أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

المكلّفين سواء العالم والجاهل ، وأنّ الطرق والأمارات ليست تقييدا في أدلّة تلك الأحكام ، ولا شكّ أيضا في أنّ الأحكام الخمسة بأسرها متضادّة.

وإذن فيلزم من التعبّد بالأمارة أن يجتمع في واقعة واحدة اجتماع الضدّين على تقدير مخالفة الأمارة للواقع ، كما لو كانت صلاة الظهر واجبة واقعا وقامت الأمارة على حرمتها ، فيلزم اجتماع الوجوب والحرمة فيها وهما ضدّان ، وكذلك يلزم اجتماع المحبوبيّة والمبغوضيّة ، والمصلحة اللزوميّة والمفسدة اللزوميّة الاجتناب بدون الكسر والانكسار.

ولو قام على إباحة ما هو واجب مثلا واقعا يلزم علاوة على اجتماع الضدّين اجتماع النقيضين ؛ فإنّ الإباحة مضادّة للوجوب ومع ذلك يلزم اجتماع المحبوبيّة وعدمها ، والمصلحة اللزوميّة وعدمها ؛ فإنّ مبدأ الإباحة هو الخلوّ عن المفسدة والمصلحة ، فيلزم في هذا الفرض اجتماع الوجود والعدم في المحبوبيّة والمصلحة وهما نقيضان.

ويلزم التكليف بما لا يطاق في ما لو قام على وجوب المحرّم الواقعي ؛ فإنّه يلزم الإيجاب على كلّ واحد من الفعل والترك ، وكذلك لو قام على إيجاب ضد الواجب الواقعي في زمانه ، فإنّه يلزم إيجاب الضدين في زمان واحد ، ويلزم أيضا تفويت المصلحة اللزوميّة الإدراك ، فإنّه لو قام على إباحة ما هو الواجب واقعا فيلزم أن يكون الشارع قد فوّت مصلحة هذا الواجب على العباد. وكذلك الإلقاء في المفسدة اللزوميّة الاجتناب ، كما لو قام على إباحة ما هو الحرام واقعا ، فيلزم أن يكون الشارع قد ألقى العباد في مفسدة هذا الحرام.

هذا كلّه على تقدير مخالفة الأمارة للواقع ، ويلزم على تقدير إصابتها ـ كما لو قام على وجوب الجمعة الواجبة واقعا ـ اجتماع المثلين ، فيلزم في المثال اجتماع الوجوبين.

فتحصّل أنّ اللازم من التعبّد بالأمارة اجتماع الضدّين ، والنقيضين ، والمثلين ، والتكليف بما لا يطاق ، وتفويت المصلحة ، والإلقاء في المفسدة.

والجواب عن ذلك على وجه لم يلزم شيء من هذه المحاذير يكون على وجوه :

٤٤١

أحدها : أن يكون الأمر بالعمل بمؤدّى الأمارة بنحو الترتّب على الأمر بالواقع وفي طوله ، وبهذا يدفع إشكال اجتماع الضدّين والنقيضين والمثلين في النفس. نعم نحتاج في دفع إشكال تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة ولزوم التكليف بما لا يطاق إلى جواب آخر ، وتوضيح الترتّب في هذا المقام يحصل بمقدّمات ثلاث :

الاولى : أنّه لا إشكال في أنّ الحبّ والإرادة والبغض والكراهة ليس اتّصاف الشيء بها على نحو اتّصافه بالأعراض الخارجيّة ـ كاتّصاف الجسم الخارجي بالبياض ، والنار الخارجي بالحرارة ـ بأن لا يكون لتصوّر هذا الشيء دخل أصلا في اتّصافه كما هو الحال في البياض والحرارة ؛ فإنّ الجسم الخارجي يتّصف بهما في الخارج سواء تصوّره ذهن ذاهن أو لم يتصوّره ، بل كان مغفولا عنه ، وأمّا الحبّ والإرادة ونحوهما فليس الشيء الخارجي في حال الغفلة وعدم تصوّره ، متّصفا بها ؛ فإنّها امور نفسانيّة ، فلا يعقل تعلّقها بالأمر الخارجي بلا وساطة تعقّله في النفس.

وإن شئت قلت : إنّ الحبّ والإرادة يتعلّقان بالأشياء المتصوّرة ، غاية الأمر على نحو يراها المتصوّر خارجيّة ، وأمّا بلا توسيط التصوّر والالتفات فلا اتّصاف ، ولا فرق بين أوامر الباري تعالى وغيره ، فوساطة الرؤية والالتفات محتاج إليها ، ولا يمكن اتّصاف الخارج الصرف ، غاية الأمر أنّ الرؤية والالتفات فيه تعالى ليس على حذوه في غيره.

الثانية : الموضوع المتصوّر تارة يكون على وجه بأيّ حالة تصوّره المتصوّر وكلّ طور تفكّر له المتفكّر فهو في جميع تلك الحالات وجميع تلك الأطوار مريد ومحبّ له ، وليس شيء من هذه الأطوار والحالات دخيلا في حبّه وإرادته ، واخرى يكون على خلاف هذا بأن يرى المتفكّر أنّه لو تصوّره مع بعض الحالات وضمّ إليه في عالم التصوّر بعض الأطوار فهو محبّه ومريده ، ولو تصوّره في غيره هذه الحالة وضمّ إليه ضدّها فهو غير مريد.

وهذا على قسمين ؛ لأنّ عدم حبّه في بعض الحالات إمّا يكون لأجل عدم المقتضي في المتصوّر بهذا النحو ، وإمّا أن يكون لأجل الإضرار بغرض آخر له مع

٤٤٢

وجود المقتضي فيه ، فهو نافع بهذا الغرض ، لكن ضارّ بغرض آخر ، وغيره نافع به وغير ضارّ بغيره.

فطالب عتق الرقبة المؤمنة يكون عدم طلبه للرقبة الكافرة إمّا من باب عدم حصول الفائدة المقصودة به ، وإمّا من باب إضراره بغرض آخر له مع حصول الفائدة المقصودة بمطلق عتق الرقبة ، فهنا ثلاثة أقسام :

الأوّل : أن يكون الشيء مع كلّ من الخصوصيّات المحاط بها في عالم التصوّر والتفكّر لهذا الشيء محصّلا للغرض ومفيدا له ،

والثاني : أن يكون منضمّا إلى بعضها مفيدا لهذا الغرض غير مخلّ بغرض آخر ومع بعضها غير مفيد أصلا لهذا الغرض ،

والثالث : أن يكون مع البعض مفيدا لهذا بلا إخلال بغيره ومع غيره مفيدا لهذا ومضرّا بغيره.

