أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

الأمر دائرا بين الوجوب والإباحة لم يحصل الامتثال ؛ لأنّ نفس الأمر لم يصر داعيا ، بل احتماله.

وإن اعتبرنا مع ذلك أن يكون وجه الأمر معلوما عند الفاعل من الوجوب أو الندب ويقصده إمّا وصفا وإمّا غاية وإمّا معا على الخلاف ، بأن يأتى بالفعل الفلاني الواجب لوجوبه ، ففي ما يكون الأمر دائرا بين الوجوب والاستحباب لم يحصل الامتثال ؛ لأنّه وإن كان داعي الأمر فيه متمشّيا ، إلّا أنّ قصد الوجه لعدم معلوميّته غير متمشّ.

وإن اعتبرنا مع ذلك قصد التمييز بأن يكون الفعل المأمور به حين الإتيان مميّزا عن غيره ففي ما يدور الواجب بين عملين لم يحصل الامتثال ؛ فإنّه وإن كان يشتمل على قصد الأمر وعلى قصد وجهه ، لوضوح إمكان أن يأتي بالعملين بداعي الواجب الذي في البين بوصف وجوبه ولعلّة وجوبه ، لكنّ التمييز حين الإتيان مفقود.

فنقول : مقتضى القاعدة جواز الاكتفاء بهذا النحو من الامتثال ، فعلى من يدّعي العدم إثبات المانع إمّا من العقل أو النقل.

أمّا من جهة العقل فربّما يقال : إنّ العبادة ما يعتبر فيه وقوعه من المكلّف بحيث صار مقرّبا له ، وهذا ممّا إشكال فيه ، بخلاف التوصّلي ، فإنّه يجزى ويسقط أمره وإن لم يقع على وجه مقرّب ، وكلّ عبادة ولو صدرت من الفاسق لا محالة تكون مقرّبة ، فإنّا لا نعني بمقرّبيته أن يصير العبد ذا منزلة عظيمة عند المولى ويصل مرتبه الجبرئيل ، بل المقصود أن يكون فاعل الفعل غير مساو مع تاركه ، وهذا له مراتب مختلفة لا تحصى ، ولا يلازم القبول الذي هو بمعنى خرق الحجب.

فعبادة شارب الخمر وإن كان يمنع شربه عن خرقها الحجب ولكنّه غير مساو مع من يترك هذه العبادة ، فالفعل المأمور به ما لم يكن بداعوية الأمر ، أو كان معها وتجرّد عن قصد الوجه أو اشتمل عليهما وتجرّد عن قصد التمييز لا يصير مقرّبا للفاعل ؛ ولهذا قيل : إنّ من علم بوجوب أمر عليه بين عدّة امور وأتى بجميعها كان مستهزئا بأمر المولى وعابثا ، وكذلك من لم يعلم بالأمر وأتى برجائه أو لم يعلم

٤٢١

بوجوبه وأتى برجاء الوجوب.

وأمّا من جهة النقل فللإجماع على الاعتبار في كلّ من المراحل الثلاث ، والجواب أمّا عن الإجماع فواضح ، فإنّ النزاع كما ترى إنّما هو في منافاة عدم الامور الثلاثة مع العباديّة والمقرّبية عقلا وعدمها ، فالإجماع لو كان محقّقا لم يعبأ به في مثل هذه المسألة ؛ لعدم كشفه عن رأى المعصوم ، كيف وهو في المقام منقول.

وأمّا عمّا ذكر من المنافاة للقرب فبأنّه لا إشكال أنّ من علم بأنّ الفعل الفلاني إمّا واجب عبادي ، وإمّا مباح فأتى به برجاء كونه واجبا قد تحقّق منه الإطاعة والانقياد ويكون حسنا ، بمعنى أنّه غير مساو مع من يترك هذا الفعل قطعا.

وكذلك الكلام بعينه في من يأتى بالفعل الذي علم إجمالا بوجوبه أو استحبابه برجاء أنّه واجب ؛ فإنّه لا يعدّ مساويا مع تاركه بلا ريب.

وأمّا في ما كان الاحتياط مستلزما للتكرار ، فإن لم يكن في البين داع عقلائى كمن أمره المولى بشيء وتردّد عنده بين أشياء ، وهو متمكّن من أن يستعلم من المولى فلم يستعلم وأتى بجميع هذه الأشياء الكثيرة ، لكون واحد منها متعلّقا لغرض المولى فهذا لا كلام فيه ، فإنّه يعدّ مستهزئا ولاغيا عابثا.

وأمّا إن كان له داع عقلائي إلى التكرار كما لو عرض له الشكّ في قلب الليل وتوقّف الاستعلام على إيقاظ العالم وهو حرج عليه ، فإنّ إتيانه حينئذ بكلا الطرفين حسن مرغوب وهو مع غيره التارك غير متساويين قطعا ، فيكون مجزيا وموجبا لسقوط الأمر ، كما أنّه في القسم الأوّل لو كان الأمر في الواقع موجودا أجزأ عنه الإتيان المذكور ، وإن لم يكن موجودا فقد تحقّق منه الانقياد.

