أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

واقعا موجودا فيه وشكّ في حجيّة الشهرة وكانت في الواقع حجّة وبحيث لو تفحّص المكلّف عن حجيّته لوصل إليها ، ومع ذلك لم يتفحّص وارتكب هذا الطرف على جهل بحجيّة الشهرة ، فهذه الحجيّة الواقعيّة بوجودها الواقعي لا يورث سقوط تبعة ذلك الوجوب الواقعي عن هذا المكلّف.

وسرّ ذلك أنّ مقدّمات صحّة عقوبة المولى وحجّته على العبد تامّة لا نقص فيها ، فإنّ العلم الإجمالى منجّز للواقع وحجّة تامّة للمولى ، ولا بدّ للعبد في ترك الاطاعة مع وجود هذه الحجّة القويّة للمولى من وجود مستند يستند إليه في ذلك حتى يجيب به عند سؤال المولى ويكون حجّة له في قبال حجّة المولى ، وفي هذا الفرض المفروض أنّ تحقّق الحجّة على الإباحة في الواقع مع شكّ المكلّف فيه ليس لهذا المكلّف الشاك حجّة في قبال المولى ، فيكون حجّة المولى وهو العلم الإجمالي حجّة عليه ومورثة لصحّة عقابه.

والفرق بين هاهنا ومرحلة التنجيز ـ حيث قلنا هناك بأنّ الحجّة الواقعيّة بوجودها الواقعي حجّة للمولى ومستند له في العقاب ، وقلنا هنا بأنّ وجوده الواقعي الموصوف بكونه يوصل إليه على تقدير الفحص ليس بمستند وحجّة للعبد في رفع العقاب ـ أن لا يطلب في باب حجّة المولى إلّا إتمام المقدّمات التي من شأن المكلّف ـ بالكسر ـ اقامتها ، وليس المقدّمات الأخر للوصول إلى المكلّف ـ بالفتح ـ المطلوبة منه مطلوبة من المكلّف ـ بالكسر ـ مثلا لو بيّن الشارع الحكم في مكان يصل صوته إلى العبد عادة فأوجد العبد باختياره مانعا عن إصغائه ، فليس التقصير حينئذ إلّا من قبل العبد ، فوظيفة المولى إقامة الحجّة على وجه كان الوصول إليه بطريق المتعارف سهلا ، فلو أقامها كذلك ثمّ تهاون العبد عن التفحّص عنه بالقدر المتعارف ، فليس جهله حينئذ عذرا له ، بل الحجّة الواقعيّة حجّة للمولى.

فإن قلت : على ما تقدّم من الجمع بين الحكمين الظاهري والواقعي بالترتّب مع أخذ حال التجرّد لحاظا لا قيدا في الواقعي فالمكلّف في مورد العلم الإجمالي مستريح ؛ لأنّه شاك.

٤٨١

قلت : إنّما اخذ التجرّد من غير الشكّ المقرون بالعلم.

فإن قلت : فما وجه الجمع بين الحكم الترخيصي في الأطراف مع الواقع؟ قلت : نختار في باب العلم الإجمالى الطريق الآخر أعني : حيازة الشرع كرسي العقل وأنّه أرشد إلى ما هو الصلاح ، كما لو رخّص العقل في بعض الأطراف ، فهنا لم يدرك عقل العامّة ، لكن الشارع رآه فأرشد إليه من باب أنّه عقل ، ولا منافاة بين الحكم الصادر منه بما هو شارع ، والحكم الصادر عنه بما هو حائز لكرسي العقل.

فإن قلت : فإذا فرضنا أنّه حكم بحجيّة الطريق المؤدّى إلى خلاف التكليف الثابت واقعا فمعناه أنّ سلوك هذا الطريق مرضيّ ؛ ولا تنجيز للواقع معه ، وليس في هذا الحكم قيد الوصول إلى المكلّف ، فمن أين احدث هذا القيد؟.

قلت : حال هذا الحكم كحال الأحكام الواقعيّة ، فكما هاهنا بوجوداتها الواقعيّة لا يؤثّر ، بل بضميمة العلم ، فكذلك هنا أيضا العقل التام الكامل وإن كان حكم بالمعذوريّة ، لكن هذا حكم شأني ، وإنّما يصير فعليّا عند وصوله إلى المكلّف.

وبعبارة اخرى : العلم الإجمالي منجّز للتكليف الواقعي لو لم يقم في أحد الأطراف مؤمّن ، ووجود الحجّة العقليّة واقعا مع عدم الوصول إلى المكلّف ليس في حكم العقل مؤمّنا ، فمؤمنيّته إنّما يكون في صورة الوصول ، غاية الإشكال المتصوّر هنا بعد تسليم فعليّة الواقع مع العذر العقلي أنّ المعذريّة إن كان متعلّقا بالوجود الواقعي فلا فرق بين الوصول وعدمه ، وإن كان متعلّقا بالموضوع مع قيد الوصول يلزم الدور ، مع أنّه خلاف الواقع.

والجواب أنّه كما أنّ المنجزيّة في العلم الإجمالي يكون بنحو الاقتضاء بحيث يقبل أن يمنع عنه العذر العقلي القائم في بعض الأطراف ، كذلك المعذّرية متعلّقة هنا بالواقع ، لكنّه على نحو الاقتضاء بحيث يقبل منع المانع.

فنقول : جهل المكلّف مانع ، والعلم الإجمالي مقتض للتنجيز ، والحجّة الواقعيّة أيضا مقتض للعذر ، ولكنّ الجهل مانع عن اقتضائه ، فيكون مقتضى التنجيز سليما عن المانع.

٤٨٢

وهذا بخلاف مرحلة الإسقاط ، فوجود الحجّة في الواقع بهذا النحو ليس مثمرا ومنتجا للعبد شيئا في رفع العقاب عن نفسه ، فإنّ رافع العقاب عنه استناده في العمل على خلاف القواعد والاصول المنجّزة عليه التكليف ظاهرا إلى حجّة قائمة على الرخصة ، والاستناد إنّما يتحقّق لو علم بوجود الحجّة المذكورة ، فلا يتحقّق الاستناد إليه بمجرّد وجودها الواقعي مع عدم العلم بها.

فتحصّل أنّ وجود الحجّة الواقعيّة المجهولة لا يؤثّر شيئا في مرحلة التنجيز والإثبات إلّا في صورة واحدة ، وهي ما إذا كانت موجودة وكان المكلّف يظفر بها لو تفحّص ، وأمّا في مرحلة الإسقاط فلا يؤثّر شيئا أصلا في شيء من الصور.

ثمّ إنّ شيخنا المرتضى قدس‌سره حاول في هذا المقام إثبات عدم الحجيّة عند الشكّ بأدلّة حرمة التشريع عقلا ونقلا ، وأنت تعرف أنّه لا مساس لهذه المسألة بمقامنا ؛ فإنّ البحث في هذا المقام عن الحجيّة وعدمها والتنجيز والإسقاط وعدمهما ، وليس لازم وجود الحجيّة صحّة الاستناد إلى الشارع.

