أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

المذكورة كلّها مخدوشة ، أمّا توجيه الملازمة بين رجحان الحذر عقيب الإنذار وبين وجوبه بما ذكره في المعالم ، فلأنّه إنّما يتمّ بالنظر إلى العقاب ؛ إذ هو إمّا معلوم الاستحقاق فيجب الحذر ، وإمّا غير معلوم فلا يحسن ، للعلم بعدمه بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان ، فإنذار المنذر إمّا حجّة فيجب الحذر ، وإمّا لا فلا يحسن ، ولكنّه بالنظر إلى المصلحة والمفسدة غير تامّ (١) ؛ إذ يمكن فرض الرجحان بدون الوجوب للحذر عن فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة الكامنتين في الفعل ، فيحسن لأجل ذلك الاحتياط والتحذّر وإن كان لا يحسن من حيث العقوبة.

وأمّا توجيه الملازمة بالإجماع المركّب والوجه الثاني ـ أعني إثبات وجوب الحذر بكونه غاية للانذار الواقع غاية للنفر الواجب بقضيّة لفظة «لو لا» ـ والوجه الثالث اعني ـ إثبات الوجوب في الإنذار بما ذكروا في الحذر بلزوم اللغويّة ـ فالخدشة في الكلّ من جهتين.

الاولى : أنّ الآية إنّما تدلّ على المدّعى لو استفيد منها وجوب الحذر مطلقا ، سواء

__________________

ـ الوعظ والإنذار حالة الخوف ، ويكفي فيه مجرّد احتمال صدق المنذر ، فعند هذا الاحتمال والخوف يبعثه عقله نحو أحد الأمرين : إمّا الاحتياط ، أو الفحص والوصول إلى الواقع ، فالآية غير مرتبطة بمقام الحجيّة أصلا.

فإن قلت : الجاهل نفس جهله واحتماله يكفي في جريان حكم العقل في حقّه. قلت : فرق واضح بين الجاهل العامل أو الملتفت المغمور في الشهوات ، وبين من يعظه وينذره شخص عالم فقيه خبير بالمطالب ، وبالجملة إنكار ثمرة الإنذار حتّى في حقّ العالم فضلا عن الجاهل بمثابة إنكار البديهي. منه قدس‌سره الشريف.

(١) الإنصاف أنّ هذا الإشكال بعد تسليم أنّ المراد مطلوبيّة العمل بعد الحذر ولأجله غير وارد من وجهين ، الأوّل : أنّ الظاهر من الحذر في الآية هو الخوف عن العقوبة الاخرويّة ، والثاني : أنّ المصالح والمفاسد يختصّ فهمها بالأوحديّ من الناس ممّن يحكم عقله باستتباع الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلّقات ، وبعد الفهم أيضا يختصّ الارتداع عن الوقوع في ضررها بالأوحديّ من الأوحدي. منه قدس‌سره الشريف.

٦٠١

كان الإنذار مفيدا للعلم أم لا ، وليس كذلك ، فليست الآية إلّا بصدد أصل مطلوبيّة النفر والتفقّه والإنذار والحذر عقيبه ، أمّا أنّ مطلوبيّة الحذر تكون مطلقة أو مشروطة بحصول العلم فالآية ساكتة عن هذه الجهة.

وبالجملة الآية متعرّضة لتكليف النافرين وفي مقام تحريصهم على النفر والتفقّه ، وذكر الحذر من المتخلّفين يكون على سبيل الفائدة ، فتكون من جهته في مقام الإهمال.

فحينئذ من الممكن أن يكون وجوب الحذر مخصوصا بما إذا حصل العلم بصدق الإنذار ، لصدوره من طائفة وجماعة واحدا بعد واحد ، بل ربّما يستظهر ذلك من كلمة «لعلّ» ومن استدلال الإمام عليه‌السلام بهذه الآية لوجوب النفر لمعرفة الإمام ؛ إذ يعلم منه أنّ الآية إمّا مخصوصة بالاصول أو عامّة لها وللفروع ، ومن المعلوم أنّ الإنذار في الاصول يجب قبوله لو أفاد العلم لا غير.

والثانية : أنّ النفر وجب لأجل تفقّه المسائل التي هي من الدين واقعا ، والإنذار بهذه المسائل أيضا واجب ، فالحذر إنّما يجب عقيب الإنذار بالامور التي تكون من الدين واقعا ، وهذا لا يصير منجّزا إلّا بعد إحراز كون إنذار المنذر إنّما تعلّق بالأمر الواقعي ، وهو لا يتحقّق إلّا مع العلم بصدقه ، وأمّا لو لم يعلم أنّه أنذر بالواقع أو لا فلا يجب الحذر ، والحاصل أنّه لا يستفاد من الآية حكم تعبّدي بلزوم قبول إخبار المنذر وإن لم يفد العلم.

فإن قلت : إنّ ما ذكرت من عدم كون الآية بصدد إيجاب تصديق المنذر وقبول قوله تعبّدا ، وعدم استفادة التعبّد منها أصلا ينافيه إيجاب جميع أفراد الإنذار ما أفاد منها العلم وما لم يفد ؛ إذ الطائفة الغير المفيدة للعلم يكون إيجابها على هذا لغوا ، لعدم إيجاب قبوله.

قلت : لو كان بين هاتين الطائفتين مميّز خارجي أو أمكن التقييد في الكلام بقيد يساوق الأفراد المفيدة للعلم كان ما ذكرته حقّا ، ولكن ليس تلك الأفراد متمايزة

٦٠٢

بنفسها ، وليس هنا قيد حصل الامتياز بسببه أيضا وإن كان هو علم المنذر بحصول العلم للمنذر بإنذاره ، فإنّ الشارع رأى أنّه لو قيّد بذلك فأوجب الإنذار الذي يعلم المنذر أنّه مفيد للعلم فربّما يخطأ في تشخيص مصداقه ، فيعلم المفيد غير المفيد ، فلهذا أوجب عليه جميع الأفراد إدراكا لما فيها من الواجب الأصلي ، ولا يعدّ هذا من اللغو في شيء.

وإن شئت توضيح ذلك بالمثال فلاحظ حاكم البلد حيث يأمر الحفظة بالليل بأخذ كلّ من وجدوه بعد مضيّ أربع ساعات من الليل مثلا ، مع أنّ من الواضح أن ليس المقصود إلّا أخذ السارق ، ولكن لمّا لم يكن للسارق علامة يمتاز بها عن غيره ، والإحالة إلى نظر الحفظة أيضا قد يؤدّي إلى خلاف الواقع ، إذ اللازم حينئذ عدم أخذ مشكوك الحال لأجل الشبهة المصداقيّة فلا جرم جعلوا المأمور به أخذ كلّ من يخرج بالليل بعد المدّة المعيّنة.