وبالجملة ، فبطلان الدعوى في هذه المراحل الثلاث استنادا إلى الإجماع أو دليل العقل المذكورين واضح لا يحتاج إلى البيان.

والذي يمكن الاستناد إليه في إثبات الدعوى في كلّ من المراحل ما أشار إليه شيخنا المرتضى في رسائله ، وهو أن يقال : إنّه لا أقلّ من تحقّق الاحتمال لأن يكون الإتيان بداعي الأمر دخيلا في غرض المولى ، وكذا من المحتمل أن يكون الغرض متعلّقا

٤٢٢

بالمقيّد بداعي الوجه ، وكذا أن يكون الغرض هو التقييد بداعي التمييز ، وإذا جاء الاحتمال في دخل شرط أو شطر في متعلّق الغرض فلا يمكن رفعه إلّا بأحد أمرين : أصالة البراءة وأصالة الإطلاق ، وكلاهما في المقام مفقود ، فلا إطلاق في البين ، والأصل في خصوص هذه القيود هو الاحتياط وإن قلنا بكون الأصل في مورد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في القيود الأخر هو البراءة.

أمّا الأوّل : فلأنّ الإطلاق والتقييد توأمان ، وإمكان الأوّل فرع إمكان الثاني ، ففي أعتق الرقبة يمكن التقييد بالمؤمنة ، فيؤخذ مع اجتماع شرائط الإطلاق به في رفعه ، ولكنّ التقيّد في هذه القيود غير ممكن ، ووجه ذلك أنّ القيود على قسمين :

قسم لا يحدث بالأمر ، بل له الواقعيّة مع قطع النظر عن الأمر كقيد المؤمنة في الرقبة ؛ فإنّه غير متوقّف تحقّقه وواقعيّته على وجود الأمر بالعتق ، فهذا يمكن أخذه في متعلّق الأمر على وجه الإطلاق وعلى وجه التقييد.

وقسم لا يحدث إلّا بالأمر ولا واقعيّة وتحقّق له قبل وجود الأمر ، وذلك مثل داعي الأمر وداعي وجه الأمر وداعي تمييز المأمور به عن غيره ، فهذه تكون متأخّرة في الرتبة عن الأمر ، فلا يعقل أخذها في متعلّقه لا إطلاقا ولا تقييدا ، وإذا لم يمكن الأخذ بنحو فاللفظ بالنسبة إليها مهمل ، قال شيخنا المرتضى : وليس هذا تقييدا في دليل العبادة حتّى يدفع بإطلاقه.

وأمّا الثاني : فلأنّ وجه إجراء البراءة في القيود الأخر أنّ الشكّ كان فيها في التكليف بحسب مرحلة أصل الثبوت بمعنى أنّه شكّ في أصل ثبوت التكليف بالنسبة إلى الزائد المشكوك ، وأمّا هنا لا شبهة بحسب مرحلة الثبوت ، بل الحال معلوم والمأمور به بحدوده وقيوده معلوم ، وإنّما الشكّ واقع بعد عدم الأخذ في متعلّق الأمر قطعا وكونه من هذه الجهة عامّا في دخل تلك القيود في الغرض ، فيكون الغرض أخصّ ممّا تعلّق الأمر به ؛ لعدم إمكان أخذ القيد فيه ، فيشكّ بعد الإتيان بدون هذا القيد في حصول الغرض وعدمه ، وبذلك يشكّ في سقوط الأمر وعدمه ؛ إذ سقوط الأمر منوط بحصول الغرض الباعث إليه.

٤٢٣

وبالجملة ، فالشكّ واقع في مرحلة السقوط بعد معلوميّة ثبوت الأمر ، ومن المعلوم أنّه مع ذلك لا مجرى للبراءة ، بل الحقيق هو الاحتياط. هذا غاية تقريب الدعوى.

وأنت خبير بأنّ مبنى عدم الجريان في كلا الأصلين هو امتناع التقييد بهذه القيود ، وحيث انجرّ الكلام إلى هنا ينبغي التكلّم في مقامين وإن تقدّم البحث عنهما في صدر الكتاب عند تقسيم الواجب إلى التعبّدي والتوصّلي :

الأوّل : في امتناع هذا التقييد وإمكانه بحسب مقام الثبوت ، ثمّ تصحيح الأمر العبادي على تقدير الامتناع.

والثاني : في تمهيد الأصل لحال الشكّ في أصل التعبّدية أو في هذا التقييد بعد الفراغ عن أصل التعبديّة.

