنسبة إلى هذا الحال ، مع أنّ المراد بالحال في هذا المقام وفي باب المشتق واحد ، ويأتى أنّه هناك زمان الإجراء والنسبة ، ولكن يصحّ أن يقال في الأربعاء : جاءني زيد فى يوم الاثنين وكان يضرب عمروا في يوم الثلثاء.

وأمّا صحّة قولنا : يصلّي وقولنا : أرى القمر بالنسبة إلى حال التلبّس فهي لأجل أنّ الاتّصاف بالصلاة إنّما هو بالإتمام ، فزمان الاتّصاف بالنسبة إلى حال الاشتغال الذي هو زمان النسبة مستقبل.

ألا ترى أنّه لا يصح قولنا : يشتغل بالصلاة بالنسبة إلى هذا الحال مع صحّة «مشتغل» ، وأمّا المثال الثاني فيصحّ في مكانه رأيت القمر أيضا ، ألا ترى أنّه يقال لرائي القمر في حال الرؤية هل رأيت القمر؟ فيقول نعم ويقال : هل ترى القمر؟ فيقول أيضا : نعم ، فإن صحّحت الماضويّة في الأوّل بالآن العقلي فصحّح الاستقباليّة أيضا في الثاني به ، وإن اردت بالحال الزمان القريب بالحاضر من الاستقبال فمثله يجري في الماضي أيضا ، فهلّا تقول بأنّ فعل الماضي أيضا مشترك بين المضيّ والحال؟

الثالث : لا إشكال أنّ الماضويّة والحاليّة والاستقباليّة إنّما يعتبر في هذا الباب بالنسبة إلى زمان الإجراء والنسبة ، فزمان الاتّصاف لو كان حالا بالنسبة إلى زمان النسبة فهذا مورد الاتّفاق على كون المشتق حقيقة ، ولو كان مستقبلا بالنسبة إليه فهذا محلّ الإطباق على كونه مجازا ، ولو كان ماضيا بالإضافة إليه فهذا محلّ الكلام في كونه حقيقة أو مجازا ، سواء كان في جميع هذه الصور زمان الاتّصاف بالنسبة إلى زمان النطق ماضيا أم حالا أم مستقبلا، وعلى هذا فقولنا : زيد ضارب غدا ليس

٦٤

من باب الإطلاق على المستقبل مطلقا ، كما يظهر من النحاة ، بل لو اعتبر الغد ظرفا للضرب وكان زمان النسبة هو زمان النطق فكان المعنى زيد ضارب الآن بملاحظة اتّصافه بالضرب غدا ، وأمّا لو اعتبر ظرفا للنسبة فهو من باب الإطلاق على الحال.

الرابع : اختلاف المشتقّات في المبادي لا يوجب اختلافها في الدخول تحت هذا النزاع الواقع في وضع هيئتها ؛ فإنّ بعض المبادي يعتبر فيه الفعليّة كما في مبدإ الضارب ، وبعضها وهو ما كان من قبيل الحرفة أو الصناعة يعتبر فيه عدم إعراض الفاعل عنه كما في مبدإ البقّال والنجّار ، وبعضها وهو ما كان من قبيل الملكة يعتبر فيه عدم زوال الملكة كما فى مبدإ الفقيه ، وهذا إمّا من باب المجاز في الكلمة بأن استعمل هذه المبادي أوّلا في الحرفة والصناعة والملكة ثمّ اشتقّ منها هذه الصفات ، وإمّا من باب المجاز العقلي الادّعائي بأن نزّل الفارغ عن حرفته أو صناعته الغير المعرض عنه منزلة المشتغل به تغليبا لجانب الاشتغال الغالب على جانب الفراغ النادر ، ونزّل القوّة القريبة من الفعليّة وهي الملكة في حال الغفلة أو النوم منزلة الفعليّة.

وكيف كان فعدّ المشتقّ في الصور الثلاث الأخيرة مجمعا على وضعه بإزاء الأعمّ ممّا لا وجه له ، فيلاحظ الماضويّة والحاليّة والاستقباليّة في زمان النسبة بالإضافة إلى زمان الاتّصاف بالملكة أو الحرفة أو الصناعة.

الخامس : لا أصل في نفس هذه المسألة حتّى يعول عليه عند فقدان الدليل على كلا القولين كما هو الحال في أكثر المسائل الاصوليّة ، فلا بدّ من الرجوع في كلّ فرع إلى أصل هذا الفرع وهو يختلف باختلاف الفروع ، فإذا ورد أكرم العلماء وشكّ في وجوب إكرام زيد العالم في السابق الجاهل حين ورود الخطاب فالأصل هو البراءة ؛ لأنّ الشكّ في أصل التكليف مع عدم الحالة السابقة ، ولو كان عالما حين الخطاب ثمّ جهل فشكّ في بقاء وجوب إكرامه فالأصل هو الاستصحاب وهكذا.

إذا عرفت ذلك فنقول : الحقّ أنّ المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدإ في زمان النسبة ومجاز في غيره ، وإثبات ذلك لا يتوقّف على التبادر بل يمكن بمقدّمتين

٦٥

مسلّمتين متّفق عليهما ، الاولى : أنّ الزمان خارج عن مفهوم الأسماء من غير فرق بين المشتقّات والجوامد ، الثانية : أنّ مفهوم المشتق إمّا عبارة عن ذات ثبت له المبدا ، فمفهوم الضارب مثلا مركّب من الذات والضرب والاتّصاف بالضرب كما هو رأى المتقدّمين ، وإمّا عبارة عن أمر بسيط منتزع عن مجموع هذه الثلاثة ، كما هو رأى السيّد الشريف ومن تأخّر عنه ويأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى ، فمطلق دخل الوصف كالذات في تحقّق مفهوم المشتق أعمّ من أن يكون بنحو جزئيّته له أو بنحو كونه منشأ لانتزاعه مسلّم متّفق عليه.