ألا ترى أنّ حجيّة الظن بمقدّمات الانسداد على تقرير الحكومة ليس الحاكم بها إلّا العقل ، ولا يستند حجيّته إلى الشرع أصلا ، وذلك لأنّ الحجّة العقليّة غير منتهية إلى الشرع، فكما أنّ وجوب اتّباع الحكم المعلوم عند انفتاح باب العلم حكم عقلي ولا مدخل للشرع فيه أصلا ، فكذا وجوب اتّباع الحكم المظنون عند الانسداد على هذا التقرير أيضا عقلي محض لا دخل للشرع فيه.

وبالجملة ، فالحكم بحجيّة شيء مشكوك الحجيّة ليس ملازما لنسبة حكم مشكوك الورود عن الشرع إلى الشرع ، وليس داخلا في هذا العنوان حتى يرجع في حكمه إلى الأدلّة الدالّة على حرمة هذا العنوان.

إذا عرفت ذلك فلنشرع في وقوع التعبّد بعد تبيّن إمكانه ، ونذكر مواضعه في ضمن فصول.

* * *

٤٨٣

«فصل»

في أنّ ظهور اللفظ متّبع في تشخيص مراد المتكلّم أولا ، وينبغي أوّلا تحرير محلّ الكلام فنقول : الإرادة على قسمين ، إرادة لبيّة وتسمّى بالأغراض ، وإرادة استعماليّة وهي إرادة تفهيم معنى كلّ لفظ عند التنطق به.

فهنا كلام بعد إحراز الإرادة الثانية في أنّها مطابقة للاولى أولا؟ ، كما لو علم بأنّ المتكلّم أراد معاني الألفاظ التي تكلّم بها لنصوصيّتها ، ولكن لا يعلم مطابقتها مع غرضه اللبّي ومقصوده الجدّي ، فإذا قال : أكرم العلماء فيعلم أنّه أراد بالإرادة الاستعماليّة إيجاب إكرام جميع العلماء ، ولكن لا يعلم أنّه بحسب الجدّ أيضا كذلك أو يستثنى بعض الأفراد ، وأخّر بيانها لمصلحة ، ثمّ يبيّنه قبل حضور وقت العمل ، فيقال عند هذا الشكّ : إنّ الأصل العقلائي على التطابق بين الإرادتين ، والكلام في هذا المقام وهذا الأصل ليس مهمّا لنا في هذا المقام.

وكلام في إحراز إرادة المتكلّم معاني ألفاظه بعد الفراغ عن مدلول اللفظ التصوّري الانتقاشي الذي لو سمع من الجدار أيضا يكون مصحوبا للفظ ، أي ينتقش في الذهن ، أعمّ من أن يكون وضعيّا أم انصرافيّا ، أم حاصلا بقرينة حاليّة على التجوّز أو مقاليّة ، ويسمّى هذا بالدلالة التصوّريّة ، ثمّ البناء بعده والحكم بأنّ المتكلّم أراد من اللفظ تفهيم هذا المعنى بالإرادة الاستعماليّة يسمّى بالدلالة التصديقيّة.

فنقول : هنا ثلاثة مقدّمات إذا صارت بجميعها مسلّمة متيقّنة تكون نتيجتها القطع :

الاولى : أنّ غرض المتكلّم إفادة المراد باللفظ لا شيء آخر كالتعلّم للغة العرب في التكلّم بالعربي مثلا.

والثانية : عدم وجود قرينة حاليّة أو مقاليّة في البين دالّة على إرادة خلاف الظاهر.

والثالثة : عدم غفلة المتكلّم عن نصب القرينة على مراده.

فعند تحقّق هذه الثلاثة ومسلميّتها يحصل القطع بأنّ المتكلّم أراد المعاني

٤٨٤

التصوريّة الظاهرة من الألفاظ بإرادة استعماليّة وإلّا لزم نقض الغرض ، مثلا لو قال : أكرم العلماء ، وعلم أنّه يكون بصدد إفادة المطلب ، وليس التكلّم لغرض آخر وأنّه لا قرينة في البين ، وكان ملتفتا غير عاقل ، فلو كان حينئذ مريدا من هذا الكلام ضرب حجر على رأس زيد مثلا فهو ناقض للغرض ؛ فإنّ غرضه إفادة ما هو مريد له في مرحلة الاستعمال باللفظ ، فاتى بلفظ لا يفيده بل يفيد الخلاف ، ونقض الغرض لا يحتاج إلى إثبات قبحه ليتمسّك لعدمه بحكمة الشارع ، بل هو ولو فرض عدم قبحه ، بل حسنه لا يصدر من أدنى جاهل ، بل من واحد من الحيوان فضلا عن الإنسان العاقل.

فالكلام إنّما هو في صورة الشكّ في إحدى تلك المقدّمات ، كما لو شكّ في أنّه تكلّم لغرض الإفادة أو لغرض آخر ، أو شكّ بعد العلم بأنّه يتكلّم للإفادة في وجود القرينة وعدمها ، فهل هنا أصل عقلائي على الحمل على أنّه تكلّم للإفادة في المقام الأوّل ، أو أنّه أراد ظاهر اللفظ بإرادة استعماليّة في المقام الثاني ، أو ليس.

لا كلام في وجوده في المقام الأوّل ، فجرى سيرة العقلاء على حمل التكلّم على صدوره بغرض الإفادة ولو عند الشكّ ، فلو أمر المولى عبده فترك العبد الإطاعة معتذرا بأنّي لم أعرف أنّك تريد الإفادة واحتملت أنّ غرضك مجرّد إيجاد الكلام لما تقبّل هذه المعذرة عند العقلاء في رفع العقوبة عنه.

وهذا غير مقام البيان الذي قد اشتهر في باب الإطلاق أنّه لا بدّ من إحرازه من الخارج ، وإلّا يعامل مع اللفظ معاملة الإهمال ؛ فإنّ الإطلاق أمر زائد على مفاد اللفظ ، وهذا الأصل إنّما هو بالنسبة إلى ما هو مفاد اللفظ ، فمجراه في باب الإطلاق هو المهملة ، فلو جهل بأنّه تكلّم بالمطلق خاليا عن إرادة المعنى رأسا حتّى المهملة فهذا الأصل يدفعه.

وبالجملة ، فباب الشكّ من هذه الجهة مسدود بهذا الأصل العقلائي ، كما أنّ باب الغفلة في كلام الشارع غير محتمل ، وفي غيره مسدود أيضا بالأصل العقلائي ، فيمحّض منشأ الشكّ في إرادة المتكلّم استعمالا لما هو المنتقش من اللفظ بما هو عليه

٤٨٥

من الحالات والخصوصيّات في احتمال وجود القرينة الصارفة ، بمعنى أنّه يحتمل أنّها كانت واختفت علينا ، فالكلام في هذا المقام قد انعقد لدفع هذا الشكّ.