أمّا المقام الأوّل : فاعلم أنّ ما قيل أو يمكن أن يقال في تقريب امتناع التقييد المذكور وجوه أربعة :

الأوّل : لزوم الدور ، بيانه أنّ هذه القيود متأخّرة رتبة عن الأمر ؛ فإنّ حدوثها معلول له وبتبعه ، ولا شكّ أنّ المعلول متأخّر رتبة عن علّته ، وموضوع الشيء متقدّم رتبة على الشيء ، فيلزم من درج هذه القيود في موضوع الأمر تقدّم الشيء على النفس ؛ فإنّ الموضوع المقيّد بأحدها بما هو مقيّد به متوقّف على وجود الأمر ، ووجود الأمر أيضا متوقّف على هذا المقيّد لكونه موضوعه.

والجواب أنّ موضوع الأمر ليس هو الوجود الخارجي للمقيّد ، بل هو الوجود التصوّري له ، وإلّا يلزم طلب الحاصل ، والإتيان بالفعل بداعي الأمر بحسب الخارج متوقّف على وجود الأمر ، وأمّا بحسب التصوّر فلا ؛ لوضوح إمكان أن يتصوّر الآمر قبل إنشاء الأمر نفس الفعل والأمر وتقييد الأوّل بالثاني ، ثمّ يجعل هذا المفهوم المقيّد محلا لإنشاء الأمر ، فما يتوقّف عليه الأمر تصوّر الموضوع ، وما يتوقّف على الأمر خارج الموضوع ، فاختلف الطرفان ، فأحدهما الوجود التصوّري ، والآخر الوجود الخارجي.

٤٢٤

والثاني : لزوم الدور بوجه آخر ، وبيانه : أنّ الأمر يتوقّف على قدرة المأمور على متعلّقه ؛ لوضوح استحالة الأمر بغير المقدور من الحكيم ، والقدرة على الفعل المقيّد بهذه القيود متوقّفة أيضا على الأمر ، فإنّ المكلّف لا يتمكّن من الإتيان بالفعل في الخارج بهذه القيود إلّا بعد الأمر.

والجواب : أنّ توقّف القدرة على الأمر مسلّم ، ولا نسلّم توقّف الأمر على القدرة السابقة على الأمر ؛ فإنّ الممتنع عقلا هو اجتماع الأمر وعجز المكلّف في زمان الامتثال ، وأمّا لو فرض تمكّنه حين الامتثال فلا امتناع وإن كان التمكّن جائيّا بالأمر ومتحقّقا من قبله لا قبله.

والثالث : أنّ التكليف بالمقيّد بهذه القيود تكليف بغير المقدور ، ولا يحصل القدرة على متعلّقه حتى بعد الأمر ؛ فإن القيد هو داعي الأمر المتعلّق بذات الفعل ، والقدرة عليه متوقّفة على الأمر بذاته ، ولا يكفي الأمر بالمقيّد منه بداعي أمره ؛ فإنّ الأمر بالمقيّد ليس أمرا بالمطلق.

لا يقال : كيف لا يكون أمرا بالمطلق وهو جزء للمقيّد ، والأمر المتعلّق بالكلّ متعلّق بكلّ واحد من أجزائه نفسيّا باعتبار تحقّقه في ضمن الكلّ ، ومقدّميّا باعتبار نفسه مستقلا.

فإنّه يقال : نعم ، المطلق جزء للمقيّد ، لكنّه جزء عقلي وليس بخارجي بمعنى أنّه ليس للقيد والذات في الخارج وجودان منحازان ، بل هما موجودان فيه بوجود واحد ، والمطلوبيّة المقدّمية إنّما يصحّ في الجزء الخارجي ، فلا يصحّ أن يقال في «أعتق رقبة مؤمنة» : إنّ مطلق الرقبة مطلوب من باب المقدّمة بعد فرض أنّ في الخارج ليس إلّا وجود واحد له ولقيده ، وكذا الكلام في المطلوبيّة النفسيّة ؛ فإنّها متعلّقه بالوجود في الخارج فهي إنّما تسري من الكلّ إلى الجزء الخارجي الموجود بوجود على حدة باعتبار تحقّقه في ضمن الكلّ.

والجواب أنّ المطلق وإن كان لا يسري إليه الأمر من المقيّد ، ولكنّ المقسم بينهما لا نسلّم فيه ذلك ، فكما أنّ الوجود يسري من المقيّد إليه ، فإذا وجد زيد يصحّ

٤٢٥

نسبة الوجود حقيقة إلى الإنسان ، فكذلك الوجوب ، ولهذا نقول في توجيه البراءة في دوران الواجب بين المطلق والمقيّد أنّ المتيقّن وجوب الأقلّ ، والزائد وجوبه غير معلوم ؛ فإنّ المراد بالمتيقّن الوجوب لا يكون هو المطلق ، كيف وهو طرف الترديد ، فلا بدّ أن يكون هو الجامع بينهما ، ولو لا سراية الوجوب من المقيّد إلى الجامع لما صحّ ذلك.

