أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

قلت : يمكن كون الظن النوعي أقرب إلى الواقع من الشخصي ، فإذا اجتمع جميع الظنون الشخصيّة واجتمع جميع الظنون النوعيّة يمكن أن يكون الثانية أقرب من الاولى ، كما هو الحال في ظواهر الألفاظ وكما يمكن أن يقطع الإنسان بمخالفة واحد من ظنونه للواقع.

والفرق بين هذا الوجه والوجه المتقدّم أنّ الحكم الظاهري على ذلك الوجه كان مولويّا، وعلى هذا يكون إرشاديّا.

ونقول لتوضيحه أيضا : ألا ترى أنّه لو كان لحاكم أحكام وكان في تحصيلها بطريق العلم مفسدة أقوى ، أو كان غير ممكن فجاء المحكوم إلى هذا الحاكم واستفسر عنه من حيث إنّه عاقل كامل فقال له : الظنون التي هي مرجعي في أحكامك الغير الممكن علمي بها أيّ منها أقرب إلى الواقع ويوجب الوقوع في المفسدة أقل؟ فعيّن الحاكم له على سبيل الإرشاد وإراءة الصلاح بأنّ الطريق الفلاني أسلم ، وإيجابه للمفسدة أقل ، فهل يقال لهذا الحاكم في ما إذا أخطأ هذا الطريق : إنّك حكمت في موضوع واحد بحكمين متضادّين؟.

ولو قيل له ذلك يقول : أمّا من حيث كوني حاكما فلا يتفاوت حكمي بجهل المكلّف وعلمه ، وليس لي وراء الحكم الأوّلي حكم آخر ، وأمّا من حيث كوني عاقلا ومرشدا إلى الصواب وهاديا إلى الواقع فقد حكمت بسلوك الطريق الفلاني ؛ لأنّي رأيته أقرب من سائر الطرق إلى الواقع ، ولم يصدر منّي إلّا مجرّد إراءة صلاح المكلّف والإرشاد إلى الصواب من دون صدور حكم منّي أصلا.

فإن قلت : على تقدير اللابدّيّة من رفع اليد عن المصالح الواقعيّة إمّا بالانسداد والحرج في الاحتياط ، أو بما ذكرت من المفسدة الأعظم في تحصيل العلم هل يكون فعليّة التكليف بمعنى البعث والزجر الفعليين نحوه إلّا فعلا لغوا لا يصدر من الحكيم؟.

قلت : الجواب هو الجواب عن إشكال فعليّة التكليف عند جهل المكلّف مركّبا أو بسيطا مع قصوره ، حيث يكون معذورا عقلا والشارع يمضي ذلك من العقل ، وعند علم الشارع بعصيان العبد ، فما كان هو الجواب في ذينك المقامين نقوله في هذا المقام

٤٦١

وأنّه لا ينثلم بذلك فعليّة التكليف ، ولا يوجب الكسر والانكسار بين مصلحة الواقع ومفسدة تحصيل العلم حتّى يصير الواقع اقتضائيّا شأنيّا.

والحلّ في الجميع أنّ أوامر الشارع مقرّبات إلى المصالح الواقعيّة ، ونواهيه مبعّدات عن المفاسد كذلك ، ويجب عليه هذا المعنى بمقتضى حكمته ، ففرامينه ليست كفراميننا ، حيث إنّ غرضنا ممحّض في شراء اللحم وإتيان الماء وغيرهما من الأغراض المترتّبة على الوجود الخارجي للمأمور به ، فلهذا لو علمنا أنّ عبدنا متمرّد ولا يطيع أمرنا لا نأمره ، ولو علمنا المانع من إتيانه المأمور به نمتنع من الأمر ، لكن فرامين الشارع نظير حكم الحاكم في مقام فصل الخصومة وختم المرافعة ، حيث لا عشق له في وجدان زيد للعباء وفقدان عمرو له ، بل وظيفته الجلوس في مسند القضاء وإصدار الحكم ، فالغرض في نفس الحكم.

وهكذا في مقامنا ليس لطف الحكيم تعالى مقتضيا لأزيد من نصب الإمام وجعل الأحكام ، ولو لا ذلك وكان غرضه في حصول المتعلّقات أيضا لزم العياذ بالله أن يكون الله دائما مقهورا لعباده ؛ إذ ما من زمان إلّا وفيه جماعة من الناس يعصون الله ، فالمقصود يتمّ بالنصب والجعل ، وبعد ذلك يصير النقصان راجعا إلى المكلّفين إمّا لعصيانهم وإمّا لكونهم موجبين لغيبة الإمام عليه‌السلام ، وعلى كلّ حال يقع التقصير على عنقهم بعد تمام اللطف من الله وإتمام الحجّة من قبله.

فإن قلت : مع هذا أيضا يبقى محذور المضادّة بحالها ؛ إذ الكراهة والحبّ بالنسبة إلى المتعلّقات سلّمنا انتفائهما وأنّ المصلحة في نفس الحكم ، لكن نقول : نفس الحالة الباعثة والزاجرة ولو انقدحت لمصلحة في نفسها ينافي مع إراءة طريق يؤدّي إلى خلاف متعلّقها ؛ إذ معناه الرضى بترك المتعلّق في هذا الحال ، والمفروض أنّه في بحبوحة البعث نحوه والتحريك إليه.

قلت : نعم ولكن إحدى الحالتين من حيث كونه شارعا ، والاخرى من حيث كونه عاقلا ، ولا محذور بين الإيجاب والترخيص مع اختلاف الحيثيّة ولو اتّحد الشخص ، فكما لا منافاة بين بعث الشرع وترخيص العقل لتعدّد الحاكمين ، فكذلك

٤٦٢

في المقام ؛ لفرض كون الشارع حاكما بحيثية الشارعيّة في أحدهما وقطع النظر عن ذلك في الآخر وحكم بحيثية العاقليّة ، فافهم.

الوجه الثالث : أنّ المقام من فروع مسألة اجتماع الأمر والنهي في الشيء الواحد ؛ فإنّ هنا عنوانين أحدهما شرب الخمر مثلا ، والآخر اتّباع العادل ، فمورد النهي والمفسدة هو الأوّل ، ومورد الأمر والمصلحة هو الثاني ، وقد تقدّم في بابه أنّ تعدّد العنوان كاف في رفع غائلة اجتماع الحكمين المتضادّين في موضوع واحد وإن فرض اجتماع العنوانين في الوجود الخارجي.

لا يقال : إنّ من يجوّز الاجتماع بتعدّد العنوان إنّما يقول به إذا كان للمكلّف مندوحة كما في الصلاة والغصب ؛ فإنّ النهي وإن كان عن كلّ فرد من الغصب تعينيّا ، ولكن الأمر لا يقتضي كلّ وجود على التعيين ، بل أحد الوجودات ، فيمكن امتثاله بالصلاة في مكان مباح ، وهذا بخلاف المقام ؛ فإنّ المطلوب من المكلّف كلّ فرد من اتّباع العادل على التعيين، ففي المثال نهي تعييني عن شرب الخمر ، وأمر تعييني بشربه لكون العادل قد أخبر بوجوبه ، فعلم أنّ القائل بالجواز لا يقول به هنا لعدم المندوحة.