فنقول : لازم هاتين المقدّمتين أن لا يصح إطلاق المشتقّ على نحو الحقيقة لو لم يكن وصف متحقّقا في الزمان الذي يكون الإطلاق باعتباره ، كما لا يصحّ لو لم يكن ذات متحقّقه فيه ، وتحقّق الوصف في الزمان السابق على الزمان المذكور غير مجد ؛ لأنّ الزمان الماضي غير داخل في مفهوم المشتق بالفرض ، والحال أيضا وإن كان كذلك إلّا أنّه زمان يكون الإطلاق والإجراء بملاحظته ، ألا ترى أنّ إطلاق لفظ الماء بملاحظة زمان الدخانيّة ليس بحقيقة مع تحقّق المائية في السابق ، وكذا لو فقد بعض ذاتيّات الإنسان كأن زال القوّة العاقلة وصار مسخا ، فإطلاقه بملاحظة زمان زوال القوّة العاقلة مجاز مع تحقّقها في السابق.

نعم لو كان للزمان دخل في مفهوم المشتق كان إطلاق الضارب الحالي في صورة الانقضاء مجازا وإطلاق الضارب الأمسي مثلا حقيقة لكون الضرب الأمسي موجودا في وعاء الدهر.

وقد استدل للأعمّي في هذا الباب بأنّه قد استدلّ الإمام عليه‌السلام تأسّيا بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كما عن غير واحد من الأخبار على عدم لياقة من عبد صنما أو وثنا لمنصب الخلافة بقوله تعالى: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) تعريضا بمن تصدّى لها ممّن عبد الصنم مدّة مديدة ، وهذا التعريض بضميمة مقدّمتين مسلّمتين يثبت المدّعى.

الاولى : أنّ الغرض من هذا الاستدلال إبطال خلافة الثلاثة لعنهم الله إلزاما

٦٦

للمخالفين وإتماما للحجة عليهم ، فلا محالة يكون على وجه استدلال العالم للعالم لا إبطالها بطريق الطعن والشتم حتى لا يفيد إلّا للمستبصر ويكون على وجه التعبّد.

الثانية : ظاهر تعليق فعل موضوع لحكم على عنوان اتّحاد زمان هذا الفعل مع زمان صدق هذا العنوان ، فإذا قيل : أكرم العالم فمعناه : أكرم من يكون عالما يعني مصداقا لهذا العنوان في حال الإكرام ، فلا يشمل إكرام من لم يكن مصداقا له في هذا الحال وإن كان كذلك في زمان آخر ، وهذه المقدّمة أيضا مسلّمة بين الطرفين وإنّما الاختلاف في أنّه هل يكون من تلبّس بالمبدإ في الماضي وانقضى عنه في الحال مصداقا لعنوان المشتق أولا ، فالنزاع بالنسبة إلى هذه المقدّمة صغروي.

فنقول : لو كان المشتق حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدإ في الحال لما استدلّ الإمام بهذه الآية على بطلان خلافة الثلاثة ، لإمكان أن يقال في الجواب : إنّ ظاهر تعليق عدم النيل على عنوان الظالم اختصاصه بمن كان مصداقا حقيقيّا لهذا العنوان في حال النيل ، فلا يشمل من كان كذلك في الزمان السابق دون حال النيل ، فحيث استدلّ بها وعدّها دليلا تامّا على هذا المطلب علم أنّ المصداق الحقيقي للمشتق لا ينحصر في المتلبّس بالمبدإ فعلا ، بل كلّ من اتّصف به في زمان فهو يصير مصداقا حقيقيّا للمشتق بعد هذا الزمان أبدا.

واجيب بأنّ إطلاق المشتق على من انقضى عنه المبدا باعتبار حال التلبّس حقيقة ، فإطلاق الظالمين في الآية إنّما هو بهذا الاعتبار ، فيكون المعنى والله العالم : لا ينال عهدي من ظلم في زمان بعد هذا الزمان أبدا. وفساده ظهر ممّا ذكر في المقدّمة الثانية.

ويمكن أن يقال : إنّه إذا كان مبدأ العنوان المذكور في الخطاب آنيّا فلا بدّ من الالتزام بكون زمان الفعل المعلّق عليه بعد انقضائه ، وحينئذ فلا يصير الخطاب شاهدا لواحد من الأعمّي والأخصّي ؛ لأنّ المراد منه معلوم ، فيعلم أنّ قطع يد السارق مثلا واجب وأنّ زمان القطع بعد زمان السرقة لا محالة ، فيبقى النزاع في أنّ إطلاق اسم السارق على هذا الذي يجب قطع يده حقيقة أو مجاز ، فإن قلنا بالأوّل

٦٧

استرحنا ، وإن قلنا بالثاني فلا بدّ من الالتزام بكون إطلاق الشارع في الآية بملاحظة زمان الاتّصاف ورفع اليد عن ظهور تعليق الفعل على العنوان في اتّحاد زمانيهما من باب الإلجاء.

فنقول : ليس جميع اقسام الظلم باقيا مستمرّا ، بل بعضها كذلك كالكفر وبعضها آنيّ الحصول كضرب اليتيم ، ولا شكّ أنّ عدم النيل بالنسبة إلى الفرد الآني من الظلم لا بدّ أن يعتبر زمانه متأخّرا عن زمان وقوع الظلم ، ولفظ الظالمين في الآية عام لجميع الأفراد ، وشموله للفرد المتّصف بالظلم الآني يوجب الغاء الظهور المذكور للتعليق حتّى بالنسبة إلى الفرد الباقي ظلمه ؛ ضرورة أنّ الحكم قد شمل الأفراد بنهج واحد لاتّحاد القضيّة ، فيكون معنى الآية والله العالم : كلّ من ارتكب الظلم ولو آنا في الزمان السابق لا يناله عهدي أبدا ، فإذا اتّضح أنّ المراد بالآية هذا فلا يكون استدلال الإمام بها شاهدا لا للأعمّي ولا للأخصّي ؛ لتماميّته بعد وضوح المراد على كلا القولين.