فإن قلت : هذه الإرادة المتعلّقة بالجامع غير قابل للامتثال ولا يدعو نحو متعلّقه ؛ فإنّها إرادة عرضيّة ولا يدعو إلّا نحو المطلوب الأصلي أعني المقيّد ، ألا ترى أنّه لو كان المراد الأصلي عتق الرقبة المؤمنة فلا توجب الإرادة العرضيّة المتعلّقة بالرقبة المهملة تحريك المكلّف نحو المهملة في ضمن رقبة كافرة ، فإتيانها غير مثمر للدعوى : فإنّها متوقّفة على أمر بذات الفعل صالح للدعوة إلى الذات.

قلت هذا إنّما هو في ما إذا لزم من الدعوة نحو المهملة المجرّدة عن القيد وجود قيد آخر مباين لما اخذ في متعلّق الأمر كما في المثال ، حيث يلزم من الدعوة نحو عتق الرقبة المجرّدة عن وصف الإيمان تحقّق الكفر المباين له ؛ فإنّه حينئذ لا يدعو إلى المهملة في غير هذا القيد ، لكون المطلوب ناقصا وغير حاصل بتمام أجزائه ، وأمّا لو فرض أنّه لو دعا نحو المهملة يتمّ المطلوب بقيده قهرا ، فلا مانع من داعويته ، ففي المقام المفروض تعلّق الأمر فيه بالفعل بداعي الأمر لو أتى بالفعل بداعي الأمر العرضي المتعلّق به كان هو عين المطلوب ؛ فإنّ القيد قد حصل بنفس الدعوة نحو المهملة.

والرابع : وهو الوجه الذي لا مدفع له أنّ من شأن الأمر المولوي وإن كان توصليّا أن يكون صالحا للدعوة نحو متعلّقه ؛ فإنّ الغرض منه صيرورته داعيا للعبد نحو المطلوب لو لم يكن في نفسه داع آخر ، فإن كان المطلوب مقيّدا لا بدّ أن يكون صالحا للتحريك نحو كلّ من الذات وقيدها ، والأمر المتعلّق بالفعل مقيّدا بداعي الأمر لا يمكن أن يصير داعيا إلى القيد ؛ فإنّه عبارة عن داعويّة نفسه ، ويمتنع أن يصير الأمر داعيا إلى داعوية نفسه نظير صيرورة العلّة علّة لعليّة نفسها.

وإذ قد تبيّن امتناع التقييد المذكور فلا بدّ من تصوير الأمر العبادي لمعلوميّة وقوعه في الشريعة المطهّرة كثيرا ، فنقول : يمكن تصويره بأحد وجوه أربعة :

٤٢٦

الأوّل : أن يكون نحو الأمر في العباديّات نحو الأمر في التوصّليات ، بمعنى أنّه كان متعلّقا بذات الفعل ، ولكن حيث علم المكلّف من الخارج كالإجماع ونحوه بأخصيّة الغرض وكونه متعلّقا بالفعل مع قصد القربة لا مطلقا ، لزم بحكم العقل إتيان القيد أيضا ، لئلا يلزم تفويت غرض المولى القبيح عقلا ، فوجوب أصل الفعل جاء من قبل الأمر ، ووجوب القيد من قبل أخصيّة الغرض وأضيقيته.

والثاني : التزام أمرين ، أحدهما بذات العمل ، والآخر بالعمل المقيّد بإتيانه بداعي الأمر المتعلّق بذاته ، فداعوية الأمر الأوّل اخذت قيدا لمتعلّق الأمر الثاني ، فالأمر الأوّل يحرّك إلى نفس العمل بأيّ وجه اتفق ، والثاني يحرّك إلى إتيانه بقصد أمره ، فإتيانه بداعي غير الأمر إطاعة للأوّل وعصيان للثاني.

والثالث : أنّ المعتبر في العبادة ليس كونها صادرة بداعي الأمر ، بل المعتبر كونها مقرّبة، ولا ينحصر القرب بصورة الإتيان بداعي الأمر ، بل يمكن أن يكون ذات العمل مع قطع النظر عن تعلّق الأمر به مقرّبا موجبا لقرب فاعله ، فعنوان الخضوع والخشوع لله حسن في ذاته مقرّب للعبد وإن لم يتعلّق به أمر أصلا.

فنقول الأوامر التعبّدية كلّها متعلّقة بأفعال هي في حدّ ذاتها حسن مقرّب كما في الأمر بالصلاة ؛ فإنّه متعلّق بالمركّب من التكبير والحمد والثناء والتهليل والتسبيح والدعاء والخضوع والخشوع ، ومن الواضح أنّ نفس صدور هذه الأفعال وإن كان بداع نفساني يكون حسنا ، وبالجملة ، فالأوامر التعبديّة متعلّقة بأفعال هي مقرّبة بالذات من دون حاجة إلى داعي الأمر ، لا بما لا يقرّب إلّا مع هذا الداعي حتى يلزم المحذور.

