أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

وإذن فالأولى في الجواب أن يقال : بعد دوران الأمر في الآية بين أن تكون نازلة من السماء لخصوص خبر السيّد وبين كونها نازلة لأجل غيره من الأخبار الكثيرة أنّ المقدّم هو الثاني ، لا لأجل مجرّد كثرته واستلزام الأوّل انتهاء التخصيص إلى الواحد ، بل لاستلزام الأوّل استبشاع المعنى ؛ إذ يلزم إفادة عدم حجيّة خبر الواحد بعبارة دالّة على حجيّة خبر الواحد وهو من المضحكات والهزليّات ومحسوب من الألغاز والمعميّات ، هذا.

ومن أغرب ما كتب في حاشية المولى الأعظم محمّد كاظم الخراساني طاب ثراه على الرسائل ما كتبه في هذا المقام ممّا حاصله : أنّه يمكن الالتزام بأنّ الآية تدلّ على حجيّة خبر الواحد إلى زمان السيّد ، وتدلّ على عدم حجيّته بعد هذا الزمان بدلالته على حجيّة خبر السيّد ، ثمّ ذكر ما حاصله أنّه وإن كان التفكيك مقطوع الخلاف للإجماع على أنّه لو كان خبر الواحد حجّة للأوّلين فيكون حجّة للآخرين أيضا ، بل ولا يحتمل كونه حجّة للأوّلين وغير حجّة للآخرين وإن كان عكسه وهو عدم حجيّته للأوّلين بملاحظة انفتاح باب العلم وحجيّته للآخرين باعتبار انسداده محتملا ، إلّا أنّه لا بأس بأن نلتزم في مرحلة الظاهر بعدم حجيّة خبر الواحد بعد زمان خبر السيّد لوجود الحجّة عليه وهو خبر السيّد ، وأمّا ما قبل هذا الزمان فهو خارج عن محلّ الابتلاء.

والحاصل أنّ الأخذ بهذه الحجّة وإن كان لا يمكن في غير محلّ الابتلاء للزوم القبح ، لكن لا يضرّ ذلك بمحلّ الابتلاء إذا أمكن الأخذ بها فيه.

وحاصل مرامه بعبارة اخرى أنّ مخالفة الإجماع على المطلب الواقعي لموافقة حجّة ظاهريّة لا تضرّ ، وهنا من هذا القبيل ، فالواقع حسب الإجماع لا يخلو من أحد الأمرين فقط ، إمّا إرادة الحجيّة وإمّا عدمها ، ولكن في مقام الظاهر والأخذ بالحجّة وقع التفكيك ، ففي قطعة من الزمان ـ وهو ما بين صدور الآية إلى زمان صدور خبر السيّد ـ كانت الحجّة الفعليّة الغير المزاحمة واقعا بشيء قائمة على الحجيّة ، فكان

٥٨١

تكليف الناس في مرحلة الظاهر الأخذ بهذه الحجّة أعني ظاهر عموم الآية ، وفي قطعة اخرى ـ وهو ما بعد صدور خبر السيّد ـ كانت الحجّة الفعليّة قائمة على عدم الحجيّة ، فمن هذا الحين صار تكليفهم الرجوع إلى هذه الحجّة الظاهريّة وهو خبر السيّد المخصّص بعموم الآية.

فإن قلت : صدور خبر السيّد وإن كان في الزمان المتأخّر ، لكن مفاده عدم الحجيّة من الزمان الأوّل ، فيشمل زمان صدور الآية أيضا ، فيعود الإشكال.

قلت : نعم ولكن الحجيّة مختصّة بمفاده بالنسبة إلى زمان وجوده وما بعده ، فلا يلزم محذور بالنسبة إلى ما هو الحجّة ، أمّا بالنسبة إلى الأوّلين فلعدم الموضوع أعني خبر السيّد ، وأمّا بالنسبة إلينا فلعدم كون تلك الأزمان السابقة محلا لابتلائنا وموردا لعملنا ، فتكون الحجيّة مختصّة بنا بالنسبة إلى الزمان المتأخّر.

وأنت خبير بما فيه ، أمّا أوّلا فلأنّ إشكال الاستبشاع جار بعينه في ما بعد زمن إخبار السيّد أيضا ، فإنّ التعبير عن عدم حجيّة خبر الواحد بعبارة مؤدّاها أنّ خبر الواحد حجّة يكون مستبشعا مطلقا ، سواء كان بملاحظة أوّل زمان صدور الآية أم بملاحظة ما بعد خبر السيّد.

وأمّا ثانيا فلأنّا نحصر ما يحتمل إرادته من الآية في وجوه بالفحص والترديد والدوران ، ونبيّن بطلان إرادة كلّها سوى الوجه الذي ذكرنا من خروج خبر السيّد ودخول ما عداه.

فنقول : المراد بمفهوم الآية الدال على أنّ خبر الواحد حجّة لا يخلو إمّا أن يكون حجيّة خصوص خبر السيّد من أوّل زمان الصدور ، وإمّا حجيّة خبر الواحد من الأوّل إلى زمان خبر السيد ، وحجيّة خبر السيّد فقط ممّا بعد هذا الزمان ، وإمّا حجيّة خبر السيد والأخبار الأخر معا ، وإمّا حجيّة الأخبار الأخر دون خبر السيّد ، ولا خامس لهذه الوجوه.

لا سبيل إلى الأوّل ؛ للزوم الاستبشاع في المعنى ، ولا إلى الثاني ؛ لكونه مقطوع

٥٨٢

الخلاف ، ولا إلى الثالث ؛ للزوم المحال من حجيّة الأخبار الأخر وعدم حجيّتها ، فتعيّن الرابع وهو المطلوب.

ثمّ إنّ أحسن الأجوبة عن أصل الإشكال أن يقال : إنّ خبر السيّد غير مشمول لأدلّة الحجيّة رأسا ؛ لأنّه إجماع منقول ، وقد عرفت في ما تقدّم أنّ الآية إنّما تدلّ على حجيّة الخبر عن حسّ أو قريب عن الحس ، ولا يشمل الإخبار الحدسي فتذكّر.

ثالثها : وهو أيضا وارد على جميع أدلّة حجيّة خبر الواحد ولا اختصاص له بالآية ـ وله تقريبان مرجعهما إلى الواحد :

الأوّل : أنّ تلك الأدلّة موردها الخبر بلا واسطة ، ولا يمكن أن يشمل الخبر مع الواسطة ، بيان ذلك أنّه إذا أخبرنا الشيخ أنّه قال المفيد : كذا ، فالخبر الوجداني لنا منحصر في خبر الشيخ ، فلا بدّ من إجراء «صدّق العادل» في خبر الشيخ ليثبت ببركة هذا الحكم خبر المفيد تعبّدا ، لنرتّب بعد حصول موضوع الخبر التعبّدي نفس حكم «صدّق» عليه أيضا ، فيلزم أن يكون الحكم محقّقا لموضوع نفسه ، فإنّ حكم «صدّق» المترتّب على خبر الشيخ تحقّق موضوع خبر المفيد التعبّدي ، فيصير حكما له ، فيلزم تقدّم الحكم على موضوعه والواجب العكس ، فالواجب أن لا يشمل الحكم الموضوع المتحقّق بسببه لئلا يلزم هذا المحذور.