وكذلك لا كلام في الجملة في اتّباع الظهور في المقام الثاني وعند الشكّ في وجود القرينة ، إلّا أنّ الكلام في أمرين يختلف الحال بحسبهما وهو أنّه هل اتّكالهم في ذلك على أصالة الحقيقة أو أصالة عدم القرينة.

وتوضيح الأوّل أنّ اللفظ إذا وضع لمعنى يحصل طبع (١) ، فمقتضى طبع اللفظ بعد الوضع كونه مستعملا في معناه الموضوع له ، فإنّه وضع لاجل ذلك ، فاستعماله في غير معناه خروج عن مقتضى طبع اللفظ الموضوع ، وبناء العقلاء في جميع الأشياء هو البناء على ما هو قضيّة الطبع الأوّلي للشيء إلى أن يعلم بما يكون حدوثه من جهة الطواري.

ومن هذا القبيل الحكم بحيضيّته دم المرأة المردّد بين الحيض والاستحاضة ؛ فإنّ الاستحاضة مرض بخلاف الحيض ، ومقتضى الطبع الأوّلي للمرأة صحّة المزاج ، والمرض يحدث بالعرض ، فعند الشكّ يبنى على بقائها على صحّة المزاج التي هي مقتضى طبعها الأوّلي ، فيحكم بحيضيّة دمها.

__________________

(١) يعني حصلت له بالوضع طبيعة ثانويّة في أن يقصد به تفهيم ما وضع له ، لأنّ ذلك حكمة الوضع ، فلو عومل معه ذلك كان على وفق طبعه ، وخلاف ذلك محتاج إلى دليل وإحراز ، وأمّا هو فمقتضى الأصل الأوّلى.

فإن قلت : غاية الأمر أنّ الطبع مقتض لوجود مقتضاه ، لكنّه يجامع مع المانع ، فبمجرّده لا يكفي في الحكم بتحقّق المقتضى ـ بالفتح ـ ما لم يحرز عدم المانع ، ففي المقام القرينة الصارفة مانع ومزاحم لهذا المقتضى ، فلا بدّ من إحراز عدمها.

قلت : معنى بناء العقلاء أنّهم يبنون على وفق المقتضي ويحكمون بوجود المقتضى ـ بالفتح ـ ومن المعلوم أنّ وجود المقتضى ـ بالفتح ـ لا يجامع مع وجود المانع ، فيعلم بالملازمة عدمه ، وليس هذا بضائر في الاصول اللفظيّة ؛ لأنّها أمارات ومثبتها حجّة. منه قدس‌سره.

٤٨٦

ومن هذا القبيل أصالة الصحّة في جميع الأشياء ؛ فإنّ الفساد في كلّ شيء يكون على خلاف الطبع ، فالبطّيخ بحسب طبعه الأوّلي صحيح وفساده يطرأ عليه بالعرض ، وبالجملة ، الطبع الأوّلي للفظ بقاءه في الاستعمال الشخصي على معناه الذي وضع له.

وتوضيح الثاني أنّه كثر (١) خروج اللفظ في الاستعمالات عن مقتضى طبعه واستعماله في خلاف معناه مع نصب القرينة إلى حدّ صار له قابليّة الانقسام إلى قسمين : اللفظ الجاري على طبعه وهو ما ليس معه قرينة ، والجاري على خلاف طبعه وهو ما يقترن بقرينة ، فحينئذ يصير ذاك اللفظ أعني ما هو مقسم القسمين بلا أثر وطبع ، بل الطبع حصل للفظ المجرّد ، فكما نحتاج في الحمل على المعنى المجازي إلى إحراز القيد وهو وجود القرينة ، فكذلك في الحمل على الحقيقي أيضا نحتاج إلى إحراز القيد وهو التجرّد عن القرينة.

وتظهر الثمرة بين هذين الوجهين فيما إذا كان في الكلام ما يصلح للقرينيّة ، فإن قلنا بأنّ الاتّكال على أصالة الحقيقة فنحكم بإرادة المعنى الحقيقي للمساعدة مع طبع اللفظ ما لم يعلم الخلاف ، وإن قلنا بكون الاتّكال على أصالة عدم القرينة فلا نحكم بإرادة المعنى الحقيقي ولا المجازي ، بل نتوقّف ويكون الكلام مجملا ؛ فإنّ البناء على عدم القرينة إنّما هو فيما إذا كان الشكّ في أصل الوجود ، وأمّا لو كان الوجود محرزا ، وكان الشكّ في قرينيّة الموجود ، فليس البناء على عدم القرينيّة.

__________________

(١) والكثرة إنّما تحقّقت في المجازات المتشتّتة لا في واحد معيّن ، فلا يقال : إنّه يلزم أن ينقلب الطبع ويصير مع المعنى المجازى ، ولهذا لو تحقّقت في واحد صار كذلك ويسمّونه بالمجاز المشهور ، والحاصل أنّ الطبع إنّما يمشي على وفقه ما دام لم يصل الخروج عن مقتضاه إلى خلافه بحدّ الكثرة ، وبعد هذا ينهدم الطبع ولا بدّ في إثبات مقتضاه من التماس دليل من الخارج ، وفي مقامنا لا بدّ من التماس دليل مثبت لعدم القرينة حتى يثبت إرادة المعنى الحقيقي. منه قدس‌سره الشريف.

٤٨٧

وتظهر أيضا فيما إذا تعقّب العام باستثناء كان له قدر متيقّن وكان في الباقي محتملا ، فإن كان الاتّكال على أصالة الحقيقة يقتصر على القدر المتيقّن ويؤخذ بالباقي لمساعدة طبع العام ، وإن كان الاتّكال على أصالة عدم القرينة فيسري الإجمال بالنسبة إلى الباقي إلى العام؛ لأنّ الشكّ ليس في وجود القرينة ، بل في قرينيّة الموجود ، وهذا في الحقيقة مثال للفرض المتقدّم.

وشيخنا المرتضى قدس‌سره في غير موضع من رسائله ذكر الوجهين على سبيل الترديد ولم يجزم بشيء منهما ، والإنصاف أيضا عدم إمكان الجزم ، وإذن فالقدر المتيقّن أنّهم يتّبعون الظهور في ما إذا لم يكن في البين ما يصلح للقرينيّة وشكّ في وجود القرينة ، وأمّا أنّه للاتّكال على أيّ من الأصلين فليس معلوما.

نعم لو كان معلوما اتّباع الظهور عند وجود ما يصلح للقرينيّة تبيّن أنّ الاتّكال على أصالة الحقيقة ، ولكن لم يعلم اتّباعهم الظهور في هذا المورد ، بل يحكمون بالإجمال ويتوقّفون.