فلا إشكال في إطلاق الإرادة في القسم الأوّل وتقييدها في الثاني ، وكذلك يقع الكسر والانكسار في مقام الإرادة ، ويقيّد الإرادة في الثالث بخصوص البعض المفيد الخالي عن الضرر ، ولا ينقدح الإرادة في النفس بالنسبة إلى البعض الآخر المقيّد مع الاشتمال على الضرر فرارا عن هذا الضرر ، وبالجملة ، الفرار عن هذا الضرر مع درك تلك الفائدة يقتضي تقييد الإرادة وإن كان الضرر في غاية الضعف ، ومن المعلوم أنّ هذا مبنيّ على القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي.

الثالثة : أنّه لو فرض أنّ عنوانين لا يوجدان في عالم التصوّر أبدا إلّا على التبادل ، ولا يمكن جمعهما في هذا العالم في شيء من الأوقات ، وكان في أحدهما مقتضى الحبّ وفي الآخر مقتضى البغض فلا محالة متى تصوّر المتصوّر العنوان المحبوب ينقدح في نفسه الإرادة المطلقة نحوه ؛ فإنّ هذا قضيّة عدم المزاحم له في عالم التصوّر الذي هو الدخيل في عروض الحبّ والبغض.

وكذلك متى تصوّر العنوان المبغوض ينقدح في نفسه الكراهة المطلقة نحوه ؛ إذ هذا قضيّة خلّوه في التصوّر عن تصوّر ما يزاحم مبغوضيّته.

٤٤٣

وأمّا الوجود الخارجي الذي هو مجمع للعنوانين فهو لا يوجد في الذهن معنونا بأحدهما إلّا وهو معرّى عن الآخر ؛ إذ المفروض أنّه لا يمكن أن يوجد في الذهن على نحو وجوده في الخارج منطبقا عليه العنوانان حتّى يزاحم في مقام الإرادة المبغوض من العنوانين مع محبوبهما ، ويخصّ الإرادة بصورة تجرّد العنوان المحبوب عن المبغوض.

وبالجملة ، فبعد فرض عدم إمكان دخول كلا العنوانين في الذهن فلا محيص عن إطلاق الإرادة ، فإنّه متى وجد فيه وجد وحده بدون العنوان المزاحم له ، ولازم هذا توجّه الإرادة المطلقة نحوه.

ومحصّل هذه المقدّمات :

أنّ المقدّمة الاولى أنّ الحبّ والإرادة ليس كالأعراض الأخر حتى لا يحتاج إلى تصوّر الموضوع ودرجه في القوّة الخياليّة ، فالجسم متّصف في الخارج بالبياض وإن لم يتصوّره احد ، ولكنّه لا يتّصف بالمحبوبيّة لك قبل أن تتصوّره.

والمقدّمة الثانية أنّ المتصوّر إذا تصوّر الموضوع فلا يخلو من حالين : إمّا أنه لو لاحظه مع كل حالة تتصوّر له في الخيال فهو مع بعض تلك الحالات يكون فيه مقتضى الحب دونه مع البعض الآخر ، وحينئذ فقهرا يتقيّد الإرادة بالبعض الأوّل ، وإمّا أنّه يكون فيه مقتضيه مع كلّ واحدة واحدة ، وحينئذ فإمّا أن يجد في شخص بعض هذه المتصوّرات مانع ، وإمّا لا يجد في شيء منها مانع شخصي عن الحبّ ففي هذه الصورة يسري الحبّ قهرا إلى الجميع.

وأمّا في الاولى فبناء على امتناع اجتماع الأمر والنهي يلزم عقلا تقييد الحبّ ، وليس مقام ملاحظة الأهميّة والمهميّة ، بل وإن كان الضرر الشخصي أضعف بمراتب من النفع الجنسي ؛ فإنّ المحبوب له بدل ومع البدل له يقدّم جانب المبغوض في مقام الإرادة حفظا للغرضين.

والمقدّمة الثالثة أنّه لو فرضنا أنّ هنا موضوعين ، أحدهما يكون فيه مقتضى الحبّ والآخر إمّا ليس فيه مقتضيه ، وإمّا يكون فيه مقتضى البغض ، لكن لا يتّفق

٤٤٤

لمتصوّر ولاحظ أن يجمع بين هذين في عالم تصوّره ولحاظه وقوّة خياله أبدا ، بل إمّا هذا متصوّر دون ذاك وإمّا ذاك دون هذا ، وفي ظرف تصوّر هذا لا يمكن أن يقع في الخيال تصوّر ذاك ، وفي حال تصوّر ذاك لا يمكن أن يقع فيه تصوّر هذا فلا محالة لا يتقيّد إرادته ، فإنّ المناط جمعهما في الخيال ودرجهما في التصوّر مجتمعين حتّى يقع الكسر والانكسار بينهما بحسب الإرادة ؛ فإنّك قد عرفت أنّه بدون توسيط التصوّر لا يمكن تعلّق الإرادة بشيء ، فلا محالة يكون مناط الكسر والانكسار في الحبّ والبغض والإرادة والكراهة اجتماع ما يقتضي الحبّ مع ما يقتضي الخلاف في عالم التصوّر بمعنى تصوّرهما منضمّين ؛ فإنّه بعد هذا التصوّر تكون الإرادة الجائية عقيب هذا التصوّر متعلّقا بغير صورة الاجتماع.

وأمّا على ما فرضنا من أنّ هذا لا يتصوّر إلّا بدون ما يقتضي خلاف الحبّ ، وما يقتضي خلافه لا يتصوّر إلّا بدون هذا ، فهذا التصوّر لمقتضى الحبّ لا محالة مورث لتعلّق الحبّ ؛ فإنّ تصوّر الشيء الملائم بدون تصوّر منافر طبع معه لا محالة موجب الحبّ به.

فإن قلت : يمكن أن يتصوّر أحدهما ثمّ بعده يتصوّر الآخر ، ثمّ بعد هذا تصوّر اجتماع الشيئين الذين تصوّرهما ، فبهذا النحو يمكن جمعهما في عالم الخيال وإن كان لا يمكن في النظرة الاولى.

قلت : إنّا نفرض أن يكون اجتماعهما حتّى في النظرة الثانية أيضا غير ممكن وأنّه بهذا النحو أيضا لا يقع صورة اجتماعهما في الذهن ، وبالجملة ، فلا إشكال على تقدير تحقّق هذا الفرض في عدم تقيّد الإرادة ، وإنّما الكلام والإشكال في تحقّق هذا الفرض وإثبات الصغرى له في الخارج.

المقدّمة الرابعة : في إثبات صغرى هذا الفرض وهو محلّ الكلام والنقض والإبرام ، فنقول وعلى الله التوكّل : إنّ العناوين الأوّليّة التي هي موضوعات الأحكام الواقعيّة ، والعناوين الثانوية التي هي موضوعات الأحكام الظاهريّة ، أعني الموضوعات بما هي مشكوكة الحكم ، لا يمكن أن يقعا ويندرجا في القوّة

٤٤٥

الخياليّة وعالم التصوّر في زمان واحد أبدا.