وقد أجاب في الكفاية بما حاصله أنّ الأوصاف العنوانيّة المأخوذة في موضوعات الاحكام قد لا يكون لها مدخليّة في ثبوت الحكم لا حدوثا ولا بقاء ، بل إنّما هي معرّفات للخارج واتي بها لأجل الإشارة إليه كما هو الحال في كلمة هؤلاء كما في قولنا : أكرم الحاضرين ؛ فإنّ من المعلوم أنّ الحضور لا مدخليّة له في وجوب الإكرام ، وقد يكون لها مدخليّة فيه ، وحينئذ فإمّا أن يكون مجرّد حدوث الوصف كافيا في حدوث الحكم وبقائه ولا يكون بقاء الحكم منوطا ببقائه ، وإمّا أن لا يكون كذلك بل يكون الحكم دائرا مدار الوصف حدوثا وبقاء ، ويحتمل الوجهان في قولنا : الماء المتغيّر نجس.

فالتعليق في الآية لو كان على الوجه الأخير فتماميّة استدلال الإمام يتوقّف على كون المشتق حقيقة في الأعمّ كما هو واضح ، وأمّا لو كان على الوجه الثاني فيتمّ الاستدلال على كلا القولين كما لا يخفى ، ويمكن أن يجعل جلالة قدر منصب الإمامة والخلافة وعظمة خطره بحيث يناسب أن لا يكون المتضمّن به متلبّسا بالظلم أصلا

٦٨

قرينة على كونه على هذا الوجه.

ولكن لا يخفى أنّ الظاهر من التعليق فيما إذا كان الحكم والوصف متناسبين هو العليّة على الوجه الأخير ، وجلالة قدر الخلافة وعظمته لا يصلح لأن يجعل قرينة على الوجه الثاني ؛ لأنّ الاستدلال المبتني على هذا الجعل غير ملزم للخصم ؛ لعدم اعترافه بهذه الجلالة والعظمة للخلافة ، ومن المعلوم أنّ استدلال الإمام بظاهر الآية للخصم إنّما هو على وجه استدلال العالم للعالم ، فلا بدّ أن لا يكون شيء من مقدّماته مأخوذا منه على وجه التعبّد كما عرفت في المقدّمة الاولى ، فالغرض إنّما هو إلزام الخصم بظاهر الآية من دون أن يكون في البين تعبّد ، فلا يتمّ الاستدلال إلّا على القول بكون المشتق حقيقة في الأعمّ ، فالحقّ في الجواب هو ما ذكرنا.

تنبيهات

الأوّل : مفهوم المشتق كما ذهب إليه السيّد الشريف ومن تأخّر عنه مفهوم واحد بسيط ، ويدّل عليه التبادر القطعي ، فإنّا إذا رجعنا إلى أنفسنا وجدنا أنّ المفهوم من لفظ الضارب والقائم والجالس وما يرادفها من سائر اللغات معنى واحد مندمج فيه الذات والوصف والاتّصاف ومنتزع عنها ، لا هذه الثلاثة على نحو التفصيل ، كما أنّ المفهوم من لفظ الإنسان مفهوم وحدانيّ بسيط مندمج فيه الحيوان والناطق ، لا هما على وجه التفصيل ، وما اشتهر من أنّ مفهوم المشتقّ ذات ثبت له المبدا فإنّما الغرض منه التفهيم والتعلّم.

وبالجملة فإنّا نقطع بأنّ حال المشتقّات حال لفظ الإنسان ، ونقطع أيضا بأنّ مفهوم الإنسان مغاير لمفهوم الحيوان الناطق بالإجمال والتفصيل ، وإلّا لم يصحّ الحمل ، فيكون معاني المشتقّات مغايرة لمفهوم ذات ثبت له المبدا بالإجمال والتفصيل أيضا.

وحكي عن السيّد المذكور تعليل ذلك بما حاصله أنّه لو كان المأخوذ في معنى المشتق مفهوم الذات والشيء لزم أخذ العرض العام في مفهوم الفصل كالناطق و

٦٩

نحوه ، فإنّ عنوان الذات والشيء إنّما ينتزع من الشيء بعد تماميّة وجوده بتماميّة مقدّمات الوجود من الجنس والفصل والخصوصيّة ، فهو متأخّر رتبة عن الذاتيّات فكيف يكون منها وفي عرضها ، ومن الواضح عدم اختصاصه بأفراد حقيقة واحدة ، فيكون عرضا عامّا ، غاية الأمر أنّه من العوارض اللازمة للمعروض ، ولو كان المأخوذ هو مصداق هذا المفهوم لزم انقلاب مادّة الإمكان ضرورة ، ضرورة أنّ مصداق الذات في قولنا : زيد قائم هو زيد ، وفي قولنا : الإنسان كاتب هو الإنسان ، وثبوت الشيء لنفسه ضروري.

وذكر في الفصول ما حاصله : أنّه يمكن أن نختار الشقّ الأوّل وندفع الإشكال بأنّ الناطق مثلا وإن كان معناه بحسب العرف واللغة مشتملا على مفهوم الذات ، لكنّ المنطقيين حيث جعلوه فصلا للإنسان جرّدوه عنه واستعلموه في جزء معناه مجازا ، ويمكن أن نختار الشق الثاني وندفع الإشكال بأنّ ذات المقيّد مع قطع النظر عن القيد وإن كان ضروريّا، لكن القيد ممكن ، والمقيّد بما هو مقيّد يصير ممكنا بإمكان قيده ، ولهذا يكون النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمات.