لأنّا نقول : لا فرق في رفع غائلة اجتماع المتضادّين بتعدّد العنوان بين صورة ثبوت المندوحة وصورة عدمها ، وتقييد الجواز بصورة ثبوتها ليس لأجل دخله في رفع هذا المحذور ، بل هو لأجل دفع محذور آخر وهو لزوم التكليف بما لا يطاق ، والعمدة في المقام رفع محذور اجتماع الضدين وهو حاصل بتعدّد الجهة عند مجوّز الاجتماع ، وأمّا محذور التكليف بما لا يطاق فقد عرفت جوابه وأنّه إنّما يلزم لو كان كلّ من التكليفين منجّزا في عرض واحد ، وليس كذلك في المقام ، هذا ما ربّما يقال في تقريب هذا الوجه.

وفيه أنّه لا بدّ في مبحث الاجتماع أن يكون قوام كلّ من الأمر والنهي بأحد العنوانين كما في الصلاة والغصب ، وليس كذلك في المقام ؛ فإنّ عنوان اتّباع العادل

٤٦٣

ليس مأمورا به على أنّه هذا العنوان (١) ، بل المطلوب حقيقة إتيان ما أخبر العادل بوجوبه ، مثلا على أنّ هذا العنوان المخبر عن وجوبه واجب ، مثلا لو أخبر العادل بوجوب صلاة الجمعة فاتّباعه ومعامله الصدق مع إخباره هو الإتيان بصلاة الجمعة على أنّه بعنوان كونه صلاة الجمعة واجبة ، لا الإتيان بها على أنّها بعنوان كونها متابعة لخبر العادل واجبة.

وعلى هذا فمرجع أمر الشارع باتّباع العادل هو الأمر بنفس العناوين التي أخبر العادل بوجوبها بما هي هذه العناوين.

وبعبارة اخرى : الأمر المذكور أمر طريقي بمعنى أنّه طريق إلى ما هو المطلوب حقيقة ، وهذا إنّما طلب لأجل إيصاله إلى ذاك ومقدّميّته له ، وليس بأمر موضوعي كان المطلوب نفسه.

وإذن فيلزم في ما إذا أخبر العادل بوجوب صلاة الجمعة مع حرمتها واقعا أن تكون صلاة الجمعة بعنوان أنّها صلاة الجمعة متعلّقة للوجوب والحرمة معا ، فيلزم اجتماع المتضادّين في الشيء الواحد مع اتّحاد الجهة ، فهو خارج عن موضوع مسألة الاجتماع ويكون باطلا بالاتّفاق.

هذا كلّه بناء على مذهب المشهور من طريقيّة الأحكام الظاهريّة ، وأمّا على ما يظهر من شيخ الطائفة قدس‌سره من موضوعيّتها وأنّ المصالح والمفاسد يكون بالوجوه والاعتبار ، وكوننا ظانّين بصدق الراوي جهة من جهات العمل وصفة من صفاتنا ، فيمكن أن يتغيّر بسببه حسن العمل وقبحه ، فيلزم التصويب المجمع على بطلانه.

وتفصيل هذا الإجمال أنّ التصويب يكون على ثلاثة أقسام :

الأوّل : هو القول بعدم ثبوت حكم مجعول واقعي رأسا مع قطع النظر عن العلم والظّن ، بل الحكم الواقعي تابع لآراء المجتهدين ، وهذا محال عقلا ؛ للزوم كون العلم

__________________

(١) يعني عنوان تصديق العادل ليس بموضوع ، بل مشير إلى الواقع ، منه قدس‌سره

٤٦٤

محدثا للحكم بنظر العالم وهو محال للدور (١) ، نعم يمكن أن يكون علم شخص يرى للحكم واقعا محدثا له بنظر شخص آخر.

والثاني : هو القول بأنّ الشارع لكونه عالما بالغيب يعلم بأنّ ما يجعله وينشئه أيّ مكلّف يصل إليه ، وأيّ مكلّف لا يطّلع عليه وإن تتّبع ، فمن أوّل الجعل يخصّ جعله بمن يعلم أنّه يتتبّع ويطّلع ، دون من لو تتّبع لا يطّلع أو يطّلع على الخلاف ، وهذا هو الشأن في أوامر الموالي الظاهريّة بالنسبة إلى عبيدهم أيضا ، فإنّهم يخصّون أحكامهم وأوامرهم بمن يعلمون أنّه يسمع صوتهم ، ولا يوجّهون الحكم نحو من يعلمون عدم سماعه.

وعلى هذا فصلاة الجمعة في حقّ من يؤدّي نظره إلى وجوبها واجبة بجعل الشارع من أوّل الأمر ، وفي حقّ من يؤدّي إلى حرمته محرّمة كذلك ، وهذا وإن كان لا يستلزم محذورا عقليّا ، ولكن يمكن دعوى الإجماع القطعي على بطلانه ؛ فإنّ كلّ أحد يعلم بالضرورة بأنّ لله تعالى في كلّ واقعة حكما واحدا يساوي فيه جميع المكلّفين.

الثالث : هو القول بأنّ لله تعالى في كلّ واقعة حكما واقعيّا يساوي فيه العالم والجاهل ، إلّا أنّ طروّ عنوان كون العمل ممّا أخبر بوجوبه العادل يوجب انقلاب المفسدة الكامنة في ذاته إلى المصلحة ، فيكون الحكم الواقعي في حقّ من قام عنده الأمارة اقتضائيّا فقط ، ولم يصل إلى مرتبة الفعليّة ، وهذا وإن كان ممكنا عقلا وليس بمثابة الثاني في ثبوت الإجماع القطعي على بطلانه ، إلّا أنّ الأساتيد نقلوا الإجماع على بطلانه.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أعلى الله مقامه اختار لدفع المحاذير المذكورة وجها آخر وهو أنّها بين ما ليس بمحذور وبين ما ليس بلازم ، ثمّ بيّن هذا بوجهين.

الأوّل : أنّه ليس المجعول في مورد الأمارات هو الحكم ، بل المجعول هو الحجّية

__________________

(١) بيانه قد سبق قبل هذا فليراجع.

٤٦٥

بناء على أنّ الحجيّة أمر وراء الحكم وتناله يد الجعل ، بمعنى أنّ الحجيّة ليست منتزعة من الأحكام ولا مستتبعة لها ، فإنّه قد يقال : إنّ الصادر الأمر بتصديق العادل وبسبب ذلك ينتزع الحجيّة ، فيقال : قد تمّ الحجّة ، فإنّ أمر المولى حجّة ذاتيّة ، وقد يقال : إنّ الحجيّة بنفسها مجعولة ، لكن يلزمها الحكم المولوي والأمر بالمتابعة ، فالمدّعى أنّ الحجيّة الصرفة المعرّاة عن الحكم سابقا ولا حقا مجعولة ، فيصير موضوع حكم العقل بلزوم الاتباع ، والمقصود منه إعطاء شيء حال العلم.

