أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

النفسي للتبيّن ، بل المراد الوجوب الشرطي ؛ إذ من المعلوم أنّه لا يجب علينا تفتيش الحال عند كلّ خبر يخبره فاسق في العالم ، بل المقصود أنّه يجب التبيّن عند خبر الفاسق للعمل ، فلا يجوز العمل بدون التبيّن.

فيصير المفهوم على هذا أنّه يصحّ العمل في خبر العادل بدون التبيّن ، وهو المطلوب ، فإنّ مفاد المنطوق على هذا يصير هكذا : إن جاءكم فاسق بنبإ فيشترط في صحّة العمل بمضمون هذا النبأ الفحص والوصول إلى صدق هذا المضمون ، فيصير المفهوم هكذا : إن جاءكم غير الفاسق بنبإ فلا يشترط في صحّة العمل التبيّن وتحصيل العلم ، ومعنى نفي الاشتراط هو الإطلاق وهو المطلوب.

لا يقال : يلزم اللغوية في الشرطيّة ؛ إذ المحصّل أنّ العمل بخبر الفاسق مشروط بالعلم، والحال أنّه مع العلم يكون العمل به لا بخبر الفاسق.

فإنّا نقول : المقصود أنّ العمل بمضمون هذا النبأ مشروط بالعلم ، وهذا لا يلزم منه لغويّة كما هو واضح.

هذا مضافا إلى ما ذكره قدس‌سره أيضا من أنّه : لو كان المراد الوجوب النفسي لما تمّ الاستدلال بالآية أصلا ، فإنّه على هذا يكون مفاد المنطوق مطلوبيّة التبيّن عند خبر الفاسق لإظهار فسقه وتفضيحه ، والمفهوم أنّ خبر العادل لا يجب التبيّن عنده لأجل احترامه.

وأنت خبير بأنّ هذا ساكت عن مقام العمل رأسا ، فيكون اجنبيّا عن المقام بالمرّة ولا يلزم أسوئيّة حال العادل أيضا ، بل يلزم أحسنيّته كما هو واضح ، وأمّا بحسب مقام العمل فيمكن توقّفه على التبيّن في كليهما وعدم جوازه قبله فيهما ، وبالجملة ، بعد وضوح أنّ المراد هو الوجوب الشرطي فالأمر سهل.

والوجه الثاني : هو التمسّك بمفهوم الوصف بأن يكون النظر إلى مجرّد تعليق الحكم على وصف الفسق ، فكما أنّ قولنا : أهن الفاسق يدّل بحسب المفهوم على عدم وجوب الإهانة في غير الموصوف ، فكذا في المقام حيث وجب التبيّن في خبر الفاسق

٥٦١

يدّل بالمفهوم على عدم وجوبه في خبر غير الموصوف.

والوجه الثالث : هو التمسّك بمناسبة وصف الفسق لوجوب التبيّن ، وهذا أقوى من مفهوم الوصف ؛ فإنّ المفهوم دائر مدار استفادة حصر العليّة من تعليق الحكم على الوصف وإن لم يعلم مناسبة بينهما ، بل الملحوظ مجرّد الوصف ، وأمّا هنا فيبتني استفادة العليّة على أمرين ، الأوّل : درك المناسبة بينه وبين الحكم مثل : أكرم العالم وأهن الفاسق ، وتبيّن في خبر الفاسق ، والثاني : كون الوصف عرضيّا وطارئا على الذات ، فإنّه يستفاد من ذلك عليّة الوصف ولو لم يستفد حصرها الذي هو مبنى أخذ المفهوم ؛ إذ لو كان للذات اقتضاء لكان التعليل بالوصف لغوا ، بل لزم جعل الحكم معلّلا بالذات ، لكونه أقدم رتبة من الوصف ، وإن فرض اقتضاء للوصف أيضا ، مثلا لو قيل : أكرم الرجل العالم ، فالعالميّة وإن كان لها اقتضاء وجوب الإكرام ، لكن لو كان للرجوليّة أيضا اقتضائه لكان اللازم جعل الوجوب معلّلا بالرجوليّة ، لأنّه موضوع والعلم محموله ، ورتبة الموضوع مقدّم على محموله.

والحاصل : أنّ مبنى الوجه الثاني على مجرّد تعليق الحكم على الوصف وأنّه يفيد العليّة مع الحصر ولو كان وصفا غير مناسب كما في : أكرم الجهال ، ومبنى الوجه الثالث على حصر استفادة أصل العليّة بدون الحصر على التعليق مع وجود المناسبة بين الحكم والوصف المعلّق عليه مثل : أكرم العالم.

والحاصل : إنّه يقال : يستفاد من الآية أنّ ذات الحجّة مع قطع النظر عن الطواري ليس فيه اقتضاء التبيّن ، بل بملاحظة الطواري ، فهذه الاستفادة مبنيّة على استفادة العليّة من المناسبة العرفيّة ولو لم يستفد الحصر ؛ إذ لو كان للذات أيضا الاقتضاء لكان الإناطة بالفسق لغوا ، كما نقول في قضيّة «إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجّسه شيء ، إنّه يعلم أنّ ذات الماء ليس فيه مقتضى الاعتصام في قبال من يقول : إنّه كذلك ، لا في قبال من يثبت الاعتصام للجاري أيضا.

فهنا أيضا الآية ردّ لمن يسلب الحجيّة عن طبيعة الخبر بالسلب الكلّي ، لا لمن

٥٦٢

يثبت اقتضاء وجوب التبيّن لوصف آخر أيضا ، مثل كونه نبأ العادل الكثير السهو ، ومقصودنا أيضا إثبات الإيجاب الجزئي في قبال السلب الكلّي.

وقد اورد على هذه الوجوه إيرادات كثيرة ، ونبدأ أوّلا بذكر ما كان صعب الذّب منها، فقد استشكل على التمسّك بمفهوم الشرط بأنّ القائلين بمفهوم الشرط إنّما يقولون به فيما إذا كان هناك موضوع ومحمول وواسطة بحسب متفاهم العرف من القضيّة ، كما في قولنا : إن جاءك زيد فأكرمه ، فإنّ العرف يفهم منها أنّ زيدا موضوع ، ووجوب إكرام زيد محمول ، والمجيء واسطة لثبوت هذا المحمول لذاك الموضوع ، وكان انتفاء الواسطة غير موجب لانتفاء الموضوع كما في المثال ، حيث لا يلزم من انتفاء المجيء انتفاء الزيد.

فحينئذ يقولون بأنّ القضيّة تدلّ مفهوما على أنّ انتفاء الواسطة يوجب انتفاء الحكم من الموضوع ، فعند عدم المجيء في المثال يحكم بعدم وجوب الإكرام لزيد ، ولكن لا يثبت بذلك عدم وجوبه لعمرو ؛ إذ هو موضوع مغاير لموضوع القضيّة ، فهو مسكوت عن حكمه.