فقول القائل : كلّ خبري صادق ، لا بدّ أن لا يشمل نفسه ، فإنّ حكم «صادق» يكون سببا لتحقّق موضوع هذا الخبر ، فلا يمكن أن يكون حكما له أيضا ، غاية الأمر أنّ الحكم في هذه القضيّة موجد المخبر حقيقة وفي قضيّة «صدّق» موجد له تعبّدا.

والثاني : أنّ معنى «صدّق العادل» ليس هو التصديق الجناني ، بل المراد هو التصديق العملي الذي هو عبارة عن ترتيب الأثر الثابت لمقول قوله عليه ، ومقول قول الشيخ هنا قول المفيد ، وليس أثر قول المفيد لزوم العمل مثل قول الصادق عليه‌السلام ، بل إنّما أثره تصديق العادل ، فيلزم أن يكون صدق العادل المرتّب على خبر الشيخ بلحاظ ترتيب نفسه ، ولا يمكن أن يكون الحكم التنزيلي ناظرا إلى نفسه ، بل

٥٨٣

لا بدّ أن يكون الحكم بتصديق العادل بلحاظ أثر آخر غير هذا الأثر الذي هو نفسه.

ولا يخفى أنّ مرجع التقرير الأوّل إلى الثاني ؛ فإنّه ليس الحال في «صدّق العادل» هو الحال في «كلّ خبري صادق» ؛ فإنّ الثاني يكوّن الخبر ويوجد الفرد الحقيقي له ، وأمّا هنا فصدق العادل لا يوجد الفرد الحقيقي لخبر المفيد مثلا ، بل الخبر التعبّدي ، والخبر التعبّدي يعنى ما يكون له أثر الحقيقي ، وليس التعبّد بالخبر إلّا ترتيب أثر الخبر الحقيقي وهو تصديق العادل.

وبعبارة اخرى : معنى «صدّق العادل» في خبر الشيخ هو البناء على وجود خبر المفيد ، ومعنى البناء على وجوده ترتيب أثر التصديق عليه ، فيرجع إلى عدم إمكان أن يكون الحكم بالتصديق بلحاظ ترتيب نفسه.

وقد أجابوا عن هذا الإشكال أنّ المراد بقوله : رتّب الأثر ، ترتيب طبيعة الأثر ، وهذه الطبيعة صادقة على هذا الحكم الذي هو وجوب التصديق ، فخبر العادل كلّ أثر يكون لقوله يجب ترتيبه وإن كان الأثر وجوب التصديق ، وعلى هذا فهذه القضيّة تشمل نفسه بالمدلول اللفظي ، ويمكن بتنقيح المناط أيضا ، للعلم بعدم خصوصيّة أثر دون آخر في نظر الشارع ، هذا ما قالوه.

وأظن أنّ هذا الجواب غير نافع لهذا المقام ، لأنّ المراد بتصديق العادل كما اعترفوا به هو التصديق العملي ، والحاصل أنّه لا بدّ أن يكون معنى «صدّق العادل» «صلّ الجمعة» مثلا ، فما لم يرجع معناه إلى العمل لا معنى لإجرائه ، وعلى هذا فالأثر الذي يهمّ ترتيبه هنا على خبر الشيخ باخبار المفيد ليس إلّا تصديق المفيد في خبره ، وتصديق المفيد لا إشكال في أنّه في حدّ ذاته ليس عملا مطلوبا شرعيّا.

فإن قلت : ثمرته الانتهاء إلى قول الإمام عليه‌السلام : «صلّ الجمعة» وهو أثر عملي ، وتصديق المفيد وغيره من الوسائط وسائط لهذا الأثر.

قلت : فيكون «صدّق العادل» بلحاظ ذاك الأثر الذي هو الحكم الصادر عن الإمام ، وهو مناف لما ذكروه من أنّ الأثر المرتّب على تصديق الشيخ تصديق المفيد

٥٨٤

وأثره تصديق الصدوق وهكذا إلى أن ينتهي إلى قول الإمام ، فهنا يجب إجراء حكم «صدّق العادل» المتعدّد المرتّب في الطول ، وكلّ لا حق يكون بلحاظ سابقه.

والحقّ في الجواب أن يقال : إنّه لا حاجة لنا إلى أزيد من الخطاب الواحد ب «صدّق العادل» ، وبإجراء الفرد الوحد من «صدّق» يرتفع الإشكال ، بيان ذلك أنّه إذا أخبرنا الشيخ أنّه أخبره المفيد أنّه أخبره الصدوق أنّه أخبره أبوه أنّه أخبره الصفّار أنّه قال له العسكري عليه‌السلام : صلاة الجمعة واجبة مثلا ، فلا شكّ أنّه من هذه السلسلة قد استفدنا قول الإمام وحكي لنا رأيه عليه‌السلام ، وذلك لأنّ خبر الشيخ يحكى بالحكاية الظنّية الشخصيّة مثلا عن خبر المفيد ، وهو يحكي لنا ويفيد الظنّ الشخصي بقول الصدوق ، وهكذا كلّ يفيد الظنّ الشخصى بمحكيّه إلى قول الصفار ، وهو أيضا يفيد الظنّ الشخصي بمحكيّه وهو صدور قول : «صلّ الجمعة» عن الامام.

فتحقّق هنا الحكاية الظنّية عن قول الإمام مستندة إلى خبر العادل ، والدليل دلّ على أنّ الظنّ بالحكم الشرعي المستند إلى خبر العادل واجب الاتّباع ، ولا يلزم في باب الأمارة أن يكون الحكم الشرعي الذي يقصد ترتيبه أثرا شخصيّا لمؤدّاها.

ألا ترى أنّه لو قام البيّنة على طهارة أحد الإنائين المعلوم إجمالا نجاسة أحدهما يحكم بنجاسة الإناء الآخر ، مع أنّ نجاسة الثاني ليست أثرا شرعيّا لطهارة الأوّل ، وإنّما حصل التلازم بينهما بحسب علمك ، فأنت بهذا الاعتقاد قاطع على تقدير صدق البيّنة بنجاسة الإناء الثاني ، فإذا حصل لك الظنّ الشخصي من قول البيّنة الحاكية لطهارة الأوّل حصل لك الظنّ أيضا بنجاسة الثاني ، فيكون خبر البيّنة حاكيا لنجاسته بالحكاية الظنيّة.