فكما أنّ العبد العالم بأمر مولاه أو نهيه يكون علمه حجّة بالذات بمعنى أنّه لو طابق الواقع تنجّز الواقع ، فلا عذر له لو خالف وعصى ، ولو كان جهلا مركّبا يعذّر العبد ، فلا عذر للمولى في عقوبة العبد على المخالفة ، فكون العلم حجّة معناه كونه على حالة يصحّ به الاحتجاج ، ومن آثاره حسن العقوبة على الترك عند المصادفة وقبحها عند عدمها وإسقاط العذر من الطرفين.

ثمّ هذا المعنى في العلم ذاتي وجدانا ، فإنّ من يرى أمر المولى بلا سترة فلا عذر له ويستحقّ العقوبة ، فأمر المولى حجّة ذاتيّة وما وراءه ليس هكذا قطعا ، فربّما يدّعى أنّ للشارع أن يحدث ويوجد هذا المعنى فيه بعد ما لم يكن بتوسّط الجعل والإنشاء ، كما يوجد الأحكام ، وذلك كما لو قال المولى لعبده : جعلت قول الشخص الفلاني حجّة بيني وبينك ، بحيث لو اتبعته وظهر مخالفته ما كان لي عذر في عقوبتك وحقّ لمؤاخذتك ، ولو خالفته وكان مطابقا ما كان لك العذر.

وفيه أنّ الحجيّة ليست إلّا سببيّة مخصوصة وهو كون الشيء سببا لرفع العذر عمّا بين شخصين ، كما أنّ السند عبارة عمّا هو سبب لرفع الكلام عن بين مترافعين.

وبالجملة ، لا يتصوّر معنى للحجيّة إلّا السببيّة لصحّة العقاب ولعدم صحّته وقد قرّر في محلّه أنّ مطلق السببيّة غير قابلة للجعل ، وعلّل بأنّه لا بدّ من وجود سنخيّة ومناسبة بين العلّة ومعلولها ؛ فإنّ المعلول مرتبة نازلة للعلّة ، ولأنّه لو لا ذلك لأثّر كلّ شيء في كلّ شيء، والنسخيّة إن كانت بين شيئين فهو ، وإلّا فلا يمكن إحداثها في فاقدها.

٤٦٦

فنقول : قول العادل قبل هذا الجعل لم يكن حجّة وسببا للآثار المذكورة ، وما كان كذلك لا يعقل إعطاء السببيّة إيّاه.

ومحصّل الكلام أنّه قد يقال : إنّه بتوسّط الوضع والقرار على أنّه متى أراد من العبد الفعل الفلاني يقول كذا أو يفعل كذا ، فيصر أمارة وعلامة على إرادته ، فيعرض عليه وصف الحجيّة قهرا ، فهذا ليس من باب جعل الحجيّة أوّلا ، نعم هو فعل يعرض عليه عنوان ثانوي قهرا هو جعل الحجيّة وهذا هو الحال في حجيّة الظواهر ، فإنّ متعلّق الجعل أوّلا ليس هو الحجيّة ، بل ينجعل بتركه الوضع ، وقد يقال : إنّ العنوان الأوّلي جعل الحجيّة بدون توسيط أمر آخر.

فنقول : لا يتعقّل من الحجيّة إلّا معذوريّة العبد واستحقاقه اللذان هما وصفان للعبد أو المصححيّة للعقاب والمعذريّة اللذان هما وصفان لخبر الثقة مثلا ، وشيء منهما غير قابل للجعل بهذا النحو ، فإنّ العبد إمّا معذور وإمّا لا ، وإمّا مستحقّ وإمّا لا ، ولا يمكن تكوين المعذوريّة أو عدمها فيه ، وكذا في المصححيّة والمعذريّة ، وإن اريد معنى آخر فلا نتعقّله.

فالحقّ ما ذكره شيخنا المرتضى من أنّه لا معنى لجعل الحجيّة إلّا جعل الأحكام التي هي مفاد خبر العادل مثلا ، فمعنى حجيّة خبره ليس إلّا وجوب العمل على طبقه ولزوم اتّباعه ، ومعنى هذا إنشاء الحكم الذي هو المخبر عنه في خبره ، وكيف كان فإن قلنا بقابليّة الحجيّة للجعل وإن قلنا بعدم قابليّة مطلق السببيّة له ، وقلنا أيضا بأنّ لزوم الاتّباع حكم عقلي يحكم به العقل بعد جعل الحجيّة ، فليس الحاكم به الشرع وعلى فرضه يكون ارشاديا ، نظير أوامر الإطاعة في الأوامر فلا يلزم اجتماع حكمين ، بل اللازم إنشاء حكم وحجيّة ، وشأن الحجّة أن يصادف تارة ويخالف اخرى ، فهذا محذور غير لازم.

وأمّا تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة فهو غير محذور ؛ إذ نلتزم بوجود مصلحة اخرى يتدارك بها المصلحة الفائتة أو المفسدة الواقعة فيها.

٤٦٧

والوجه الثاني (١) : أنّه لو قلنا بقبول الحجيّة للجعل وأنّ لازم جعلها جعل لزوم الاتباع الراجع إلى جعل الحكم الذي أفاده الأمارة ، أو قلنا بأنّ الحجيّة غير قابلة للجعل ، ومعنى جعلها جعل وجوب العمل ولزوم الاتّباع ، كما قاله شيخنا المتقدّم قدس‌سره فاجتماع الحكمين وإن كان يلزم ، إلّا أنّهما غير متضادّين ولا متماثلين ، وذلك لأنّ الاحكام الواقعيّة ناشئة عن مصالح أو مفاسد في التعليقات ، والحكم الظاهري ناش عن مصلحة في نفس إنشائه ، نظير الأمر الامتحاني.

وبعبارة اخرى : تضادّ الحكمين إنّما هو من باب تضادّ منشئهما في نفس الحاكم بأن يكون الإيجاب عن إرادة الفعل والحبّ به ، والتحريم عن كراهته وبغضه ، فلا محالة لا يمكن اجتماعهما في محلّ يمكن وجودهما مثلا لنفس النبويّة والولويّة ، وهذا بخلاف ما إذا كان منشأ أحدهما إرادة الفعل أو كراهته ، ومنشأ الآخر إرادة نفس الإنشاء.

وتوضيح المقام أنّ الحكم الطريقي بحسب ما يقتضيه الارتكاز يكون عبارة عن حكم لا ملاك في موضوعه ، فإنّ العنوان مشير صرف لا موضوعيّة فيه أصلا ، بمعنى أنّه لا يحصل غرضا مستقلا غير الأغراض الواقعيّة وليس مقدّمة لوجود تلك الأغراض أيضا ، فينحصر أن يكون الملاك منحصرا في الواقع ، وهذا الحكم يكون عن ملاك في نفسه ، ثمّ مقتضى طريقيته أنّه إن صادف الواقع يصير عينه لا مغايرا له مثله حتى يلزم اجتماع المثلين ، وهذا معنى جدّيّته عند المصادفة.