بيان ذلك أنّ الإرادة مثل العلم ، والعلم لا يتعلّق إلّا بنفس المعلوم لا بالمعلوم مع وصف العلم ، فالعلم يتعلّق بالذات المجرّدة عن المعلوميّة.

نعم يمكن أن يلتفت الإنسان حال العلم إلى علمه ، لكن في رتبة تعلّق العلم لا يمكن أن يتعلّق إلّا بالشيء المجرّد ، فهو في هذه الرتبة متجرّد عن وصف المعلوميّة ، بل لا يعقل أن يكون ملحوظا بوصف المعلوميّة ؛ فإنّ العلم المأخوذ فيه إن كان نفس هذا العلم الذي يتعلّق به فهذا تقدّم الشيء على النفس ودور ، وإن كان علما آخر لزم التسلسل ، وهكذا التصوّر، فإنّ الإنسان يتصوّر ذات الشيء لا الشيء المتصوّر ، فلا يتعلّق التصوّر بالموصوف بالتصوّر، بل لا يعقل.

وكذلك الكلام في الإرادة ، فهي أيضا لا بدّ أن تتعلّق بذات المراد مع التجرّد عن وصف المراديّة ، بل لا يعقل أن تتعلّق الإرادة في أوّل الوهلة بالمراد ، وهذا في الوضوح بمثابة لا يحتاج إلى بيان.

إذا تقرّر هذا فنقول : إنّ في ابتداء تعلّق البغض بعنوان الخمر مثلا لا شكّ أنّه يتصوّره الشارع ، فإذا تصوّره بهذا التصوّر الذي لم يوجد في حالة إرادة ولا كراهة بل هو مقدّمة ويتعقّبه إحداهما فهو يتصوّر الخمر ويتصوّر جميع ما يطرأ عليه من الكيفيّات ، فيتصوّر أنّ بعضه أسود وبعضه أبيض وبعضه اصفهاني وبعضه طهراني ، إلى غير ذلك من خصوصيّاته ، فيلاحظ ويرى أنّه مع كلّ هذه الخصوصيّات اخذ ليس فيه إلّا النفرة ولا يجد منه إلّا المساءة ، فحينئذ لا محالة يبغضه ويكرهه ويحرّمه.

هذا في نظرته الاولى ، ثمّ بعد ذلك يعني بعد ما صار مبغوضا يحدث ويوجد له حينئذ أفراد أخر لم يكن له تلك الأفراد سابقا وهو مشكوك الحكم ومعلومه ومظنونه ، وهذه إنّما يحدث له بعد تحقّق الحكم حقيقة أو بعد تقديره إن لم يكن متحققا ، كما لو كان في حال التصوّر الأوّلي قبل حصول الإرادة والكراهة ، فيتصور كون الخمر على تقدير الطلب مشكوك الحكم. وبالجملة ، هذه حالات تحصل عقيب الطلب وبعد مفروغيّته.

٤٤٦

فنقول : لا إشكال ولا كلام في أنّ هذا العنوان المستحدث بسبب الحكم لا يمكن تصوّره في رتبة المتصوّر الأوّل أعني : نفس الخمر ؛ فإنّه حادث بالمبغوضيّة ، فكيف يتصوّر في حال حصول المبغوضيّة وانقداحها ، وإلّا لزم الدور التسلسل ؛ إذ كما أنّ مبغوضيّة المبغوض لا يمكن ، كذلك مبغوضيّة مشكوك المبغوضيّة ؛ فإنّ الشكّ في المبغوضيّة متأخّر عن نفس المبغوضيّة ، فإذا لم يعقل اتّصاف الشيء في حال يتعلّق به المبغوضيّة بالمبغوضيّة ، فكذلك لا يمكن اتّصافه بالشكّ في المبغوضيّة ، وهذا أيضا واضح.

فإن قلت : لا ندّعي سراية الحكم إلى هذا المتقيّد بالمشكوكيّة ، بل نقول : إنّ الحكم متعلّق بالذات ، والذات موجودة في ضمن المتقيّد بالمشكوكيّة ، فلا محالة يسري حكمها إليها.

قلت : إنّ معنى كون مقيّد تحت الإطلاق أن يتعلّق الحكم بالذات والقيد بحيث وقعا جميعا في حيّز الحكم ، وهو فرع إمكان رؤية القيد في مرتبة الحكم ، والمفروض كونه متأخّرا عنه ، فلا إشكال في أنّ الحكم الأوّلي لا يتجاوز من مرتبة الذات إلى مرتبة نفس الحكم والطواري الطارية عليه.

إنّما الكلام والإشكال في عدم إمكان الجمع بين المتصوّر الأوّلي مع الثانوي في رتبة المتصوّر الثانوي ، فربّما يقال : إنّ من يتصوّر في الرتبة الثانية الخمر المشكوك الحرمة فهو قد تصوّر نفس الخمر الذي أيضا هو متصوّرة في المرتبة الاولى ، فقد جمع بين المتصوّرين في هذه الرتبة ، والمقصود عدم إمكان جمعهما حتى في الرتبة الثانية والنظرة الثانية ، وقد اجتمعا فيها ، وهذا يكفي في وقوع الكسر والانكسار ، فتتبدّل كراهة الخمر بطروّ عنوان المشكوكيّة الخالي عن مقتضى البغض عليه في عالم التصوّر بعدم الكراهة ، وإلّا يلزم المحذورات جميعا في هذه الرتبة.

وقد يقال : إنّ جمعهما في هذه الرتبة أيضا لا يمكن ، وبيانه أنّ الخمر عند التصوّر الأوّلي كان واجدا لكيفيّة خاصّة بها صار ضيّق الدائرة ، وفي التصوّر الثانوي زالت تلك الكيفيّة عنه وتبدّلت باخرى صار معها أوسع دائرة وأكثر أفرادا ، فهذا الخمر

٤٤٧

المتصوّر في ثاني الحال غير الخمر المتصوّر في أوّل الأمر في هذه الكيفيّة.

فإن قلت : إنّ المطلق موجود في ضمن المقيّد وغاية الأمر أنّ الخمر كان عند التصوّر الأوّل متّصفا بوصف الإهمال بالنسبة إلى قيد المشكوكية ، لا متّصفا بالإطلاق ولا بالتقييد ، ولكن في الثاني صار مقيّدا بهذا القيد ، ولا إشكال أنّ المهملة موجودة في ضمن المقيّد.

قلت : كيف يكون المتصوّر الأوّل موجودا في ضمن الثاني ، والموجود في ضمن الثاني متكيّف بكيفيّة مضادة مع الكيفيّة القائمة بالأوّل ، والكيفيّة الحاصلة في الأوّل هي كونه بحيث لا يصدق على المشكوك ، والكيفيّة الموجودة في الثانية كونه بحيث يصدق عليه ، وإن شئت قلت : إنّه في الأوّل كان فاقد الحكم ، وفي اللحاظ الثاني صار واجد الحكم ، وبينهما بون بعيد.