وهنا فرد آخر وهو ما إذا حصل العلم بسبب إنذار المتعدّد منضمّا لا من كلّ واحد منفردا ، فحينئذ حاله حال ما إذا لم يتمكّن العشرة كلّ منهم منفردا لرفع الحجر مع قدرة المجموع بهيئة الاجتماع عليه ، فحينئذ وإن كان إعمال قوّة كلّ مطلوبا مقدّميّا ـ وقد قلنا في باب المقدّمة : إنّ وجوب المقدّمة مختصّة بحال وجود سائر المقدّمات ـ ولكنّ الواجب هنا تعليق الحكم بنحو الإطلاق نحو عمل كلّ واحد واحد ؛ إذ لو كان الوجوب في حقّ كلّ مشروطا بإقدام غيره فيلزم أن يتقاعدوا جميعا ولا يكونوا في هذا الفرض بعاصين ، فيلزم نقض الغرض ، فإذا انحصر طريق دفع نقض الغرض بتوجيه الأمر المطلق نحو كلّ واحد يجب عقلا ذلك وإن كان ملاك الحبّ مخصوصا بحالة الاجتماع ، فهذا نظير أمر العسكر بالتهاجم على العدو بإلزام كلّ فرد منهم على سبيل الإطلاق وتوعيده على التخلّف ، غاية الأمر حمل كلّ على الإقدام هناك بالعمل الخارجي يعني بالزجر الخارجي ، وهنا يكون بالأمر التشريعي.

فقد تحصّل ممّا ذكرنا أنّ الآية لا تنفع لحجيّة الإنذار تعبّدا أصلا ، وإنّما يفيد

٦٠٣

وجوب الحذر لو حصل العلم من الإنذار ، فكلّ فرد من الإنذار واجب على المنذر بالكسر، لكن لا يجب القبول على المنذر بالفتح إلّا عقيب خصوص الإنذار المفيد للعلم.

ثمّ إنّ شيخنا المرتضى قدس‌سره ـ بعد الغضّ عن الإشكالين السابقين وتسليم دلالة الآية على لزوم الحذر مطلقا سواء حصل العلم من قول المنذر أم لا ـ استشكل في دلالة الآية على حجيّة الخبر أيضا بما حاصله : أنّ الراوي ليس له الإنذار للمجتهد ؛ لابتنائه على فهم معنى ألفاظ الحديث ، فإنّ الإنذار إنّما هو بمعناها ، وربّما اختلف فهمه مع فهم المجتهد في ذلك ، ففهم هو الوجوب فلهذا أنذر ، والمجتهد يفهم عدم الوجوب فلا إنذار بحسب رأيه ، نعم له حقّ ذلك بالنسبة إلى من يكون رأيه متّبعا في حقّه كمقلّديه ؛ وأمّا المجتهد فليس للراوي إنذاره ممّا فهمه من معنى الرواية ، وإنّما يكون له بالنسبة إليه نقل ألفاظ الحديث فقط.

فالآية حيث إنّها مشتملة على وجوب الحذر عقيب الإنذار ، ووجوب قبوله مختصّة بإنذار المجتهد لمقلّديه فهي إنّما تدلّ على حجيّة الإنذار في مقام الفتوى ، ولا دلالة له لحجيّته في مقام الخبر والرواية ، فالاستدلال بها لوجوب التقليد أولى منه لوجوب تصديق الرواة.

قلت : قد عرفت أنّ مع عدم الإغماض عن الإشكالين لا دلالة للآية لحجيّة الإنذار أصلا لا في مقام الإفتاء ولا في مقام الإخبار ، وإنّما تفيد وجوب القبول في مقام حصول العلم ، وأمّا مع الغضّ عنهما فالإنصاف تماميّة دلالتها على حجيّة الخبر دون الإفتاء ، وذلك لأنّ الاجتهاد والتقليد قد حدثا في هذه الأزمنة بعد عدمهما في زمان حضور الإمام.

فحال الرواة في تلك الأزمنة كان كحال نقلة الفتاوى للمقلّدين في هذه الأزمنة ، فكما أنّه قد ينذر ناقل الفتوى للعوام كأن قال : قال العالم الفلاني : من شرب الخمر عوقب بكذا من دون مدخليّة رأي الناقل في ذلك أصلا ، كذلك في تلك الأزمنة

٦٠٤

كان ناقل الأحكام عن الإمام بلفظه أو بالمعنى قد ينذر المنقول إليهم ، وكان الغالب تصديقهم له في فهم المعنى من دون إظهار مخالفة له في فهمه كما هو الحال في نقل الفتوى في زماننا.

والحاصل : كان همّ الرواة مصروفا بضبط المطالب والمعاني دون مجرّد الألفاظ ، وكان المهمّ في النقل أيضا نقل المطالب ، وكان تفقّههم ذلك ، والاختلاف في فهم المعاني كان كما هو كذلك الآن في غاية الندرة ، وعلى هذا فصدق الإنذار على نقل الراوي لا إشكال فيه ، هذا.

ويمكن أن يقال : إنّ ظاهر الآية وجوب الحذر عقيب الإنذار بطور الإطلاق وهو ينافي مع كونها في مقام الحجيّة على المجتهد الذي شأنه الفحص في سائر ما بيده من الأمارات والأدلّة ، وملاحظة وجود المعارض وعدمه ، وقوّته وعدمه ، ثمّ بعد اليأس عن المعارض الأقوى يحذر من قول المنذر ، وظاهر الآية أن لا يكون للمنذر بالفتح بعد الإنذار حالة منتظرة ، بل يتحذّر ويتخوّف بنفس الإنذار ويكون الإنذار علّة تامّة لحذره ، فالآية مناسبة بحال المستفتي والمفتي.

وإن شئت التوضيح فلاحظ منذرين أحدهما ينذر مقلّده والآخر ينذر المجتهد ، فالأوّل بمحض إنذاره يذهب مقلّده نحو العمل بلا مهلة ، وأمّا المجتهد فيقول : اصبر حتّى اراجع لأن أفهم هل في البين دليل أقوى أولا ، فعلى الثاني اتحذّر من قولك ، فأنصف من نفسك أيّهما ألصق وأنسب بالمدلوليّة للآية؟.