وأمّا لو كان انتفاء الواسطة ملازما لانتفاء الموضوع فلا موضوع عند انتفاء الواسطة حتّى يحكم بقضيّة المفهوم بانتفاء الحكم عنه.

نعم هنا مطلب عقلي أجنبيّ عن المفهوم ثابت في كلّ قضيّة ولا اختصاص له باللفظيّة الشرطيّة وهو انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه ، ومن المعلوم أنّه ليس من باب الدلالة المفهوميّة ، وإن شئت سمّه مفهوما ، لكنّه ليس من المفهوم النافع في سائر المقامات ، ومن هذا القبيل القضايا التى تكون بصورة الشرطيّة يذكر أداة الشرط فيها ، ولكن سيقت لأجل تحقّق الموضوع.

وقد مثّلوا لها بأمثلة ، منها قولك : إذا رزقت ولدا فاختنه ، فوجوب الختان حكم موضوعه الولد للمخاطب لا ولد غيره ، والشرط أعني المرزوقيّة بالولد محقّق له ، ولا وجود له بدونه ، ومعه يكون عدم وجوب ختان الولد أمرا عقليّا ، ولا تعرّض في

٥٦٣

القضيّة لحال غير ولد المخاطب حتى يقال بثبوت المفهوم فيه ، فيقال عند عدم المرزوقيّة : لا يجب ختان غير الولد من ولد الأشخاص الأخر.

وبالجملة ، فالآية الشريفة من هذا القبيل ، وذلك لأنّ الموضوع فيها خبر الفاسق ، فإنّ الجزاء وجوب التبيّن في خبر الفاسق ، ومن المعلوم أنّ هذا الموضوع معدوم عند عدم الشرط أعني : عدم مجيء الفاسق بالنبإ ، وأمّا خبر العادل فهو أجنبيّ عن موضوع الحكم في الآية ، فهو مثل العمرو في مثال : إن جاءك زيد فأكرمه ، فكما لا تعرّض فيه لحال العمرو لا منطوقا ولا مفهوما ، فكذا هنا لا تعرّض لحال خبر العادل لا في منطوق الآية ولا في مفهومها.

فإن قلت : مبنى ما ذكرت على أنّ مبنى أخذ المفهوم وجود ثلاثة أشياء : موضوع ومحمول وشرط خارج عن الطرفين ، حتّى يكون الموضوع بجميع خصوصيّاته محفوظا في جانب المفهوم.

وفيه أنّه غير معقول ؛ لأنّه لا محالة يتأتّى من قبل الشرط تضيّق في عالم الموضوع ، لا نقول إنّه بمنزلة التقييد ، لكن حاله حال المقدّمة الموصلة في أنّه موضوع في لحاظ الشرط ، وليس له إطلاق حالي يشمل حال عدم الشرط ، وعلى هذا فإذا جعلنا الموضوع طبيعة النبإ فلا محالة يصير متضيّقة بلحاظ وجود الشرط أعني مجيء الفاسق به ، فالطبيعة منفكّة عن هذا اللحاظ ما وقع تحت حكم وجوب التبيّن ، فلا يلزم الإشكال الذي ذكرت من سراية الحكم إلى النبإ المجيء به للعادل ، كيف والشرط مساوق لعلّة الحكم ، فلو سرى الحكم إلى الفرد الغير المقترن بالشرط لزم انفكاك المعلول عن علّته ، وهذا ما ذكرنا من عدم المعقوليّة.

قلت : لا يرد هذا الإشكال أصلا ، وذلك بعد مقدّمة وهي أنّه من الممكن أن يكون وجود الشرط في فرد من الطبيعة موجبا لإنشاء الحكم في فردها الآخر ، مثل قولك : إن جاءك زيد فأكرم عمرا ، فحينئذ نقول : من الممكن أن يكون اقتران الطبيعة المهملة بالشرط موجبا للحكم في جميع أفرادها حتى الخالي منها على

٥٦٤

الشرط ، وليس هذا إنكارا لما قرّرته من ورود التضيّق من قبل الشرط على الموضوع.

فإنّا نقول : نسلّم هذا التضيّق في المقام ، لكن في قبال أنّ الطبيعة بنفسها مع قطع النظر عن أمر خارج لا يصير محكوما بالحكم ، وليس مقتضاه تحديد الموضوع الذي يتعلّق به وجوب التبيّن أيضا بالشرط ، فمتى اتّصفت المهملة فالمتّصف وغير المتّصف منها يصير تحت الحكم ، بل لو كان ذلك ممكنا في الموضوع الشخصي مثل «الزيد» في : إن جاء زيد فأكرمه لقلنا بذلك فيه أيضا ، لكن لا يتصوّر فيه بعد حالة المجيء حالة عدم المجيء ، وأمّا الطبيعة المهملة فانقسامها إلى القسمين بعد محفوظ ، فلا مانع من الإطلاق فيه ، بل لا وجه للتقييد.

فعلم أنّه إن اريد السلامة من هذا فلا بدّ من ملاحظة التقييد في موضوع الجزاء ، فيقال : طبيعة النبأ إن جاء بها الفاسق ، فتلك الطبيعة المتّصفة بمجيء الفاسق بها يجب فيها التبيّن ، فيجري إشكال شيخنا المرتضى قدس‌سره.

فإن قلت : إنّ لنا في الآية موضوعا موجودا في حالتي وجود الشرط وعدمه وهو مطلق النبأ من دون اعتبار إضافته إلى الفاسق أو العادل ، فكأنّ القضيّة تكون بهذه الصورة : النبأ إذا جاء به الفاسق فتبيّن عنه ، ولا شكّ أنّ مفهومه يصير حينئذ : النبأ إذا جاء به العادل فلا يجب التبيّن عنه ، فاتّحد الموضوع في المنطوق والمفهوم.

ونظير ذلك أيضا ممكن في المثال ، فيقال : الولد إن رزقته فاختنه ، فالمفهوم يصير : الولد إذا لم تكن أنت رزقته فلا يجب عليك اختتانه ، يعني لا يجب عليك اختتان ولد غيرك ، ولا ملزم لنا بأن نجعل الموضوع للقضيّة في الآية نبأ الفاسق ، وفي المثال هو الولد لك حتى يقال : إنّه على فرض عدم مجيء الفاسق بالنبإ وعدم المرزوقيّة بالولد فلا موضوع في البين ، وعدم الحكم حينئذ ليس من المفهوم في شيء.

قلت : إن اريد بالنبإ الذي يجعل موضوع القضيّة طبيعة النبأ الغير المقيّدة بالتشخيص الخارجي فلا شكّ أنّ الطبيعة بعد حصول الشرط وهو مجيء الفاسق بها

٥٦٥

قابلة للانقسام إلى قسمين : ما جاء به العادل ، وما جاء به الفاسق ؛ ضرورة أنّ الطبيعة المجيء بها الفاسق يتصوّر لها الفرد المجيء بها العادل ، نعم خصوص هذا الشخص المجيء به الفاسق لا يتصوّر مجيء العادل به ، ولكن نفس الطبيعة المجرّدة تكون بعد مجيء الفاسق بها على حالها قبل المجيء بلا تفاوت ، فلها فردان كما كانا له قبل حصوله.