فإن قلت : إنّ موضوع المبغوضيّة نفس الخمر بدون تقيّده بشيء حتّى بهذه الكيفيّة التي ذكرت ، وبالجملة ، فرق بين عدم وجود الحكم وعدم وجود الاتّصاف والتقيّد بهذا العدم، فالمعتبر في المرحلة الاولى عدم الاتّصاف ، لا أنّ البغض يتعلّق بالمتقيّد بعدم الاتّصاف والمشروط به.

قلت : قد ذكرنا أنّ الإرادة تكون مثل العلم وأنّه لا يمكن أن يتعلّق بالمبغوض أو بمشكوك البغض ، وحينئذ فقوام المبغوضيّة بالتجرّد عن المبغوضيّة ، فهذا معنى تقيّد الخمر بهذا التجرّد وعدم الاتّصاف ، فمعنى التقيّد لازميّة وجوده ، وأنّه لولاه لما تمّ وصحّ تعلّق الحكم والبغض.

فإن قلت : لا شكّ أنّ قوام المبغوضيّة ليس إلّا بنفس الخمر بدون قيد أصلا ولم يحتج إلى ملاحظة سوى نفس الخمر ، فكيف يكون قوام المبغوضيّة بما ليس بملحوظ أبدا.

قلت : إنّ التقيّد ثابت واقعا وغير ملحوظ بعنوانه ، وإن شئت توضيح ذلك في ضمن المثال فاعلم أنّ الكلّي الطبيعي يشترط ويعتبر في اتّصافه بالكليّة والصدق على الكثيرين تجريده عن جميع الخصوصيّات ؛ إذ لولاه كان جزئيّا وغير صادق

٤٤٨

على الكثيرين ، فقوام وصف الكليّة بوصف التجريد ، فهو متقيّد بالتجريد واقعا ، وليس قيد التجريد ملحوظا معه بعنوانه ، وإلّا لزم أيضا جزئيته.

فكذلك في ما نحن فيه ، فالخمر مثلا مع وصف كونه بحيث يمتنع انطباقه على مشكوك الحكم يكون موجودا في ذهن الحاكم في النظرة الاولى ، وهذا ثابت له في خياله ولحاظه ، كيف وإلّا لما أمكن تعلّق المبغوضيّة به ، فإنّ متعلّقها لا بدّ من أن يتجرّد من ذلك كما عرفت ، مع أنّ هذا الوصف غير ملحوظ بعنوانه.

وبعبارة اخرى : ما يتصوّر في الأوّل لا بدّ أن يكون موضوعا بلا حكم ، وما يتصوّر في الثاني موضوع مفروغ عن حكمه ، وكيفيّة كونه موضوعا بلا حكم في الأوّل دخيلة في مبغوضيّته ، ولا يعقل عروض المبغوضيّة عليه بدون هذه الكيفيّة ، كما أنّ كيفيّة تجريد الكلّي الطبيعي عن الخصوصيّات دخيلة في كليّته ، ولا يعقل عروض الكليّة عليه بدون هذه الكيفيّة.

وحينئذ فإذا تصوّرت الإنسان متجرّدا عن جميع الخصوصيّات فلا إشكال أنّه متّصف بالكليّة فتحكم عليه في اللحاظ الثانوي بأنّه كلّي ، ثمّ إنّك في قولك : زيد إنسان ما تصوّرت ولاحظت إلّا عين ما لاحظت وتصوّرت في اللحاظ الأوّل بلا نقيصة وزيادة ، فما وجه أنّ ملحوظك في الأوّل كلّي ، وأمّا ملحوظك في الثاني وهو الإنسان المخصوص في ضمن زيد جزئي وليس بكلّي؟ ، وهل هذا إلّا لأجل أنّ الأوّل في لحاظك متجرّد عن جميع الخصوصيات ومتكيّف بهذه الكيفيّة ، وفي الثاني يكون مقرونا معها ومتكيّفا بالاقتران؟.

فإن قلت : لكن مع ذلك لو تعلّق المبغوضيّة بالإنسان كانت متعلّقة بالزيد قطعا مع كونهما على الوصف الذي ذكرت من تضادّ الكيفيّة.

قلت الأعراض التي تعرض الجامع تكون على قسمين ، فبعضها تعرضه لا بوصف جامعيّته ولا بتوسيط الذهن ، وذلك مثل المبغوضيّة ونحوها ، وهذا يسري فيه إلى الأفراد ، وبعضها تعرضه بوصف جامعيته وبتوسيط الذهن كوصف أنّه يصدق على الكثيرين ، فهذا لا يسري منه إلى الأفراد.

٤٤٩

كما أنّ أعراض الفرد أيضا على قسمين ، فبعضها تعرضه لا بفرديّته وتوسيط الذهن، وهذا يسري منه إلى الجامع ، وبعضها تعرضه بفرديّته وتوسيط الذهن كوصف أنّه لا يصدق على الكثيرين ، وهذا لا يسري منه إلى الجامع ، فمناط عدم سراية عرض أحدهما إلى الآخر تقوّم العرض بالوصف الذهني وكونه شرطا وواسطة في عروضه.

والحاصل أنّ هنا مطلبين ، الأوّل : أنّ العنوان الثانوي أعني المشكوك ليس محفوظا في الرتبة الاولى ، والثاني : أنّ العنوان الأوّلي غير محفوظ في الرتبة الثانية ، أمّا الأوّل فلأنّ كلّ عرض لا بدّ أن يكون الذات منسلخا في مرتبة عروضه عن هذا العرض ونقيضه ؛ لئلّا يجتمع المثلان ولا النقيضان ، فالجسم الأبيض إنّما يرد عليه البياض حال انسلاخه عن البياض ونقيضه ، والماهيّة في رتبة عروض الوجود عليها لا بدّ أن ينسلخ منه ومن العدم ، كيف وهو الموضوع وهما محمولاه ، ورتبة المحمول متأخرة عن الموضوع ، ففي رتبة الموضوع هو لا موجود ولا معدوم ، يعني له قابليّة الوجود والعدم.

فكذلك هنا أيضا عرض البغض في رتبة عروضه بالخمر لا بدّ أن يكون الخمر منسلخا عن البغض ونقيضه ومتكيّفا بالتجرّد عن الحكم ، فيمتنع أن يكون من أفراده مشكوك الحكم والمبغوضيّة وإن قلنا على تقدير كونه منها بسراية المبغوضيّة من عنوان الخمر إليه ، بناء على سراية الأعراض من العناوين إلى الجزئيات.