وحاصل الكلام أنّ الحذر أوّلا ليس هو العمل ، وثانيا ليس للآية إطلاق حتى في حال الشكّ ، وثالثا سلّمنا أنّ الحذر بمعنى العمل وأنّ للآية الإطلاق ، ولكن ليس في مقام التعبّد وإنّما الحكم متعلّق بنفس الواقع المنذر به ، وأين هو من التعبّد وجعل الإنذار حجّة في مقام الظاهر ، ورابعا سلّمنا أنّ الحذر بمعنى العمل ، والآية لها إطلاق وتكون بمقام التعبّد ، لكن ليس مرتبطا بجعل حجيّة الخبر وقول الراوي ، وإنّما ترتبط بحجيّة قول المفتي في حقّ المستفتي ، وذلك لأنّ استناد العمل في الأوّل إلى

٦٠٥

فهم نفس المنذر بالفتح ، وفي الثاني أيضا وإن كان العمل يحتاج إلى الفهم ، ولكنّ الفهم فيه فهم مدّعى المنذر بالكسر ، وفي الأوّل يكون فهم مستنده ، وظاهر الآية أن يكون الحذر مستندا إلى الإنذار بلا واسطة شيء في ما بين العمل والإنذار.

والحاصل : في مقام الرواية الإنذار سبب لفهم المنذر ، وفهمه سبب لحذره ، ولكن في مقام الفتوى الإنذار سبب بلا واسطة للحذر ، غاية الأمر الالتفات شرط تأثيره ، ولعلّ مراد شيخنا المرتضى أيضا ذلك فراجع عبارته.

وبالجملة فالآية على هذا تدلّ على حجيّة الرواية مع الإنذار ، وتكون دالّة على الحجيّة بدونه بضميمة عدم القول بالفصل ، بمعنى أنّه تكون الآية دليلا فيما يشتمل على الوجوب أو التحريم ونفي غيره ممّا يشتمل على الإباحة أو الكراهة أو الاستحباب ، ويتمّ الحكم فيه بعدم القول بالفصل بين الأخبار.

ومن جملة الآيات آية الكتمان ، وهي قوله تعالى في سورة البقرة : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).

حيث دلت على حرمة الكتمان ووجوب إظهار الحق للناس ، ولو كان القبول غير لازم لزم اللغويّة.

وجوابه يظهر ممّا مرّ في آية النفر من خلوّ الآية عن التعبّد بقبول قول المظهر ، لسكوته عن أنّ وجوب القبول عقيبه يكون على نحو الإطلاق سواء حصل العلم أم لا ، وإنّما المقصود وجوب إظهار الحقّ ، ولعلّه كان وجوب القبول مشروطا بوضوح الحق والعلم به لكثرة مظهريه ، فأوجب الله على الآحاد الإظهار ليتّضح بسبب إظهاراتهم الحق ويصير معلوما للناس ، فيصير قبوله حينئذ واجبا ، وأيضا فما يحرم كتمانه ويجب إظهاره إنّما هو الحقّ الواقعى ، فالواجب قبوله أيضا هو الحقّ الواقعي ، فلا بدّ أوّلا من إحراز أنّ ما يظهره المظهر حقّ واقعي ثمّ الحكم بوجوبه ، وهو لا يتمّ إلّا مع حصول العلم من إظهاره ، وأمّا بدونه فيكون من الشبهة المصداقيّة.

٦٠٦

ثمّ الجواب عن لزوم اللغويّة في إيجاب الفرد الغير المفيد للعلم من الكتمان هو الجواب منه في الآية المتقدّمة حرفا بحرف.

ومن جملة الآيات آية السؤال عن أهل الذكر وهي آيتان ، إحداهما في سورة النحل وهي قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ).

والاخرى في سورة الأنبياء وهي قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ).

وجه الاستدلال نحو ما تقدّم من أنّ وجوب السؤال ملازم لوجوب القبول ، وإلّا يلزم اللغويّة ، ثمّ بضميمة عدم القول بالفصل يثبت المدّعى في جميع الأخبار ممّا كان مسبوقا بالسؤال وما كان كلاما ابتدائيّا.

وفيه أمّا أوّلا : فلأنّ ظاهر هذا الكلام وجوب تحصيل العلم كما يقال عرفا : إن كنت جاهلا فاسئل من العالم يعني لتصير عالما ، فمعنى الآية والله العالم : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون لتعلموا ، فليس في مقام الحكم بالتعبّد بالجواب حتى يقال : إنّ العلم طريقي ، والظنّ بعد التعبّد يقوم مقام العلم الطريقي ويكون علما ، بل يكون في مقام الإرشاد إلى علاج رفع الجهل وجدانا.

وأمّا ثانيا : فلأنّ ظاهر سياق الآية كما يظهر من ملاحظة الصدر هو السؤال عن علماء أهل الكتاب عن أحوال أنبياء السلف ، فلا يشمل الرواة ، ومن هنا يظهر وجه آخر لعدم كون الآية في مقام التعبّد ؛ فإنّ موردها مسألة اعتقاديّة متعلّقة بمعرفة الأنبياء ، ولا شكّ في عدم التعبّد في العقائد ولزوم تحصيل العلم فيها.

وأمّا ثالثا : فمع الغضّ عن ذلك فقد ورد في الأخبار أنّ المراد بأهل الذكر هم الأئمّةعليهم‌السلام إمّا لكون هذا الكلام جملة مستقلّة وعدم كونها تتمّة للمطلب السابق وإن كان خلاف ظاهر «الفاء» التفريعيّة ، وإمّا على وجه التأويل.

وحينئذ فإن كانت هذه الأخبار متواترة فلا ربط للآية بما نحن فيه ، وإن كانت

٦٠٧

أخبار آحاد فيلزم من الاستدلال بالآية على حجيّة أخبار الآحاد أن يلزم من حجيّتها عدم حجيّتها ؛ فإنّ من جملة أخبار الآحاد هذه الأخبار الدالّة على أنّ المراد بأهل الذكر هم الأئمّة ، فإذا صارت حجّة بالآية ثبت أنّ المراد من الآية غير الرواة ، فيلزم من وجود الحجيّة عدمها.

ثمّ على تقدير الغضّ عن جميع ذلك وتسليم اشتمال الآية على لزوم قبول الجواب تعبّدا قد يتوهّم عدم دلالتها على حجيّة الرواية أيضا ؛ لأنّ المراد من أهل الذكر أهل العلم ، فتكون مسوقة لحجيّة قول المجتهد على العوام إذا سألوا عنه ، فالآية دالّة حينئذ على وجوب التقليد دون حجيّة قول الراوي ، وهذا التوهّم فاسد فإنّ الرواة في الأزمنة السابقة كانوا هم أهل الذكر والعلم وهو كذلك ، ويشهد لذلك ما ورد في الأخبار المستفيضة من أنّه «اعرفوا منازل الرجال منّا بقدر رواياتهم عنّا» (١).