فإن قلت : إذا كان التوقّف في هذا المورد لأنّها مساويا لأصالة عدم القرينة فبه يثبت أنّ الأصل الذي ملاك العقلاء في باب الظهورات هو هذا الأصل ، لا أصالة الحقيقة ، فما معنى قولك : إنّه مع ذلك لا يعلم أنّ الاتّكال على أيّ من الأصلين.

قلت : لا نسلّم أنّه لازم مساو ، بل أعمّ ؛ إذ من المحتمل أن يكون اتّكالهم على أصالة الحقيقة في ذلك المورد ـ أعني الشكّ في وجود القرينة ـ دون غيره والأمر سهل.

إذا عرفت ذلك فالمدّعى في هذا المقام أنّ ظهور اللفظ (١) في معنى يورث حمله

__________________

(١) يعني أنّ الظهور الانتقاشي التصوّري الحادث قهرا حتّى من اللفظ المسموع من الجدار إذا استقرّ ، يعني ما يتيقّن بعد ضمّ اللواحق والضمائم والخصوصيّات المكتنفة به من الحاليّة والمقاليّة ، فهذا المعنى الانتقاشي متى والشكّ في إرادة المتكلّم تفهيمه في مقام الاستعمال ولم يكن في البين ما يورث الإجمال والتوقّف ممّا يصلح للقرينيّة فبنائهم على الأخذ بهذا الظاهر الانتقاشي وأنّه الذي أراد المتكلّم تفهيمه. فلا يقال : إنّ الظهور ـ

٤٨٨

على هذا المعنى عند الشكّ في إرادة المتكلّم له للشكّ في وجود القرينة مع عدم ما يصلح للقرينيّة في البين ، وهذا الظهور متّبع مطلقا ، سواء حصل الظنّ الفعلي على وفاقه أم لا ، خلافا للمحقّق القمّي قدس‌سره حيث خصّ حجيّة ظهور الألفاظ بصورة وجود الظنّ الفعلي منه بإرادة المتكلّم إيّاه من اللفظ ، فإن لم يحصل هذا الظنّ فليس الظهور حجّة.

وسواء حصل الظّن الفعلي الغير المعتبر على خلافه ، أم لا ، خلافا لمن اعتبر في حجيّة الظهور عدم الظن بإرادة خلاف الظاهر ، وسواء بالنسبة إلى من قصد إفهامه ومن لم يقصد ، خلافا للمحقّق القمّي قدس‌سره حيث ذهب إلى أنّ الأخذ بالظواهر حقّ لمن قصد إفهامه وليس لغيره حقّ ذلك ، فلعلّه كان بين المتخاطبين مطلب معهود فاريد من الكلام خلاف ظاهره بقرينة العهد ، لأنّ من مقدّماته الأصلي اللفظي لزوم نقض الغرض ، وهذا غير جار هنا ؛ إذ لو كان في البين قرينة معهودة مخفية على هذا السامع الغير المقصود إفهامه بالخطاب لما لزم نقض الغرض.

وفيه أنّ هذا المطلب ليس طريق صحّته وسقمه إلّا العرض على أهل السوق ، فإذا رأيناهم يمشون بخلافه يعنى لا يفرقون بين من قصد وغيره بعد الشركة في التكليف في صحة الاحتجاج فهذا معنى الحجيّة ، إذ هذا مقصودنا من حجيّة الظواهر لا كشف الواقع وإدراكه ، وإلّا فكيف يعقل استكشاف الواقع من طرف الوهم ، والحال أنّ معنى الوهم أنّ احتمال كون الواقع في خلافه أرجح.

ألا ترى أنّه لو فرضنا المقام غير مقام الاحتجاج بين العبد والسيّد ، كما لو قال رفيق لرفيقه : اشتر المتاع الفلاني ؛ فإنّ فيه النفع ، أو لا تشتره فإنّ فيه الضرر وكان

__________________

ـ بمعنى الرجحان لا يجامع الشك ، وذلك لأنّ المراد بالظهور هو المعنى الانتقاشي ، والشكّ إنّما هو في ما قصد المتكلّم تفهيمه ، فالمدّعى أنّ العقلاء يحكمون بأنّ ما قصد المتكلّم تفهيمه يكون على وفق المعنى الانتقاشي ، ومدركهم في هذا الحكم إمّا أصالة الحقيقة ، وإمّا أصالة عدم القرينة كما تقدّم توضيحها.

٤٨٩

المخاطب ظانّا بالنفع في الثاني والضرر في الأوّل فإنّه لا يتّبع في المقامين إلّا ظنّ نفسه.

فلو أمر المولى أحد عبيده بأمر وكان بعض عبيده الآخر يسمع كلام المولى وعلم أنّه يشترك جميع العبيد في الحكم فترك هذا العبد الغير المواجه العمل بظاهر كلام المولى ليس للمولى إذا علم بسماعه عقابه.

وبالجملة ، فالمدّعى حجيّة الظهور عند الشكّ في وجود القرينة من غير تقييد بالظّن بالوفاق ولا بعدم الظّن بالخلاف ، ومن غير فرق بين من قصد إفهامه ومن لم يقصد ، والدليل في الجميع هو سيرة العقلاء على العمل بالظهور في الموارد المذكورة ، ثمّ بضميمة عدم ردع الشارع يصير حجّة شرعيّة ، فلا بدّ لإثبات المرام من إثبات مطلبين ، الأوّل : وجود السيرة المذكورة ، والثاني : عدم ردع الشارع.

أمّا الأوّل فنقول : يمكن لنا إثبات الدعاوي الثلاث بالمرتكز في طبعنا ؛ فإنّ العقلاء يأخذون بالظواهر حجّة لهم وعليهم ، فربّما كان حجّة للمتكلّم على المخاطب فيؤاخذ المتكلّم المخاطب محتجّا بأنّه : أما قلت لك كذا؟ وربّما يكون حجّة للمخاطب على المتكلّم فيؤاخذ المخاطب المتكلّم محتجّا بأنّه ألم تقل كذا؟ ، ولا نعني بالحجيّة هنا إلّا ذلك أعني صحّة المؤاخذة والاحتجاج لا الكشف عن الواقعيات ، فلا يرد أنّ الأخذ بالشكّ في مقام الواقع بل بالوهم مقامه ليس من طريقة جاهل فضلا عن عاقل ، فكيف يمكن الحجيّة مع عدم الظّن بالوفاق ، بل مع الظّن بالخلاف.

فنقول مثبتا لسيرة العقلاء في كلّ من المقامات الثلاثة على الترتيب موضحا بالتمثيل : لو قال مولى لعبده : أضف جميع طلّاب البلد ، فاحتمل العبد عدم إرادة المولى واحدا معيّنا منهم ، لما شاهد من عدم معاملة المولى مع هذا الواحد معاملة المحبّة فلأجل هذا الاحتمال لم يخبره بالضيافة ، فإذا حضر الجميع إلّا هذا الواحد فلم ير المولى إيّاه فيما بينهم ، فهل ترى من وجدانك وطبعك مانعا من صحّة مؤاخذة العبد بأنّه لم ما أخبرت الشخص الفلاني ، ولو اعتذر العبد بأنّه ما ظننت من قولك إرادته هل يصحّ جوابه بأنّ الأمر لو كان كذلك لقلت : إلّا فلان ، فهذا الذي فعلت فعلته من جانب نفسك ، أو لا يصحّ.