وأورد في الكفاية على دفعه على التقدير الأوّل بأنّ الظاهر أنّ المنطقيّين جعلوا لفظ الناطق مثلا فصلا بمعناه الثابت عند العرف واللغة من دون تصرّف فيه ، ثمّ اختار في دفع الإشكال ما حاصله أنّ الناطق مثلا ليس فصلا حقيقيّا ؛ فإنّ الفصول الحقيقيّة للأشياء لا يعلمها إلّا الله ؛ إذ النطق بمعنى إدراك الكليّات مثلا لو كان المراد منه ما يحصل للعوام أيضا فهو حاصل لبعض الحيوانات قطعا ، وإن كان المراد منه ما لا يحصل إلّا لبعض الخواص لزم خروج غيرهم عن تحت الإنسانيّة ، فمقصود المنطقيّين ليس التعبير بهذه الألفاظ عن الفصول الحقيقيّة التي لا سبيل إلى معرفتها ، بل عمّا يمتاز به الشيء عمّا عداه من أظهر خواصّه ولوازمه ، ومن هنا ظهر أنّ التعريف بالحدّ التام غير ممكن لنا ، وإنّما الممكن هو الثلاثة الباقية. والحاصل أنّه يلزم من أخذ مفهوم الذات في معنى المشتق دخل العرض العام في الخاصّة لا دخله في الفصل.

٧٠

ثمّ إنّ في الفصول ـ بعد دفع الإشكال على التقدير الثاني بما ذكر ـ ما لفظه : وفيه نظر ؛ لأنّ الذات المأخوذة مقيّدة بالوصف قوّة أو فعلا إن كانت مقيّدة به واقعا صدق الإيجاب بالضرورة وإلّا صدق السلب بالضرورة ، مثلا لا يصدق زيد كاتب بالضرورة ، لكن يصدق زيد الكاتب بالفعل أو بالقوّة بالضرورة ، انتهى.

لم أفهم معنى هذه العبارة وليس معناه أنّ الزيد مثلا إن كان متلبّسا بالكتابة واقعا فهو كاتب بالضرورة ، وإلّا فليس بكاتب بالضرورة ؛ إذ هذا المعنى لا يخفى فساده على أدنى الطلبة فكيف على الفاضل المذكور ؛ لأنّ من الواضح أنّ اعتبار الجهة في القضيّة إنّما هو مع قطع النظر عن الثبوت وعدم الثبوت الواقعيين وإلّا لزم انحصار الجهة في الضرورة ؛ إذ كلّ محمول لا محالة إمّا ثابت لموضوعه واقعا وإمّا لا.

وغاية ما يمكن أن يوجّه به كلام السيّد الشريف في الشقّ الثاني هو أن يقال : إنّه لا شكّ أنّ إجراء الوصف على الذات مشتمل على الحمل الضمني ومفيد لفائدة القضيّة الخبريّة من الحكاية عن الواقع ؛ ضرورة أنّ قولنا : زيد الذي أبوه عالم شاعر هرم جاءني يدلّ بالالتزام على مفاد أنّ لزيد أبا وأنّ أباه عالم وشاعر وهرم ، مع أنّ المتكلّم قد فرض الذات المحفوفة بهذه الاوصاف مفروغا عنها ، بل زيد في قولنا : زيد قائم ، أيضا دالّ على مفاد زيد موجود وإن كان المتكلّم قد لاحظ الزيد المحفوف بالوجود شيئا واحدا مفروغا عنه ، بل الحال في زيد معدوم أيضا كذلك إلّا أنّه دالّ على وجود زيد في نفس الأمر.

وبالجملة ، فحيث إنّ وجود الموضوع في أحد العوالم الثلاثة يكون مفروغا عنه لا محالة ، فيدلّ لفظه على كونه موجودا في هذا العالم بالالتزام ، وهذا هو المراد بقولهم : إنّ الأوصاف قبل العلم بها أخبار ، كما أنّ الأخبار بعد العلم بها أوصاف.

فالمعنى أنّ الأوصاف والقيود المذكورة قبل مجيء الحكم والتصديق بالنسبة الخبريّة بمنزلة الأخبار ومفيدة لفائدتها ، سواء كانت في طرف الموضوع أو المحمول كما في قولنا : زيد هو العالم الذي ابوه عالم هرم ، وإن كان العلم المتعلّق بها بسيطا وهو غير العلم المعتبر في تحقّق القضيّة أعني : الحكم باتحاد الذات والوصف بعد فرض

٧١

كلّ منهما منفردا عن الآخر ، ومعنى الفقرة الثانية أنّ الأخبار بعد تحقّق التصديق بالنسبة والجزم بالاتّحاد يصير أوصافا لصيرورتها حينئذ مع الذوات شيئا واحدا مفروغا عنه ، وليس المراد كما توهّم من أنّ الأوصاف يكون بمنزلة الأخبار في الإفادة فيما إذا جهل السامع بثبوتها للموصوف ، كما أنّ الأخبار تكون بمنزلة الأوصاف في عدم الإفادة فيما إذا كان السامع عالما بها من السابق ، وذلك لوضوح عدم دخل العلم والجهل في حقيقة الخبر والوصف.

وكيف كان فقولنا : زيد قائم لو كان معناه زيد زيد ثبت له القيام لكان منحلّا إلى قضيتين إحداهما ضمنيّة وهي : زيد زيد ، والاخرى أصليّة وهي : زيد ثبت له القيام ، ومن المعلوم أنّ الاولى ضروريّة ، فيلزم أن تكون هذه القضيّة مشتملة على الضروريّة ، والوجدان كما أنّه قاطع بعدم كونها ضروريّة كذلك قاطع أيضا بعدم اشتمالها على ضروريّة أصلا.

لكن يمكن أن يقال في دفع هذا أنّه وإن كان مرجع كلّ قيد سواء كان في طرف الموضوع أم المحمول إلى حمل ضمنيّ ، إلّا أنّ مناط الوحدة والتعدّد إنّما هو وحدة النسبة الأخيرة التي هي أصليّة وتعدّدها. فإن كانت هذه النسبة واحدة تكون القضيّة واحدة ، فيصير موجّهة بمادّة هذه النسبة ، وإن كانت مادّة غيرها من النسب الضمنيّة مخالفة لمادّتها فلا يلزم من أخذ مصداق الذات في مفهوم المشتق كون القضيّة الممكنة في مثل قولنا : زيد قائم ، مركبّة من الضروريّة والممكنة.