وعلى هذا فكلّ من كان راويا لرواية يكون بالنسبة إلى من لا علم له بهذه الرواية فردا حقيقيّا لأهل الذكر ، فلا حاجة إلى تجشّم أنّ مثل الزرارة وابن مسلم وأمثالهما كانوا من أهل الذكر أيضا ، فإذا ثبت حجيّة الرواية منهم ثبت من الراوي الذي ليس من أهل الذكر بعدم القول بالفصل ، حتّى يجاب عن ذلك بأنّ كون قول زرارة وابن مسلم وأضرابهما من حيث هم أهل الذكر حجّة لا يدّل على حجيّة القول الصادر عنهم من حيث هم رواة.

ومن جملة الآيات آية الاذن المذكورة في سورة التوبة ، وهي قوله تعالى : (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ).

قد قرن الإيمان للمؤمنين بالإيمان بالله تعالى ومدحه بهما ، ومن ذلك نعلم أنّ الإيمان للمؤمن وتصديقه مطلوب على حد مطلوبيّة الإيمان بالله ، فيكون واجبا

__________________

(١)

٦٠٨

أيضا ، فيدلّ على حجيّة خبر المؤمن ووجوب تصديقه ، فإن استفيد من أدلّة اخرى زيادة قيد آخر علاوة عن الإيمان قيّدنا الآية به وخصّصنا الحجيّة بخبر المؤمن الواحد لذاك القيد ، وإلّا فيكون خبر المؤمن بقول مطلق حجّة ، هذا.

والإنصاف عدم الدلالة في هذه الآية أيضا ، وذلك لأنّ الإيمان الذي هو المراد في تلك الآية ومدح به النبي وقرن بالإيمان بالله تعالى ليس هو التصديق بمعنى ترتيب جميع ما للواقع من الآثار على مفاد خبر المؤمن (١) ، بل المقصود حسن المعاشرة مع المؤمن وقبول قوله في الآثار المرتبطة بمقام المعاشرة وحسن المصاحبة.

والذي يرشدك إلى هذا أنّ من كان رئيسا على قوم فمن أعظم أركان بقاء رئاسته وميل النفوس إليه وعدم تشتّتهم عن حوله اتّصافه بمقدار من الاذنيّة بمعنى أن يكون سريع التصديق لهم في الآثار التي بينهم وبين شخص نفسه ، مثلا لو اطّلع ولو بإخبار ألف عدل على أنّه قال في حقّه فلان بكذا ، ثمّ أنكر هذا الفلان وادّعى أنّه ما تكلّم في ذمّه وسبّه بشيء يصدّقه ، ويفرض ما صار في الوضوح كالمرئيّ بعينه كأنّه لم يره ولم يسمع به ، ولا يقطع مودّته ومحبّته معه ، ضرورة أنّ الرئيس لو بنى على أن يرتّب الأثر على كلّ خبر يحكى عنده من ارتكاب بعض رعيّته سوء أدب بالنسبة إليه فقام بصدد مجازاته لم يبق في أطرافه إلّا شاذ قليل أوحدي واحد أو قليل ، فيختلّ بذلك أمر رئاسته ، وبه يسقط عن تمام الأغراض والقيام بما هو الوظيفة ، وهذا معلوم بالحسّ والعيان وبالتجربة الحاصلة من النظر إلى أحوال الرؤساء العامّة

__________________

(١) فإنّه ليس اذن خير على هذا لجميع المؤمنين كما يستفاد من قوله تعالى : قل اذن خير لكم ، بل يكون اذن خير لبعض وشرّ لآخر ، فإنّه إذا سعى مؤمن مؤمنا آخر فترتيب جميع الآثار يقتضي إجراء الحد مثلا لو كان المسعى به مقتضيا له عليه ، وأمّا إذا كان اذن خير في مقام المعاشرة فلازمه أن لا يسخط على الساعي ولا يطرده ولا يعامل مع المسعى أيضا معاملة العداوة ، بل يصدّق ظاهرا ويقبل قول كليهما ولا يغيّر حسن سلوكه في حقّ واحد منهما. منه قدس‌سره الشريف.

٦٠٩

من العلماء أو غيرهم.

وعلى هذا فالآية مسوقة مساق الرواية الواردة في باب حسن معاشرة الإخوان من أنّه«إذا شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال قولا وقال : لم أقله فصدّقه وكذّبهم» وقد فسّر القسامة بالبيّنة الشرعيّة أعني العدلين ، فإنّ الملحوظ بهذا الكلام هو المبالغة في حفظ مقام الاخوّة ومراعاة حسن السلوك مع الإخوان وعدم قطع علاقة المودّة ولو بإخبار هذا العدد من العدول بأنّه قال في غيابك كذا وكذا إذا أنكر هو وقال : ما صدر منّي جسارة إليك ، فالمقصود من تصديقه حينئذ قبول قوله وإظهار الاعتقاد القلبي بمفاد قوله ، وليس المقصود هو التصديق بمعنى ترتيب مطلق الآثار ، وإلّا فكيف يمكن تكذيب خمسين بيّنة وتصديق الواحد.

فلو كان لما أخبر به العدول أثر شرعي غير مربوط بمقام المعاشرة مثل الحدّ مثلا لو أخبروا بأنّه شرب الخمر ـ مثلا ـ فليس هنا مقام التصديق وعدم إجراء الحدّ عليه ، بل المراد هو التصديق بمعنى عدم ترتيب ما كان للمخبر به من الآثار بحسب المعاملة الشخصيّة المرتبطة بمقام مراودة شخص المخبر له مع المخبر عنه ، مثل قطع المودّة ونحوه ، وممّا يؤيّد إرادة هذا المعنى من الآية أيضا هو تكرار لفظة «يؤمن» فيها وتعدية الأوّل بالباء والثاني باللام الدالّة على المنفعة.

فإن قلت : إنّ في خبر إسماعيل بن جعفر الصادق صلوات الله عليه دلالة على أنّ المراد بالإيمان في الآية التصديق بمعنى ترتيب آثار الواقع للتالي ، فأنّه عليه‌السلام قال لإسماعيل بعد أن شهد عنده المسلمون على أنّ الرجل القرشي المريد للسفر إلى اليمن شرب الخمر وأراد مع ذلك أن يدفع إليه دنانيره ليتجر بها له : إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم ، واستشهد بهذه الآية.

قلت : المراد بالتصديق في هذه الرواية أيضا ما ذكرنا ، يعني وإن كان مع إنكار الرجل ذلك لا بدّ أنّ لا يغيّر معه السلوك ويقبل قوله بأنّه ما شرب ، ولكن لا بدّ من الاقتصار على مجرّد اظهار التصديق وعدم التعدّي إلى مقام الفعليّة ، بمنى الحذر عنه

٦١٠

في الباطن وعدم المعاملة معه معاملة الأمين ، فبالنسبة إلى مقام الفعليّة والعمل يجب تصديق الشهود ، ومن حيث آثار المعاشرة الظاهريّة تكذيبهم وتصديقه.