وبالجملة ، فيصير محصّل مدلول القضيّة حينئذ : إن جاء الفاسق بنبإ فطبيعة النبأ يصير واجب التبيّن سواء جاء بها العادل أم الفاسق ، وهذا خلاف المقصود ، وأيضا لا يخفى ما في المعنى حينئذ من البرودة ؛ إذ يلزم وجوب تبيّن تمام أخبار العالم بمجرّد مجيء فاسق بنبإ ، وحينئذ فلا بدّ من أن نجعل الطبيعة باعتبار التقيّد بمجيء الفسق موضوعا للحكم بأن نعتبر الموضوع في قولنا : النبأ إن جاءكم فاسق به فتبيّنوا عنه ، هو النبأ المجيء به الفاسق ، فالطبيعة المقيّدة بقيد مجيء الفاسق يكون واجب التبيّن ، فإذا صار القيد فعليّا وموجودا في الخارج يصير الحكم وهو وجوب التبيّن منجّزا لتنجّز شرطه ، وحينئذ فيستقيم المعنى ، لكن لا يفيد المفهوم ؛ إذ عند عدم تحقّق الشرط لا تحقّق للموضوع أعني الطبيعة المقيّدة ، فيعود الإشكال من أنّ الانتفاء عند انتفاء الموضوع ليس من المفهوم ، ونبأ العادل مغاير لموضوع القضيّة.

وإن اريد بالنبإ المجعول موضوعا الأفراد الخارجيّة ، يعني أنّ الموضوع كل شخص شخص من الأخبار الموجودة في الخارج ، فلا ريب أنّ النبأ الشخصي الخارجي ليس قابلا للتقسيم بين ما جاءه العادل وما جاءه الفاسق ، ضرورة أنّ ما جاءه الفاسق لا يتصوّر فيه مجيء العادل وبالعكس ، ولكن يصحّ فيه الترديد فيقال : هذا الشخص من النبأ إمّا جاء به العادل وإمّا جاء به الفاسق ، فحينئذ يصحّ تركيب القضيّة على وجه يفيد المفهوم ، بأن يقال في كل واحد واحد من الأنباء الشخصيّة : إن كان الجائي به فاسقا فيجب فيه التبيّن ، فيصير المفهوم أنّه إن لم يكن الجائي به فاسقا ولا محالة يكون حينئذ عادلا فلا يجب التبيّن.

٥٦٦

لكن هذا كما ترى إنّما يناسب مع المضيّ كما مثّلنا وهو خلاف الموجود في الآية ، فإنّ الشرط فيها يكون مسوقا للاستقبال ، فلا يناسب إلّا مع الطبيعة ، ضرورة أنّه لا يصحّ التعبير ب (يجيء) في النبأ الشخصي الخارجي ، وإنّما الصحيح هو التعبير ب (جاء) على معنى المضىّ ، نعم التعبير ب (يجيء) يناسب الطبيعة ، فيقال : طبيعة النبأ إمّا يجيء بها العادل وإمّا يجيء بها الفاسق ، كما يناسبها التعبير بالمضيّ أيضا ، ولا يخفى أنّ كلمة (جاءكم) في الآية يكون بمعنى الاستقبال.

والحاصل : الفرد الموجود في الخارج فعلا ، أو الذي وجد وانعدم في الأوصاف التي تكون من نحو وجوده ، مثل الرجوليّة والانوثيّة في الإنسان ، ولا محالة يكون قابليّته لأمرين منها على نحو الترديد ، يكون التعبير الصحيح في مثل ذلك بالمضيّ فقط ، مثلا يقال : هذا الشخص إمّا وجد رجلا وإمّا امرأة ، ولا يصح إمّا يوجد.

وكذا في الفارسيّة يقال : يا مرد است يا زن است ، ولا يقال : يا مرد مى شود يا زن، بخلاف الأوصاف العرضيّة التي يعتور اثنان منها على فرد واحد في حالين مثل العلم والجهل ، فالتعبير بالاستقبال حينئذ صحيح ، فيقال : الزيد إن كان يصير عالما فكذا ، وفي الفارسيّة أيضا يصحّ التعبير بأنّه «اگر عالم شود چنين» ومن هذا القبيل قضيّة «إذا بلغ الماء قدر كر».

وأمّا الفرد الذي لم يوجد بعد ويوجد في المستقبل ففرديّته موقوفة على لحاظ الفراغ عن وجوده ورؤيته موجودا في الخارج كأنّه المحسوس والمشاهد بالعين ، ولو لم يلاحظ كذلك فكلّ ما زيد القيد على القيد لا يصير جزئيّا ، بل كليّا مضيّقا ، فالتعبير بالاستقبال حينئذ وإن كان صحيحا لكن حاله حال الكلّي ، كما يقال : النبأ الذي يوجد في ما بعد إمّا يجيئه العادل وإمّا يجيئه الفاسق.

وأمّا لو لوحظ على نحو الفراغ عن الوجود فحاله حال الموجود الفعلي أو الماضوي في أنّ التعبير بالاستقبال فيه غلط ، فلا يصحّ أن يقال في هذا اللحاظ بالفارسيّة مثلا : مردى كه فردا موجود مى شود يا مرد موجود مى شود يا زن ، بل

٥٦٧

يقال : يا مرد است يا زن ، وكذلك لا يقال : صيدى كه فردا زيد مى كند يا آهو صيد مى كند يا چيز ديگر ، بل يقال : يا آهو است يا چيز ديگر ، نعم يصحّ هذا التعبير في اللحاظ الأوّل أعني لحاظ عدم الفراغ الذي تكون الكليّة معه محفوظة ، فتدبّر فإنّه دقيق.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ هنا ثلاثة أشياء : الأوّل : النبأ الموجود الخارجي ، وهذا لو جعلناه موضوعا وإن كان يمكن تركيب القضيّة على وجه أمكن أخذ المفهوم منها ، إلّا أنّه لا يمكن موضوعيّته في الآية المفروض كون الشرط فيها المجيء في المستقبل.

والثاني : طبيعة النبأ ، وعلى تقدير موضوعيّته يلزم وجوب التبيّن في خبر العادل أيضا عند حصول مجيء الفاسق بهذه الطبيعة ، وهو مضرّ بالمدّعى من حجيّة خبر العادل لا نافع ، مضافا إلى بشاعة المعنى على تقديره.