٤٩٠

وفي عين هذا المثال الذي لم يكن إرادة هذا الواحد مظنونة للعبد وكان شاكّا لو كان الواقع أيضا كذلك وغير مقصود واقعا ، كما احتمله العبد ، ولكن أخبره مع ذلك وحضر هو مع الجماعة فهل يصح للمولى [أن يقول] : لم أخبرت هذا فإنّي لم احبّ ضيافته ، ولو قال ذلك فأجابه العبد بأنّك قلت : أخبر كلّ الطلاب ، فما تقصيري ، كان عذرا مقبولا وحجّة موجّهة؟

ثمّ افرض في هذا المثال أنّ العبد ظنّ بعدم إرادة الشخص الخاص ، لكن بظنّ غير معتنى به عند العقلاء ، كالحاصل من النوم ، فلم يخبر الشخص ولم يعلمه الضيافة ، فهل يصحّ أن يقول في جواب المولى ويحتج بأنّي : رأيت في المنام أنّك لا تحبّ صحبة هذا الشخص ولا تميل في مجالسته ، فظننت من هذا بأنّك ما قصدت من قولك إيّاه؟.

وكذلك في هذا المثال لو لم يعتن بظنّه الحاصل من نومه وأعلم الشخص ، فأتى مع الجماعة المدعوّين ، فاتّفق مصادفة ظنّه الواقع وأنّ المولى واقعا كان كارها لحضوره وغير قاصد له من الكلام فلا حقّ له بمؤاخذة العبد ، فإنّ حجة العبد في قباله ـ : قلت لى : أعلم الجميع ، وما كان بيدي سوى النوم وهو ليس محلا للاعتبار فما تقصيري ـ مسموعة.

نعم لو ظنّ ظنّا يعمل على طبقه العقلاء ويعتنون بشأنه ، كما لو حصل من مأخذ صحيح ، فحينئذ يصير هذا الظنّ حجّة في قبال الظهور ، وكذا الحال في الشارع ، ولو كان الظنّ ممّا يعتبره العقلاء وعند الشرع كان ملغى فهو لا يقوم في قبال الظهور عند الشرع وإن كان له صلاحيّة ذلك عند العقلاء.

ثمّ افرض أنّ لمولى عبدين ، فخاطب أحدهما في بيته وقال له : يجب على جميع عبيدي احترام العلماء وتوقيرهم ، ولا بدّ أن لا يصدر منهم خلاف الاحترام بالنسبة إلى واحد منهم ، واتّفق وجود العبد الآخر في البيت وسماعه هذا الحكم ، ولم يشعر بذلك المولى ، فلم يطع العبد الثاني وصدر منه خلاف الاحترام بالنسبة إلى بعض العلماء ، واطّلع المولى فيما بعد وجود هذا العبد في البيت عند مخاطبته مع العبد الآخر وسماعه للحكم ، فهل ترى مانعا من صحّة المؤاخذة وجعله في معرض العتاب و

٤٩١

الاحتجاج بأنّك : ألم تسمع مقالتي مع شريكك في التكليف ، فلم خالفت؟ وهل له الجواب بأن يقول : كان وجهة كلامك وطرف خطابك عبدك الآخر ، فلا ارتباط لذاك الخطاب بي؟

ومثال آخر أوضح : لو كان لك رفيقان ، فاتّفق اجتماعهما في بيت وأنت في بيت آخر تسمع كلامهما وتعرف شخصهما وهما غير شاعران بوجودك في البيت ، فأخذ أحدهما في غيبتك عند الآخر وذكر عيوبك له ، فإذا خلوت معه هل لك أن تقول له : أتذكر ما قلت فيّ عند فلان في المكان الفلاني وأنا كنت أسمع كلامك ولم تستشعر ، فلم قلت كذا وكذا في حقّي ، فهل له أن يجيبك معتذرا ومحتجّا بأنّي كنت اقاول مع غيرك فما ربطه بك؟ فهذا هو الكلام في السيرة في المقامات الثلاث.

وأمّا إمضاء الشرع ، فاعلم أنّ الأمر الذي صار مركوزا في أذهان العقلاء وكانوا مجبولين عليه ومفطورين وعجنوا به من أسلافهم فالعامّة لا يتفطّنون لخلافه ولا يدخل في ذهنهم غيره ولو احتمالا أو وهما (١) ، مثلا لو اتّخذ مولى خادما جديدا فلا يحتمل هذا الخادم ولا يخطر بباله أن يكون طريقة هذا المولى في المحاورة مخالفة لطريقة سائر الناس ، بل يعامل على حسب ما اجبل به من الأخذ بالظواهر من دون أن يكون خلافه محتملا له بل مشعورا به ، بل هو أمر مغفول عنه.

نعم نادر قليل وأوحديّ من الناس بواسطة كثرة توغّله في الأفكار العلميّة والتخيّلات في الدرس والبحث يقع في ذهنه احتمال أنّه يمكن عدم رضى الشارع بهذا

__________________

(١) وبهذا يجاب عن الإشكال بأنّ غاية ما في الباب عدم ثبوت الردع من الشارع ، لكنّ الإمضاء أيضا غير ثابت ، فحيث إنّ المقام مقام الشكّ في الحجيّة ، والمرتكز عند العقلاء فيه أيضا عدم معاملة الحجّة فاللازم الحكم بعدمها. وحاصل الجواب أنّ الأمر الجبلّي للناس الذي يكون مغفولا عنه للعامّة ولا ينقدح احتمال خلافه إلّا لمن استأنس ذهنه بالدقائق العلميّة ، فهذا الأمر لو كان غير مرضي الشرع لوجب عليه إظهار الردع بالتنصيص وعدم الاكتفاء فيه بالعموم والإطلاق ، وحيث ما كان يقطع برضى الشارع هذه الطريقة ، فيصير هذا برهانا للأوحدي المحتمل ، منه قدس‌سره.

٤٩٢

الأمر وكونه مخطّئا لهذه الطريقة.

وحينئذ فإن كان الأمر المركوز في الأذهان العرفية غير مرضي للشرع فلا بدّ في الردع عنه من النصّ والتنصيص ، فإنّ رفع اليد عن أمر استقرّ عليه العادة من لدن أدم عليه‌السلام وعجن الناس به لا يمكن إلّا بالتصريح والتنصيص ، كما هو المشاهد في باب الربا ، فترى النهي عنه على الوجه الصريح مؤكّدا بالتخويفات الاكيدة والإنذارات البليغة والإيعادات الكثيرة ، حتى ورد في درهمه وديناره ما ورد ، فكذا الردع عن كلّ أمر مرتكز غير مرضيّ لا بدّ وأن يكون بهذا النحو.