والرابع : التزام الامر بالعمل مقيّدا بعدم دواع أخر من الدواعى النفسانيّة ؛ فإنّه حينئذ يصير المكلّف مقهورا بالإتيان بداعي الأمر ؛ لامتناع خلوّ الفعل الاختيارى عن جميع الدواعي ، هذا هو الكلام في المقام الأوّل.

أمّا المقام الثانى ، فاعلم أنّه لو شكّ في واجب أنّه تعبّدي أو توصّلي ، أو شكّ في الواجب المعلوم تعبّديته أنّه هل يعتبر في إجزائه وقوعه بداعي الأمر أو

٤٢٧

الوجه أو التمييز أولا؟ فهل هنا إطلاق يدفع به مئونة التعبديّة أو احتمال القيد الزائد أولا؟ وأيضا هل يجري البراءة في رفعها أولا بناء على كلّ من الوجوه الأربعة في تصحيح الأمر التعبّدي.

الحقّ أن يقال : إنّ هذه الوجوه بين ثلاثة أقسام :

الأوّل : التصحيح بأضيقيّة الغرض مع عدم إمكان التقييد.

الثاني : التصحيح بتعدّد الامر.

الثالث : تدرّج القيد المحتاج إليه في العبادة في المأمور به على نحويه من كون نفس الفعل مقرّبا ومن كون القيد عدم الدواعي الأخر.

فلا إشكال على القسم الأخير ؛ فإنّ الكلام في القيد المذكور على نحو القيود الأخر، فإن كان مقدّمات الإطلاق موجودة نأخذ بها ، وإلّا فالمرجع الأصل العملى وهو البراءة ، ونرفع بها القيد.

وكذلك لا إشكال على القسم الوسط ؛ فإنّ الإطلاق وإن كان غير ممكن بناء عليه ، ولكنّ البراءة جارية هنا وإن قلنا بعدم جريانها في دوران الأمر بين المطلق والمقيّد ، والوجه أنّ الشكّ هنا ليس في القيد الزائد حتى يكون جريان البراءة فيه محلّا للكلام ، بل في وجود أمر مستقلّ بالمقيّد غير الأمر بذات العمل وهو محلّ البراءة بلا كلام.

وأمّا على القسم الأوّل أعني أضيقيّة الغرض ، فالإطلاق في كلام واحد وإن كان غير ممكن ، لكن في مجموع الكلامات ممكن ، بيان ذلك : أنّ للإطلاق قسمين ، الأوّل : ما كان في كلام واحد وهو الإطلاق المصطلح ، والثاني : ما يستفاد من مجموع كلامات واردة في خصوص باب ، ومثاله الاخبار الواردة في الأمر بغسل اليد أو الثوب عند الملاقاة بشيء خاص ، فإنّ كلّ واحد واحد منها لا يمكن أخذ الإطلاق منه لرفع وجوب العصر والتعدّد ؛ فإنّها واردة مورد حكم آخر وهو نجاسة الشيء الخاص ، وأمّا أنّ كيفيّة الغسل من حيث العصر والتعدّد ما ذا فليست في مقام بيانها.

ولكن يمكن أن يستفاد من خلوّ جميع هذه الأخبار عن ذكر العصر والتعدّد ـ مع

٤٢٨

أنّه لو كانا معتبرين للزم التعرّض في واحد من هذه الأخبار ـ أنّه لم يكن في باب التطهير تعبّد زائد على القدر المعتبر عند العرف ، وهو صبّ الماء إلى أن يزول العين ، فعدم تقييد كلّ منها منفردا وإن لم يكن كافيا في الإطلاق ولكن عدم تقييد الكلّ كاف في ثبوته ، بل ربّما يحصل من ذلك اليقين بعدم الاعتبار.

وكذلك الكلام في ما نحن فيه ، فإنّ ملاحظة ابتلاء العامة بالصلاة في كلّ يوم وبالصوم في السنة وبغيرهما من العبادات ، وملاحظة أنّ قيد داعي الأمر بمعنى عدم كفاية داعي احتماله ، وكذلك داعي الوجه والتميز ممّا يغفل عنه عوام الناس ولا يلتفتون إليه قطعا ، وابداء احتماله نشأ من المتكلّمين ، وملاحظة خلوّ جميع ما ورد من الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين في باب العبادات عن ذكره والتعرّض له ، يكفي في إثبات إطلاق الغرض وإن لم يمكن إثبات إطلاقه من كلام واحد ، بل ربّما يحصل من ذلك القطع بعدم الاعتبار ، فإنّ الشارع الذي لم يدع الأحكام الجزئيّة كأحكام التخلية إلّا بيّنها ولم يهملها ، كيف يهمل مثل هذا الأمر الذي يكون من المهميّة بمكان ويجعله في سترة الخفاء.