ولو خالف الواقع يصير إنشاء صرفا ليس موضوعا لوجوب الامتثال عقلا ، وهذا معنى صوريّته عند عدم الإصابة ، ومن المعلوم أنّ الإنشاء الصرف وبعبارة اخرى الطلب الإيقاعي الذي هو الموضوع له لصيغة «افعل» بمذاق هذا المحقّق الجليل قدس‌سره لا منافاة بينه وبين الطلب الحقيقي المتعلّق بضدّ متعلّقه.

والترخيص المشتمل عليه هذا الطلب الانشائي أيضا ترخيص إنشائي لا حقيقي

__________________

(١) أي الوجه الثاني الذي ذكره المحقق الخراساني قدس‌سره.

٤٦٨

كما هو واضح ، فلا منافاة من جهته أيضا ، هذا تقريب رفع المنافاة من جهة المضادّة والمناقضة والمماثلة.

وأمّا تقريب كون الحكم الطريقي قائما مقام العلم في منجزيّة الواقع ورفع العقوبة عنه ، أنّ الأمر المولوي الطريقي الذي شأنه العينيّة مع الواقع لدى الإصابة لا يؤمّن عن ضرر عقوبته لأجل هذا الاحتمال ، حتى يعلم بصوريّته وعدم إصابته ، فتنجّز الواقع يكون مقتضى طريقيته وعدم موضوعيّته ، وشأنه الاتّحاد والعينيّة مع الواقع ، وملاك تنجّزه إحراز أمر المولى مع احتمال جديّته ، فإنّ ذلك موضوع للزوم الامتثال عند العقل.

وأمّا وجه الفرق بين الحليّة التي هي مفاد «كلّ شيء حلال» والحليّة التي هي مفاد خبر الثقة حيث قال بلزوم المنافاة في الاولى بينهما وبين المنع الفعلى لو صادفته ، وبعدم اللزوم في الثانية ، أمّا عدم اللزوم في الثانية فقد اتّضح وجهه ببيان أنّه صرف حكم إيقاعي إنشائي وليس بترخيص حقيقي ، وأمّا اللزوم في مفاد «كلّ شيء حلال» فلأجل أنّه ترخيص حقيقي في موضوع مشكوك الحليّة وليس بطريقي ؛ لأنّ عنوان المشكوك لا طريقيّة فيه ، ومن المعلوم أنّ الإذن الحقيقي ينافي المنع كذلك.

هذا محصّل ما أفاده هذا المحقّق الجليل على ما وضحه عند البحث بعض تلاميذ تلامذته أيدهم الله تعالى بتوفيقه ، ولكن استشكل عليه شيخنا المحقّق النحرير واستادنا الذي ليس له نظير أفاض الله تعالى علينا من بركات أنفاسه بما حاصله : إنّ الحكم الطريقي إن جعل عبارة عن صرف الإيقاع الذي يحدث في النفس عند التلفظ ب «افعل» الذي لا تنافي بينه وبين الإيقاع بهذا المعنى الذي هو مفاد «لا تفعل» فكما لا محذور بأن يتلفّظ الإنسان بكلمتي «افعل» و «لا تفعل» لا محذور أيضا في انقداح معناهما في الذهن كما في مقام الهزل ، فالإشكال متّضح الورود ، إذ حال هذا المعنى معلوم عند العقل وأنّه لا يجب اتباعه أصلا.

وإن اريد به الحالة النفسانيّة الباعثة والزاجرة التي يحمل المأمور في الإرادة الآمريّة على العمل عند تمام شرائط التنجيز ، والفاعل في الإرادة الفاعليّة ، فحينئذ

٤٦٩

يصحّ كونه موضوعا لحكم العقل بلزوم الامتثال ، لكن هذا المعنى متى تحقّق في النفس ولو من قبل مصلحة في نفسها على ما حقّقنا من إمكان ذلك يضادّه تحقّق مثله في طرف النقيض ، فكيف حكم بأنّه لا مضادّة بين الحكمين؟ ومجرّد كون المصلحة في أحدهما في المتعلّق وعدمها فيه في الآخر لا يوجب عدم اجتماع كراهتين وحبّين في المتعلّق ، وأمّا اجتماع الحالتين الباعثة والزاجرة فيلزم [أن يكون] هما أيضا متضادّان.

ويرد على هذا أيضا أنّه ما معنى كون الرافع بسبب هذا الحكم مثبتا على تقدير الإصابة ومسقطا على تقدير عدمها ؛ إذ الأمر المولوي الجدّي بموضوع تصديق العادل وإن كان طريقا ومرآة إلى العنوان الواقعي ، لكنّه في مرحلة الحجيّة موضوع ، يعني أنّ المولى لا يؤاخذ العبد عند المصادفة وترك الامتثال على ترك الواقع ، بل على ترك التصديق ، فإنّ شأن الأمر هو الحجيّة بالنسبة إلى متعلّقه ليس إلّا.

فتحصّل أنّ الأمر الإنشائي الصوري ليس له قابليّة تنجيز الواقع ؛ إذ بعد ما لم يدخل تحت حكم العقل بلزوم الإطاعة كيف ينجّز الغير؟ وأمّا الأمر الجدّي البعثي فهو موضوع حكم العقل ، لكن لا يرتفع غائلة التّضاد بالتزامه أوّلا ولا تنجّز الواقع ثانيا.

لا يقال : على ما ذكرت من كون المؤاخذة على ترك التصديق لا على الواقع المتروك فلم لا يؤاخذ عند عدم الإصابة.

لأنّا نقول : عدم المؤاخذة حينئذ من باب عدم تفويته غرضا من المولى لما هو المفروض من طريقيّته ، وعلى هذا يستشكل بأنّه لا فرق بين الأمارة المرخّصة والأصل المرخّص ، فلو اغمضنا عمّا ذكرنا وقلنا بأنّ محض كون المصلحة في نفس الحكم ولو الحقيقي يرتفع التضاد بينه وبين ما يكون المصلحة في متعلّقه فعين هذا موجود في الحكم الأصلي أيضا.

ثمّ قال استادنا دام ظلّه : بأنّ كلامه قدس‌سره عام في كلا شقّي الترديد

٤٧٠

المذكورين في كلامه من استتباع الحجيّة للتكليف واستتباع التكليف للحجيّة ، ويمكن توجيه كلامه وذبّ الإشكال عنه على أحد الشقّين أعني استتباع الحجيّة للتكليف ، فإنّه على هذا يكون المجعول الأوّلي هو الحجيّة ، غاية ما في الباب من باب الملازمة العقليّة لا ينفكّ جعلها عن جعل حكم بمتابعة الحجّة المجعولة ، ومن المعلوم أنّ المؤثّر في تنجيز الواقع وإسقاطه حينئذ هو الحجيّة ، والحكم المستتبع بالنسبة إلى هذا الأثر وجوده وعدمه سواء.