فنقول : ليس في مقامنا في قبال الطريقة الجارية والسيرة المستمرّة المرتكزة ما يتوهّم منه النهي والردع سوى الأخبار والآيات الناهية عن العمل بالظن ، وهي لا صراحة لها في شمول المقام ، بل لها الظهور ، ظهور العام في الخاص ، وهي غير صالحة للردع ؛ لأنّها لا يخلو حالها من شقّين ، إمّا أن لا يكون ظهورها حجّة ، وإمّا أن يكون ، فعلى الأوّل واضح ، وعلى الثاني يكون مقطوع التخصيص لأقوائيّة الارتكاز من ظهورها ، فيحرم العمل بالظن إلّا في باب ظهور الألفاظ ، وإذن فثبت حجيّة الظهور اللفظي عند العرف والشرع.

فإن قلت : ما المانع من أن يكون مثل قوله تعالى : (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) رادعا ؛ إذ لا شبهة في أنّ الظواهر ممّا ليس به علم ، ويتفطّن لذلك العامّة أيضا ، فما وجه عدم إجرائهم العموم فيه؟.

قلت : نعم إنّهم يرون الظواهر مصداقا لما ليس به علم ، ولكن حكمهم بدخولها تحت عموم الحكم فرع لأن يكون حجيّة الظواهر عندهم مقيّدة بعدم ورود منع من الشارع كما في الظنّ في حال الانسداد ؛ إذ حينئذ يكون العموم كافيا في رفع اليد عن الحجيّة ، ولكن ليس الأمر كذلك ، بمعنى أنّ حجيّة الظواهر يكون عندهم على الإطلاق ، وبلغت في ارتكازهم بمثابة لا يحتملون تخطئة الشارع إيّاهم ، وكما لا يحتمل بعضهم في حقّ بعض آخر منهم أن يكون له طريقة اخرى في المحاورة ، لا يحتملون ذلك في حقّ الشارع ؛ فإنّهم يرونه كواحد منهم.

٤٩٣

ولهذا لو قال هذا الكلام واحد من المولي الظاهريّة لعبده لا يأخذ ذلك من يده طريقة المحاورة ، والحاصل وإن كانوا يفهمون أنّ الظواهر ما ليس به علم ، لكن لا يمكن ردعهم عن العمل بمجرّد : لا تعمل بما ليس لك به علم ؛ فإنّهم يقطعون بأنّ المراد من هذا العام غير هذا الفرد من الظنون ، ويقطعون بتخصيصه في هذا الفرد.

والحاصل : هنا ثلاثة امور ارتكازيّة ، الاوّل : حجيّة ظواهر سائر الألفاظ غير هذه الآية وحجيّة ظاهر هذه الآية ، وأنّ العام القطعي التخصيص يعمل به في غير مورد القطع بتخصيصه ، وهذه الامور الثلاثة لها جمع في ارتكازهم ، فيبقون على ارتكازهم القطعي في سائر الألفاظ ويعملون بهذا الظاهر في غير الظواهر.

وإن قلت : فلو كان الأمر كما ذكرت من الحجيّة على وجه الإطلاق فالتنصيص أيضا لا يفيد بحالهم.

قلت : التنصيص القطعي بوجوده يؤثّر في رفع قطعهم ويقفون على خطابهم بسببه.

فإن قلت : لو سئل عنهم هل تقبل هذه الحجيّة منع الشارع بنحو التنصيص أولا؟ لأجابوا بنعم ، فكيف تكون الحجيّة عندهم تنجيزيّة؟

قلت : الشرطيّة لا يستلزم صدق طرفيها ، فيمكن أن يتفطّنوا عند التنبيه ، وأمّا عند عدم التنبيه فهذا الاحتمال مغفول عنه عندهم بالمرّة ، فليس في ذهنهم من هذه الجهة حكم لا إثباتا ولا نفيا ، والموجود هو القطع بالحجيّة بلا تقييد.

وهذا التقريب لعدم رادعيّة الآيات كما ترى جار بعينه في حجيّة خبر الثقة ولا يحتاج إلى تقريب الدور كما فعله في الكفاية ، هذا مع أنّ في خصوص مقامنا الذي هو الظواهر وحجيّة الآيات أيضا من باب الظواهر طريقا آخر لعدم الرادعية ، وهو أنّ الظواهر لو كانت حجّة فالآية مخصّصة ، وإن لم يكن حجّة فالآية أيضا منها ، فما وجه الاستدلال؟.

مضافا إلى إمكان دعوى التخصيص وإن لم يتلقّوها بالقبول ، وذلك أنّه بعد ما عرفت من أنّ العامّة قاطعون بالحجيّة قطعا تنجيزيّا واحتمال الردع مغفول عنه في أذهانهم ، فيكون الاتّكال والاعتماد في عملهم على القطع بالحقيقة دون الظّن.

٤٩٤

«في حجيّة ظاهر الكتاب»

بقي الكلام في ظواهر الكتاب حيث ذهب جماعة من الأخباريين إلى عدم حجيّتها ، وما يمكن أن يكون وجها لهم امور :

الأوّل وهو العمدة : الأخبار القريبة من التواتر الواردة على المنع عن تفسير القرآن والإفتاء به ، وأنّ من فسّره بالرأي فليتبوّأ مقعده من النار.

والثاني : العلم الإجمالى بورود تخصيصات كثيرة على عمومات القرآن ، وتقييدات كذلك على إطلاقاته ، وتجوّزات كذلك على ظواهره ، فكلّ آية أردنا التمسّك بها والعمل بظاهرها كانت طرفا للعلم الإجمالي ، فليس بحجّة.

والثالث : أنّ في القرآن محكما ومتشابها ، وورد المنع عن الأخذ بالمتشابه في الآية ولم يتبيّن لنا أنّ الآيات المتشابهة كم هي وما هي ، فكلّ آية أخذنا بها يحتمل كونها من المتشابهات.

والرابع : حصول التحريف في القرآن كما يشهد به الأخبار ، وإذن فكلّ آية محتملة لأن يكون غير قرآن ، أو يكون قرآنا ولكن كانت متّصلة بقرينة فسقطت تلك القرينة ، وبالجملة ، فلا يحصل الوثوق بشيء من ظواهر الآيات ؛ لاحتمال التحريف.

والجواب أمّا عن الأخبار المانعة عن التفسير والإفتاء بالقرآن فبأنّ هذه الأخبار ثلاث طوائف :

الاولى : ما يشتمل على التفسير بالرأي مثل النبوي «من فسّر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».

والثانية : ما يشتمل على التفسير بدون التقييد بكونه بالرأي ، مثل قوله عليه‌السلام : «ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن».

والثالثة : الخبران الواردان في منع المفتين من العامّة وهما أبو حنيفة وقتادة عن الإفتاء بالقرآن.