وأمّا قوله تعالى : (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) فليس المراد بالإخلاص فيها إلّا فعل العبادة ممحّضا لله في مقابل جعلها للصنم والنفس والشيطان ، فهو نهي عن عبادة هذه وأمر بعبادته تعالى ، وأمّا أنّ عبادته على أيّ نحو هي يعتبر فيها داعي الأمر أو الوجه أو التمييز فلا تعرّض في الآية له.

فتبيّن أنّ أصالة الإطلاق الاصطلاحي أعنى ما كان جاريا في كلام واحد وإن لم يمكن هنا ، لكن أصالة الإطلاق ، بل القطع يمكن اصطيادهما من تضاعيف الكلمات المتكثّرة الخالية عن ذكر القيد ، ولو سلّمنا عدم كفاية هذا الإطلاق وبقاء الشكّ في الاعتبار معه بحاله نقول : ما الفرق بين هذا القيد المجهول والقيد المجهول في سائر المقامات في ملاك قبح العقاب بلا بيان ، حيث إنّه في سائر المقامات لو عاقب عليه المولى عاقب على أمر مجهول لم ينبّه عليه ولم يتمّ الحجّة عليه ، ولكن لم يلزم ذلك لو عاقبنا على هذا القيد المجهول.

٤٢٩

فإن قيل : الفرق إمكان الأخذ في المأمور به في سائر المقامات وعدم إمكانه هنا.

نقول : إنّما كان غير الممكن هو الأخذ في المأمور به ، لكن بيان القيد ببيان منفصل كان بمكان من الإمكان ، فكما يحتجّ العبد في سائر المقامات على المولى بأنّه لم ما احدث القيد في المأمور به؟ يحتجّ عليه هنا بأنّه لو أردت القيد فلم ما بيّنته لى في كلام منفصل؟ وبالجملة ، العقل في كلا المقامين يحكم بقبح العقاب بلا فرق أصلا.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الاحتياط في مقام الامتثال والاكتفاء بالإتيان الإجمالى خال عن الإشكال على جميع الوجوه في تصحيح العبادة ، لكن هذا في ما إذا لم يكن التكرار في مورد يستلزمه الاحتياط لغوا وكان بداع عقلائى ، كما لو شقّ عليه تعيين القبلة أو شقّ عليه السؤال في الشبهة الحكميّة.

وأمّا لو كان التكرار لغوا وعبثا ـ كما لو تمكّن في الشبهة الحكميّة مثلا عن السؤال وتعيين مورد التكليف بسهولة كما لو كان النبيّ جالسا في المجلس ومع ذلك لم يسأل عنه وأتى بأفعال عديدة ـ ولا يراد باللغويّة صدور الفعل بدون الداعي ؛ فإنّ البحث في الفعل الاختياري الغير المنفكّ عن الداعي ، والمقصود تقسيمه إلى قسمين ، أحدهما ما لا يعدّونه لغوا وهو ما يكون بداع عقلائي ، والآخر ما يعدّونه العرف مع وجود الداعي لغوا ، وهو ما إذا كان بداع سفهائي ، كما لو نصب السلّم على سقف البيت ثمّ استلم السقف بعد طيّ الدرج ؛ فإنّ هذا فعل لغو مع كونه صادرا عن الداعي ، فتحقّق أنّ اجتماع اللغويّة مع وجود الداعي ممكن.

ثمّ لا إشكال أنّ من يحتاط بالتكرار يكون الداعى له إلى أصل العمل أمر المولى ، ضرورة أنّه لو لا الأمر لما تحمّل مشقّة ، بل كان يستريح عن العمل رأسا وإنّما تحقّق منه اللغويّة بعد تحقّق هذا الداعي العقلائي منه في طريق الامتثال وكيفيته ، فيقع حينئذ الكلام في الإجزاء في هذه الصورة المفروض ثبوت اللغويّة في كيفية الامتثال بعد صدور أصل العمل بداعى الأمر ، والكلام في ذلك من جهتين :

الاولى : أنّ العمل يتّصف باللغويّة حتى في الفرد المصادف للواقع : والثانية أنّ اللغوية مانعة عن القرب والعباديّة ، أمّا الاولى فنقول : لا إشكال أنّ من يتمكن من

٤٣٠

رفع الشبهة والاحتمال بسهولة كما لو كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله جالسا في مجلس العمل فعدم رفع الشبهة في الشبهة الحكميّة بالسؤال عنه مع كمال سهولته والإتيان بأفعال عديدة بداعي الاحتمال يعدّ سفها ولغوا عرفا.