والثالث : طبيعة النبأ المقيّدة بمجيء الفاسق ، وجعل هذا موضوعا متعيّن ؛ لسلامته عن الإشكال بحسب المعنى واللفظ ، لكن على تقديره لا مفهوم للآية ؛ لعدم التحقّق لهذا الموضوع عند عدم الشرط ، فتحصل بعدم الشرط سالبة منتفية الموضوع ، ولا ربط لها بانتفاء وجوب التبيّن عن موضوع نبأ العادل ، فعلم عدم إمكان ذبّ الإشكال بجعل الموضوع مطلق النبأ وإن تخيّله بعض الأساطين قدس‌سره.

فإن قلت : المفروض هو بناء الاستدلال على القول بثبوت المفهوم للقضيّة الشرطيّة ، ففي ما إذا لم يكن في البين موضوع موجود في كلتا الحالتين ليمكن انتفاء الحكم عن الموضوع الموجود عند انتفاء الشرط يجب الأخذ بالمفهوم مهما أمكن ، فإنّ مبنى المفهوم هو إفادة الأداة للعليّة المنحصرة ، فإذا لم يكن الأخذ بظهورها في العليّة المنحصرة في الموضوع المذكور في القضيّة وجب الأخذ بظهورها في العليّة في الجملة ، بأن يقال بالعليّة للتالي بالنسبة إلى سنخ الحكم ، نظير ما يقال في مفهوم الوصف على القول به ، فإنّه يدّل على انتفاء سنخ الحكم ، لا شخص الحكم المذكور في القضيّة المحمول على الموضوع المذكور فيها.

٥٦٨

مثلا قولنا : أكرم الرجل العالم لو قيل بالمفهوم فيه فمعنى مفهومه انتفاء سنخ وجوب الإكرام عند انتفاء العلم ولو كان في الرجل الجاهل ، وليس مفاد المفهوم انتفاء نفس هذا الحكم المنشأ في هذه القضيّة ؛ فإنّ المذكور في هذه القضيّة هو وجوب الإكرام المعلّق على الرجل العالم ، فليس المفهوم أنّه لو انتفى العلم ينتفي وجوب الإكرام المعلّق على الرجل العالم؛ إذ هذا من باب حكم العقل بانتفاء الحكم عند انتفاء الموضوع ، وليس بقضيّة المفهوم ، بل قضيّتها كون العلم علّة منحصرة لسنخ وجوب الإكرام للرجل أعمّ من المعلّق منه على العالم أو الجاهل ، فيكون الحكم عند انتفاء العلم بانتفاء هذا الوجوب عن العالم من باب حكم العقل ، وعن الجاهل من باب المفهوم ، فيكون المفهوم في القضيّة الوصفيّة هو انتفاء الحكم عن غير الموضوع المذكور فيها ، كما أنّه في القضيّة الشرطيّة انتفاؤه عن الموضوع المذكور فيها.

وحينئذ نقول في الأمثلة التي ليس فيها موضوع محفوظ في كلتا الحالتين بأنّ كلمة «إن» و «إذا» لم يسقطا عن إفادة العليّة المنحصرة بالمرّة ، بل هما يفيدان في هذه الموارد مفاد الوصف والعليّة المستفادة منه ، فنحن وإن استشكلنا في إفادة الوصف بنفسه للمفهوم، ولكن إذا وقع في سياق أداة الشرط في أمثال تلك الموارد قلنا بإفادة هذا المفهوم للأداة.

فنقول في الآية : إنّه لو كان الكلام بصورة القضيّة الوصفيّة بأن قيل : يجب التبيّن في نبأ الفاسق وقلنا بثبوت المفهوم للوصف ، كان المستفاد عليّة وصف الفسق لثبوت التبيّن ، بمعنى أنّه متى انتفى هذا الوصف انتفى وجوب التبيّن الكلّي لا الشخص المعلّق منه على نبأ الفاسق ، ضرورة أنّه بديهيّ بحكم العقل بانتفاء الحكم لانتفاء موضوعه ، فكان مفاد المفهوم انتفاء وجوب التبيّن عن نبأ العادل ؛ إذ لو ينتف لما كان الفسق علّة تامّة منحصرة لوجوب التبيّن الكلّي وسنخه ، وقد فرض استفادة ذلك من القضيّة.

فنقول : إنّ عين هذا المعنى يكون لكلمة «إن» في الآية ، فليست لمجرّد ربط

٥٦٩

الوجود بالوجود بدون مفهوم له أصلا ، بل نقول بالمفهوم له على طرز مفهوم الوصف ، وهذا الوجه لإثبات مفهوم الشرط في الآية قد تعرّض له المحقّق الجليل المولى محمّد كاظم الخراساني طاب ثراه في حاشيته على الرسائل وأشار إليه في كفايته أيضا ، ونقل الاستاد دام ظلّه إصراره عليه في الدرس.

قلت : هذا مبنيّ على إثبات ظهورين لأداة الشرط في معنيين ولو لم يكونا في عرض واحد وبوصفين ، بل كان أحدهما في طول الآخر ومن باب أقرب المجازات عند عدم إرادته ، الأوّل : ظهورها في العليّة المنحصرة كما هو مبنى الأخذ بالمفهوم ، والثاني ظهورها في ثبوت هذه العليّة للتالي بالنسبة إلى الحكم المتعلّق بالموضوع الأجنبي عن التالي كما في : أكرم زيدا إن جاءك ، حيث أفادت كلمة «إن» العليّة المنحصرة للمجيء بالنسبة إلى وجوب الإكرام المتعلّق بالزيد الذي هو غير المجيء.

وحينئذ فإذا لم يمكن الأخذ بظهور الأداة في المعنى الثاني أعني خصوصيّة ثبوت العليّة المنحصرة للتالي لثبوت الحكم للموضوع المغاير للتالي ، كان ظهورها في المعنى الأوّل أعني أصل العليّة المنحصرة محفوظا.

ولكنّك خبير بأنّا إن قلنا بثبوت مفهوم الشرط فلا إشكال أنّ للأداة وضعا واحدا وظهورا واحدا في معنى واحد وهو العليّة المنحصرة الخاصّة بخصوصيّة كونها في التالي المغاير للموضوع ، وليس لها ظهور في مطلق العليّة المنحصرة بعد عدم إمكان إرادة الخصوصيّة.

فدعوى أنّ الوضع وإن كان واحدا بإزاء العليّة الخاصّة ، إلّا أنّا نقول بمراتب الظهور وكون مطلق العليّة أقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي ، لوضوح أنّ أمر الأداة بعد عدم إمكان الحمل على العليّة الخاصّة يدور بين الحمل على مجرّد ربط وجود هذا بوجود ذاك من دون إشعار بالعليّة أصلا ، وبين الحمل على العليّة لسنخ الحكم المستلزمة لانتفائه عن موضوع آخر ، ولا شكّ أنّ الأقرب إلى العليّة الخاصّة هو الثاني دون الأوّل ، فنحن وإن سلّمنا عدم الظهور في مطلق العليّة في عرض الظهور

٥٧٠

في العليّة الخاصّة بأن يكون هنا وصفان ، ولكن نقول بثبوت الظهور الأوّل عند رفع اليد عن الثاني وفي طوله ، وبعبارة اخرى : وإن سلّمنا عدم ثبوت الظهور في مطلق العليّة من باب الحقيقة ، ولكن نقول به من باب أقرب المجازات عند تعذّر المعنى الحقيقي ، نظير ظهور صيغة الأمر بالنسبة إلى الاستحباب عند تعذّر الوجوب.