٤٩٥

أحدهما مرسلة شبيب (شعيب خ ل) بن أنس عن أبي عبد الله عليه‌السلام أنّه «قال لأبي حنيفة : أنت فقيه أهل العراق؟ قال : نعم ، قال : فبأيّ شيء تفتيهم؟ قال : بكتاب الله وسنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حقّ معرفته ، وتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال : نعم ، قال عليه‌السلام : يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علما ، ويلك ما جعل الله ذلك إلّا عند أهل الكتاب الذي انزل إليهم ، ويلك وما هو إلّا عند الخاصّ من ذريّة نبيّنا صلّى الله على وآله ، وما ورثك الله من كتابه حرفا»

وثانيهما : رواية زيد الشحّام «قال : دخل قتادة على أبي جعفر عليه‌السلام ، فقال له : أنت فقيه أهل البصرة؟ فقال : هكذا يزعمون ، فقال : بلغني أنّك تفسّر القرآن ، قال : نعم ، إلى أن قال : يا قتادة إن كنت قد فسّرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت ، وإن كنت قد فسّرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت ، ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به»

أمّا الطائفة الاولى والثانية فلا دلالة فيهما على المنع ، ووجه ذلك أنّ تقرير معنى الكلام عند غير أهل اللسان كتقرير الكلام العربي بلسان الفارسيّة عند أهل هذا اللسان لا يكون تفسيرا بل هو ترجمة.

وأمّا تقريره عند أهل اللسان مثل ما إذا قال مولى لعبده : أكرم العلماء ، فقال هذا العبد لرفيقه أنّه قال لي مولاي : أكرم العلماء ، أو نقل مطلب الغير بغير ألفاظه بما لا يتغيّر بسببه المطلب فليس هذا أيضا تفسيرا ، بل يسمّى بنقل القول ، فالتفسير إنّما يصدق إذا كان في المراد من الكلام محجوبيّة ومستوريّة واندماج ، فرفع هذه المحجوبيّة وصنع له ظاهر بمعونة التّدبر وإعمال الفكر ، فحينئذ يقال : إنّه فسّر الكلام وشرحه ، أي كشف القناع والحجاب عن وجه معناه ، وهذا ظاهر.

ثمّ لو سلّم كون حمل اللفظ على ظاهره من التفسير ، فلا نسلّم كونه تفسيرا بالرأي ، فإنّ المراد بالرأي الاعتبار الظنّي الذي لا اعتبار به ، فيكون منه حمل اللفظ على خلاف ظاهره لرجحانه بنظره ، وحمل المجمل على محتمله لمساعدة الاعتبار ، و

٤٩٦

لو سلّم شموله للحمل على الظاهر أيضا فلا محيص عن حمل هذه الأخبار على ما ذكر جمعا بينها وبين الأخبار الدالّة على جواز الرجوع إلى ظواهر القرآن.

فالعمدة هو الخبران الأخيران حيث إنّه توجّه الخطاب فيهما إلى أبي حنيفة وقتادة الذين كان شأنهما الفقاهة ، ومعناها هو الذي نحن بصدده من الأخذ بالظواهر ، لا الأخذ بالتوجيهات العرفانيّة ومموّهات المتصوّفة ، فإنّه ربّما يقال بأنّه يستفاد منهما أنّ كلّ من هو حاله حال أبي حنيفة وقتادة في عدم المعرفة بالقرآن حقّ معرفته وعدم معرفة الناسخ من المنسوخ يشترك معهما في هذا الحكم.

والمفروض أنّ الإمام عليه‌السلام خصّ هذه المعرفة بالخاص من ذريّة نبيّنا ومن خوطب بالقرآن ، فجميع الناس غيرهم حالهم حال هذين الشخصين ، فيقال لكلّ مفت بالقرآن ومستخرج للحكم من ظواهره : هل تعرف القرآن حقّ معرفته والناسخ منه من منسوخه ، فإن قال : لا ، قلنا : فلم تفتون ، وإن قال : نعم ، قلنا في الجواب ما قاله الإمام في جواب أبي حنيفة وقتادة.

وبالجملة ، موضوع كلام الإمام ومورده كلّ من فقد المعرفة المذكورة وهو عامّة الناس ممّن سواهم ، فيدلّ على عدم جواز استخراج الأحكام من القرآن في حقّ من عداهم عليهم‌السلام واختصاصه بهم عليهم‌السلام.

فإن قيل : نختار الشقّ الثاني ولا يرد الجواب المذكور في حقّهما في حقّنا ، فإنّا نميز ذلك ونحصّل المعرفة بضميمة الأخبار المأثورة عن الأئمّة عليهم‌السلام ، فنحن ندّعي المعرفة ببركة آثارهم وبياناتهم.

قلنا أوّلا : فهذا ليس عملا بالقرآن ، بل بالأخبار ، وثانيا : نفرض الكلام في آية لا توجد فيها هذه الضميمة ؛ فإنّ جميع الآيات لم يرد فيها من الأئمّة عليهم‌السلام بيان ، ولو ورد فليس جميعه واصلا إلينا ، فبالنسبة إلى الآية الخالية عن هذه الضميمة يصير حالنا حالهما.

والجواب أنّ موضوع كلام الإمام عليه‌السلام هو هذا الشخصان ومن يحذو حذوهما ، فإنّهما كانا يرجعان إلى القرآن والسنّة من دون رجوع إلى شيء آخر

٤٩٧

سواهما ، ولم يكونا مراجعين إلى الأئمّة عليهم‌السلام ، بل متى وصل إليهما حكم منهم عليهم‌السلام وكان مخالفا لظاهر القرآن كانا يردّانه به ، فكانا في قبال الأئمّة لا من أتباعهم ، فمقصود الإمامعليه‌السلام هو أنّ هذا الذي جعلتما شعاركما وصنعكما ـ من الرجوع في الأحكام إلى القرآن وحده بدون الرجوع إلى شيء ـ ليس إلّا شأن من كان عارفا بالقرآن حقّ معرفته وعارفا بناسخه ومنسوخه ، وليس هذا لكما ، فليس المنصب المذكور أيضا لكما ، بل هو مخصوص بالخاص من أهل بيت محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) وبالجملة يدّل على أنّ شخصا يتصدّي هذا العمل و

__________________

(١) حاصل الجواب إسقاط الخبرين عن الظهور لا تسليمه ورفع اليد عنه بالأخبار المعارضة : وحاصل المحمل الذي يحمل عليه إمّا ابتداء وإمّا بملاحظة الجمع أنّ الافتاء بالقرآن منحصر في طائفتين لا ثالث لهما ، الاولى : من كان عارفا بالقرآن حقّ معرفته ، يعني كان عارفا بناسخه ومنسوخه وعامّه وخاصّه ، أعني عرف أنّ العمومات التي اريد منها العموم كم هي وما هي ، والعمومات التي اريد منها الخصوص مع كونها بصورة العموم ـ كآية الارث حيث إنّها خاصة بغير الزوجة والحبوة ـ كم هي وما هي ، فانّهما بهذا المعنى يصحّ جعلهما في رديف الناسخ والمنسوخ ، وإلّا فالعام والخاص الاصطلاحيان فعرفهما كلّ أحد ولا يختصّ بشخص خاص.