فكذلك هنا أيضا يكون التلازم بين قول العادل والصدق ظنّا ، فكلّ من خبر الشيخ والمفيد الخ يكون متلازم الصدق ظنّا إلى قول الإمام ، فيصدق الحكاية الظنيّة عن قول الإمامعليه‌السلام مستندة إلى خبر العادل ، ثمّ بعد هذه الحكاية يدور

٥٨٥

الأمر بين اثنين لا ثالث لهما :

الأوّل : أن يكون القول صادرا عن الإمام عليه‌السلام ، والثاني : أن يكون عادل كاذبا ، فإنّه لو لم يصدر القول عنه عليه‌السلام فلا يخلو إمّا يكون الشيخ كذب في قوله : أخبرني المفيد ، ولو صدق هو فيلزم أن يكون المفيد كاذبا في خبره : أخبرني الصدوق ، ولو صدق هو كان الصدوق كاذبا في خبره : أخبرني أبي ، وهكذا لو صدق الأب لزم كذب الصفّار ، ولا يمكن أن لا يكون في البين كذب عادل ومع ذلك لم يكن القول صادرا عن الإمام.

نعم لو كان في الوسائط فاسق ولو واحدا لأمكن صدق العادل وعدم صدور الحكم عن الإمام ، وأمّا بعد كون الوسائط جميعا محقّق العدالة غير مشكوك في عدالتهم فلا محالة يكون عدم الصدور ملازما لكذب عادل واحد ، وحينئذ فالتوقّف عن العمل بالحكم المحكيّ بالحكاية المذكورة أعني وجوب الجمعة ليس له سبب وعلّة إلّا احتمال كذب العادل ، ضرورة أنّه مع القطع بعدم كذب العادل فلا مانع عن المصير إلى العمل ، فعند هذا التوقّف لأجل هذا المانع يكون المكلّف مخاطبا بخطاب «صدّق العادل» وهذا الخطاب يدعوه إلى العمل بالحكم المزبور ؛ إذ مع إلغاء هذا الاحتمال ينتفي المانع عن العمل مطلقا.

فعلم أنّ المحتاج إليه ليس بأزيد من فرد واحد من «صدّق العادل» ويكون المقصود طبيعة العادل من دون إشارة إلى شخص خاص من الشيخ ومن قبله من الوسائط ، ويكون اللازم العادي لتصديقه هو العمل أعني صلاة الجمعة.

والحاصل أنّ قول الإمام صدورا وعدما يدور مدار صدق العادل بقول مطلق وكذبه ولو في ضمن فرد واحد منه ، وكون تمام توقّف المكلّف عن العمل بسبب مجرّد احتمال كذب العادل يكفي في توجّه خطاب واحد إليه بتصديق العادل.

فإن قلت : ما ذكرت من كفاية خطاب واحد إنّما يتمّ في ما إذا كان هناك اخبار عدول متعدّدة محقّقة محرزة لنا وجدانا ، كما لو علمنا وجدانا بصدور الخبر عن كلّ

٥٨٦

واحد من الشيخ ومن قبله إلى الصفّار ، فحينئذ لو لم يكن القول صادرا عن الإمام فلا محالة يلزم كذب عادل واحد ، فخطاب واحد بتصديق طبيعة العادل يكفي في سدّ باب هذا الاحتمال ، والتحريك نحو العمل ، وهذا بخلاف ما نحن فيه ، حيث إنّ الخبر الوجداني المحقّق منحصر في خبر الشيخ ، وأمّا خبر غيره فلا بدّ من إحرازه بخطاب «صدّق» المتعلّق بخبر الشيخ ، فب «صدق العادل» في خبر الشيخ يثبت خبر المفيد وب «صدق العادل» الجاري في خبر المفيد يثبت خبر الصدوق ، فلا محيص عن خطابات عديدة طوليّة ، ولا يكفي سوق خطاب واحد نحو طبيعة العادل مع عدم إحراز ما عدا خبر الشيخ.

قلت : لكن مع ذلك كلّه لا يخرج الأمر من حالين ، إمّا صدر من الإمام الحكم ، وإمّا كذب عادل واحد ، ولا ثالث لهذين ، وهذا العادل الواحد إمّا الشيخ وإمّا المفيد وإمّا الصدوق وإمّا أبوه وإمّا الصفّار ، فنحن نرفع احتمال الكذب عن الجميع بخطاب «صدّق العادل» ومن المعلوم أنّ اللازم العادي للاخبار المسلسلة هو صدور الحكم عن الإمام ظنّا.

وإن شئت التوضيح فافرض حصول القطع من خبر كلّ من الشيخ ومن قبله ، فعند هذا القطع يلزم قهرا حصول القطع بقول الإمام ، فكذلك لو حصل الظّن بصدق العادل حصل قهرا الظنّ بالصدور ، فيصدق أنّه حصل الظنّ بقول الإمام من خبر العادل كما يصدق في المثال حصول القطع به من خبر العادل ، وقد قلنا : إنّه لا يلزم أن يكون أثرا لقول العادل ، بل يكفي ثبوت الملازمة بينهما بمعنى أن يكون العمل لازما له أو ملزوما بحيث صدق الحكاية.

فهنا أيضا تكون الملازمة بين قول العادل والظنّ بالصدق وبقول الإمام عليه‌السلام كما هو واضح ، فإذا رفع احتمال الكذب عن البين بواسطة «صدّق العادل» فلا معنى لهذا الخطاب إلّا الإلزام بصلاة الجمعة.

وحاصل الكلام في المقام أنّ مجرّد تصديق العادل ما لم ينته إلى العمل ليس بأثر ؛

٥٨٧

إذ ليس مفاد «صدّق» هو التصديق القلبي ، حتى أنّ في ما يكون الأثر الشرعي لمؤدّى الأمارة بواسطة ملازمات خارجيّة أيضا ليس المقصود تصديق ما هو اللازم للمؤدّى بلا واسطة ، بل المقصود توجيه المكلّف نحو العمل الذي هو متأخّر عن الجميع ، مثلا لو أخبر بشيء وكان في الخارج ملازما مع وجوب صلاة ركعتين فليس معنى «صدّق» ابن على وقوع هذا الأمر الخارجي ، بل المقصود : صلّ الركعتين.

وحينئذ نقول : يكفي في الحكاية بقول العادل كون الوقوع واللاوقوع منوطين بصدقه وكذبه ، كما في مثال المخبر بأحد المتلازمين بعد الفراغ عن الملازمة الخارجيّة بينهما ، فإنّه لو لم يكن اللازم الآخر متحقّقا فلا محالة كذب العادل ، ولو صدق فلا محالة يكون اللازم الآخر متحقّقا ، وبمجرّد هذا القدر حصل المطلب بحكاية قول العادل وببركته ، ولا يحتاج في تحقّق الحكاية إلى كون المحكيّ مدلولا مطابقيّا لقوله ، بل ولا كونه التزاميّا بأن لا يلتفت المخبر بملازمته أصلا ، بل ولو كان قاطعا بالخلاف.