وإذن فلا يرى الناهي عن شرب الخمر في هذه الرتبة مشكوك الحكم حتى تقع المزاحمة والكسر والانكسار بينه وبين الخمر بحسب الحبّ والبغض ؛ فإنّ الحبّ والبغض أمران حاصلان في النفس كما مرّ ، فلا بدّ من تصوّر العنوان المحبوب مع الحالة المبغوضة في القوّة العاقلة حتى يحصل التنفّر ويحصل البغض ، وأمّا بدون تصوّرهما في الخيال فلا ، فالمزاحم الذي لا يتعقّل بل يغفل عنه لا يعقل تزاحمه في باب الحبّ والبغض ، فليسا كالحرارة والبرودة ، فالماء البارد والماء الحارّ لو اختلطا في الخارج وقع بينهما الكسر والانكسار ولا حاجة إلى التصوّر ، ولكن هنا ما لم يتصوّر حالة

٤٥٠

اجتماعهما لم يعقل التزاحم.

وأمّا عدم محفوظيّة العنوان الأوّل في الرتبة الثانية فربّما يقال : إنّه بعد تمام الحكم والبغض وتحقّق مشكوك الحكم أنّ الخمر المشكوك الحكم كيف يجوز تحليله ، وهل هو إلّا تحليل المبغوض ؛ فإنّ الخمر مبغوضة وهو هنا موجود مع الزيادة ، فليس تحليله إلّا تحمّلا للمبغوض وترخيصا فيه.

قلت : الكيفيّة التي يتعقّل في الرتبة الاولى هي كون الخمر متصوّرا بحيث يمكن أن يكون من مصاديقه مشكوك الحكم ؛ فإنّه في هذه الرتبة منسلخ عن الاتّصاف بالحكم ، ونقيض هذا الاتّصاف وهي الثانية قد يعقل على كيفيّة يكون من أفراده مشكوك الحكم ، وهاتان الكيفيّتان لا تجتمعان في لحاظ واحد قطّ ، كيف وإلّا يلزم اجتماع المتناقضين في الذهن ؛ فإنّ الانسلاخ عن الحكم والاتّصاف به لا يمكن جمعهما في الذهن.

وحينئذ فلا تقع المزاحمة والكسر والانكسار أصلا ؛ فإنّه فرع اجتماع ما هو المبغوض وهو الخمر بكيفيّة الخاصّة مع عنوان مشكوك الحكم في التصوّر ، وقد فرض امتناع اجتماعهما ، فكيف تقع المزاحمة بحسب الحبّ والبغض؟.

فالخمر الخارجي المشكوك الحكم يكون الخمر الذي في ضمنه ساريا إليه المبغوضيّة من عنوان الخمر ، ولا يسري إلى وصف كونه مشكوك الحكم ، فتكون الذات متّصفة بالمبغوضيّة والوصف خاليا عنها ، أو يكون محبوبا ، ولا يزاحم محبوبيّة هذا الجزء لمبغوضيّة ذلك الجزء ، ولا مبغوضيّة ذلك الجزء لمحبوبيّة هذا ؛ فإنّ المناط هو الذهن وعالم التصوّر ؛ وفيه لا يتّفق بل لا يمكن الاجتماع ، وبدونه لا يقع بين الحبّ والبغض كسر وانكسار ، فلا محيص إلّا عن اجتماعهما في الوجود الخارجي.

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّا وإن قلنا بأنّ الحكم يسري من العناوين إلى الجزئيات ، وقلنا أيضا بامتناع اجتماع الأمر والنهي في عنوانين باعتبار اتّحادهما في الوجود ولزوم وقوع الكسر والانكسار بينهما ، ولكن هذه السراية وهذا الكسر والانكسار إنّما هما في ما إذا كان هذان العنوانان ممّا أمكن جمعهما في عالم التصوّر وتصوّرهما

٤٥١

مجتمعين ، وكان هذا الجزئي ممّا أمكن وقوعه تحت هذا العنوان في عالم التصوّر. وأمّا لو لا ذلك كما في عنوان مشكوك الحكم وعنوان الخمر فلا محيص عن عدم تقييد حبّ أحدهما ببغض الآخر ولا العكس وعدم السراية ، ولازمه اجتماعهما في الخارج.

ثمّ هذا كلّه بالنّسبة إلى عرض الحبّ والبغض الذين هما يعرضان المتصوّر الذهني دون الشيء الخارجي.

ومن هنا يندفع الإشكال بأنّه كيف اجتمع الضدّان في موضوع واحد ؛ فإنّ الخارج ليس بموضوع الحكم والإرادة والكراهة ، وإنّما هو المتصوّر ، وعرفت عدم اجتماع الضدّين ولا النقيضين ولا المثلين فيه.

نعم ، يقع الكلام في ما موضوعه الخارج وليس مرتبطا بعالم التعقّل وهو المفسدة والمصلحة ، وكذلك التكليف بما لا يطاق فيما إذا كان حكم مشكوك الحكم مثلا الوجوب ، وحكم نفس العنوان الحرمة ، فإنّه يقال : كيف اجتمع المفسدة والمصلحة في الوجود الواحد بدون الكسر والانكسار ، وكيف يوجّه التكليف بالفعل وبالترك معا بالنسبة إلى شيء واحد ، وكذلك تفويت المصلحة ، كما لو أدّى الأمارة إلى حرمة الجمعة الواجبة واقعا ، والإبقاء في المفسدة فيما إذا أدّى إلى حليّة الخمر المحرّم واقعا.

فنقول : أمّا التكليف بما لا يطاق فهو يلزم على تقدير كون كلا التكليفين منجّزا وليس كذلك ؛ فإنّ شرائط التنجيز لا يوجد فيهما معا في شيء من الأوقات ، فكلّما كان الحكم الواقعي معلوما فهو منجّز دون الظاهري ؛ لعدم تحقّق موضوعه وهو الشكّ في الحكم الواقعي ، وكلّما كان الحكم الواقعي غير معلوم فالمنجّز هو الحكم الظاهري دونه ، لعدم العلم به الذي هو من شرط التنجيز.

وأمّا اجتماع المصلحة والمفسدة في الوجود الواحد بلا كسر وانكسار فهو ليس بمحذور ؛ إذ من الممكن بمكان من الإمكان أن يكون وجود واحد منشئا لأثرين من جهتين، كأن يكون شرب السكنجبين الحارّ مزيلا للصفراء من حيث ذاته ، ومورّثا لضعف القلب من حيث وصف حرارة مائه.

٤٥٢

وبالجملة ، فليس كلّ مصلحة ومفسدة متضادّين ، بل لو قلنا في مبحث اجتماع الأمر والنهي بالامتناع أيضا فلا نقول بوقوع الكسر والانكسار إلّا في نفس الطالب بين إرادتيه ، لا في الخارج بين المفسدة والمصلحة ، ففي المثال لو كان حبّه بزوال الصفراء أكثر من حبّه بعدم عروض الضعف يريد الشرب ويغضّ النظر عن عروض الضعف ، ولو كان العكس كان العكس.