مدفوعة بأنّه لا يخفى على من راجع الأمثلة العرفيّة من قبيل قولنا : إذا رأيت زيدا فاقرأه منّي السلام ونحوه أنّ دعوى انفهام العليّة بالنسبة إلى سنخ الحكم منها بعيدة ، بل إمّا يكون هذا المعنى في الظهور والانفهام العرفي مساويا مع مجرّد تحقيق الموضوع بدون نظر إلى العليّة ، وإمّا أنّ الثاني أظهر ، ولا يبعد القول بأنّ المتفاهم لدى العرف من هذه الأمثلة هو سوق الشرط لمجرّد تحقيق الموضوع ، فهي متّحدة المفاد مع القضيّة الحمليّة ، وليس الملحوظ فيها اشتراط شيء بشيء وإناطته به على وجه العليّة المنحصرة ، هذا هو الكلام في مفهوم الشرط.

وأمّا مفهوم الوصف فالجواب أنّه تقرّر في محلّه عدم ثبوت المفهوم للوصف ، وأمّا المناسبة العرفيّة وقضيّة فهم العليّة من ذلك ، فلا يخفى أنّ الاستشكال على أصل فهم المناسبة بأنّه يحتمل أن يكون النكتة لإتيان الوصف هو التنبيه على فسق وليد لا لأجل دخالته وعليّته في حكم وجوب التبيّن ، خروج عن طريق السداد وبعيد عن الإنصاف ، لكمال الظهور للآية في كونها مسوقة لبيان الحكم الكلّي ، لا أن يكون الغرض من التعليق بيان نكتة شخصيّة ، هذا.

ولكن يرد على هذا الاستدلال أنّه وإن كان مناسبة الوصف في الآية وهو الفسق للحكم المقترن به فيها وهو وجوب التبيّن مسلّمة ، إلّا أنّه من القريب أن يكون وجه تعليق الحكم بوجوب التبيّن على مجيء الفاسق بالنبإ هو أنّ الغالب عدم حصول العلم من إخبار الفاسق بملاحظة فسقه وعدم تحرّزه عن الكذب ، بخلاف العادل ؛ فإنّ الغالب حصول العلم من خبره بملاحظة قيام ملكة العدالة المانعة عن ارتكاب تعمّد الكذب به ، مع كون خبره في المحسوسات ، والاشتباه فيها قليل ، مثل احتمال خروج

٥٧١

العادل عن عدالته بنفس هذا الإخبار لتعمّده الكذب فيه ، فإنّ باب هذا الاحتمال منسدّ غالبا.

وبالجملة ، فمن المسلّم غلبة العلم بالمخبر به في جانب العادل وغلبة الجهل به في جانب الفاسق.

وحينئذ فمن المحتمل قريبا أن يكون وجه تعليق وجوب التبيّن على مجيء الفاسق بالنبإ هو ما يكون الغالب في خبره من ثبوت الجهل معه بالمخبر به ، وحينئذ فيصير الكلام في قوّة إناطة وجوب التبيّن على الجهل ، وإناطة عدمه على العلم ، وهذا أجنبيّ عمّا نحن بصدده من جعل الضابط لوجوب التبيّن عنوان خبر الفاسق ، والضابط لعدمه عنوان خبر العادل ، وبعبارة اخرى : يصير موضوع وجوب التبيّن الخبر الغير المفيد للعلم ، وموضوع عدمه الخبر المفيد للعلم ، وهذا غير أن يكون موضوع الوجوب خبر الفاسق وموضوع عدمه خبر العادل.

والحاصل أنّ الظاهر عدم مدخليّة خصوص الفسق بما هو فسق وإن كان ظاهر العنوان نوعا هو الموضوعيّة لا المعرّفيّة ، لكن في خصوص المقام بملاحظة هذا المحمول أعني وجوب التبيّن تكون الموضوعيّة بعيدة ، بل الظاهر أنّ وجه التعليق هو كون الفاسق ليس له ملكة رادعة عن الكذب ، فاحتمال تعمّد الكذب فيه متمشّ ، فيحب التبيّن في خبره لأجل هذا الاحتمال ، وإلّا فلو كان المخبر شارب الخمر مثلا لكن نعلم بعدم تعمّده الكذب فلا تعمّه الآية بظاهرها.

فعلم أنّ خصوصيّة الفسق ملغاة ، وإنّما المعتبر هو احتمال تعمّد الكذب ، ولكن لمّا كان فرده الشائع في الفاسق فلهذا خصّ بالذكر ، وأمّا العادل فدرجاته مختلفة ، فربّ عادل لا يحتمل في حقّه الكذب في شخص إخباره هذا ، وهذا لا يحتاج في حجيّة خبره إلى التعبّد؛ لأنّ احتمال كذبه مفقود ، واحتمال خطائه مسدود بالأصل العقلائي ، وربّ عادل لا تكون الملكة الرادعة فيه بمثابتها في الأوّل ، بل يحتمل في حقّه الخروج عن مقتضاها في شخص الإخبار الشخصي ، وهذا يحتاج إلى التعبّد ، وقد عرفت

٥٧٢

قصور الآية عن الدلالة على حجيّته.

ومن هنا تعرف أنّا لو أغمضنا عن إشكال شيخنا المرتضى في ثبوت المفهوم للشرط في الآية بكونه محقّقا للموضوع وقلنا : إنّه ليس كذلك وأنّ الموضوع مطلق النبأ ، فيفيد المفهوم لأنباء الفاسق ، لكن نقول بعد فرض إلغاء خصوصيّة الفسق في جانب المنطوق وكون الاعتبار باحتمال تعمّد الكذب كان المعتبر في المفهوم أيضا ذلك.

فكأنّه قيل : إذا جاءكم مخبر يحتمل في حقّه تعمّد الكذب بنبإ فتبيّنوا ، فالمفهوم أنّه : إذا جاءكم غير هذا المخبر ـ يعني من لا يحتمل في حقّه تعمّد الكذب ـ فلا يجب التبيّن ، وقد عرفت أنّ هذا لا يفي بالمقصود.

والحاصل كلّما فرض الفراغ منه في الموضوع لا يصحّ جعله تلو «إن» وهنا حيث إنّ أصل مجيئه الخبر مفروغ عنه حسب الفرض لا يصحّ تلويّته لإن ، نعم يصحّ ذلك بالنسبة إلى قيد المجيء أعني كون الجائي فاسقا.