والثانية من لم يكن له هذه المعرفة ولكنّه يتتبّع مظانّ معرفة ذلك ويتفحّص عنها أعني : يرجع إلى الأئمّة عليهم‌السلام.

ثمّ نقول : عدم كون أبي حنيفة من الطائفة الثانية كان مفروغا عنه وما كان محتاجا إلى السؤال ؛ لمعلوميّة عدم رجوعه إليهم عليهم‌السلام وكونه مدّعيا للمرتبة الاولى ، ومن المعلوم أنّ الخطاب الصادر إلى هذا الموضوع المتحيّث بهذه الحيثيّة لا يصحّ إلّا على الوجه الذي أدّاه الإمام عليه‌السلام من سلب معرفة القرآن عنه وتوبيخه على الإفتاء مع عدم المعرفة.

والحاصل : خصوص المورد إنّما لا يخصّص الوارد إذا علم من الخارج بالغاء الخصوصيات ، وأمّا مع احتمال دخلها فلا وجه للإلغاء ، نظير ما ورد في قضاء الولد الأكبر حيث ورد الخبر بلفظ «الرجل» وإن احتملنا عدم سراية الحكم إلى المرأة الميّت فلا وجه للإسراء. ـ

٤٩٨

هو الرجوع بالقرآن بالاستقلال ووحده من دون نظر إلى شيء آخر لا بدّ وأن يكون واجدا للمعرفة المزبورة ، فالإمام عليه‌السلام عالم بجميع ما في القرآن قبل الرجوع إلى القرآن ، فما في القرآن ـ وهو علم ما كان وما يكون ـ ومعلومات الإمام متطابقان ، لا أنّ الإمام يستخرج الأحكام من القرآن مع مجهوليّتها عنده قبل الرجوع.

فالحاصل أنّ المفتي بالقرآن يجب أن يكون عنده علم ما في القرآن ، حتّى يضع القرآن بين يديه ويحكم بطبق ما فيه ، من دون رجوع إلى خارج ، وهذا ليس إلّا شأن من خوطب بالقرآن ، فليس لأحد غيرهم عليهم‌السلام ذلك أعني : وضع القرآن بين يديه والحكم بما فيه بلا رجوع إلى شيء ، وهذا غير ما نحن بصدده من الرجوع إلى ظواهر القرآن في بعض الأحكام مع استنباط أكثرها من الأخبار المرويّة عن الأئمّة عليهم‌السلام ، والحاصل : لا إشكال في اختصاص فهم تمام القرآن بمحكماته ومتشابهاته بمن خوطب به ، وهذا هو المراد من المعرفة المختصّة بهم عليهم‌السلام في الروايتين ، ضرورة أنّ في القرآن ما لا يختصّ فهمه بهم عليهم‌السلام ، مثلا

__________________

ـ فإن قلت : نعم ، لكنّ العبرة بعموم العليّة وهي ما يستفاد من قوله عليه‌السلام : أتعرف القرآن حقّ معرفته.

قلت : نمنع استفادة العليّة على وجه الاستقلال ؛ لعدم ذكر اللام ، والعليّة على وجه الجزئيّة لا يفيد المدّعى.

ثمّ لو سلّم عدم الظهور الأوّلي فيما ذكرنا فلا أقلّ من كونه حملا قريبا بملاحظة المعارض مثل أخبار عرض الأخبار المعارضة على القرآن ، فإنّه يعلم منها أنّ لغيرهم أيضا معرفة القرآن ، وإلّا فكيف يميز الموافق عن المخالف ، وهكذا سائر الأخبار الواردة في الموارد الخاصّة التي احصاها شيخنا المرتضى في رسائله ، فيكون ما ذكرنا بعد ملاحظة الجميع وجه جمع قريب ، وعليه فلا يكون محلّ التعرّض في الخبر إلّا أبو حنيفة ونظرائه ، فيكون الشيعة مسكوتا عنهم غير مشمولين للنهي ، فهم باقون تحت الأصل الأوّلي. منه قدس‌سره.

٤٩٩

فهم معنى آية أوفوا بالعقود.

وأمّا عن شبهة التحريف والمراد به الإسقاط والتصحيف فنقول : أوّلا أنكر جمع من الإماميّة وقوع التحريف ، وثانيا : على فرض وقوعه لا علم بوقوعه في آيات الاحكام إذ لم يكن داعي التحريف بالنسبة إليها موجودا ، فتكون هذه الآيات خارجة من أطراف العلم الإجمالي وإنّما فيها احتمال بدوي.

وثالثا : على تقدير تسليم ذلك أيضا ـ يعني كون هذه الآيات أيضا موردا للعلم ، لكنّ الغاية كونها أحد طرفي العلم ـ فإنّ دعوى العلم بوقوع التحريف في خصوص هذه الآيات مكابرة ، فغاية ما يمكن ادّعاؤه أنّ العلم حاصل بوقوع التحريف إمّا في آيات الفضيلة والطعن ، وإمّا في آيات الأحكام.

وحينئذ نقول : قد تقرّر في باب الاصول العمليّة أنّه لو خرج أحد طرفي المعلوم إجمالا عن مورد الابتلاء فالأصل بالنسبة إلى الطرف المبتلى به جاريا بلا معارض ، فلو علم بخمريّة هذا الإناء أو الإناء الموجود في الافرنج فأصالة الحلّ والطهارة بالنسبة إلى هذا الإناء جارية بلا معارضته بأصالتهما في الإناء الآخر ؛ فإنّ الإناء الآخر ليس موردا للحكم أصلا.

فكما لا يضرّ العلم الإجمالي بخلاف أحد الأصلين الخارج مورد أحدهما عن محلّ الابتلاء بالنسبة إلى الآخر الذي مورده مبتلى به فكذلك لا يضرّ العلم الإجمالي بطروّ الاختلال على أحد الطريقين والأمارتين الخارج أحدهما عن مورد الابتلاء بصحّة التمسّك بالآخر الباقي في محلّ الابتلاء كما في نحن فيه ؛ فإنّ الآيات الواردة في باب الفضائل والمطاعن ليست محلا للابتلاء ، فليس العلم الإجمالي بطروّ الاختلال إمّا على ظاهرها أو على ظاهر الآيات الواردة في الأحكام الشرعيّة العمليّة بقادح في الأخذ بظاهر الثانية التي هي محلّ الابتلاء.

فإن قلت : فرق في ذلك بين الاصول والطرق ؛ فإنّ المناط في الاولى ليس هو الكشف عن الواقع ولم يؤخذ في موضوعها سوى الشكّ في الحكم الشرعي أو موضوعه ، فإذا تعلّق العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإنائين الخارج أحدهما عن مورد

٥٠٠