هذا مضافا إلى ما في تسليم المال إليه بلا خوف مع سماع قول جماعة من المسلمين بما يدلّ على عدم أمانته بمجرّد إظهاره الإنكار من توهين تلك الجماعة وعدم الاعتناء بأخبارهم والإعراض عن متابعة خبرهم ، فمقتضى حسن المعاشرة معهم وحفظ حقوقهم أيضا هو التصديق لهم بعدم استيمان الرجل ، فتحصّل من جميع ما ذكرنا عدم جواز الاستدلال بالآية للمقام لكونها أجنبيّة عنه ، هذا ملخّص الكلام في الآيات التي تمسّك بها في الباب.

وأمّا السنّة ، فاعلم أنّ الأخبار التي يتمسّك بها لهذا المقام لا بدّ وأن تكون متواترة ، لوضوح عدم إمكان إثبات حجيّة أخبار الآحاد بأخبار الآحاد ، والمتواتر قد يكون متواترا باللفظ وهو أن يكون لفظ الخبر مرويّة بطرق كثيرة بالغة حدّ التواتر ، واخرى يكون بالمعنى وهو أن يخبر عدد كثير يحصل من كثرتهم العلم بمضمون واحد بألفاظ مختلفة ، وثالثة يكون لا باللفظ ولا بالمعنى ويسمّى تواترا إجماليّا ، وهو أن يكون كثرة عدد المخبرين بقضايا عديدة كلّ منها في مطلب غير ما يفيده الآخر بحدّ يحصل العلم بأنّ أحد هذه القضايا التي أخبر بها هذه الجماعة صدق مطابق للواقع.

كما لو أخبر ألف نفر كلّ منهم بخبر غير خبر الآخر ، فالإنسان يقطع بعدم إمكان كذب جميع هذه الأخبار وعدم صدق واحد منها عادة ، فحينئذ لو لم يتوافق هذه الأخبار على معنى واحد أصلا فلا ثمرة ، وأمّا لو كان هنا معنى يتوافق عليه كلّ هذه الأخبار يحصل العلم بصدق هذا المعنى وواقعيّته وتحقّقه فاللازم الأخذ بما كان أخصّ مضمونا من هذه الأخبار ؛ إذ هو الذي يتوافق الكلّ عليه.

مثلا لو دلّ طائفة كثيرة من الأخبار على حجيّة خبر الواحد ، وطائفة كثيرة اخرى على حجيّة خبر الثقة ، وطائفة كثيرة ثالثة على حجيّة خبر العدل فحينئذ

٦١١

تكون حجيّة خبر الواحد الثقة العدل مقطوعا بها ، لعدم إمكان وجود الخبر الصادق بين هذه الطوائف المتكثرة.

وحينئذ نقول : يجب أوّلا ملاحظة أنّ ما يستفاد حجيّته من تضاعيف الأخبار يكون بحيث يفي في الفقه بمقدار لم يبق من العلم الإجمالي شيء حتّى احتجنا إلى مقدّمات تفيد حجيّة مطلق الظّن ، أو أنّه قليل بحيث لا يقضى منه الحاجة في الفقه بهذا المقدار ، وحينئذ أيضا يمكن الاكتفاء بهذا العدد المتيقّن الغير الوافي في الفقه بدون لزوم انتهاء الأمر إلى حجيّة مطلق الظن ، وذلك بأن يوجد في الأخبار ما يكون فردا لهذا المتيقّن الحجيّة وكان هذا الخبر دالّا على حجيّة مقدار واف من الأخبار.

مثلا لو فرضنا أنّ القدر المتيقّن من الأخبار حجيّة خبر العدل الإمامي عن مثله حتى يصل إلى المعصوم ، الذي يعبر عنه بالصحيح الأعلائي ، وفرضنا عدم وفائه في الفقه على مقدار العلم الإجمالي ، ولكن وجدنا في الأخبار خبرا واحدا صحيحا اعلائيّا كان دالّا على حجيّة خبر الثقة وفرضنا وفاء خبر الثقة بمقدار العلم ، كان هذا مثل ما إذا كان مضمون التواتر بلا واسطة حجيّة خبر الثقة ، ثمّ لو فرضنا عدم وفاء خبر الثقة أيضا فإن وجد خبر ثقة دلّ على حجيّة خبر غيره على وجه كان وافيا أخذنا به ، وهكذا الحال إلى أن يثبت الحجيّة على قدر الوفاء ، فلا ينتهي الأمر إلى حجيّة مطلق الظنّ.

فنقول : قد ادّعى صاحب الوسائل أنّ الأخبار متواترة على حجيّة خبر الثقة ، فإن ثبت هذا التواتر فنعم المطلوب ، وإن لم يثبت فلا أقلّ من أنّ المتيقّن حجيّة ما كان من قبيل الصحيح الأعلائي ، وقد ظفرنا ـ بحمد الله تعالى ـ على فرد من هذا القسم دلّ على حجيّة خبر الثقة وهو قوله عليه‌السلام : «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما يرويه عنا ثقاتنا» ، ثمّ لا يخفي على من راجع الفقه وفاء هذا النوع من الخبر على مقدار العلم ، والحمد لله ، ولكن ليعلم أنّه لا يثبت بهذا الخبر إلّا حجيّة رواية الثقة دون مطلق الرواية التي حصل الوثوق بصدورها ولو من غير جهة

٦١٢

الوثوق براويها ، بل من الأمارة الخارجيّة ، نعم حجيّة الثاني هو مفاد الإجماع على تقريره ببناء العقلاء كما يأتي إن شاء الله تعالى.

وأمّا الاجماع فتقريره من وجوه :

الأوّل : تحصيل الإجماع إمّا من ملاحظة فتاوى المفتين بحجيّة خبر الواحد ، وإمّا من نقل نقلة الإجماع لوصوله إلى حدّ التواتر على حجيّة خبر الواحد مطلقا.

والثاني : تحصيله بأحد الوجهين على حجيّة في حال انسداد العلم ، فالأوّل إجماع من غير السيّد وأتباعه ، فلو حصل العلم بهذا النحو من الإجماع لا بدّ من تخطئة السيّد ومن تبعه ، والثاني إجماع من السيّد وغيره ؛ فإنّ السيّد أيضا معترف بحجيّة الخبر في حال الانسداد.

والثالث : سيرة المسلمين والمتديّنين بهذا الدين من حيث هم مسلمون ومتديّنون على العمل بخبر الواحد الغير العلمي ، والفرق بينه وبين الإجماع أنّه إجماع جميع أهل الدين من غير اختصاص ببعضهم ، بخلاف الثاني ، فإنّه إجماع خصوص العلماء منهم فتوى وعملا.