وحينئذ نقول : هذا وإن كان صحيحا ، لكنّه خلاف الظاهر في تلك القضيّة وأمثالها مثل : إن رزقت ولدا ونحوه ؛ فإنّ الظاهر فيها عدم المفروغيّة من الذات في الموضوع حتى لوحظ التعليق بالنسبة إلى القيد فقط ، بل الظاهر تعلّق التعليق بمجموع الذات والقيد ، ومعه عرفت أنّه لا يصحّ أن يكون الموضوع مفروغ الاتّصاف بأصل الذات.

فتبيّن أنّ إشكال عدم ثبوت المفهوم للآية غير ممكن الذبّ ، كما ذكره الشيخ الأجلّ شيخنا المرتضى قدس‌سره.

بقي الكلام في الإيرادات التي يورد على الآية بعد تسليم المفهوم لها.

أحدها : أنّ المفهوم يعارضه عموم التعليل في ذيل الآية ، فإنّه قد علّل فيها وجوب التبيّن للعمل بخبر الفاسق بأنّ الإقدام عليه قبله بجهالة وغير علم يكون في معرض ظهور خلافه وحصول الندم لذلك.

فيدلّ على أنّ كلّ إقدام على عمل كان عن غير علم وفي معرض تبيّن الخلاف و

٥٧٣

الوقوع في الندم لا يجوز قبل التبيّن ، ولا شكّ أنّ هذا ينطبق على العمل بخبر العادل الغير المفيد للعلم فإنّه إقدام عن جهل ، ويكون في معرض الوقوع في مخالفة الواقع والندم ، فيكون ممنوعا بمقتضى التعليل ، فإنّ الحكم المعلّل يتبع العلّة عموما وخصوصا ، فربّما تكون العلّة مخصّصة للمورد ، وربّما تكون معمّمة له ، وثالثة تكون مخصّصة من جهة ومعمّمة من اخرى.

ألا ترى أنّ قول القائل : لا تشرب الخمر لأنّه مسكر يفيد حرمة كلّ مسكر وإن كان الموضوع في القضيّة خصوص الخمر ، وقول القائل : لا تأكل الرّمان لأنّه حامض مخصّص من جهة إخراج الفرد الغير الحامض من الرّمان ، ومعمّم من جهة إدخال الفرد الحامض من غير الرّمان.

لا يقال : إنّ التعليل عام يشمل كلّ عمل صادر عن جهل ، ولكنّ المفهوم أخصّ منه مطلقا ، لاختصاصه بخبر العادل الغير العلمي ، وعدم اشتماله الخبر العادل العلمي ، فيلزم تخصيص عموم التعليل بالمفهوم ، فيكون المحصّل وجوب التبيّن في كلّ إقدام عن جهالة إلّا في العمل بخبر العادل.

لأنّا نقول : ليس المناط في التقديم مجرّد كون أحد الدليلين أخصّ ، بل الوجه في تقديم الأخصّ إمّا كونه نصّا أو أظهر ، فيدور الأمر بين رفع اليد عن النصّ أو الأظهر وحفظا للظاهر وبين عكسه ، ولا شكّ في تعيّن العكس كما في قولك : أكرم العلماء ، وقولك : لا تكرم زيدا العالم ، فإنّ الثاني نصّ في حرمة إكرام الزيد ، والأوّل ظاهر في وجوبه.

وأمّا هنا فالأمر دائر بين طرح ظهور التعليل في العموم وحفظ ظهور القضيّة في المفهوم وبين العكس ، فالتعارض واقع بين الظهورين.

وبعبارة اخرى : إنّما نعمل بالخاص لأنّ في العمل به عملا بكلا الدليلين ؛ لأنّ فيه العمل بالعام في بعض أفراده ، بخلاف العمل بالعام حيث يلزم منه طرح الخاص بالمرّة ، وليس العمل بالعام هنا إلّا على نحو العمل بالخاص من حيث كون كلّ منهما

٥٧٤

أخذا ببعض الدليل المخالف وطرحا لبعضه ، فإنّا إن أخذنا بظهور القضيّة في المفهوم لا يلزم إلّا طرح العموم في بعض أفراده ، كذلك لو أخذنا بالعموم لا يلزم إلّا طرح أحد جزئي القضيّة وهو المفهوم ، ولا يلزم طرح ظهورها بالمرّة.

وحينئذ فالترجيح لأظهرهما ، ولا شكّ أنّه التعليل ، فإنّ ظهور القضيّة في المفهوم لو سلّمناه فإنّما هو بالالتماس ، وليس إلّا ظهورا أوّليا لا يقاوم مع ظهور التعليل خصوصا بملاحظة أنّ العموم المستفاد من العلل أقوى من المستفاد من الصيغ ، ككلمة «كلّ» ونحوها.

وإن شئت قلت : إنّ المفهوم وإن كان اخصّ ، ولكنّه ليس بدليل مستقلّ حتى يلاحظ في مقام المعارضة بانفراده ، وإنّما الدليل نفس القضيّة التي يكون المفهوم بعض مدلولها ، والنسبة بينها وبين العام المعارض إنّما هو العموم من وجه (١) ، فإذا كان العموم المعارض منفصلا عن القضيّة فلا بدّ من ملاحظة الأظهريّة فيما بينهما ، ويمكن أن يكون ظهور القضيّة في المفهوم أقوى من ذلك العام في العموم ، وأمّا إذا كان العموم في ذيل القضيّة المشتملة على المفهوم ، وكانت هي معلّلة به ، فحينئذ حيث قلنا إنّ العبرة في المعلّل بالنظر إلى العلّة عموما وخصوصا ولا ينظر إلى نفس المعلّل فلو فرض المساواة أيضا بين ظهور القضيّة في حدّ ذاتها في المفهوم وظهور العلّة في العموم لوجب رفع اليد عن المفهوم ، لكون العموم في العلّة قرينة صارفة مانعة عن انعقاد ظهور المفهوم ، فكيف مع كون العموم المستفاد من التعليل أقوى من سائر العمومات وآبيا عن التخصيص.

هذا حاصل الإيراد ، وقد عدّه شيخنا المرتضى قدس‌سره ممّا لا يمكن الذبّ عنه ، والحقّ إمكان التفصّي عنه بأن يقال : إنّ كلمة «جهالة» الواقعة في التعليل وإن كانت

__________________

(١) ولو فرض أنّه ليس من هذا القبيل اصطلاحا فلا شكّ في اتّحاده معه في الملاك ، لراقمه عفي عنه.