فإذا أخبر بطهارة أحد المشتبهين كان حكاية عن نجاسة الآخر لمن له العلم الإجمالي ، وإن كان نفس المخبر قاطعا بطهارة الآخر فيكفي في الاستفادة والتحصيل للمطلب من قول العادل ثبوت الوقوع على تقدير صدقه ، وهذا هو المراد لو اعتبر كون الواسطة من اللوازم العقليّة أو العاديّة ، فإن الملاك هو الحكاية المتحقّقة بدوران الوقوع واللاوقوع على صدقه وكذبه.

فنقول في ما نحن فيه : وجوب الجمعة الذي هو الأثر العملي وإن لم يكن مدلولا مطابقيّا إلّا لقول الصفّار ، ولكن نحن لا نشكّ في أنّه لو لم يكن الشيخ والمفيد والصدوق وأبوه والصفّار كاذبين فهذا الحكم واقع ، وإن كان لا واقعيّة له فلا محالة إمّا مستند إلى كذب الصفّار وإمّا أب الصدوق وهكذا ، فتحقّق الحكاية عن قول الإمام بخبر العادل ، وأنّا قد استفدنا من هذه السلسلة من العدول وببركة أخبارهم حكم الإمام ، فإذن فنحن مكلّفون بصدق العادل لأجل نفس هذا الأثر العملي المحكيّ بقول العادل المترتّب على صدقه ، هذا غاية توجيه مرام شيخنا الاستاد دام ظلّه على

٥٨٨

ما استفدته من تقريره في مجلس الدرس.

وأنا أقول : هنا سؤال وهو أنّ طبيعة خبر العادل التي علّق عليها في الأدلّة حكم «صدّق» لا يخلو من حالين ، إمّا يسري حكمه إلى أفراده وإمّا لا ، وحيث إنّ المختار هو سراية الحكم من الطبيعة إلى الفرد فيتعيّن الأوّل ، وحينئذ فنقول : إخبار شيخ الطائفة لنا بخبر المفيد الذي هو الفرد الحقيقي لهذه الطبيعة في المقام وليس غيره فرد وجداني آخر لا يخلو إمّا يكون من جملة تلك الأفراد التي يسري إليها الحكم المذكور من الطبيعة وإمّا خارج عنها.

فإن كان الثاني فنحن في الراحة ؛ إذ لا يجب علينا تصديق هذا الخبر ، وليس غيره خبر آخر في أيدينا ، وإن كان الأوّل كان هذا النزاع في ما بين الاستاد والشيخ الأجلّ المرتضى لفظيّا ، فإنّه على هذا يجب إسراء حكم «صدّق» في خبر الشيخ من الطبيعة ، وبه يتحقّق موضوع خبر المفيد تعبّدا ، فيشمله هذا الحكم بالسراية ، فيتحقّق موضوع الخبر التعبّدي للصدوق ، فيشمله أيضا ، فهنا أحكام طوليّة ، كلّ لاحق محقّق لموضوع السابق.

فينحصر وجه تصحيح الإشكال بما ذكره الشيخ من جعل قضيّة صدق العادل طبيعيّة، بأن يكون المراد منها طبيعة الأثر ولو كان جاريا بنفس هذا الحكم ، فهو قدس‌سره إنّما يقول بتعلّق حكم «صدّق» بخصوص شخص خبر الشيخ من باب السراية ، وإلّا فلا يقول بتعلّقه به أوّلا وبالذات.

والاستاد دام ظلّه يقول : هنا حكم على طبيعة العادل من دون نظر إلى خصوص الأفراد ، وهذا مسلّم إلّا أنّه تبعا يتعلّق بالأفراد كما هو معترف أيضا ، فلا محالة يكون النزاع ـ في أنّ المحتاج إليه خطاب واحد ب «صدّق» أو خطابات طوليّة بعدد الاخبار ـ على هذا الوجه نزاعا لفظيّا.

وطريق التخلّص منحصر في جعل القضيّة عامّة إمّا بالملاك وإمّا بجعلها طبيعيّة ، والمراد بالتصديق أيضا تصديق عملي ، ولكن لا يلزم عدم الواسطة بينه وبين العمل ،

٥٨٩

بل يكفي كون المنتهى إليه عملا كما هنا ، فصدّق في خبر الشيخ ناظر إلى «صدّق» في خبر المفيد وهو إلى «صدّق» في خبر الصدوق إلى أن ينتهي إلى «صلّ الجمعة» ، والغاية الأصليّة للجميع هو هذا بحيث لو لم يكن هذا لما كان محلّ لخطاب «صدّق» أصلا.

فإن قلت لا شبهة في أنّ حكم «صدّق» موجود في موضوع خبر العادل قبل أن يخبر ، غاية الأمر على نحو التعليق ، يعني لو وجد فصدّقه ، وهذه القضيّة التعليقيّة أبدا موجودة وإن لم يكن لها مصداق في العالم أصلا.

فنقول : خبر الصفّار والصدوق والمفيد والشيخ موضوع لهذا الحكم التعليقي بلا ترقّب لحصول أمر ، فحينئذ إذا حصل لخبر الشيخ المصداق الخارجي وصار فعليّا صار هذا الحكم التعليقي فعليّا ، وهذا الحكم بانضمام الأحكام التعليقيّة الموجودة في نفسها في موضوع خبر الآخرين من دون توقّف له على تحقّق الحكم لخبر الشيخ يفيد المدّعى ويكفي في الوصول إلى قول الإمام ؛ فإنّ مقول قول الشيخ هو قول المفيد ونحن مكلّفون بالتكليف الفعلي التنجيزي بتصديق خبر الشيخ ، وحينئذ فإن لم يقل المفيد لزم كذب الشيخ ، وهذا خلاف ما امرنا به ، وإن قال فالمفروض أنّه أيضا واجد للقضيّة التعليقيّة ، وهكذا نقول في خبر الصدوق والصفّار ، فيكفي لنا أيضا خطاب واحد ب «صدّق العادل».

قلت : هذا عين تقرير مطلبنا ، فإنّ القضيّة التعليقية قبل صيرورتها منجّزة لا يترتّب عليها أثر ، وهذا من البديهيّات الأوّليّة في الميزان ، فلا بدّ من صيرورة هذه القضيّة التعليقيّة في خبر المفيد بتوسّط وبركة فعليّتها في خبر الشيخ حتّى يكون لها أثر ، ففي مرتبة القضيّة التعليقيّة وإن كان لا ترتّب بين القضايا ، بل كلّها في عرض واحد ، ولكن في مرتبة الفعليّة والتنجيز الذي هو لا بدّ منه يكون بينهما الترتّب ، بمعنى أنّ فعليّة الحكم التعليقي للموضوع السابق الذي هو خبر المفيد يحدث من قبل فعليّته للموضوع اللاحق الذي هو خبر الشيخ.