والإنصاف أنّ التمسّك بالإجماع من هذه الوجوه مخدوش ، أمّا الإجماع تحصيلا أو نقلا على الحجيّة مطلقا ، ففيه أنّه إنّما ينفع لو لم يحتمل أنّ مدرك المجمعين ومستندهم هو ما تقدّم من الآيات والروايات ، وأمّا لو احتمل ذلك فلا يكون كاشفا قطعيّا عن رأى الإمامعليه‌السلام ، ومن المعلوم أنّ باب هذا الاحتمال واسع.

وأمّا الإجماع على أحد الوجهين على الحجيّة في حال الانسداد ففيه أنّه مركّب من إجماع طائفتين ، إحداهما من يقول بالحجيّة من باب الظنّ المطلق ، والاخرى يقول بها من باب الظنّ الخاص ، فأمّا الاولى فمستندهم مقدّمات الانسداد ، وأمّا الثانية فمدركهم الآيات والروايات ، فكيف يتأتّى من هذا الإجماع الكشف القطعي عن قول الإمام.

هذا مضافا إلى الخدشة بما في الكفاية من أنّ هذا الإجماع غير مفيد ؛ لأنّ القائلين كلّا

٦١٣

منهم قائل بحجيّة خبر خاص ، ومثل هذا لا يفيد الكشف لحجيّة أصل الخبر.

بيان ذلك أنّ العدد الذي يفيد قول جمعهم العلم لامتناع تواطئهم على الكذب إنّما هو مفيد للعلم إذا أخبروا بمضمون واحد ، كما لو فرضنا أنّ العشرة هكذا ، فأخبر عشرة رجال بأنّ الزيد قائم ، فبملاحظة امتناع تواطئهم على الكذب يحصل العلم بالصدق. وأمّا لو أخبر هذا العدد كلّ منهم بمجيء شخص غير من أخبر بمجيئه الآخر ، فحينئذ لا يحصل العلم لا بمجيء أحد الأشخاص المعيّنة ولا بمجيء الإنسان ، أمّا الأوّل فواضح ، وأمّا الثاني فلأنّه لو سئل عن كلّ من المخبرين أنّه لو لم يجئ الشخص الذي أخبرت بمجيئه فهل جاء الإنسان؟ لقال : لا أعلم ، وأمّا لو وصل عدد هؤلاء المخبرين بمجيء الأشخاص المختلفين إلى حدّ حصل العلم العادي باستحالة كذب مثل هذا العدد عادة ـ ويعبّر عنه بالتواتر الإجمالي ـ حصل العلم حينئذ بالقدر المشترك أعني : مجيء الإنسان وإن لم يحصل بأحد الخصوصيّات معيّنا.

مثلا لو أخبر مائة رجل كلّ واحد بمجيء شخص غير من أخبر الآخر بمجيئه ، وقلنا: إنّ كذب المائة محال عادة ، حصل العلم بأنّ واحدا من الأشخاص قد جاء وإن كان كلّ منهم مرددا لو سئل عن مجيء الإنسان على تقدير عدم مجيء الخاص الذي أخبر بمجيئه.

نعم يمكن حصول العلم بالقدر المشترك من إخبار العشرة أيضا لو كان إخبار كلّ واحد بمجيء الشخص المعين متضمّنا للإخبار بمجيء الإنسان ، فكان قد أخبر بخبرين ، الأوّل : مجيء الإنسان ، والثاني : أنّه هذا الشخص ، فحينئذ يحصل العلم بمجيء الإنسان ؛ لامتناع التواطؤ على الكذب وإن كان لا يحصل بواحد من الخصوصيّات.

وحينئذ نقول : إنّ المفتين بحجيّة خبر الواحد طائفة منهم قائلون بحجيّة خبر الثقة مثلا وطائفة بحجيّة خبر العدل مثلا ، وطائفة بحجيّة خبر خاص آخر ، فإن كانوا هذه الطوائف لو سألوا أنّه على تقدير فساد مذهبكم هل يكون هنا خبر حجّة؟

٦١٤

لقالوا : لا نعلم فهذا الإجماع غير مفيد للعلم لا بحجيّة أحد الخصوصيّات ولا بحجيّة أصل الخبر في الجملة ، وإن كانوا أجابوا بوجود خبر كان حجّة فكان في ما بينهم من المسلّم حجيّة خبر واحد واختلفوا في خصوصيّاته ، فحينئذ إجماعهم نافع ، للعلم بحجيّة خبر الواحد في الجملة ، ولكن دون إثبات كون إجماعهم من القبيل الثاني خرط القتاد.

وأمّا التمسّك بالسيرة فإنّما ينفع لو احرز أنّ بناء المسلمين من حيث هم مسلمون ومتديّنون على العمل بالخبر الموثوق به ، وأمّا لو لم يحرز ذلك واحتمل ذلك واحتمل أنّه لأجل كونهم عقلاء فلا يبقى الكشف الحاصل بالسيرة ، نعم يصير دليلا من باب البناء فيرجع إلى رابع الوجوه.

وكيف كان فالتمسّك بالسيرة على وجه لم يرجع إلى التمسّك ببناء العقلاء غير وجيه، نعم لو أمكن تحصيل القطع بالإجماع على أحد المعنيين أعني الحجيّة المطلقة أو المقيّدة بحال الانسداد على وجه كشف عن قول المعصوم بأن علم عدم استناد المجمعين إلى هذه الوجوه كان هذا الإجماع نافعا بحالنا.

ولا يتوهّم عدم نفعه لأجل أنّه على تقدير عدمه كان الحجيّة ثابتة بدليل الانسداد ، وذلك لظهور الثمرة بين إثبات الحجيّة بالإجماع وبين إثباته بدليل الانسداد في أمرين ، الأوّل : أنّه لو أثبتنا الحجيّة بنتيجة دليل الانسداد فاللازم الاقتصار على الظنّ الفعلي ، فيدور الأمر مدار إفادة الخبر الظنّ الفعلي وعدمها ، فإن أفاد كان حجّة وإلّا فلا ، وأمّا على إثباته بالإجماع فالخبر في نفسه حجّة سواء أفاد الظنّ فعلا أم لا.

والثاني : أنّه لو قلنا بالحجيّة بنتيجة دليل الانسداد ورد إشكال التبعيض في الاحتياط الذي نبّه عليه شيخنا المرتضى ، بمعنى أنّه لا يفيد المقدّمات الاقتصار على المظنونات وإجراء البراءة في المشكوكات والموهومات ، بل قضيّتها هو العمل بالمشكوكات أو ببعضها أيضا إذا لم يوجب الوقوع في الحرج والعسر ، بل و

٦١٥

بالموهومات مع عدم استلزام العسر.