وبعبارة اخرى : إبقاء الاحتمال وإتيان كلّ واحد من الأعمال مستندا إليه مع إمكان رفعه وإبداله بالجزم واتيان العمل عن جزم يكون عرفا من اللغو ولو في الواحد الذي مصادف للواقع ، فلا يقال : إنّه مع فرض تحقّق داعي الأمر لا وجه لكون الواحد المصادف عبثا ووقوعه لغوا ؛ لما عرفت من أنّ نفس إتيانه بداع الاحتمال الذي يمكن تبديله بالجزم بسهولة يجعله لغوا ولو فرض كون الواحد المصادف حاصلا في الأوّل ؛ فإنّ أوليّته لا تنافي اتّصافه باللغوية ، كما أنّه لو كان الاحتياط بإتيان عشرة أعمال مخلا بالنظام فالآتي بها يكون من أوّل اشتغاله بتلك الأعمال آتيا بما يخلّ بالنظام ومشتغلا بالفعل المحرّم وإن كان أوّل ما يأتي به هو الواجب واقعا.

وأمّا الثانية : وهي بيان منافاة اللغويّة للقرب والعبادية فنقول : لا إشكال أنّه يعتبر في العباديّة والمقرّبية علاوة على الحسن الفعلي وكون الفعل في حدّ نفسه فعلا حسنا ذا مصلحة أن يصير موجبا لصيرورة الفاعل أيضا بواسطة إتيانه بهذا الفعل الحسن حسنا وممدوحا ، ولا شكّ أنّ الفعل اللغو والعبث وإن فرض اشتماله على الحسن الفعلي ـ كما في الواحد المصادف ـ ولكن لا يوجب الحسن الفاعلي ؛ إذ الفاعل اللاغي العابث لا يتّصف بالحسن أبدا ، فيمتنع أن يكون فعله عبادة ، فلا يكون مجزيا.

فتحقّق من جميع ما ذكرنا أنّ ما ذكرنا من كفاية الامتثال الإجمالي ـ وإن كان مستلزما للتكرار وعدم لزوم تحصيل العلم التفصيلي ـ إنّما هو في غير ما إذا كان التكرار لغوا، كما أنّه مخصوص أيضا بغير ما إذا كان الاحتياط مخلا بالنظام ، وفي هاتين الصورتين يلزم تحصيل العلم التفصيلي بمورد التكليف ، لمنافاة الاحتياط مع المقرّبيّة في الاولى ، وكونه حراما، فلا يتّصف بالعباديّة في الثانية ، ووجه كفايته في غير هاتين الصورتين هو ما عرفت من أنّ إتيان المكلّف به على وجهه وبعنوان أنّه

٤٣١

هذا الشيء المعيّن المتميّز عمّا عداه ليس له دخل في حصول القرب ، واحتمال دخله في الغرض أيضا مرفوع بالأصل ، هذا كلّه على تقدير إمكان تحصيل العلم التفصيلي.

وأمّا مع عدم إمكانه وإمكان الظنّ التفصيلى ، فعلى ما ذكرنا من عدم دخل قصدي الوجه والتميز في القرب وكون احتمال دخله في الغرض مرفوعا بالأصل فالأمر دائر بين القطع بحصول العمل المكلّف به وبين الظنّ به ، ولا شكّ أنّ الأوّل مقدّم.

ولا فرق في ذلك بين الظنّ الخاص أعنى : ما دلّ على اعتباره دليل شرعي ، فإنّ غاية هذا الدليل هو الارفاق بالمكلّف بارتفاع مئونة الاحتياط عنه والاكتفاء منه بإتيان المظنون لا تعيين العمل به وتحريم الاحتياط ، وبين الظنّ المطلق أعني : ما ثبت اعتباره بمقدّمات الانسداد ؛ فإنّ غاية تلك المقدّمات الاكتفاء بالظنّ في المقام دون إيجابه ؛ فإنّها عبارة عن امور :

أحدها : العلم الإجمالي بوجود تكاليف في الواقع.

ثانيها : تعذّر العلم والعلمي ، يعنى العلم التفصيلى والعلمي بهذا العلم بقرينة المقدمة الاولى ، ثالثها : عدم وجوب الاحتياط بإتيان تمام الأطراف ؛ لما فيه من العسر.

ويمكن إرجاع جميع هذه الامور الثلاثة إلى أمر واحد وهو عدم وجوب الامتثال القطعي أعمّ من القطع التفصيلي الوجدانى والشرعي الذي هو الظنّ التفصيلي الوجدانى والقطع الاجمالى.

وبالجملة ، فإذا كان من جملة هذه المقدّمات عدم وجوب الاحتياط فلا يعقل تقدّم الظنّ على الاحتياط ، نعم لو كان الاحتياط مخلّا بالنظام أو كان لغوا كان الظنّ التفصيلي بقسميه من الخاصّ والمطلق مقدّما عليه.