فالحكم المتصوّر هنا في كلّ من الأفراد بدون الترتّب وتوقّف وجود السابق

٥٩٠

بوجود اللاحق ـ وهو التعليقي ـ غير مفيد ، والحكم الذي له فائدة وهو الوجوب الفعلي لا يتصوّر بغير الترتّب ومجيء السابق من قبل اللاحق ، فعلم أنّه لا يمكن إخراج المقام عن إيجاد الحكم بالحكم كما هو واضح ، هذا وقد قرّر دام ظلّه مرامه بتقرير آخر دفعا لما أوردناه عليه.

وحاصل تقريره الثاني أنّه لا بدّ من تقديم مقدّمة لها كمال الدخل في فهم المطلب وهي. فهم الفرق بين الاصول والأمارات.

فنقول : يجب في الاصول الاقتصار على مدلولها ، ولا يجوز التعدّي منه إلى شيء أجنبي عن مدلولها ، مثلا مدلول الاستصحاب عدم نقض اليقين بالشكّ ، فلو كان إناءان مشكوكا الطهارة وكان أحدهما مسبوقا بها دون الآخر ، ولكن علم التلازم بين طهارتيهما فحينئذ يبنى على طهارة الأوّل دون الثاني ، لعدم كون الحكم بطهارته من مصاديق عدم نقض اليقين بالشك ، ومدلول الأصل هو هذا لا غيره فلا يجوز التعدّي عنه.

وكذلك لو كان في طول المدلول ومترتّبا عليه ، كما لو شكّ في حياة الزيد بعد العلم بها ، وكان من لوازم حياته إلى هذا الزمان بياض لحيته ، وكان لبياض لحيته أثر شرعي كوجوب صلاة ركعتين ، فإنّه لا يحكم باستصحاب الحياة بوجوب الركعتين ، فإنّ بياض اللحية أجنبي عن مدلول الاستصحاب ، لعدم تحقّق المصداق ، لعدم نقض اليقين بالنسبة إلى بياض اللحية ، وإنّما تحقّق بالنسبة إلى الحياة وهي غيره.

نعم يحكم باللوازم الشرعية مثل طهارة الملاقي عند استصحاب الطهارة في ملاقاه ، فإنّ مدلول الأصل البناء على الطهارة ، ومعنى ذلك معاملة الطهارة التي من جملته طهارة ملاقيه.

وهذا بخلاف الإمارات ، فمعنى «صدّق العادل» مثلا : رتّب أثر الصدق على قوله وألق احتمال الخلاف ، فكلّ كشف يحصل للإنسان بواسطة الاعتماد على «صدّق العادل» لزم الأخذ به إذا كان كشفا لحكم شرعي ، فإذا علمنا التلازم بين طهارة

٥٩١

الإنائين المشكوكين وأخبر العادل بطهارة أحدهما فمدلول قوله والمخبر به لإخباره إنّما هو طهارة هذا الأحد لا غير ، لكنّ المقدار الحاصل من الكشف عن طهارة هذا الأحد من قوله تحصّل هذا المقدار بعينه بلا زيادة ونقيصة بالنسبة إلى طهارة الآخر ، فيندرج تحت دليل «صدّق» وإن كان العادل لم ير الملازمة أو قطع بالنجاسة.

وكذا الحال في ما إذا كان الأثر في طول ما أخبر به العادل ، كما لو أخبر بأنّ المنار الموجود في بلاد الإفرنج ستّة عشر ذرعا ، وكان بين كون المنار المذكور بهذا القدر وبين وجوب صلاة ركعتين ملازمة فإنّه كما يحصل الكشف بالنسبة إلى مقدار المنار يحصل بعينه بالنسبة إلى وجوب الركعتين ، وحينئذ لا يلزم تعلّق خطاب «صدّق» أوّلا باللازم بلا واسطة وهو المقدار الخاص للمنار ثمّ تعلّقه بالأثر ، بل يكون متعلّقا من الأوّل بلحاظ الأثر، يعني هذا الكشف الحاصل من إخبار العادل يجب الأخذ به وإلغاء احتمال خلافه الملازم لكذب العادل.

والحاصل : حيث ما دار وقوع الحكم وعدم وقوعه مدار صدق العادل وكذبه وجب البناء على صدقه وإلغاء احتمال الكذب ، ولو كان معنى «صدّق العادل» هو البناء على مقول قوله لما كان فرق بين الأمارة والأصل ، فليس الموضوع لوجوب التصديق خبر العدل ، بل ما انكشف بسبب ملاحظة الملازمة بين خبره ومطابقته للواقع.

وحينئذ نقول في ما نحن فيه : بين قول الصفّار ومطابقة مقوله للواقع ملازمة ظنيّة ، وكذا الصدوق ، فيحصل الكشف الظنّي من قول الصدوق باخبار الصفّار ، ومنه يحصل الكشف الظنّي بوجود تكليف «صلّ الجمعة» فيتحقّق هنا كشف في نفس الإنسان لحكم وجوب الجمعة من جهة الاعتماد على صدق العادل ، بحيث لا يمكن الخلاف إلّا مع كذب عادل واحد لا محالة ، فإذا علمنا من الشارع أنّه أراد إلغاء هذا الاحتمال في حقّ العادل كان معناه وجوب الجمعة ، فلو كان بالفرض حجيّة قول العادل دائرا مدار الظنّ الفعلي لكان يصدق أنّ الظّن الفعلي حصل بصلاة الجمعة من قول العادل ، إذ لا إشكال في أنّ قول العادل في حدّ نفسه مع قطع النظر عن حكم

٥٩٢

«صدّق» يكون بينه وبين مطابقة مدلوله للواقع ملازمة ظنيّة.

فبقول الشيخ يحصل الكشف الظنّي بقول الصفّار ، وبه يحصل بوجوب الجمعة ، فيتحقّق هنا كشف حاصل من الاعتماد على مطابقة قول العادل ، فلو كان أحد الوسائط فاسقا لما حصل هذا المضمون أعني : الكشف الحاصل من الاعتماد على صدق العادل.

وكذلك الحال على ما هو الواقع من اعتبار الظنّ النوعي ؛ فإنّ معناه أنّه قد لا يكون فعليّا لأجل شوب الذهن ببعض العوارض والمعارضات ، وإلّا كان اللازم حصول الظنّ الفعلي.