وبالجملة ، فالاحتياط الغير الموجب للعسر واجب الأخذ ، وهو قد ينطبق على المظنونات فقط ، وقد ينطبق عليها وعلى بعض المشكوكات ، وقد ينطبق على المظنونات والمشكوكات مع إضافة بعض الموهومات.

وأمّا على تقدير الحجيّة بالإجماع لا ورود لهذا الإشكال ، بل القائل في سلامة عنه كما هو واضح ، لفرض قيام الإجماع على حجيّة الظنّ النوعي الحاصل من الأخبار ، فعلى الثاني يثبت حجيّة الظنّ النوعي المذكور ، والأوّل غير ملازم لحجيّة الظنّ الفعليّ المطلق.

الوجه الرابع من وجوه تقرير الإجماع على حجيّة الخبر هو التمسّك ببناء العقلاء ، فإنّه لا شكّ في استقرار طريقة العقلاء على العمل بخبر المفيد للاطمئنان ولو لم يكن الناقل ثقة ، ولكن حصل الوثوق بالصدق من أجل أمارة خارجيّة ، وجرت عادتهم على ذلك في امورهم العادية ، وهذا ثابت في غير فرق المسلمين من أهل الملل ، بل ومن غيرهم ممّن لا يتديّن بدين كالدهري ، فإنّه لو اطمئنّ الدهري بأنّ سفر البحر وركوب السفينة لا يوجب الغرق لنفسه وماله وحصل له هذا الاطمئنان من إخبار المخبرين فهو يقدم على هذا السفر ، مع أنّه محتمل مع ذلك للغرق ولكن لا يعتني به ، بل يعامل معاملة المعدوم.

وكذلك الحال في معاملة العبيد مع مواليهم ، فلو حصل الاطمئنان للعبد أنّ مولاه أراد الركوب وأراد ركوبه معه في ركابه ، وحصل له ذلك بنقل ناقل مع وثوق الناقل أو ضميمة أمارة خارجيّة ، يركب بمجرّد ذلك ويذهب إلى مقرّ المولى ، بحيث لو لم يركب وكان المولى مريدا واقعا لم يكن معذورا ، وبالجملة فمجبوليّة العقلاء واقتضاء فطرتهم ذلك في جميع امورهم ممّا لا يقبل الإنكار.

إن قلت : نعم ولكنّهم غير معصومين وقابلون للخطإ ، وهذا هو الفارق بين بناء العقلاء وحكم العقل ، فإنّ الحاكم قاطع بحكمه ولا يحتمل الخلاف وإن كان من

٦١٦

الممكن كون قطعه جهلا مركّبا ، ولكن لا يتّفق احتمال ذلك لنفس القاطع ، وأمّا لو استقرّ طريقة العقلاء على أمر فمن المحتمل خطائهم ، فحكم العقل حجّة شرعيّة في نفسه بلا حاجة إلى ضمّ شيء آخر ، وأمّا بناء العقلاء فلا يصير حجّة إلّا بعد إحراز الإمضاء من الشرع ، وأمّا بدونه فيحتمل خطائهم ، ومع الإمضاء كان الحجّة هو إمضائه.

قلت : نعم ولكن نحن نستكشف إمضاء الشارع بعدم ردعه ، فنجعل عدم ردعه دليلا على إمضائه وطريقا إليه ، ووجه طريقيّته أنّه بعد ما عرفت من أنّ مقتضى الفطرة هو العمل بالاطمئنان الحاصل من نقل النقلة ، فهم لو لم يصرفهم صارف فهم باقون على حسب فطرتهم ويعاملون مع الشارع معاملتهم مع سائر الموالي والأرباب ؛ فإنّ الله تعالى ربّ الأرباب ونبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله مفترض الطاعة كسائر الموالي العرفيّة بنظرهم ، فكما يعملون في أحكام سائر الموالي وأوامرهم بالاطمئنان الحاصل لهم من النقل كذلك يعملون به في أحكام هذين الموليين ، فلو كان الموليان مخطّئين لهذه الطريقة لكان عليهما إعلام العبيد بذلك وصرفهم عمّا يمشونه بفطرتهم ، فحيث لم يعلما ولم يصرفا علم أنّهما راضيان بهذه الطريقة وممضيان لها.

فإن قلت : كيف لم يردعا وقد ورد في الآيات حرمة العمل بغير العلم وبالظّن ، وبهذا المعنى ينادي الأخبار أيضا بأعلى صوت ، أفلا يكفي في الردع مثل هذه النواهي البليغة الأكيدة ،؟ وبالجملة ، فنحن وإن كنّا نسلّم جريان بناء العقلاء على حجيّة الاطمئنان من الخبر إلّا أنّ موضوع حجيّة بناء العقلاء مقيّد بعدم ردع الشرع ، فالأدلّة الناهية عن العمل بغير العلم الواردة من الشرع واردة على بناء العقلاء ؛ لكونها ردعا ، فلا يبقى معها موضوع الحجيّة في بناء العقلاء.

قلت : لا بدّ لتوضيح دفع هذا الإشكال من التكلّم في صلاحيّة هذه الأدلّة للرادعيّة وعدمها.

٦١٧

فنقول : قد ادّعى المولى الجليل المولى محمّد كاظم الطوسي في حاشيته على رسائل شيخنا المرتضى قدس‌سرهما وحكى إصراره عليه في الدرس استحالة رادعيّة هذه الأدلّة ، ومحصّل ما أفاد في وجه الاستحالة أنّ هذه الأدلّة ليست بأزيد من عمومات قابلة للتخصيص ، فالعمل بعمومها في المقام أعني الظنّ الحاصل من الخبر الموثوق به وحجيّة ظهورها في هذا الفرد ـ حتى يحصل لها وصف الرادعيّة ـ يتوقّف على عدم حجيّة هذا الظن ؛ إذ لو كان حجّة كانت العمومات مخصّصة به ، فلا تتّصف بالرادعيّة ، فإذا توقّف عدم حجيّة هذا الظن أيضا على رادعيّة هذه الأدلّة كان دورا ، وحاصله توقّف رادعيّة الأدلّة على عدم حجيّة هذا الفرد ، وتوقّف عدم حجيّته أيضا على رادعيّتها ، هذا حاصل ما أفاده.