وأمّا لزوم التفويت أو الإلقاء أحيانا من العمل بالحكم الظاهري فنلتزم لدفعه بوجود مصلحة في العمل على طبق الظاهري يتدارك بها المصلحة الفائتة أو المفسدة الواقعة فيها.

«تقرير هذا الوجه (١) وتوضيحه مرّة أخرى»

المقدّمة الاولى : أنّ الأحكام المتعلّقة بالموضوعات ليست كالأعراض الخارجيّة مثل حرارة النار وبرودة الماء وبياض اللبن ، فاتّصاف هذه بهذه الأوصاف لا يتوقّف على حضورها في ذهن ذاهن ، بل هي واجدة لها في الخارج وإن لم يتصوّرها أحد ، وهذا بخلاف الأحكام ، فإنّ عروضها على موضوعاتها لا يحصل إلّا بتوسّط ملاحظة الموضوع وتصوّره ، فالتصوّر دخيل في عروضها وهذا واضح.

المقدّمة الثانية : أنّ الطالب لشيء متى تصوّر هذا الشيء وتصوّر جميع حالاته التي تطرأ عليه وقلّبه في عالم التخيّل مع كلّ واحدة من تلك الحالات فهذا يكون على ثلاثة أقسام :

الأوّل أن يكون هذا الشيء مع جميع حالاته مطلوبا.

والثاني : أن يكون مع بعضها مطلوبا ومع بعضها غير مطلوب ، والصورة

__________________

(١) أي ترتّب الأمر بالعمل بمؤدّى الأمارة على الأمر بالواقع ، وانظر الصفحة : ١٦٨.

٤٥٣

الاولى تكون على قسمين : الأوّل : أن يكون في خصوصيّة بعض الحالات منفّر الطبع بأن يكون فيه مع الفائدة المحبوبة فائدة اخرى مبغوضة ، والثاني : أن يكون الجميع خاليا عن منفّر الطبع ، وبعبارة اخرى واجدا لمقتضى المطلوبيّة وفاقدا للمانع ، فهذه أقسام متصوّرة.

فلا إشكال أنّه في صورة يكون الشيء مع بعض حالاته مطلوبا فقط يكون إرادة الطالب مقيّدة بهذا البعض ، فلو كان طالبا لعتق الرقبة ولم يحصل مطلوبه إلّا مع كون الرقبة مؤمنة بحيث لا يحصل المطلوب من عتق الكافرة فهو لا محالة يريد عتق المؤمنة.

وكذلك لو كانت الفائدة المطلوبة قائمة بمطلق عتق الرقبة وإن كانت كافرة ، ولكن كان في خصوص عتق الكافرة جهة اخرى منفّرة الطبع ، وعتق المؤمنة سالمة عن هذه الجهة المزاحمة ، فلا محالة أيضا يريد عتق المؤمنة للجمع بين غرضيه من تحصيل الجهة المطلوبة والفرار عن الجهة المنفّرة ، فيرفع اليد عن مصلحة عتق الكافرة لأجل الفرار عن مفسدته ؛ لأنّ مصلحته ممكن الإدراك في عتق المؤمنة مع السلامة عن محذور مفسدته وإن فرض كون المصلحة أقوى بمراتب من المفسدة.

وليس هنا مقام ملاحظة الأهمّ والمهم ، ومقامها مورد الدوران بين فوت المصلحة والفرار عن المفسدة بأن لم يكن لما فيه المصلحة والمفسدة ، بدل أمكن درك المصلحة فيه مع السلامة عن المفسدة ، وقد عرفت البدل هنا ؛ ولهذا على القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي تكون الصلاة في الدار المغصوبة فاسدة وإن فرض أشدّية مصلحة الصلاة بمراتب من مفسدة الغصب ؛ لإمكان درك هذه المصلحة مع الفرار عن تلك المفسدة بالصلاة في مكان آخر مباح.

وأمّا الصورة الثالثة وهي أن يكون الشيء مع جميع الحالات واجدا لمقتضى المطلوبيّة مع خلوّ خصوصيّة جميع حالاته عن المانع ، فحينئذ يكون الطالب مريدا على نحو الإطلاق بدون تقييدها بشيء ، وهذه المقدّمة أيضا واضحة ولا كلام فيها وإن قلنا بامتناع اجتماع الأمر والنهي.

٤٥٤

المقدّمة الثالثة وهي أيضا واضحة ، وهي أنّه لو فرضنا عنوانين ليس لهما جمع في عالم الخيال ، بل لهما فيه وجود بدلي وكان في أحدهما مقتضي المبغوضيّة وفي الآخر مقتضى الترخيص فالعنوان الأوّل يصير مبغوضا مطلقا ، والثاني مرخّصا فيه كذلك وإن فرض جمعهما في الوجود الخارجي ، وهذا بعد وضوح المقدّمتين السابقتين لا إشكال فيه ؛ فإنّك قد عرفت أنّ عروض الأحكام إنّما هو بتوسيط الذهن.

فإن وصل ما فيه مقتضي المبغوضيّة بما فيه مقتضي الترخيص في عالم الخيال يوجب صرف الترخيص عمّا فيه مقتضيه ، ولكن هذا فرع إمكان الوصل الذهني والجمع اللحاظي ، والمفروض عدم إمكانه ، ومعه لا ثمرة لإمكان الجمع في الخارج بعد أنّ عروض المبغوضيّة والترخيص إنّما هو بتوسيط الذهن ، فلا محالة يصير ما فيه مقتضى البغض محلا للكراهة المطلقة ، وما فيه مقتضى الترخيص محلا للترخيص المطلق ، ولا كلام في ذلك.

إنّما الكلام والإشكال في تشخيص صغراه وأنّ العناوين الأوّليّة المتعلّق بها الأحكام الواقعيّة مع العناوين الثانوية التي هي موضوع الأحكام الظاهرية يكون من هذا القبيل؟

فنقول وعلى الله التوكيل :

أمّا المرحلة الاولى وهو عدم جمع العنوان الثانوي مع الأوّلي في رتبة لحاظ الأوّلي للحكم عليه بالحكم الواقعي فهو واضح ؛ فإنّ الحكم على الخمر مثلا بالحرمة والمبغوضيّة لا يمكن إلّا مع تجرّده عن المبغوضيّة ؛ فإنّ عروض العرض على المحلّ لا بدّ وأن يكون في حال خلوّ المحلّ عن هذا العرض ، ففي هذه المرحلة الخمر المشكوك مبغوضيّته لا يمكن تصوّره ، فلا محالة لا يحكم عليه إلّا بالحرمة ؛ فإنّه مع كلّ حالة يمكن لحاظه معها في هذه المرحلة لو لوحظ لا يوجد فيه سوى المفسدة.