ثمّ إنّ في الكفاية توجيها لإشكال السيد على التقدير الثاني وحاصله : أنّه إن كان المحمول ذات المقيّد وكان القيد خارجا وإن كان التقيّد الذي هو معنى حرفي داخلا لزم كون الممكنة ضروريّة ؛ فإنّ معنى زيد قائم على هذا : زيد الزيد الخاص ، وهذا ضروري ، وإن كان المقيّد بما هو مقيّد بأن كان القيد داخلا لزم انحلال الممكنة إلى ضروريّة وممكنة فذكر البيان المتقدّم هنا.

وأنت خبير بأنّ التقييد ليس على قسمين وأنّ مرجع ما ذكره في الوجه الثاني إلى التركيب ، فكلامه قدس‌سره هذا مخدوش ـ مضافا إلى استبعاد أن يكون

٧٢

مرادهم دخل الذات والوصف والاتّصاف في معنى المشتق على وجه التركيب وكون كلّ في عرض الآخر ـ بأنّه لا معنى لما ذكره في الوجه الأوّل ؛ فإنّ التقيّد إذا كان داخلا فحمل المقيّد على المطلق ليس بضروريّ كما هو واضح. الثاني : نقل في الفصول ذهاب جماعة من أهل المعقول إلى أنّ الفرق بين المشتق ومبدئه هو الفرق بين الشيء لا بشرط وبينه بشرط لا، وظاهر هذا أنّ أصل المعنى واحد في كليهما ، لكنّه قد اعتبر بشرط لا في أحدهما فامتنع حمله على الذات ، وفي الآخر لا بشرط فصحّ حمله عليها ، فجعلوا الفرق بين العرض والعرضي كالفرق بين الجنس والمادّة وبين الفصل والصورة ؛ فإنّ أصل المعنى في الأوّلين هو الجزء المشترك ، وفي الأخيرين هو الجزء المختصّ الذي به يمتاز الشيء عمّا عداه ، فإذا اعتبرا لا بشرط سمّي الأوّل بالجنس والثاني بالفصل ، وصحّ حمل كلّ منهما على الآخر وعلى الكلّ ، وحمل الكلّ على كلّ منهما ، وإذا اعتبرا بشرط لا سمّي الأوّل بالمادّة والثاني بالصورة وامتنع حمل كلّ على الآخر وعلى الكلّ ، وحمل الكلّ على كلّ منها ، ولهذا يمتنع «زيد بدن» أو نفس ، ولكن يصحّ «زيد حيوان» أو ناطق ، وكذا الكلام في الجزء المركب الخارجي ؛ فإنّه باعتباره اللابشرطي أي بلحاظه في ضمن الكلّ على ما هو عليه في الخارج عين الكلّ ، وباعتباره البشرطلائي أي بلحاظه مستقلا غيره ومقدّمته.

لكن أورد في الفصول على هذا الكلام بما حاصله أنّه لو لم يكن بين المشتقّ ومبدئه فرق في سوى الاعتبار المذكور وكان أصل المعنى في كليهما هو المعنى الحدثي كما هو صريح كلامهم ، فلا شكّ أنّ المعنى الحدثي عرض قائم بالذات فهو غير الذات وإن لحقه ألف اعتبار لا بشرطي ؛ إذ معنى اللابشرطيّة عدم المنافاة للغير لا الاتّحاد معه ، وقضيّة الغيريّة أن لا يصحّ الحكم باتحادهما إلّا بوجه من العناية ، فلازم كلامهم على هذا أن يكون حمل الضارب على الذات محتاجا إلى العناية ، والوجدان يقطع بخلافه.

فيستكشف من ذلك أنّ المغايرة بين المشتقّ ومبدئه في أصل المفهوم وأنّ مفهوم المشتقّ مفهوم يصحّ حمله على الذات بلا عناية ، كما أنّ مفهوم المصدر مفهوم لا يصحّ حمله وإن لحقه ألف اعتبار لا بشرطي إلّا بعناية ، وأمّا أنّ هذا المفهوم في طرف

٧٣

المشتقّ ما ذا؟ فاختار أنّه مفهوم ذو المضاف إلى المبدا ، فجعل الفرق بين المشتقّ ومبدئه هو الفرق بين الشيء وذو الشيء.

ولا بدّ أوّلا من كشف القناع عن مرام أهل المعقول ثمّ النظر فيه ، فاعلم أنّ حال العرض في الخارج أنّه ليس له وجود منحاز عن وجود المحلّ محدود بحدّ مستقلّ حتى يكون هو والمحلّ وجودين محدودين بحدّين كان الأوّل منهما محمولا على الثاني نظير الأعرج المحمول على الصحيح ، بل هو كيف وجود المحلّ وطوره وحدّه ، وما يتخصّص هو به وإن كان له أيضا وجود ، لكنّه مندكّ في وجود المحلّ بحيث ليس في البين حقيقة إلّا وجود واحد محدود بحدّ خاص ، لكن لنا إفراده عن المحلّ في اللحاظ.

وحينئذ يمكن لحاظه بوجهين :

الأوّل : أن يلحظ معرّفا لنحو وجوده الخارجي وحاكيا عن الخارج على ما هو عليه من الاندكاك في المحلّ والعينيّة معه ، فحدث الضرب في هذا اللحاظ يكون مفادا للفظ الضارب ويصحّ حمله على الذات لا محالة ، ومعنى لا بشرطيّته كونه باقيا على ما هو عليه في الواقع من دون تصرّف فيه أصلا.

الثاني : أن يلحظه كأنّه في الخارج شيء في قبال المحلّ ومحدود بحدّ مستقلّ ، وحدث الضرب بهذا اللحاظ يكون مفاد لفظ الضرب ، فحاله في هذا اللحاظ بالنسبة إلى المحلّ حال الغلام بالنسبة إلى زيد يقبل الإضافة ولا يقبل الحمل ، ومعنى كونه بشرط لا لحاظه وحده بدون انضمام شيء إليه.