فيمكن أن يقال حينئذ بعد الإغماض عن أنّ الحجيّة إنّما تستتبع الحكم الفعلي وعلى فرض صدور حكم من الشرع في هذا الخصوص يكون إرشاديّا ، والقول بإمكان جعل الحكم المولوي ، بل لزومه وعدم انفكاكه ، بأنّه لا نلتزم بعد هذا التسليم بأنّه حكم جدّي ليس إلّا، بل نقول : أمّا عند الإصابة فالحكم الواقعي موجود يكفي عن جعل حكم آخر ، وأمّا عند عدمها فالمستتبع ـ بالفتح ـ إنّما هو حكم صوري إنشائي ، ولا مضادّة بينه وبين الواقع، وهذا بخلاف الحال في الأصل ، فإنّ فيه يكون المجعول أوّلا هو الحكم لا حجيّة مستتبعة للحكم ، والحكم المجعول لا محالة جدّي فينافي الواقع ، لكن هذا كلّه على تقدير هذا الشّق من الترديد.

وأمّا على تقدير القول بأنّ المجعول في الأمارات أيضا هو التكليف ، والحجيّة أمر ينتزعه العقل من التكليف ، بمعنى أنّ العقل يرى الأمر شيئا يحتجّ به المولى على العبد والعبد على المولى ، فحينئذ المؤثّر في التنجيز والإسقاط لا محالة هو التكليف ، فلا محيص عن الالتزام بكونه جدّيا ، ضرورة عدم الأثر للإنشائي أصلا ، فيبقى الإشكالات بحالها.

ثمّ إنّه قدس‌سره بعد وصوله إلى هنا استدرك بقوله : نعم يشكل الأمر في بعض الاصول العمليّة كأصالة الإباحة الشرعيّة ، فإنّ الإذن في الإقدام والاقتحام ينافي المنع فعلا ، كما في ما صادف الحرام وإن كان الإذن فيه لأجل مصلحة فيه لا لأجل عدم مصلحة أو مفسدة ملزمة في المأذون فيه ، انتهى.

فيرد عليه أنّه ما وجه الفرق بين هذا وسائر الطرق؟ فكما تقولون في الأمارة

٤٧١

التي مفادها الإباحة بأنّ المصلحة في نفس الترخيص فلم لا تقولون به هنا؟.

ثم قال ما حاصله : إنّه لا محيص في مورد هذا الأصل عن الالتزام بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في النفس النبويّة أو الولويّة أيضا كالمبدإ الأعلى ، ولكن هذا لا يوجب عدم كون الحكم الواقعي بفعلي ، بل هو مع ذلك فعلي ، بمعنى أنّه فعلي مع قطع النظر عن حالة الشكّ والترخيص.

وتوضيح ذلك أنّه كما يكون للحكم مراتب كذلك للفعلي أيضا مرتبتان ، الأوّل : الفعلي بجميع الجهات وبجميع اللحاظات ، والثاني : الفعلي ببعضها ، والأوّل واضح ، والثاني مثل حليّة الغنم ؛ فإنّها بلحاظ كبر الجثّة وصغرها والسواد والبياض فعلي ، بمعنى أنّه ناظر بجميع هذه اللحاظات ، وأمّا بلحاظ الموطوئيّة فشأني ، وليس إلّا ناظرا إلى الاقتضاء ، فلا منافاة بين دليلها وبين دليل حرمة الموطوء ، وهكذا في ما نحن فيه.

فحرمة شرب الخمر مثلا حكم فعلي بجميع لحاظاته بحسب الظاهر ، ولكن بعد ورود الترخيص في الخمر المشكوك يعلم أنّ فعليّته إنّما هو بجميع لحاظات الخمر من اللون والكيفيّة والمعلوميّة إلّا بالنسبة إلى لحاظ مشكوكيّته ، فبالنسبة إليه حكم اقتضائي ، فما دام الشكّ لا منافاة بينه وبين حكم الأصل ، وإذا رفع الشكّ وحصل العلم فقد ارتفع المانع عن الفعليّة فلا يحتاج إلى إنشاء جديد ، بل يصير بنفسه وقهرا فعليّا.

ثمّ قال ما حاصله : إنّه على هذا فانقدح أنّه لا يلزم الالتزام بكون الحكم الواقعي في مورد الاصول والأمارات غير فعلي بل شأني حتى يلزم عليه إشكالان ، ثمّ أخذ في تقريب الإشكالين.

وحاصل الأوّل منهما أنّه لو كان الحكم الواقعي في المورد المذكور شأنيّا فيلزم أن لا يوجب الأمارات تنجيز الحكم الواقعي ، فإنّ قيامها ليس بأقوى من حصول العلم ، ولا شكّ أنّه لو حصل العلم بالحكم الشأني فلا يلزم امتثاله واتّباعه ، فكذا ما يقوم مقام العلم.

ثمّ ذكر هنا سؤالا وجوابا ، وحاصل الأوّل أنّ الحكم الواقعي بنفسه ولو لا قيام

٤٧٢

الأمارة كذلك ، وأمّا هو بعد أداء الأمارة فيصير فعليّا.

وحاصل الجواب أنّ دليل الاعتبار ليس إلّا التنزيل للمؤدّى منزلة نفس الواقع لا منزلة الواقع المؤدّى ، وبعبارة اخرى : خبر الثقة مثلا إنّما يحكي نفس وجوب صلاة الجمعة الواقعي، ودليل الاعتبار أيضا ليس أزيد من الالتزام بهذا المضمون وتنزيل ذلك منزلة العلم بهذا المعنى ، وليس حكايته عن الوجوب المؤدّي للطريق ، وليس التنزيل أيضا منزلة الوجوب المؤدّى له ، بل منزلة نفس الوجوب الواقعي.

ثمّ قال ما حاصله : اللهم إلّا أن يقال : إنّ دليل الحجيّة يدّل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ذى الطريق بدلالة الاقتضاء ، فإنّه لو كان تنزيله منزلة نفس الواقع فكما أنّ نفس الواقع إنشائي ليس له وجوب اتّباع ، فكذا المجعول بدليل الحجيّة أيضا يصير حكما إنشائيا ليس له وجوب اتباع ، فيكون لغوا ، فلصون الكلام عن اللغوية لا بدّ من الحمل على أنّ التنزيل إنّما هو منزلة الواقع ذي الطريق ، فكما أنّ الواقع ذي الطريق له وجوب اتّباع ، فكذلك مؤدّى الأمارة.

ولكن هذا إنّما يتمّ في ما إذا لم يكن للحكم الإنشائي أثر أصلا ، وإلّا أمكن التنزيل بلحاظ ذلك الأثر ، كما لو كان الحكم الواقعي حليّة اللحم ، فيصح تنزيل مؤدّي الأمارة منزلته لا من حيث جواز الأكل ، ولكن من حيث جواز الصلاة في الشعر والوبر وسائر الأجزاء ، هذا حاصل الإشكال الأوّل.