وأمّا المرحلة الثانية وهو عدم اجتماع الأوّلي مع الثانوي في عالم لحاظ الثانوي للحكم عليه بالحكم الظاهري ففيها الإشكال ، ووجهه أنّ من يلاحظ الخمر

٤٥٥

المشكوك مبغوضيّته فهو قد لاحظ عنوانين : شرب الخمر ومشكوكيّة الحكم ، والأوّل هو الذي لاحظه في المرحلة الاولى وحكم عليه بالمبغوضيّة المطلقة ، فكيف يحكم في الثانية بالإباحة أو الوجوب؟ وليس هذا إلّا اجتماع الضدّين وهما الحبّ والبغض ، والإرادة والكراهة ، والوجوب والحرمة ، أو الحرمة والإباحة ، أو المتماثلين في محلّ واحد في النفس.

وجوابه أنّ البغض قوامه إنّما هو بوصف خاص وكيفيّة مخصوصة تعقليّة ، وحينما يعرض ضدّه ينفكّ عنه هذه الكيفيّة والوصف ، بل يحصل له في عالم التعقّل كيفيّة اخرى مضادّة لتلك الكيفيّة ، ولا ضير في اجتماع الضدّين في عالم النفس في شيء واحد مع اختلاف كيفيّة تعقّله عند عروض كلّ من العرضين المتضادّين.

ولتوضيح ذلك نمثّل لك مثالا وهو : أنّ الإنسان مثلا إنّما يعرض عليه وصف الكليّة في الذهن عند تعقّله مجرّدا عن جميع الخصوصيّات والضمائم ، ولا يصير كليّا مع ملاحظته معها ، فقوام كليّته يكون بوصف تجرّده ، مع أنّ التجرّد لا يمكن أن يقع قيدا له ، فإنّ اللاحظ لو لاحظ وصف التجرّد أيضا فلا ينطبق على أمر آخر ، وليس إلّا نفسه ، فيكون قوام الكليّة بثبوت التجرّد في عالم النفس واقعا وعدم كونه ملحوظا للحاكم.

ثمّ لو لاحظ هذا الحاكم نفس الإنسان الذي لاحظه أوّلا وحكم عليه بالكليّة بملاحظة ثانويّة مع ملاحظة حالة تجرّده فلا يحكم عليه هذا الحاكم في هذا اللحاظ الثاني إلّا بالجزئيّة ، فقد اتّصف الشيء الواحد وهو الإنسان في عالم النفس بعرضين متضادّين وهما الجزئيّة والكليّة مع كون الحاكم واحدا.

ونظير ذلك أيضا اجتماع الجزء والكلّ في أجزاء المركّب ؛ فإنّها على ما ذكره الاصوليّون وأهل المعقول يلاحظ.

تارة على نحو خاص وهو لحاظه لا بشرط وعلى سبيل الاندكاك في الكل ، فيحكم حينئذ عليه بعينيته مع الكلّ ويصير متعلّقا للوجوب النفسي مثلا.

واخرى يلاحظ بما هو شيء برأسه وعلى سبيل الاستقلال ويعبّر عنه بلحاظه

٤٥٦

بشرط لا ، وحينئذ يحكم عليه بالغيريّة للكلّ ومقدّميّته له وأنّه صار متحصّلا منه ومن سائر الأجزاء ، ويصير متعلّقا للوجوب المقدّمي ، فقد لزم اتّصاف الشيء الواحد في النفس بعرضين نفسيين متضادين وهما الجزئيّة والكليّة ، وكذا يلزم اجتماع المثلين أعني الوجوب النفسي والغيري ، وليس وجه صحّة ذلك إلّا اختلاف كيفيّة التعقّل ونحو الاعتبار.

فقوام كليّة الإنسان في المثال الأوّل بتجرّده عن الخصوصيّات في عالم التعقّل مع عدم ملحوظيّة تجرّده ، وقوام جزئيّته بلحاظ وصف تجرّده ، وقوام عينيّة الحمد والقطرة للصلاة وماء الحوض بلحاظهما لا بشرط ، وقوام جزئيتهما بلحاظهما بشرط لا.

فكما جاز في هذين الموضعين جمع المتضادّين والمتماثلين في معروض واحد بمجرّد اختلاف كيفيّة التعقّل ، فنقول في المقام أيضا : إنّ الخمر مثلا عند عروض المبغوضيّة عليه متّصف في عالم التعقّل بالتجرّد عن المبغوضيّة ، ومبغوضيّته متقوّمة بذلك ، ولا يمكن اتصافه بها مع كونه متّصفا بها ، وأمّا عروض الإباحة عليه فيكون في حال كونه متّصفا في عالم التعقّل بمفروغيّة مبغوضيّته وشكّ المكلّف فيها ، وهاتان كيفيتان لا يمكن جمعهما في تعقّل واحد ، واتصاف الخمر بالحرمة يكون في حال إحداهما ، وبالإباحة في حال الاخرى ، وليس لمقامنا زيادة على المقامين أصلا ، فكما لا يستشكل فيهما من جهة جمع الضدين أو المثلين فلا بدّ أن لا يستشكل أيضا فيه.

هذا حاصل الكلام في دفع لزوم اجتماع الضدين والمثلين في النفس ، بقي الكلام في أمرين آخرين :

أحدهما : اجتماع المصلحة والمفسدة وترخيص ما فيه المفسدة وتحريم ما فيه المصلحة.

والثاني : التكليف بما لا يطاق وهو اجتماع إيجاب الفعل وإيجاب الترك في موضوع واحد في ما لو كان الفعل بحسب الواقع حراما ، وأدّى الطرق إلى وجوبه ، أو العكس.

٤٥٧

فنقول : أمّا التكليف بما لا يطاق فهو إنّما يلزم لو ساق المكلّف التكليف نحو الضدّين في آن واحد على وجه صار شرائط التنجيز حاصلا في كليهما في آن واحد وعرض واحد ، كما لو أمر بالقعود والقيام في آن واحد مع علم المأمور بذلك ، وأمّا لو أمر بالضدّين على وجه لم يلزم اجتماع شرائط التنجيز في كليهما في زمان واحد أبدا فلا محذور فيه ، كما هو الحال في المقام ؛ فإنّ إيجاب الفعل مثلا يكون تنجيزه في حال العلم به ، وإيجاب الترك لا يحصل موضوعه إلّا مع الشكّ في إيجاب الفعل وهو في حال الشكّ غير منجّز ؛ إذ العلم من شرائط التنجيز ، فالوجوب والحرمة وإن كانا موجودين فعلا ، لكن أحدهما مؤثّر في العقاب بحسب حكم العقل ، والآخر خال عن التبعة والعقاب بحكم العقل.