وكيف كان فحينئذ يكون هنا كشف ظنّي نوعي لوجوب الجمعة حاصل من قول العادل يعني من صدقه وعدم كذبه فلا تغفل ، فإنّه لا نجعل الموضوع خبر العادل حتّى نحتاج إلى تجشّم تعلّقه أوّلا بخبر الشيخ حتى يثبت به موضوع خبر الصفّار ، بل نجعل الموضوع الانكشاف الحاصل في النفس من جهة الاتّكال على صدق العادل وإلغاء احتمال كذبه ، وهذا يكون ملازما بلا واسطة للحكم الشرعي ، ويكون معنى «صدّق» من أوّل الأمر «صلّ الجمعة».

والحاصل (١) أنّه لو كان معنى الحجيّة الطريقيّة هو التعبّد بمدلول القول مطابقة أو التزاما ، وبعبارة اخرى : كانت الحجيّة دائرة مدار عنوان الإخبار والمخبر بهيّة ولازم ذلك الجمود على هذا ، كما في التعبّد بعنوان عدم النقض ، وعدم التعدّي إلى اللوازم والملزومات والملازمات العاديّة أو العقليّة ، فضلا عن الملازمات العلميّة ، ـ إذ ليس في الكلام إشعار بذلك ولا في ذهن المتكلّم احتماله ، فكيف يصحّ إطلاق أنّه : قاله ، أو أخبر به ، أو دلّ عليه لفظه ، أو كان معناها إيراد التنزيل أوّلا على المقول ثمّ

__________________

(١) هذا تقرير آخر لكلام آية الله العظمى الحائري قدس‌سره وإشكال المؤلّف طاب ثراه عليه.

٥٩٣

على الوسائط فيكون هنا تنزيلات طوليّة مترتّبة بعدد الوسائط وترتيبها ـ كان الإشكال متوجّها ؛ إذ يلزم على التقدير الأوّل في المقام إجراء التعبّد في خبر الشيخ ليثبت ببركته مقوله وهو قول المفيد ، ثمّ في هذا القول الثابت تعبّدا ليثبت ببركته قول الصدوق وهكذا ، وعلى التقدير الثاني إجراء الحكم أوّلا في قول الشيخ ثمّ جعل الملازمة بينه وبين قول المفيد وهكذا ، وحيث إنّ الأثر الملحوظ في التنزيل على كلّ من التقديرين وجوب التصديق لزم كون الحكم ناظرا إلى نفسه.

ولكنّ الأمر على خلاف ذينك التقديرين ، والحقّ في استكشاف حقيقة معنى الطريقية هو الرجوع إلى العرف في الطرق العرفيّة ، ونحن إذا راجعناهم وجدنا معنى طريقيّة قول الثقة مثلا عندهم هو الاعتبار بكلّ انكشاف كان منشائه حسن الظنّ بالثقة وبعد احتمال الكذب في خبره ، فلو فرض انكشافات طوليّة حاصلة بتوسّط الملازمة القطعيّة فهذه الانكشافات وإن كانت مترتّبة في الوجود ، ولكنّها في ملاك الأخذ عندهم في عرض واحد.

وكذا لو أخبر ثقة أنّه أخبر فلان الثقة بكذا ، فعين تلك الدرجة من حسن الظنّ والبعد المذكورين يحصل هنا كما يحصل عند إخبار الثقة بلا واسطة ، وليس الغرض التشبّث بهذا الأصل المطلب حتى يقال : لعلّ وجه الأخذ وجود المناط أو صحّة القضيّة الطبيعيّة ، بل المقصود التشبّث بهذا في فهم الطريقيّة الواردة في الأدلّة اللفظيّة الشرعية.

فنقول : الفرق بين «لا تنقض» وبين «صدّق العادل» هو الدوران في الأوّل مدار صدق العنوان ، وأمّا في الثاني فنحكم بشهادة ذلك الارتكاز العرفي أنّ كلّ انكشاف لحكم شرعي نشأ من الاعتماد بقول العادل ولو بغير هذا الحكم ، بحيث لزم من عدمه كذب العادل في خبر من أخباره ، فالشارع حكم بلزوم الأخذ بهذا الحكم ولو كان في البين وسائط عقليّة أو عاديّة ، فالجعل يتعلّق أوّلا بهذا الكشف المتعلّق بالحكم الشرعي ، لأنّه القابل للجعل من دون تعلّق له بتلك الوسائط أصلا.

٥٩٤

وحينئذ نقول : إذا قال الشيخ : قال المفيد : قال الصدوق : قال الصفّار : قال العسكري عليه‌السلام : تجب صلاة الجمعة ، فنحن بعد إحراز عدالة هؤلاء المذكورين في السلسلة وعدم تخصيص حكم «صدّق العادل» بالنسبة إلى واحد منهم لا نحتاج إلّا إلى تعبّد واحد بوجوب صلاة الجمعة.

وذلك لأنّ خبر الشيخ محرز وجدانا وهو كاشف نوعيّ عن خبر المفيد ، وهذا المكشوف كاشف نوعي عن خبر الصدوق وهكذا إلى وجوب صلاة الجمعة ، بحيث لو فرض حصول الظنّ الفعلي من قول العادل لكنّا ظانّين بوجوب الجمعة فعلا من قول العادل، غاية الأمر أنّ الحال يحصل الظن النوعي من هذه السلسلة التي أوّلها وجداني ، نعم هذا كشف ناقص فنحتاج ـ كما في كلّ مقام ـ إلى تتميمه بقول الشارع : «صدّق العادل».

وبالجملة ، يصدق على هذا الانكشاف أنّه حصل من قول العادل ونشأ من حسن الظنّ به وبعد احتمال الكذب في حقّه ، بحيث لو لم يكن المنكشف لزم كذب أحد العدول المذكورة في السلسلة.

نعم لو كان واحد من أهل السلسلة خارجا عن حكم «صدّق» بأن كان فاسقا أو مشكوك الحال لا يتمّ ما ذكرنا ، فحاله حال ما إذا كان في الوسائط أولويّة ظنّية أو غيرها من الظنون الغير المعتبرة ، ووجهه كما مرّ أنّا نحتاج إلى وجود دليل الاعتبار في كلّ واسطة ولو على نحو التعليق على وجود الموضوع من دون حاجة إلى إحراز الموضوع ، فإنّه مع عدم ترتيب الأثر يلزم قطعا إمّا كذب الشيخ ، ولو صدق هو كذب المفيد وهكذا ، والحال أنّ الكلّ واجب التصديق ومحرّم التكذيب بلا تقييد بوصول شخص خبرهم إلينا تفصيلا ؛ إذ الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الأمريّة لا المحرزة الواصلة إلى المكلّف تفصيلا.