ولكنّك خبير بأنّه ممكن القلب ؛ لإمكان تقرير هذا الإشكال بعينه في طرف الحجيّة ، فنقول : حجيّة هذا الظن يتوقّف على عدم رادعيّة الأدلّة ، وعدم رادعيّتها أيضا متوقّف على حجيّة هذا الظن ، أمّا الأوّل فواضح ، وأمّا الثاني أعني : توقّف عدم رادعيّة الأدلّة على حجيّة هذا الظنّ فلأنّ تلك العمومات بطبعها مقتضية لشمول هذا الفرد أيضا ، والمفروض عدم المخصّص ، فتكون شاملة له ، فتكون رادعة ، فصحّ أن يقال : إنّ عدم رادعيّتها يتوقّف على حجيّة هذا الظنّ ، فإذا توقّف حجيّته أيضا على عدم رادعيّتها كان دورا محالا.

هذا مضافا إلى عدم لزوم الدور رأسا ، بيانه أنّه : إذا ورد دليلان متنافيا المضمون فمن شرط تنافي أحدهما للآخر ومعارضته معه أن لا يكون موضوع أحد الدليلين مقيّدا بعدم الآخر ، وإن شئت المثال فلاحظ دليل حرمة العمل بالقياس ، فإنّه عام أو مطلق شامل لحالتي الانفتاح والانسداد ، وأمّا الظنّ المستفاد حجيّته من نتيجة دليل الانسداد فهو وإن كان مطلق الظنّ ، لكن موضوعه مقيّد بعدم قيام دليل على المنع ، فنتيجة دليل الانسداد إنّما يثبت حجيّة الظنّ الذي لم يقم على منعه دليل من الشرع ، فلا يفيد حجيّة الظنّ القياسي ، مع أنّ دليل حرمة القياس ليس إلّا عموما أو إطلاقا

٦١٨

شاملا لحال الانسداد.

ويمكن تقرير الدور في عمومها للظنّ القياسي في حال الانسداد فيقال : إنّ شمولها وعمومها لهذا الظن متوقّف على عدم حجيّة هذا الظنّ ؛ إذ لو كان حجّة كان عموم هذا الدليل مخصّصا في هذا الفرد ، فإذا توقّف عدم حجيّة هذا الظنّ على شمول العموم أيضا كان دورا ، فيلزم حجيّة هذا الظنّ في حال الانسداد عند القائل بحجيّة الظنّ المطلق.

والسرّ في تقديم العام ورفع الدور أنّ وجه تقديم المخصّصات المنفصلة على عموم العام إنّما هو المعارضة بالأقوى وكون الخاص نصّا أو أظهر من العام ، فإذا ورد : أكرم العلماء ، وورد : لا تكرم زيدا ، فليس الأوّل بعد ورود الثاني مسلوب الدلالة أو الحجيّة الذاتية لخروج الزيد عن أفراد العالم ، بل معه أيضا مقتض بعمومه ، لوجوب إكرام الزيد وحجّة ذاتية عليه ، ولكنّ الثاني أقوى دلالة وحجيّة من العام ، فلهذا يقدّم على العام.

وبالجملة ، فعقد موضوع الحجيّة الذاتية الاقتضائية في العام غير مقيّد بعدم المخصّص المنفصل ، بل ولو كان مقيّدا بعدم المنفصل أيضا ، لكنّ المضرّ إنّما هو المنفصل الذي كان حجيّته مطلقة ، دون ما كان حجيّته منوطا بعدم العام كما هو واضح.

نعم بناء على أصالة عدم القرينة هو مقيّد بعدم المخصّص المتّصل ، وأمّا الخاص المفروض في المقام أعني الحجيّة المستفادة من دليل الانسداد فعقد حجيته منوط ومربوط بعدم المنع المنفصل من الشرع ، فيكون العام الوارد واردا على هذا الخاص ، ووجه عدم الدور أنّ الأخذ بالعام كما عرفت بحسب الحجيّة الاقتضائيّة غير متوقّف على عدم الخاص ، فإذا أخذنا به يكون منعا يرفع موضوع الخاص أعني عدم المنع ، أعني يقوم المنع في مقام عدم المنع؛ لأنّهما في مرتبة واحدة ، فيرتفع حجيّة الخاصّ برفع موضوعها.

ومن هنا يظهر أنّ الخاصّ المقدّم على العام إنّما هو خاص لا يكون عقد الموضوع فيه مقيّدا بعدم دليل على خلافه ، وإلّا فكان اللازم تقديم العام عليه ، لوضوح عدم

٦١٩

المقاومة للخاص بهذا الوصف مع أدنى دليل ، مثلا لو ورد : أكرم العلماء ، وورد : لا تكرم زيدا ما دام لم يقم دليل على وجوب إكرامه فهل ترى يقدّمون هذا الخاص على العام ، بل لا شكّ في أنّهم عاملون بالعام ؛ لأنّه دليل ، وموضوع الخاص مقيّد بعدم الدليل ، فيكفي في رفع اليد عنه وجود أدنى دليل.

إذا تقرّر هذا فنقول : هكذا الحال في ما نحن فيه ، فإنّ الأدلّة الناهية عن العمل بغير العلم عمومات شاملة بعمومها للاطمئنان الحاصل من قول الثقة وبناء العقلاء وإن كان ثابتا في خصوص هذا الاطمئنان ، إلّا أنّ حجيّة ما يثبت حجيّته ببناء العقلاء مقيّد بعدم قيام دليل على منعه ، فإذا دلّ عليه عموم كان له الورود على بناء العقلاء.

وهنا جواب آخر للدور تعرّضه شيخنا في الكتاب ، وهو أنّ توقّف الردع على عدم الحجيّة مسلم ، لكن توقّف عدم الحجيّة على ثبوت الردع ممنوع ، بل يكفي فيه عدم ثبوت الإمضاء قبل ثبوت حال الآية في الردع وعدمه ، وفيه أنّ الموقوف عليه عدم الحجيّة إنّما هو ثبوت الردع ، ولا يكفي عدم ثبوت الإمضاء ؛ لأنّه معه يستكشف الإمضاء لئلّا يلزم نقض الغرض.

هذا والذي يمكن الاستظهار به لدفع رادعيّة العمومات هو أن يقال : إنّ المرتكزات العرفيّة تكون بحيث يغفل عن كون حجيّتها مقيّدة بعدم منع الشرع نوع النفوس ، فالارتكاز مانع عن خطور خلافه في ذهن النوع ، فالعبد كما يعامل مع مولاه في أحكامه وأوامره بالعمل فيها على الاطمئنان الحاصل من قول القائل على حسب فطرته كذلك هو باق على مقتضى هذه الفطرة لو صار عبدا لمولى آخر ، من دون أن يخطر بباله أن تكون طريقة هذا المولى في امتثال أوامره غير طريقة المولى السابق.

فكذا الحال في معاملة العبيد مع الموالي الحقيقيّة ، يعني لا يخطر ببال العامّة أنّه يريد منهم أمرا جديدا وطريقة مخترعة غير ما هم مجبولون عليه ، فلا يرضى بالعمل

٦٢٠