وأمّا الإشكال الأوّل ، فالمصلحة والمفسدة وإن كانا من قبيل الحرارة والبرودة ، والسواد والبياض من الأعراض الخارجيّة العارضة على محالّها بدون توسيط ذهن ذاهن ـ فالخمر بوجوده الخارجي يكون ذا مفسدة فترخيصه في حال الشكّ في حرمته يكون ترخيصا لأمر ذي مفسدة ، وهو قبيح لا يصدر من الحكيم ـ إلّا أنّا بعد ورود الترخيص من الشرع نلتزم بأنّ مفسدة الخمر وإن كانت غير منقلبة إلى المصلحة ـ كيف وإلّا يلزم التصويب ، بل مفسدته لا فرق فيها بين حالتي العلم والشكّ ـ إلّا أنّه يمكن أن يكون الخمر مثلا في نظر الشارع ذا مفسدة كإيراثه لقساوة القلب ، ولكنّه رأى أنّه لو حرّمه في حال الشكّ في حرمته يلزم مفسدة اقوى كلزوم العسر الشديد على المكلّف في تحصيل الحال فيه وكونه مؤدّيا إلى قتل النفس مثلا.

وبالجملة ، فرأى الأمر في حال الشكّ دائرا بين الوقوع في المفسدة الصغرى الكائنة في ذات الخمر ، والمفسدة العظمى الحاصلة في تحريمه حال الشكّ ، فرجّح الوقوع في الصغرى على الوقوع في العظمى.

ومن هنا ظهر اندفاع الإشكال بلزوم نقض الغرض ؛ فإنّ للشارع غرضين ، أحدهما أهمّ من الآخر ، فعند الدوران رجّح الأهمّ منهما على غيره ، فاندفع الإشكال بحذافيره.

٤٥٨

الوجه الثاني من وجوه الجواب عن إشكال لزوم المحاذير من التعبّد بغير العلم ما ذكره شيخنا المرتضى وهو ممّا يمكن أن يقال به وهو : أنّ الأوامر الصادرة من الشارع في باب الطرق ليست أحكاما مولويّة ، بل هي إرشاد إلى الصواب والواقع.

وتصوير كونها إرشاديّة في حال انفتاح باب العلم أنّ الانسداد عقلي وشرعي ، فالعقلي هو عدم إمكان الواقع ، مثل أن يكون السفر من البلاد البعيدة إلى مدينة المعصوم للسؤال عنه موجبا لانتشار تشيّع السائل ومورثا لقتل النفوس الكثيرة من الشيعة أو الإمامعليه‌السلام ، فلهذا يرفع عنه مولويّا وجوب تحصيل العلم ؛ فإنّ وجوب تحصيل العلم عقليّ ، فإنّ مراتب الامتثال أربع ، فأوّلها العلم وبعده الظن وبعده الاحتمال وبعده الوهم.

فإن قلت : هذا مبني على بقاء العلم الإجمالي بالأحكام وعدم انحلاله بالأمارات المعتبرة وهو خلاف الواقع.

قلت : الكلام الآن في اعتبار الأمارات ، فنحن ندّعي عدم جعل الشارع لها حجيّة ، وإنّما أرشد إلى الطريق الأقرب ، والعقل بعد جزمه بصدق الشارع يحكم بالحجيّة ، فببركة هذا البحث نريد انحلال العلم ، وبالجملة ، فالصادر من الشارع حكمان ، أحدهما مولوي ، والآخر إرشادي ، فالحكم المولوي الصادر من الشرع في هذا الحال ليس إلّا رفع وجوب تحصيل العلم بالحكم الواقعي ، وهذا موضوع آخر غير موضوع الحكم الواقعي ؛ فإنّ موضوع الوجوب مثلا صلاة الجمعة ، وموضوع رفع الوجوب تحصيل العلم بحكمها.

فإن قلت : نعم يتغاير الموضوعان وبذلك يرتفع غائلة التضادّ ونحوه ، لكن إشكال نقض الغرض باق بحاله كما هو جار في الانسداد العقلي ؛ فإنّ الشارع يمضي طريقة العقل فيتسبّب بإمضائه إلى نقض غرضه.

قلت : لا محيص عنه ؛ فإنّ تحصيل الغرض يكون بإيجاب تحصيل العلم أو بإيجاب الاحتياط وكلاهما مشتمل على المحذور الأشدّ ، فلا بدّ من الصبر على عدم مثل هذا الغرض.

٤٥٩

ثمّ بعد حصول هذه المقدّمات للمكلّف أعني : صيرورة تحصيل الواقع موجبا لمفسدة أعظم ودفع وجوبه من الشارع يصير حاله حال من انسدّ عليه باب العلم بالواقع عقلا ، ولا إشكال أنّ المكلّف في هذا الحال أي حال انقطاع يده من العلم لو خلّي وطبعه ، لكان حكم عقله الرجوع إلى ظنّه الفعلي في تشخيص الحكم الواقعي ، وكان هو المتعيّن بعد العلم بحكم عقله.

لا يقال : إنّ نتيجة مقدّمات الانسداد على فرض تماميّتها هو التبعيض في الاحتياط لا حجيّة الظّن.

لأنّا نقول : نحن نتكلّم على فرض المبنى الأخير ، فلو أعلمه الشارع العالم بالغيب بطريق أقرب كما لو رأى الشارع أنّ المكلّف بعد هذه المقدّمات لو عمل على طبق ظنّه كما هو مقتضى عقله ، لوقع في أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر ، ولكن لو عمل على طبق مفاد خبر الثقة لكان واقعا في أكل الميتة فقط ويكون وقوعه في خلاف الواقع أقلّ فأعلمه الشارع حينئذ بأنّ هذا الطريق الخاص أقرب من سائر الطرق إلى الواقع فهل صدر منه فعل قبيح ، وهل يقول العاقل في ما إذا أدّى هذا الطريق الخاص إلى حليّة الخمر مثلا : إنّ الشارع قد أوقعه في مفسدة شرب الخمر؟ أو يقال : إنّه فعل فعلا حسنا؟ فإنّه لو لم يعلمه وقع في هذه المفسدة ومائة مفسدة اخرى ، فالشارع حفظه عن الوقوع في خمسين منها.

وبعبارة اخرى : أنّه وإن كان للشارع في الواقعة الواحدة حكمان أحدهما عدم الجواز والآخر الجواز ، إلّا أنّه صدر الأوّل منه على أنّه حاكم ، وصدر الثاني منه على أنّه عاقل ، فكما أنّ العقل لو رأى فيما بين الظنون ظنّا أقوى من سائر الظنون يحكم بتعيّنه ، فكذا هنا أرشد الشارع إلى أنّ خبر الثقة أقوى من الظنّ الفعلي ، وبعد القطع بصدقه يحكم العقل بوجوب اتّباع خبر الثقة دون سائر الظنون.

فإن قلت : كيف يمكن منع المكلّف عن الطريق الذي يكون أقرب بنظره إلى الواقع إلى غير الأقرب ؛ فإنّ الظنون الفعليّة كلّها أقرب من الأوهام التي في قبالها ، فكيف يمكن إرجاع المكلّف إلى الأوهام؟.

٤٦٠