وحاصل الإشكال الثاني أنّه لو كان الحكم في المورد المزبور شأنيا لزم إمّا عدم المورد لشيء من الاصول والأمارات ، وإمّا التنافي والتناقض بحسب الاحتمال ، بيان ذلك أنّه لا إشكال أنّ موضوع الاصول والأمارات هو الشكّ في الحكم الفعلي دون الشأني ، ضرورة أنّه لو قطع بكون الحكم المحتمل وجوده في المقام شأنيّا فلا مجرى لشيء من الاصول والأمارات.

فنقول : لو كان الحكم الواقعي المحتمل ثبوته في مورد الأصل والأمارة مقطوع الشأنية وغير محتمل الفعليّة فيلزم عدم جريان شيء منهما في شيء من الموارد ، فيصيران بلا مورد ، وإن كان محتمل الفعليّة فيلزم احتمال حكمين متناقضين في

٤٧٣

موضوع واحد ؛ فإنّ الحكم الذي أفاده الأصل أو الأمارة فعلي بلا شكّ ، فاحتمال الفعليّة في الحكم الواقعي أيضا مع كون أحدهما الحليّة والآخر الحرمة مثلا ليس إلّا احتمالا لوجود التناقض ، وكما أنّ القطع بالتناقض محذور كذلك احتماله أيضا ، هذا على تقدير القول بكون الحكم الفعلي ذا مرتبة واحدة وهو الفعلي من جميع الجهات.

وأمّا على ما ذكرنا من تحقّق الفعلي ببعض الجهات وكون الحكم الواقعي من هذا القبيل فلا يلزم هذا الإشكال ، وذلك لأنّ الحكم المدلول للأصل أو الأمارة وإن كان فعليّا بالقسم الأوّل ، ولكنّ الواقعي المشكوك فعلي مع قطع النظر عن الحكم الظاهري المذكور ، وهذا ليس بتناقض محتمل ، وإنّما يكون لو كان كلا الحكمين فعليّا بالقسم الأوّل ، ووجه عدم التناقض في الأوّل أنّه قد اخذ في فعليّة أحد الفعليتين قطع النظر عن الآخر ، ثمّ أخذ في بطلان الجواب بالترتّب بأنّ الحكم الظاهري وإن كان لا يجتمع مع الواقعي في رتبته ، ولكنّ الواقعي يجتمع معه في رتبته ، فيلزم اجتماع الضدّين وسائر المحاذير في هذه الرتبة.

هذا محصّل كلامه قدس‌سره في هذا المقام وقد عرفت الجواب عن إشكاله في جواب الترتّب فلا حاجة إلى الإعادة.

وأمّا إشكاله الأوّل على الجواب بكون الواقعي إنشائيّا بأنّه على هذا يلزم أن لا يصير الواقع بعد قيام الأمارة منجّزا فإنّ الأمارة إنّما يحكي نفس الواقع دون الواقع ذي الطريق ، والمفروض أنّ الواقع حكم شأني.

فجوابه أنّ الحكم الشأني لا بدّ في الحكم بفعليّته في زمان من التماس دليل دالّ على أنّه متى يصير فعليّا؟ فإنّ من يبنى على كون الواقعي إنشائيّا فلا محالة يكون مآل أمره إلى هذا ، ولا شكّ أنّ قضيّة قوله : الناس في سعة ما لا يعلمون ، ورفع عن امّتي ما لا يعلمون، هو ارتفاع السعة بعد العلم ، فيكون المحصّل منها أنّ الحكم الواقعي متى تعلّق به العلم يصير فعليّا ، ثمّ لو قام الأمارة على حكم نقول بفعليته أيضا بواسطة قيامها مقام العلم في جميع الآثار ، فإنّ العلم المأخوذ في هذه الادلّة طريقي بلا إشكال ، فيكون مفادها أنّه متى تعلّق العلم أو قام طريق معتبر على حكم يصير فعليّا.

٤٧٤

وحينئذ فالأمارة علاوة على حكاية الواقع يفيد أمرين آخرين ، أحدهما تعبّدي وهو صيرورة الحكم بسبب قيامه فعليّا ، فهذا مأخوذ من التعبّد ، وهو الأدلّة المذكورة المعلّقة لرفع السعة على العلم بضميمة أدلّة الاعتبار الدالّة على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع.

وبعبارة اخرى : موضوع الفعليّة له جزءان ، أحدهما الحكم ، والآخر قيام الطريق المعتبر عليه ، ففي مورد الأمارة الجزء الثاني محرز بالوجدان ولا حاجة فيه إلى التنزيل ، بمعنى أنّه لا حاجة إلى تجشّم أنّ مفاد دليل الاعتبار بدلالة الاقتضاء هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ذي الطريق ، وذلك لأنّ الحكم بعد قيام الأمارة عليه يكون ذا طريق قهرا ، نعم في كونه هو الواقع يحتاج إلى التنزيل ، ودليل الاعتبار متكفّل لهذا التنزيل وإن فرض كون الواقع إنشائيّا لا أثر له أصلا ؛ فإنّ التنزيل بلحاظ الأكثر التعليقي صحيح ، أعني كون الواقع الإنشائي بحيث لو لا تعلّق به العلم أو الطريق يصير فعليّا.

والحاصل أنّ مؤدّى الطريق يكون واقعا لو تعلّق به العلم أو الطريق ليصير فعليّا بدليل التنزيل وتعلّق الطريق به بالوجدان.

والأمر الآخر الحاصل من الأمارة عقلي وهو التنجيز ، فالأمارة تحكي الواقع بدليل الاعتبار وتوجب الفعليّة بدليل الرفع والسعة ويوجب التنجّز بمقدّمات عقليّة.

الامر الثالث

بعد تبيّن إمكان أصل الحجيّة نتكلّم قبل الشروع في الوقوع في الشك فيها. فنقول : لو شكّ في حجيّة شيء ولم يظفر بعد الفحص بالدليل عليها فهو كالمقطوع عدم حجيّته.

بيان ذلك أمّا على رجوع الحجيّة إلى الإيجاب الشرعي بمعنى إيجاب الاتّباع فواضح ، فإنّ هذا الإيجاب ليس بأزيد من إيجاب نفس الواقع ، مثلا لو أوجب

٤٧٥

الشارع العمل على طبق الشهرة وقامت على وجوب الجمعة وكانت واجبة واقعا ، ولكن شكّ المكلّف في كلا الإيجابين فكما أنّه عند العقل معذور بحسب نفس وجوب الجمعة وليس في قيده ، كذلك بالنسبة إلى إيجاب اتّباع الشهرة الذي هو حكم طريقي يكون كذلك ، يعنى لا يترتّب الأثر الذي كان مترتّبا لو علم بالحجيّة وهو استحقاق العقاب ؛ فإنّ أثر الحجّة هو العذر عند مخالفة الواقع مع متابعته ، والاستحقاق عند موافقة الواقع ومخالفته ، فهذان الأثران مسلوبان عند الشكّ في الحجيّة بهذا المعنى ، فمعنى مقطوعيّة عدم الحجيّة مقطوعيّة عدم هذه الآثار ، كما هو المراد في الحكم الواقعي ، فإنّه عند الشكّ في وجوده لا يصير مقطوع العدم بالبديهة ، ولكنّ الآثار العقليّة وهو وجوب الاتّباع مقطوعة العدم.