وأمّا ما ذكروه في الفرق بين الجنس والفصل والمادّة والصورة فبيانه : أنّ الجزء المشترك الذاتي للشيء يمكن لحاظه على نحوين :

الأوّل : أن يلحظ معرّفا لنحو وجوده في الخارج وإشارة إليه من الاتّحاد مع الشيء في الوجود ، فالحيوان بهذا اللحاظ يسمّى بالجنس ويصحّ حمله على الشيء وعلى الجزء الآخر ، وحملها عليه لمكان الاتّحاد ، ومعنى لا بشرطيّته كونه باقيا على ما هو عليه في الواقع من دون تصرّف فيه أصلا كما عرفت في سابقه.

الثاني : أن يلحظ كأنّه في الخارج شيء منحاز عن الكلّ محدود بحدّ مستقلّ ، و

٧٤

الحيوان بهذا اللحاظ يسمّى بالمادّة ويمتنع حمله على الكلّ وعلى الجزء الآخر وحملها عليه لمكان المغايرة ، ومعنى كونه بشرط لا هو ما تقدّم ، وكذا الكلام في الجزء المختصّ بالنسبة إلى الفصل والصورة.

أمّا الكلام في أجزاء المركّب فهو أنّه لا شكّ أنّ هذه الأجزاء في الخارج أشياء غير مجتمعة في الوجود كلّما يوجد لا حقها ينعدم سابقها ، فلا يحصل لها تركيب خارجيّ ، ولكن يمكن اجتماعها في ذهن ذاهن كالآمر ؛ فإنّه إذا تعلّق الغرض الواحد منه بأفعال متعدّدة يلاحظ المجموع منها من حيث المجموع شيئا واحدا ويأمر به ، فواقع الجزئيّة والكليّة يتحقّق في هذا اللحاظ ، يعني يتّصف هذا المركّب الذهني الحاكي عن الخارج بالكليّة وكونه مأمورا به وكلّ واحد ممّا هو متألّف منه من الصور الذهنيّة لتلك الأفعال بالجزئيّة ، ولكن لا يمكن للاحظ في نفس هذا اللحاظ أن يحكم على الأجزاء بالجزئيّة ، لاحتياج ذلك إلى لحاظها مستقلا ، وهي غير ملحوظ كذلك في هذا اللحاظ ، بل حالها حال المعنى الحرفي.

فلا بدّ من لحاظ ثانوي متعلّق بالجزء إمّا من هذا اللاحظ أو من لاحظ آخر وهو يتصوّر على نحوين :

الأوّل : أن يلحظ الجزء مستقلا ويشار به إلى جزء ذاك المركّب في ذاك اللحاظ كالحمد إذا لوحظ واشير به إلى جزء المركّب الصلاتي الموجود في ذهن ذاهن ، وبهذا اللحاظ يصحّ الحكم بجزئيّته لذاك المركّب واتّحاده معه وحمله عليه ، ولا يخفى أنّ نفس هذا الملحوظ الذي هو آلة للحاظ الجزء مباين لذاك المركّب ، ويسمّى هذا اللحاظ لا بشرطيّا بالمعنى المتقدّم.

الثاني : أن يلحظ الجزء بحدّه كالحمد إذا لوحظ نفسه من حيث هو هو ، وفي هذا اللحاظ يصير الجزء مباينا للكلّ ويصحّ الحكم باحتياج الكلّ إليه ومقدميّته للكلّ ويسمّى باللحاظ البشرطلائى.

هذا كلّه في المركّب الاعتباري ، وكذا الكلام في المركّب الحقيقي كماء الحوض ؛ فإنّه قد أحاط به بتمام قطراته وجود واحد ؛ إذ لو كان كلّ قطرة موجودة بوجود مستقلّ

٧٥

لزم وجود الجزء الغير المتجزّى وهو باطل ، بيان الملازمة أنّه لا بدّ حينئذ من تقسيم كلّ قطرة أيضا إلى أن ينتهي إلى ما لا يقبل القسمة ، فيكون الماء المذكور وجودات متكثّره منضمّ بعضها إلى بعض نظير ألف ألف حبّة من الخردل المجتمع في محلّ واحد.

أمّا بطلان الجزء الغير المتجزّى فلأنّه يلزم منه أن لا يكون للجسم واقعيّة أصلا ؛ إذ كلّ ما نراه جسما فهو على هذا التقدير وجودات مجتمعة لا يقبل شيء منها للأبعاد الثلاثة.

ونزاع المشائيّين والإشراقيّين في أنّ تفرقة ماء كوز إلى كوزين هل هو إعدام شخص وإيجاد شخصين آخرين ، أو هو مجرّد تغيير الصورة مبنيّ على بطلان الجزء الغير المتجزى وعدمه ، فعلى الأوّل كان الماءان قبل التفرقة موجودين بوجود واحد وبعدها بوجودين ، وعلى الثاني كانا قبلها عشرة آلاف وجودات مثلا منضمّة وبعدها تمايزت خمسة آلاف منها عن الخمسة الآلاف الأخر.

وبالجملة بعد بطلان الجزء الغير المتجزّى بالبرهان المذكور لا بدّ من الالتزام بأنّ وجودا واحدا محيط بماء الحوض مثلا ، وحينئذ يمكن لحاظ كلّ قطرة منه على نحوين :

الأوّل : أن يلحظ معرّفة لنحو وجودها في الخارج من الاندكاك في الكلّ والاتّحاد معه فيصحّ الحكم عليها بالجزئيّة للكلّ والعينيّة معه.

الثاني : أن يلحظ بحدّها وبما هي عليه من القلّة فتصير مغايرة للكلّ ولا يحكم عليها بالجزئيّة بل بالمقدميّة ، فعلى الأوّل يكون لا بشرط ، وعلى الثاني بشرط لا.

دفع وهم.

أمّا الوهم : فهو أنّه على ما ذكرت من كون مفاد المشتقّ هو المعنى الحدثي المندكّ في الذات المتّحد معها المتخصّصة هي به يلزم أن يكون معناه حرفيّا ، ومن المقطوع خلافه ؛ لصحّة الحكم عليه وبه.