فتحصّل أنّا لا نحتاج في إجراء دليل التعبّد في هذا الانكشاف إلى إدراجه تحت عنوان مقول العادل ، ولا إلى تصحيح الملازمات الكائنة قبله لنحتاج على

٥٩٥

التقديرين إلى التعبّدات المترتّبة ، بل نجري أوّلا دليل التعبّد في نفس هذا الانكشاف لاتّصافه بما هو المعيار من كونه حاصلا من قول العادل وأنّه لولاه لزم كذب عادل في خبر لا محالة.

ثمّ إنّ شيخنا الاستاد دام بقاه استشكل على القضيّة الطبيعيّة في المقام بوجهين ، الأوّل : في كلّي شمول الطبيعية نفسها ، والثاني : في خصوص المقام ولو فرغ عن كليّه ، أمّا الخاص بالمقام فهو أنّ التصديق الواجب ليس المراد به التصديق الجناني ، بل العمل الخارجي، وليس لخبر المفيد وغيره في المقام أثر عملي حتى بعد ملاحظة كونه موضوعا لوجوب التصديق ، فإنّه بعد عدم كون المراد منه البناء القلبي على الصدق ليس في حدّ نفسه أثرا عمليّا ، فيرجع الأمر بالأخرة إلى إيجاب الصلاة التي هي المنتهى إليه السلسلة ، ومنه يعلم أنّه لو صحّحنا الطبيعيّة في مقام آخر فلا ينفعنا في هذا المقام ، بل النافع هي الطريقة التي ذكرناها ليس إلّا.

وفيه أنّه يمكن تجزئة هذا العمل الواحد الذي هو الصلاة وتسهيمه على هذه الأخبار، فباب عدمها من ناحية كلّ خبر ينسدّ بواسطة «اعمل» المتعلّق بهذا الخبر ، فكلّ يتكفّل لسدّ باب من ابواب عدمه ولإصلاح طرف من أطرافه ، نظير شيء له مقدّمات أخبر بكلّ واحدة منها عادل.

وأمّا الإشكال العام فهو أنّ المتكلّم لو لاحظ الطبيعة في جانب الموضوع على نحو لا يتعدّى نظره منها إلى الأفراد أصلا وبعبارة اخرى : كان بصدد امتياز الطبيعة عن طبيعة اخرى كما في قضيّة ، «الرجل خير من المرأة» ففي هذه الصورة يمكن شمول حكم القضيّة لنفسها باعتبار الطبيعة الموجودة فيها ، لفرض أنّ النظر مقصور على صرف الطبيعة ، والإشكال أعني وحدة الحكم والموضوع وبعبارة اخرى إيجاد الحكم لموضوع نفسه إنّما يحدث من وقوع النظر على خصوصيّة شخص هذا الفرد المتأتّي من قبل الحكم.

وأمّا لو لاحظ الطبيعة على نحو السريان وأنّها بكلّ وجود تلبّس ، لها هذا الحكم

٥٩٦

فلا محالة حينئذ يقع نظره على هذا المصداق المتأتّي من قبل الحكم أيضا.

فإن قلت : إنّما يسري إليه بما هو وجود للطبيعة لا بما هو وجود خاص.

قلت : الخصوصيّة خارجة ، ولكنّ الخاص بما هو خاص يصير معروضا.

فإن قلت : مع هذا أيضا يمكن التفكيك ؛ فإنّ الخاص بما هو حصّة خاصّة للطبيعة مغاير ذهنا معه بما هو وجود هذا الفرد كما قلت في مبحث الاجتماع.

قلت : فرق بين العرض التحليلي أعني ما يتعلّق بالطبيعة باعتبار وجودها التحليلي ، ففيه يتمّ ذلك ومحلّ الكلام في ذلك المبحث من هذا القبيل ، وبين العرض الخارجي وما يعرضها في الوجود الخارجي ؛ فإنّه لا محالة يسري إلى الفرد ، فإذا صار الإنسان أبيض فلا محالة يصير الزيد أيضا أبيض ، وما نحن فيه من هذا القبيل ، والفرق هو اختلاف ما بين الأفعال المتعلّقة للأحكام والموضوعات المتعلّقة لتلك الأفعال.

وفيه أنّه فيما إذا علّق الحكم على الطبيعة بلحاظ الوجود الساري يكون النظر مقصورا على حصّة الطبيعة بما هي هذه الحصّة الخاصّة للطبيعة ، وهي مغايرة في اللحاظ عن الخاص بالخصوصيّات الشخصيّة الفرديّة ، ولهذا يصحّ إيقاع الحمل بينهما ، ويقال : هذا الإنسان مثلا زيد ، فنقول : إذا ثبت عرض لهذا الإنسان فالمتكلّم ما لاحظ الزيد وإن كان صحّة النسبة وصدقها تكون موقوفة على ثبوت هذا العرض في الخارج على وجه لا ينفكّ عن وقوع الخاص بتمام الوجود ، بحيث لا يبقي حيثيّة منه خارجا متلبّسا بهذا العرض ، ولكن في لحاظ الإثبات إنّما اثبت العرض بحيثيّة واحدة وهي حيثيّة حصّة الطبيعة.

ففرق بين : كلّ إنسان كذا وقولنا : الإنسان كذا بلحاظ الطبيعة بالوجود السرياني ، ففي الأوّل وقع كلّ خاصّ خاصّ بشراشر وجوده وحيثيّاته تحت الحكم في لحاظ الحاكم بنحو الإجمال ، ولهذا نقول : لا يمكن شمول القضيّة بهذا النحو نفسها ؛ إذ لحاظ ما يتفرّع على الحكم ويتأتّى من ناحيته غير ممكن قبل الحكم ولو على نحو

٥٩٧

الإجمال. وأمّا في الثاني فلم يتعلّق نظر الحاكم بالخصوصيّة المتأتّية من قبل الحكم لا إجمالا ولا تفصيلا.

فإن قلت : فعلى هذا نحتاج إلى المناط بالإضافة إلى الخصوصيّة لإحراز أنّه لا مانع من قبلها في فعليّة الحكم المتعلّق بالحصّة.

قلت : بعد ما وقع هذه الحصّة تحت الحكم لا يعقل وقوع الخصوصيّة تحت ما يضادّه ، فإنّه لا يعقل أن يحكم على هذا الإنسان بما هو هذا الإنسان بأنّه واجب الإكرام ، ويحكم عليه بما هو زيد بأنّه محرّم الإكرام.

فإن قلت : لا مانع من أن يتعلّق حكم بالذات بلا سراية إلى الخصوصيّة ، وحكم مضادّ له بالخصوصيّة كما هو الحال في الظاهري مع الواقعي.