وأمّا بناء على القول بأنّ الحجيّة ـ أعني المعذورية في وقت والاستحقاق في وقت ـ بنفسها مجعول للشارع ، فكيفيّة كونه عند الشكّ فيه مقطوع العدم أن يقال : إنّه كما يكون للحكم مراتب كذلك للحجيّة أيضا مراتب ، فالمرتبة الاولى نفس الإنشاء والجعل ، فهذا يتحقّق بنفس الإنشاء ، والمرتبة الاخرى انجعالها وفعليّتها وهو يحتاج مع الجعل إلى علم المكلّف بهذا الجعل ، فالمعذوريّة والاستحقاق مشكوك من حيث وجودهما الجعلي الإنشائي ، ومقطوع عدمهما بحسب الوجود الانجعالي الفعلي ؛ لتوقّفه على علم المكلّف وهو مفقود.

وإذن فيرجع في كلّ واقعة إلى الاصول التي يجري في ذاتها ، فإن كان الأصل الذاتي فيها البراءة يحكم بالبراءة وإن قامت الحجّة المشكوكة على ثبوت التكليف ، فعلى تقدير الموافقة للواقع لا يوجب الاستحقاق ، وإن كان الأصل الذاتي فيها الاحتياط ـ كما لو كان طرفا للعلم الإجمالي ، أو كان من باب الأقلّ والأكثر ـ يعمل به وإن كانت الحجّة المشكوكة حاكمة بنفي التكليف عن الطرف أو بنفي جزئيّة الجزء المشكوك فلا يكون عذرا لو اتّبعها المكلّف وكان التكليف أو الجزئيّة ثابتا في الواقع ، فهذا هو الحال في الشكّ في الحجيّة بعد الفحص ، كما هو الظاهر من كلامهم ، فإنّ الرجوع إلى الأصل إنّما يكون بعد اليأس عن الدليل.

٤٧٦

وأمّا قبل الفحص فإن كانت قائمة على رفع التكليف فهو كما بعد الفحص في أنّه على تقدير الثبوت لا أثر لوجودها الواقعي ، فلو كان التكليف موجودا في الواقع وتحقّق أسباب تنجّزه مثل العلم الإجمالي ، لا تصير هذه الحجّة مسقطا وإن كانت مثبتة للتكليف ، فإن كانت بحسب الواقع ثابتة والمكلّف لو فحص لظفر فهو كمن هو عالم بالحكم.

وبعبارة اخرى : الوجود الواقعي للحكم في هذا التقدير منجّز ؛ إذ ليس الساتر بينه وبين المكلّف سوى التكاهل والتهاون عن الفحص الجزئي ، فكذلك الحجيّة بأيّ المعنيين يكون في هذا التقدير بوجودها الواقعي منجّز ؛ إذ ليس الساتر بينها وبين المكلّف سوى التهاون في الفحص بالمقدار المتعارف ، فلو كانت مثبتة للتكليف وخالفها المكلّف فهو كمن خالف الحجّة المعلوم الحجيّة في الاستحقاق للعقوبة إذا كانت الحجّة مطابقة للواقع.

وأمّا قبل الفحص مع كون الحجّة ثابتة في الواقع ولم يكن المكلّف على فرض الفحص المتعارف ظافرا به في علم الله ، فقد اختار شيخنا المرتضى قدس‌سره في الشكّ قبل الفحص في نفس الحكم الواقعي استحقاق العقوبة ، فإنّ نفس التكاليف الواقعيّة لها اقتضاء الاستحقاق ، غاية الأمر أنّ العذر مانع عن العقاب ، فلو فحص ولم يظفر كان العذر ثابتا ، وأمّا لو لم يفحص فهو وإن كان في علم الله لو تفحّص لم يظفر ولكن ليس له في قبال العقاب عذر.

فعلى هذا المبنى يكون الحال في الشكّ قبل الفحص في الحجيّة أيضا ذلك ، فيقال : لو فحص ولم يظفر فهو معذور ، ولكن قبل الفحص ليس له عذر ، فعدم العذر إنّما هو من أثر الشكّ المذكور ، ووجود الحجيّة وعدمها سيّان ، بل على هذا يكون في صورة كونه لو فحص لظفر أيضا كذلك ، يعني أنّ الشكّ هو المنجّز لا الحجّة الواقعيّة.

ولكن منعنا هذا الكلام في ذلك المقام بأنّ العقاب بلا حجّة قبيح ، ولا يمكن أن يكون الشكّ حجّة ، فمن شكّ في ثبوت التكليف ولم يفحص وجه كونه ملزما بالاحتياط أو الفحص أنّه شاكّ في أنّ العقاب مع الحجّة أو بلا حجّة ، فلهذا يحكم

٤٧٧

عقله بالاحتياط أو الفحص حتى يستريح ، ولا يحكم باستراحته قبل الفحص ؛ لاحتمال وجود الحكم في الواقع ووصول المكلّف إليه لو فحص عنه بحيث يكون حجّته على العقاب على هذا التقدير هو هذا الحكم الواصل ، لا الشكّ قبل الفحص بنفسه.

وبعبارة اخرى : الشكّ قبل الفحص بيان قطعي على البيان ، لا أنّ نفسه بيان ، وأمّا على ما هو المفروض من أنّه وإن فحص فهو لا يصل إلى الحكم في علم الله فعقابه عند الله عقاب بلا حجّة وإن كان هو يحتمل كونه عقابا مع الحجّة ، ولا يرخّصه عقله بالاستراحة ، بل يوجب عليه الفحص من باب دفع الضرر المحتمل ، وعلى هذا ففي الشكّ في الحجيّة قبل الفحص مع عدم الظفر على تقدير الفحص يحكم بعدم الاستحقاق بعين هذا البيان.

فإن قلت : كما أنّه لو علم المكلّف بأنّ هذا المائع خمر وكان غصبا تقولون بأنّه مستحقّ للعقوبة ، ووجهه أنّه خالف تكليف المولى مع وجود الملزم ، فكذلك الحال في الشكّ قبل الفحص ، الملزم ، وهو نفس الشكّ موجود ، والمفروض وقوعه في مخالفة الواقع.