٥٧٥

بحسب المادّة ظاهرة في المعنى المقابل للعلم فيشمل كلّ شكّ وظنّ ، إلّا أنّ المراد بها هنا هو السفاهة ، أعني العمل بالجهل الذي لا يكون عقلائيّا ، ولا ينبغي صدوره عن العاقل ، والدليل على إرادة ذلك منه هو تفريع الندامة عليه ، فإنّ العمل بالشكّ بمجرّد كونه عملا بالشكّ لا يكون معرضا للندامة ؛ إذ ربّما يعمل العقلاء بالشكوك فيما إذا كانت معتبرة عندهم ولا يحصل الندم عقيب ظهور الخلاف.

ألا ترى أنّه إذا أخبر البيّنة بطهارة شيء فعاملت معه معاملة الطهارة ، ثمّ ظهر كونه نجسا لا تحصل لك الندامة على موافقة البيّنة ، لأنّه فعل عقلائي وهو لا يتعقّبه الندم ، فكلّ إقدام كان مستندا إلى حجّة عقلائيّة ممضاة للشرع أو تعبديّة شرعيّة فليس متعقّبا بالندم.

وإذن نقول : خبر العادل بعد ما جعله الشارع حجّة بقضيّة المفهوم تكون موافقته فعلا عقلائيّا ، فيخرج عن عموم التعليل خروجا موضوعيّا ، نعم قبل جعله حجّة كان من أفراده ومعدودا من الأفعال السفهائيّة.

إن قلت : كيف يمكن ذلك في كلام واحد ؛ فإنّ استقرار ظهور نفس القضيّة المعلّلة في المفهوم مبنيّ على عدم شمول التعليل لخبر العادل ، وعدم شموله مبنيّ على استقرار ظهورها في المفهوم.

قلت : إنّما يلزم ذلك لو كان التعليل منافيا لأخذ المفهوم وهاهنا الأخذ به وعدمه في حدّ سواء بالنسبة إلى التعليل ، وذلك لأنّه إن كان خبر العادل حجّة فيلزم خروجه عن التعليل خروجا موضوعيّا ، وإن لم يكن حجّة يكون واحدا من أفراد موضوعه ، فنقول : نأخذ بظهور القضيّة في المفهوم كما هو المفروض ونحكم باستقراره من دون ارتكاب خلاف ظاهر في التعليل ، وإذا أمكن الجمع بين الظهورين فلا وجه لطرح أحدهما ، وملاحظة تمام أجزاء الكلام التي من جملتها العلّة إنّما يلزم لأخذ المفهوم ليكون المفهوم المنتزع مطابقا لها ولم يكن في الكلام ما يخالفه ، والمفروض أنّه هنا كذلك ؛ إذ ليس في المفهوم مخالفة للعلّة أصلا، فطرحه مع ذلك ليس إلّا طرحا للظهور بلا دليل.

٥٧٦

فإن قلت : لا شكّ أنّه لو لا حجيّة خبر العادل كان مشمولا لعموم التعليل ، فنحن ندّعي أنّها متأخّرة رتبة عن هذا العموم ببيان أنّ وجوب التبيّن لكونه معلولا لهذه العلّة متأخّرة رتبة عنها ، فنقيضه الذي هو الحجيّة أيضا متأخّر عنها بقضيّة وحدة رتبة النقيضين ، فحيث لا حجيّة في رتبة التعليل أثّر التعليل أثره.

قلت : هذا خلط لمقام الثبوت بمقام الإثبات ؛ فإنّ قضيّة العليّة والمعلوليّة بحسب مقام الثبوت ما ذكرت ، وأمّا بحسب مقام الإثبات والتلفّظ وترتيب ترصيف المعاني في الذهن وانتقاشها تكون طبق الألفاظ ، فما كان في اللفظ مقدّما كان مقدّما في التصوّر والانتقاش ، ولا شكّ أنّ القضيّة الشرطيّة حسب الفرض في حدّ ذاتها لها دلالة تصوّريّة انتقاشيّة على المفهوم ، غاية ما في الباب أنّك تقول : إنّ هذا الظهور الانتقاشي يحتاج استقراره إلى تمام الكلام وحجيّته منتظرة لاستقراره.

فنقول : نعم الأمر كذلك ، لكن بعد ثبوت أصل هذا الظهور الانتقاشي من الصدر يلاحظ في الذيل ، فإن كان فيه ما ينافيه ولا يجامعه نرفع اليد عنه ، كما في قضيّة رأيت أسدا يرمي بالقوس ، وأمّا إذا لاحظناه غير مماس به ولا متعرّض لنفيه ولا إثباته فقهرا يستقرّ ما فهمناه تصوّرا من الصدر عند تمام الكلام.

فنقول : أيّ منافاة بين هذين الكلامين لو فرضناهما مستقلّين ، أعني قولك : لا تعمل بغير الحجّة وقولك : خبر العادل حجّة ، فإن فهمت في صورة الاستقلال منافاة فقل في صورة الاتّصال وكون أحدهما في الصدر والآخر في الذيل : إنّ أحدهما قرينة صارفة عن ظهور الآخر ، وأمّا بعد عدم المنافاة ـ كما هو الواضح ـ لعدم تعرّض الاولى لحجيّة شيء وعدمها فلا وجه للصرف.

فعلى هذا نحن نقول : لا شكّ أنّ العلّة وإن كانت مضيّقة لدائرة الموضوع في بعض الأحيان ، لكنّه ليس كالتقييد ، بمعنى أنّه لو شكّ في فرد من العام أنّه متّصف بالعلة أو لا ، يمكن الأخذ بالإطلاق أعني إطلاق قوله : لأنّهم عدول مثلا في قوله : أكرم العلماء لأنّهم عدول ، وإن كان يتوقّف في مشكوك العدالة من العلماء لو كان الكلام بصورة

٥٧٧

التقييد ، كما قال : أكرم العلماء العدول ؛ لأنّه تمسّك بالعام في الشبهة الموضوعيّة.

وحينئذ نقول : كما يرفع الشكّ بواسطة العلّة عن الأفراد المشكوكة ، كذلك لو كان الكلام ذا مدلولين ، منطوق ومفهوم ، فالعلّة المذكورة فيه تدلّ على انتفاء نفسها في مورد المفهوم ، وجه الدلالة أنّ العلّة علّة لمجموع ما للكلام من المدلول ، والفرض أنّ من مدلوله حصر الحكم على الموضوع المذكور فيه الذي هو منشأ أخذ المفهوم.

فإذا قيل : أكرم زيدا إن جاءك لأنّه يعطيك درهما ، يفهم منها أنّ العلّة أيضا مقصورة على صورة المجيء وأنّ في صورة عدمه لا يعطي الدرهم وإن أكرمه.

وبالجملة ، بعد ما فرضنا أنّ القضيّة الشرطيّة ومدلولها ومفادها في حدّ ذاتها إثبات الحكم على وجه الحصر ، فإيراد العلّة أيضا لا محالة يكون على هذا المفاد ، ومعنى إيرادها عليه أنّ العلّة غير مشتركة بين صورتي وجود الشرط وعدمه ، بل مختصّة بالصورة الاولى.