قلت : قد استشكلنا عين هذا الإشكال هناك أيضا وهو أنّه وإن كان في الرتبة الثانية لا يسري الحكم إلى الاولى ولكنّه ينافي معه ؛ لأنّ لحاظ أصل الذات مع فرض الحكم عليه بالوجوب مثلا ينافي مع الحكم في الرتبة الثانية بمضادة ، وقد أجبتم عن الإشكال بإمكان دخل قيد التجرّد في الحكم ، ولكن هذا لا يتمشّي هنا ؛ إذ الفرض تأتّي الحكم بمقتضى الإطلاق في هذه الذات ، وبعد ذلك يلزم اللغوية لو جعل الحكم المضادّ في الخصوصيّة.

وبالجملة وإن كان الإطلاق قاصرا عن شمول الخصوصيّة ، لكنّه يكون بحيث يكفينا مئونة تحصيل المناط من الخارج ؛ إذ بنفسه يستكشف عدم المانع من قبل الخصوصيّة لمكان التنافي بينهما ، والأمارات مثبتاتها أيضا حجّة.

ومن جملة الآيات التي استدلّ بها لحجيّة خبر الواحد آية النفر ، وهي قوله تعالى : (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) حيث دلّت الآية على وجوب الحذر عقيب الإنذار ، فيدلّ على وجوب القبول عند التفقّه والإخبار.

أمّا دلالتها على وجوب الحذر عقيب الإنذار فمن وجوه :

٥٩٨

الأوّل : أنّ معنى كلمة «لعلّ» هو الطلب مع الرجاء للحصول ، واحتمال عدم الحصول وقيد الرجاء غير ممكن في البارى تعالى فينسلخ عنه ويبقى الطلب المجرّد ، وبعد ذلك يصير المحصّل أنّ الحذر مطلوب.

فنقول : إذا ثبت رجحان الحذر ثبت وجوبه لوجهين ، الأوّل : ما ذكره في المعالم من أنّ مقتضى الوجوب إمّا موجود وإمّا لا ، وبعبارة اخرى : إمّا تكون الحجّة تامّة وإمّا لا ، فعلى الأوّل يجب الحذر وعلى الثاني لا يحسن ، والثاني : الإجماع على أنّه متى ثبت هنا الرجحان ثبت الوجوب ، وذلك لأنّهم في هذا الباب بين من لا يجوّز العمل بخبر الواحد وبين من يوجبه ، ولا قائل بالرجحان وعدم الوجوب.

والوجه الثاني : أنّ الحذر وقع غاية للإنذار وهو واجب ؛ لأنّه وقع غاية للنفر وهو واجب بواسطة كلمة «لو لا» وغاية الواجب واجبة إذا كانت من فعل المكلّف.

والوجه الثالث : أنّ الإنذار واجب لما تقدّم ، ووجوبه مستلزم لوجوب الحذر والقبول؛ إذ لو لم يجب القبول لزم لغويّة وجوب الإنذار ، وبنظير ذلك استدلّوا في باب وجوب قبول شهادة المرأة بما في رحمها ، لثبوت النهي عن كتمان ما في أرحامهنّ في الآية ، فبهذه الوجوه الثلاثة ثبت وجوب الحذر والقبول عقيب الإنذار ، فيكون خبر الواحد في الأحكام الشرعيّة واجب القبول.

أقول : أمّا ما ذكر في الوجه الأوّل من انسلاخ لفظة «لعلّ» عن معنى الترجّي فمبنيّ على كون مثل هذه الكلمة من هيئة الأمر ونحوها حقيقة في الصفات الموجودة في النفس كالترجّي الحقيقي والإرادة الحقيقيّة ، وأمّا على قول من يقول بأنّ تلك الهيئات والألفاظ حقيقة في المعنى الذي يوجدها تلك الألفاظ ، وبعبارة اخرى : هيئة الأمر موضوعة للطلب الإيقاعي دون الطلب الواقعي ، ولفظة «لعلّ» موضوعة للترجّي الإيقاعي دون الواقعي ، فهي أبدا مستعملة في معناها الحقيقي الإيقاعي ، والاختلاف إنّما هو في الدواعي، فقد يكون إيقاع هذا المعنى بداعي الوصف الواقعي ، وقد يكون بداع آخر.

٥٩٩

فحينئذ لا يلزم الانسلاخ لإمكان تمشّي الترجّي الإيقاعي في حقّ الباري ؛ لعدم منافاة إيقاع هذا المعنى مع العلم بالحصول أو عدم الحصول ، بخلاف القول الأوّل أعني كون هذه الألفاظ كواشف عن الصفات المتحقّقة في النفس دون كونها موجدة لمعانيها ـ كما قوّيناه ـ غاية الأمر أنّ الصفة القائمة بالنفس المحكيّة بهذه الألفاظ قد تكون حاصلة عن مصلحة في المتعلّق ، وقد تكون ناشئة عن المصلحة في نفسها يعني يوجدها الإنسان لمصلحة فيها ، فإنّه كما أنّ الترجّي الحقيقي الناشئ من المصلحة في المتعلّق غير ممكن في حقّ الباري لابتنائه على الشكّ الممتنع في حقّه تعالى ، كذلك ما يوجد لأجل المصلحة في نفسه ، فإنّه صفة قائمة بانفسنا ، ولو قلنا به في حقّه تعالى لزم كونه تعالى محلا لهذه الصفة الإيجاديّة وقيامها بذاته تعالى وهو محال.

ولكن يمكن حفظ المعنى الحقيقي لهذه اللفظة وأمثالها إذا وقعت في كلامه تعالى على هذا القول أيضا بأن يقال : ربّما يكون المتكلّم عالما وينزّل نفسه منزلة الشاكّ فيستفهم ، فحينئذ يستعمل كلمة الاستفهام في كلامه في معناه ، كذلك ربّما ينزّل من هو عالم بحصول أمر نفسه منزلة الشاكّ بحصول هذا الأمر المتوقّع لحصوله ، فيستعمل لفظة «لعلّ» فتقع اللفظة في كلامه مستعملة في معناها الحقيقي من دون حاجة إلى تجريد وانسلاخ.

وبالجملة ، بحسب مقام المحاورة والمكالمة يمكن أمثال ذلك في حقّه تعالى أيضا ، والأمر في ذلك سهل ، ولعلّ من هذا القبيل كلمة «لعلّ» فيما إذا كان المقصود إلقاء التّرجي وإبدائه للمخاطب بدون أن يكون الغرض إظهار ترجّي نفس المتكلّم كما في قوله تعالى : (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى).

وكيف كان فالحق عدم جواز الاستدلال بالآية لحجيّة الخبر (١) ، والوجوه

__________________

(١) الأولى في ردّ التمسّك بالآية أن يقال : مفاد الآية وجوب الإنذار ومطلوبيّة الحذر ، لكنّ الحذر عبارة عن الخوف النفساني لا العمل الأركاني ، فإنّه يحصل للإنسان عقيب ـ

٦٠٠