قلت : وجه الاستحقاق في المثال أنّه علم بأصل الحرمة الشرعيّة التي كانت نتيجة لقياس «كلّ خمر حرام وهذا خمر فهو حرام» والمفروض إصابة علمه في هذه الجهة ، وهذا بخلاف مقامنا ؛ فإنّ الشكّ وجه ملزميّته احتمال وجود البيان ، فمع عدم وجوده لا مصحّح في البين ولا يكفي وجود البيان على البيان مع عدم نفس البيان ، وهل هو إلّا كوجود البيان على الواقع مع عدم نفس الواقع ، وإلّا فاللازم في ما إذا كان التكليف المعلوم في أطراف العلم الإجمالي موجودا في جميع الأطراف أن يتعدّد العقاب لو ارتكب الأطراف ، فإنّ وجه تنجّزه أيضا من باب احتمال الواقع المنجّز في كلّ طرف ، فالملزم في كلّ طرف موجود ، فإذا صادف مع الواقع في الكلّ يلزم على قولك تعدّد العقاب ، ووجه الكلّ أنّ المدار على البيان القائم على الواقع ، لا على البيان القائم على البيان.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الحجّة المشكوكة بعد الفحص يكون مقطوعا

٤٧٨

عدم حجيّتها بلا شكّ على كلا معنييها ، وكذلك قبل الفحص في النافية للتكليف ، وأمّا المثبت فقبل الفحص مع الظفر على تقديره يكون منجّزة كالحجّة المعلومة بلا شكّ ، وقبل الفحص مع عدم الظفر على تقديره فبناء على مبنى الشيخ المرتضى يكون كصورة الظفر على تقديره ، وعلى ما ذكرنا يكون كالصورة الاولى.

فعلى ما ذكرنا يكون الحجّة الواقعيّة منجّزة في صورتين ، إحداهما : الفحص والظفر بها ، والثانية : عدم الفحص والظفر على تقديره ، وغير منجّزة في غيرهما.

وخلاصة ما ذكرنا مع تشريح زائد أن يقال : إنّ الحجيّة التي إثباتها ونفيها مهمّنا قد اخذ في حقيقتها أمران وأثران ، الأوّل : التنجيز ، والثاني : الإسقاط ، فإذا كان في الواقع أحكام ملزمة وأصابت الأمارة فهي منجّزة لهذه الأحكام ، ولو كانت الأحكام ملزمة وقامت الأمارة على الإباحة فهي مسقطه لها ، فنقول : هذان الأمران اللذان هما إمّا نفس الحجيّة ، وإمّا فائدتاها لا يمكن عند الشكّ في الحجيّة القطع والجزم بعدمهما بالضرس القاطع ، بل لا بدّ من التفصيل.

فنقول : أمّا من حيث الأثر الأوّل وهو التنجيز والإثبات والإلزام فهو بعد الفحص وعدم الظفر مقطوع العدم ، بمعنى أنّ وجود الحجّة الواقعيّة حينئذ كعدمه وليس مورثا لوقوع المكلّف في مئونة التكليف الذي يشتمله هذه الحجّة ، كيف والحال كذلك في نفس الواقع ، فالحكم الواقعي بوجوده الواقعي ليس مؤثّرا في عقاب تاركه لو تفحّص ولم يجده ، فكذا الحجيّة الواقعيّة أيضا لا يؤثّر في تنجيز مفادها لو تفحّص عنها المكلّف ولم يجدها ، وهذا واضح.

وأمّا الحال بالنسبة إلى هذا الأثر قبل الفحص فهو أنّه على مبنى شيخنا المرتضى يكون الحكم هو الإلزام ، فيقول بأنّ نفس الشكّ ملزم سواء كان في الواقع حجّة واقعيّة أم لم يكن أصلا ، وعلى الأوّل سواء كانت بحيث يظفر به على تقدير الفحص ، أم كانت بحيث لم يظفر به على هذا التقدير ، غاية الأمر ما دام لم يتفحّص يكون الشكّ بنفسه ملزما ، ولكن بعد الفحص لو ظفر بالحجّة وعلم بها تصير الحجّة المعلومة حينئذ ملزمة للمكلّف ، فينقلب الحجيّة من الشكّ إلى الحجّة المعلومة ،

٤٧٩

فتكون على هذا أيضا الحجيّة الواقعيّة بلا أثر ؛ لأنّ الأثر للشكّ.

وأمّا على ما ذكرنا من أنّه لا موضوعيّة للشكّ بنفسه وإنّما يحكم العقل في حاله بالتفحّص لأجل احتمال وجود الحجّة في الواقع ، فإنّه يكفي في حجّة المولى على العبد أن يقيم الحجّة له بحيث لو تفحّص عنها العبد لظفر بها ووصل إليها ، فيكون الأمر تابعا للواقع، فإن كان بحسب علم الله تعالى لا حجيّة واقعيّة في البين أصلا فالمكلّف يكون في فسحة ووسعة ، وكذلك لو كانت الحجيّة الواقعيّة ثابتة في علم الله ولكن كان الأمر في علم الله تعالى أيضا بحيث لو تفحّص المكلّف لما يصل إلى الحجيّة ويظفر ، فيكون في فسحة أيضا ولا إلزام عليه.

وأمّا لو كان الحجّة في علم الله تعالى ثابتة في الواقع وكان في علمه تعالى أيضا بحيث لو تفحّص عنه لظفر به ، فحينئذ تكون الحجّة الواقعيّة بوجودها الواقعي المجهول مؤثّرا في التنجيز والإثبات ، وليس متوقّفا على تحقّق الوجود العلمي لها ؛ فإنّ الإيصال الذي شأن الآمر ليس إلّا نصب الدليل على وجه يكون سهل الوصول إلى من أراد الوصول ولم يكن محتاجا إلى مقدّمات صعبة خارجة عن المتعارف ، وليس في باب نفس الواقع ولا دليله حكم العقل بأزيد من ذلك ؛ إذ لو اعتبر في تماميّة الحجيّة الإيصال الفعلي للزم إقحام الأنبياء ؛ إذ لم يجب على أحد الحضور في مجلسهم وسماع كلامهم ، بل كانوا يضعون الأصابع في آذانهم.

فتحقّق من ذلك أنّ الحجّة الواقعيّة المجهولة ليس وجودها الواقعي غير مؤثر بقول مطلق ، بل هو مؤثّر بشرطين ، الأوّل : أن يكون لها واقعيّة ، والثاني : أن يكون بحيث لو تفحّص لظفر به ، هذا هو الكلام من حيث أثر التنجيز.

وأمّا أثر الإسقاط فالحجّة المجهولة غير مقيّدة من هذا الحيث مطلقا ، سواء كانت حجّة في الواقع أم لم يكن ، وعلى الأوّل سواء وصل به على تقدير الفحص أم لم يوصل ، وسواء قبل الفحص وبعده.

أمّا بعده فواضح ، وأمّا قبله مع فرض الوصول لو تفحّص ـ مثلا لو كان المبتلى به من أطراف العلم الإجمالي ـ ثمّ قامت الشهرة على إباحة هذا الطرف وكان الواجب

٤٨٠