نعم لو فرضنا العلم من الخارج بالاشتراك فحينئذ نأخذ بعموم العلّة ونجعله صارفا ومانعا عن انعقاد استقرار ظهور الجملة في المفهوم ، لكن عند عدم العلم وفرض مشكوكيّة الحال يحكم ظاهر العلّة بواسطة ارتباطها بالحصر بعدم وجودها في حالة عدم الشرط ، ويرفع الشكّ الحاصل لنا ، كما قلنا : إنّ العالم المعلوم من الخارج عدم عدالته نحكم بخروجه من العام في قوله : أكرم العلماء لأنّهم عدول بقضيّة العلّة ، وأمّا الفرد المشكوك العدالة يرفع الشك في عدالته ويحكم بدخوله بقضيّتها أيضا.

ثانيها : وهو إشكال على جميع أدلّة الحجيّة لخبر الواحد ولا اختصاص له بالآية : أنّ حجيّة خبر الواحد يلزم من وجودها عدمها ، وكلّ ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال ، ينتج أنّ حجيّة خبر الواحد محال.

أمّا الكبرى فواضحة ، وأمّا الصغرى فلأنّ من جملة أخبار الآحاد التي نقول بحجيّتها خبر السيّد قدس‌سره بعدم حجيّة خبر الواحد ، لاجتماعه جميع شرائط القبول والحجيّة ، فلو كان خبر الواحد الذي من جملته خبر السيّد بعدم الحجيّة حجّة لزم من حجيّته عدمها.

٥٧٨

وأجاب شيخنا المرتضى قدس‌سره بما حاصله أنّه لا بدّ من ملاحظة أنّ هذا الأمر المحال نشأ من قبل أيّ شيء؟ فنقول : لا ريب في أنّه ناش من شمول أدلّة الحجيّة لهذا الخبر أعني خبر السيّد قدس‌سره ، فإنّ هذا الخبر لو كان داخلا لزم من دخوله عدم حجيّة نفسه ، ولا شيء من سائر الأخبار فيلزم من الحجيّة عدمها ، فعلينا أن نقلع مادّة الفساد وهو دخول هذا الخبر ، فتكون العمومات مخصّصة بغير هذا الفرد بتخصيص عقلي.

أقول : يمكن الاستشكال عليه قدس‌سره بما قد علّمه قدس‌سره إيّانا وهو أن نقول : كما أنّكم تفحّصتم عن منشأ لزوم المحال في أدلّة الحجيّة وقلتم : إنّه دخول خبر السيّد نحن أيضا نتفحّص عن أنّ موجب لزوم المحال في خبر السيّد قدس‌سره ما ذا؟ فنقول : لهذا الخبر مدلولان ، أحدهما أنّ ما سواه من الأخبار ليس بحجّة ، والثاني أنّ نفسه غير حجّة ، ولا شكّ أنّ دلالته على عدم حجيّة غيره من الأخبار لا مدخل لها في لزوم المحال كما هو واضح.

وأمّا دلالته على عدم حجيّة نفسه فهي المنشأ بمعنى عدم إمكان شمول الأدلّة لخبر السيّد بملاحظة دلالته هذه ، فنحن نقول : لا تشمل الأدلّة لخبر السيّد بلحاظ هذا المدلول وهو سلب الحجيّة عن نفسه ، فتكون شاملة له من حيث مدلوله الآخر وهو سلب الحجيّة عن غيره ، فيلزم من دخول خبر السيّد تحت الأدلّة خروج الأخبار الواردة في باب الصلاة مثلا عنها ، كما أنّه يلزم من دخول تلك الأخبار فيها خروج خبر السيّد.

فغاية ما في الباب وقوع التعارض بين خبر السيّد وأخبار الصلاة وغيرها ، فيكون الجواب وجود المرجّح في طرف الأخبار لكثرتها ووحدة خبر السيّد ، فإنّه إذا دار الأمر بين خروج فرد واحد أو خمسمائة فرد مثلا فلا ريب في رجحان الأوّل ، هذا مضافا إلى ما يلزم على الثاني من صيرورة الكلام من نحو اللغز والمعمّا ، فإنّه قد حكم على جميع الأفراد بحكم واريد فرد واحد ينافي ثبوت الحكم لسائر الأفراد ،

٥٧٩

فقيل : كلّ خبر عادل حجّة واريد به خبر السيّد الذي مضمونه أنّه لا شيء من خبر عادل بحجّة.

وحاصل أصل الإشكال أنّ حجيّة خبر الواحد محال ؛ لأنّه يلزم من حجيّته عدم حجيّته ، وذلك لأنّه لو كان خبر الواحد حجّة لكان خبر السيّد حجّة ؛ لأنّه أيضا خبر واحد ، وحجيّته مستلزمة لعدم حجيّة خبر الواحد ، وهذا هو المدّعى من استلزام حجيّة خبر الواحد عدم حجيّته.

وحاصل الجواب الشيخ عنه أنّ هذا المحذور مختصّ بخبر السيّد دون سائر الأخبار ، وذلك لأنّ خبر السيّد دالّ إمّا باللفظ وإمّا بالملاك على عدم حجيّة نفسه قطعا ، ولذا لو سئل عن السيّد عنه لقال : ليس بحجّة ، ولهذا لو كان خبره المذكور المفيد لعدم حجيّة نفسه حجّة لزم من حجيّته عدم حجيّته ، فالاستلزام المذكور مختصّ بخصوص هذا الخبر دون الأخبار الأخر ، فاللازم إخراج هذا الخبر بتخصيص عقلي.

وحاصل إشكالنا على الشيخ ـ وهو في الحقيقة شيء تنبّهنا له ببركة تنبيه الشيخ فأوردنا ما استفدنا منه عليه ـ هو أنّه كما أنتم حلّلتم الإشكال في كلّي خبر الواحد وبيّنتم أنّه من جهة خبر السيّد ، كذلك نحن أيضا نحلّل الإشكال في خبر السيّد ونبيّن أنّه من جهة أيّ من مداليله.

فنقول : هو عامّ يشمل نفسه أيضا بالقطع إمّا لفظا وإمّا ملاكا ، فله مدلولان ، عدم حجيّة نفسه وعدم حجيّة غيره ، فحجيّته بالنسبة إلى المدلول الأوّل محال ؛ إذ يلزم حجيّته وعدم حجيّته ، وأمّا بالنسبة إلى المدلول الثاني فغير محال ، فيمكن شمول أدلّة الحجيّة له بملاحظة هذا المدلول ، فخبر السيّد بعد اندراجه تحت دليل الحجيّة بمنزلة عام لا يمكن إرادة فرد منه ، فيكون مخصّصا عقلا بغيره ، فحينئذ يقع التعارض بين هذا الخبر مع سائر الأخبار؛ إذ دخوله مستلزم لخروجها ، ودخولها مستلزم لخروجه.

٥٨٠