وأمّا الدفع فهو : أنّه فرق بين كلمة من ولفظ الضارب ؛ فإنّ المستعمل فيه بلا واسطة في الأوّل هو الابتداء المندكّ في المتعلّق ، وبعبارة اخرى لم يستعمل في الإجمال الحاكي عن الابتداء المندكّ ، بل في نفسه ، بخلاف الثاني ؛ فإنّ المستعمل فيه فيه هو الإجمال الحاكي عن الضرب المندكّ لا نفسه ، وهو معنى اسميّ وإن كان معرّفا

٧٦

لمعنى حرفيّ ، وبالجملة فحال المستعمل فيه في لفظ الضارب حال آلة اللحاظ التي أخذها الواضع عند وضع «من». هذا تحقيق المراد من كلام أهل المعقول في المقام ونظائره.

ولكنّه بعد مخدوش بأنّ ما ذكروه من كون الغرض متّحدا مع المحلّ ومندكّا فيه ومحدودا بحدّه لا بحدّ على حدّة وإن كان مطلبا دقيقا صحيحا ، لكنّه أيضا لا يصحّح حمل المعنى الحدثي المأخوذ لا بشرط على الذات كما ذكره صاحب الفصول قدس‌سره ، فيبقى إشكال القطع بصحّة حمل مفاد المشتقّ عليها بحاله.

توضيحه أنّ ما هو مفاد للحمل ومعتبر فيه هو الاتّحاد بمعنى عدم الميز بين الطرفين بجهة من الجهات أصلا بحيث كانت الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر وعرض كلّ منها عرضا للآخر ، وما هو متحقّق بين العرض والمحلّ ليس إلّا نحو الاتّحاد المتحقّق بين الجزء والكلّ من مجرّد عدم كون الجزء محدودا بحدّ مستقلّ ، بل مندكّا في الكلّ ومحدودا بحدّه ، وهذا لا يستلزم عدم الميز الأصلي المعتبر في الحمل ، كيف وماء الحوض مع وجود هذا الاتّحاد بين قطراته يتفرّد كلّ منهما بالإشارة والمكان ، بل باللّون في بعض الأحيان ، وكذا المعنى الحدثي بل كلّ عرض يمكن اتّصافه بما لا يتّصف المحلّ به من الشدّة والضعف ونحوهما وبالعكس ، مع أنّ من المقطوع بالوجدان أنّ مفاد المشتقّ معنى متّحد مع الذات بحيث لا ميز بينهما أصلا ولا يتّصف أحدهما بوصف إلّا اتّصف الآخر به.

وبعبارة أخرى أنّ مفاد لفظ الضارب مثلا هو عنوان الذات المتّصف بالضرب لا عنوان الضرب المندكّ في الذات ؛ فإنّ الثاني لا يصحّ حمله على الذات ، فلا يقال : زيد هو الضرب المندكّ فيه ، بل الصحيح أن يقال : إنّه محلّ هذا الضرب بخلاف الأوّل.

وتظهر الثمرة فيما لو قال : جئني بالعلم ولا تجئني بالضارب ، فجاء بالعالم الضارب وقلنا بامتناع اجتماع الأمر والنهي ، فعلى الثاني لا يكون هذا المورد من موارد الاجتماع ؛ إذ متعلّق الأمر هو العلم ومتعلّق النهي هو الضرب ، ولا يسري عرض شيء منهما إلى الآخر وإلى الذات ، فيحصل الإطاعة والمعصية معا ، وعلى الأوّل منها كما هو واضح فلم يحصل إلّا واحد من الإطاعة والمعصية.

٧٧

ثمّ إنّ في الكفاية في هذا المقام ما حاصله أنّ صاحب الفصول حيث توهّم أنّ المراد ظاهر الكلام من كون أصل المعنى في المشتق ومبدئه هو المعنى الحدثي وكون الفرق في مجرّد الاعتبار اللابشرطي والبشرطلائي استشكل عليهم بما ذكره ، ولم يعرف أنّ مرادهم كما يظهر من بيان الفرق بين الجنس والفصل وبين المادّة والصورة من كون المشتقّ لا بشرط أنّ مفاده معنى لا يأبى عن الحمل على الذات ، ومن كون المبدا بشرط لا أنّ مفاده معنى يأبى عن الحمل على الذات وهذا لا يستلزم اتّحادهما في أصل المعنى أصلا. ولا يخفى أنّ هذا من المطالب الواضحة فيبعد إرادته من كلامهم الظاهر سياقه في كونه لبيان دقة. الثالث : هل ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى باقية على معانيها الأصليّة اللغويّة أو حصل فيها النقل أو التجوّز؟ التزم في الفصول بالثاني وهو قدس‌سره وإن لم يصرّح بكون النقل أو التجوّز في المادّة أو الهيئة ، لكن له التزامهما في الأوّل والتزامهما في الثاني لإمكانهما في كليهما.

أمّا الأوّل فلأنّ مادّة «ع ل م» مثلا موضوعة للصورة الحاصلة من الشيء في النفس وهي مختصّة بنا وليست من صفات الباري تعالى ، وكذا الكلام في سائر المواد ؛ فإنّها موضوعة لما هو مناسب لنا وأجنبيّ عنه تعالى ، ضرورة أنّ الواضع كان منّا.

وأمّا الثاني فلأنّ الهيئة موضوعة لذات له المبدا ، والعنوان منتزع عن هذا الذات ، فالمغايرة بين المبدا والذات شرط كونها حقيقة اتّفاقا إمّا لملحوظيتها في نفس معناها أو في منشأ انتزاعه ، ضرورة شهادة كلّ صفة بأنّها غير الموصوف ، وصفاته تعالى عين ذاته.

وأورد على هذا في الكفاية بأنّه وإن لم يكن بين ذاته تعالى وبين المبدا بحسب الخارج مغايرة أصلا ، لكن بينهما بحسب المفهوم مغايرة بلا إشكال ، وهذا المقدار كاف في كون الهيئة حقيقة.

لكن في هذا أيضا نظر ؛ لأنّ الشأن أن يحدث زيادة في المبدا يوجب تلك الزيادة عدم صحّة الحمل فيه ، وصحّته في المشتق كما هو الحال في ألفاظ الصفات الجارية علينا ، فإنّ المغايرة المفهوميّة للذات وإن كانت مشتركة بين المبادي والمشتقات ، لكنّ المغايرة الخارجيّة خاصّة بالمبادي ، ضرورة اتّحاد المشتقات مع

٧٨

الذات خارجا ، وأمّا ألفاظ الصفات الجارية عليه تعالى فالمغايرة الخارجيّة للذات معدومة في المبادي والمشتقّات كليهما ، والمغايرة المفهوميّة متحقّقة في كليهما أيضا فلم يحدث تلك الزيادة في طرف المبادي.

والحقّ في المقام أنّ هذه الألفاظ باقية على معانيها الأصليّة اللغويّة ولم يتصرّف فيها بالنقل أو التجوّز لا في طرف المادّة ولا في طرف الهيئة ، أمّا في الأوّل فلأنّا نعلم بحسب فطرتنا إجمالا بأنّ في مقابل الجهل شيئا يعبّر عنه بالعلم وأنّه حسن كما أنّ الجهل قبيح ، وأنّ ما منه موجود فينا هو الفرد القاصر العاجز الناقص المحدود ؛ لكوننا قاصرين عاجزين ناقصين محدودين ، وما منه موجود في الباري تعالى هو الفرد الأكمل والأشرف الأعلى ؛ ضرورة أنّه معط لهذا الوصف الجميل إيّانا فكيف يفقده نفسه ، ولا بدّ أن يكون الموجود فيه تعالى هو العلم بهذا المعنى المقابل للجهل ؛ إذ هو الذي يكون صفة كمال ، وغيره لم يعلم كونه كذلك، وأمّا أنّه بأيّ نحو فلا نعلم تفصيله ، ولفظ العلم موضوع لهذا المعنى وكيفيّات تحقّقه المختلفة بحسب اختلاف الموارد خارجة عن الموضوع له ، وهكذا الكلام في سائر الموادّ كالحياة والقدرة والبصارة ونحوها.

وأمّا في الثاني فلأنّه لا شكّ أنّا إذا أردنا انتزاع الوصف نتخيّل الذات مغايرا للمبدا ، والمبدا مغايرا للذات أوّلا ، ثمّ ننتزع منهما الوصف ، فالمبدأ والذات متغايران في عالم التخيّل من دون فرق في ذلك بين الصفات الجارية عليه تعالى وبين غيرها ، فالهيئة موضوعة لعنوان بسيط منتزع عن الذات مع مبدإ يغايرها في عالم التخيّل ، غاية الأمر أنّ هذه الغيريّة في غيره تعالى لها واقعيّة وفيه تعالى إنّما هي مجرّد الفرض بلا واقعيّة ، وهذا هو السرّ في عدم صحّة حمل لفظ العلم عليه تعالى إلّا على وجه التجوّز ، وصحّة إضافته حيث إنّ لحاظ الغيريّة مأخوذ في معناه وإن لم يؤخذ في معنى أصل المادّة ، وهذا التخيّل لا ينافي اعتقاد العينيّة والاتحاد في صفاته تعالى خارجا أصلا ، بل هو ممكن مع حفظ هذا الاعتقاد ، ألا ترى أنّ المعتقد بوحدة جنس الشيء وفصله معه في الخارج يميزهما عنه في عالم الفرض مع حفظ ذلك الاعتقاد.

٧٩

المقصد الأوّل في الأوامر

والتكلّم في هذا الباب تارة في مادّة الأمر واخرى في صيغته.

فنقول : قد ذكر للمادّة معان كالفعل كما في قوله تعالى : (وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)، والمطلب العظيم كما في قوله تعالى : (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا) إلى غير ذلك ، والبحث في ذلك وأنّ مرجعها إلى معنى واحد أو معنيين لا جدوى تحته.

نعم الظاهر أنّ كونها حقيقة في الوجوب ممّا لا شكّ فيه بحكم تبادره منه ، وممّا يرادفه في الفارسيّة من لفظ «فرمان» مع إمكان الاستشهاد بقوله تعالى : (ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) حيث رتّب التوبيخ على مجرّد مخالفة الامر ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لو لا أن أشق على امّتي لأمرتهم بالسواك» ونحوهما.

لنا دعويان في لفظ الأمر بمعناه الطلبي لا بمعانيه الأخر :

الاولى : أنّ الأمر في هذا اللفظ من حيث كونه مشتركا لفظيّا بين الوجوب والندب أو معنويّا أو حقيقة في خصوص الأوّل أو خصوص الثاني أسهل من الصيغة ، فبأيّ من هذه الأقوال قلنا هناك نقول هنا بكون هذا اللفظ حقيقة في خصوص الوجوب ، والدليل على هذه الدعوى هو التبادر مضافا إلى الأدلّة اللفظيّة كقوله تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ) الخ حيث دلّ على وجوب الحذر من مخالفة مجرّد الأمر ، وقوله تعالى (ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) الخ ، حيث رتّب التوبيخ على مخالفة مجرّد الأمر ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لو لا أن أشقّ على امّتي لأمرتهم بالسواك» ، حيث دلّ على ثبوت المشقّة في مجرّد الأمر ، ومن الواضح عدم المشقّة في الطلب البدني ، كما أنّ من الواضح تعلّقه بالسواك.

وأمّا الثانية فيحتاج بيانها إلى مقدّمة وهي أنّ بعض العناوين يستحدث بتبع الدلالة على المعنى ويكون معلولا لها وواقعا في طولها بحيث لا يصير موجودا بمجرّد تحقّق أصل المعنى ، وبضميمة إظهاره ، والكشف عنه يصير متحقّقا سواء كان الدالّ لفظا أو كناية أو إشارة ونحوها ، فيكون الدالّ بعنوانه الأوّلي كاشفا عن ذاك

٨٠