وبالجملة ، بعد المصير في صورة إمكان العلم التفصيلى إلى كفاية الاحتياط في غير الصورتين ، يكون الاكتفاء به في غيرهما في صورة عدم إمكانه وإمكان الظنّ التفصيلي ، بل أولويّته على الظنّ واضحا.

٤٣٢

إنّما الكلام في تقديم الظنّ على تقدير القول بتقدّم العلم التفصيلي في صورة إمكانه وعدم الاكتفاء بالاحتياط ، إمّا لأنّ الإتيان بالمكلّف به على وجهه وبعنوان أنّه هذا المعيّن يكون دخيلا في القرب ، أو لأنّه محتمل الدخل في الغرض ، والأصل فيه الاشتغال وإن كان في غيره من دوران الأمر بين الأقلّ والاكثر هو البراءة.

فنقول : إن كان الظنّ من الظنون الخاصّة فالأمر دائر بين الامتثال المقطوع والامتثال المشكوك ؛ وذلك لأنّه لو عمل بالظنّ كان مجزيا قطعا ؛ لانتهائه إلى القطع بواسطة دليل اعتبار هذا الظن ، ومع ذلك قد أتى بالقيد المشكوك الذي يجري فيه الاشتغال ، أو المقطوع دخله في القرب ؛ فإنّه يأتي بالعمل على وجه التكليف الفعلي ولو كان ظاهريا ، وعلى نحو تميّز المكلّف به الفعلي ولو كان ظاهريّا ، فيقطع ببراءة الذّمة ، وهذا بخلاف ما لو احتاط ؛ فإنّه قد أخلّ بقصد الوجه أو التميز ، فلم يقطع بالبراءة والإجزاء ، ولا شكّ أنّ الأوّل مقدّم.

وإن كان الظّن من الظنون المطلقة ، فإن قلنا بالكشف بمعنى أنّ المقدّمات تكشف عن جعل الشارع مطلق الظن حجّة ، فكذلك الكلام بعينه لوجود الحكم الشرعي الظاهري في طرف الظّن ، ويمكن قصده على التعيين ، ولو أراد الاحتياط يأتي بالطرف المظنون مع قصد الوجه والتميز ، ويأتي مع ذلك بالطرف الموهوم برجاء كون الواقع فيه ، ولا فرق في حصول هذا الاحتياط بين تقديم المظنون على الموهوم والعكس وإن كان شيخنا المرتضى قدس‌سره جعل في ظاهر كلامه لتقديم المظنون دخلا في حصوله ، ولكن لم نعلم له وجه.

وأمّا لو قلنا بالحكومة بمعنى أنّ العقل مستقلّ باعتبار الظن ، فحينئذ كما لا يمكن قصد الوجه والتميز مع الاحتياط فكذلك مع الظن أيضا ؛ فإنّ الوجه المقصود لو كان وجه الحكم الواقعي فالمفروض أنّه غير معلوم ؛ بل مظنون ، ولو كان وجه الحكم الظاهري فغير موجود ؛ فإنّ العمل بالظنّ على هذا التقدير ليس إلّا عملا بالراجح من أطراف العلم الإجمالي وتقديمه على المرجوح والمتساوي الطرفين بحكم العقل ، وأمّا حكم الشرع فغير موجود؛ فإنّ المقام مقام الامتثال ، وهو محلّ لحكم العقل محضا

٤٣٣

وليس قابلا لحكم الشرع ؛ فإنّ العقل يرى للامتثال مراتب :

الاولى : القطعي ، وهو الإتيان بتمام الأطراف.

والاخرى : الظنّي ، وهو الإتيان بالمظنونات.

والثالثة : المشكوك.

والرابعة : الموهوم ، ولا شكّ أنّه حاكم بتعيّن الظنّي بعد رفع اليد عن القطعي ، والأمر المولوي في مرحلة الامتثال غير ممكن ، وهذا غير جعل المظنون بما هو مظنون حجّة كما هو مفاد المقدّمات على تقدير الكشف ؛ فإنّه حكم مولوي في موضوع الظنّ لا حكم مولوي بالامتثال الظنّي.

وبالجملة ، فعلى الحكومة حيث إنّ الموجود في البين هو حكم العقل المحض فالعامل بهذا الظّن أيضا كالمحتاط في أنّه لا بدّ وأن يعمل بالمظنون برجاء كونه الواقع ، من دون قصد تعيين التكليف الفعلي ولو كان ظاهريا ، وبعد ذلك لا وجه لتقديم الظنّ على الاحتياط ، بل الثاني أولى من الأوّل ؛ لاختصاصه بحصول القطع معه بحصول ذات المكلّف به ، وعلى الأوّل يظنّ مع كون كليهما مشتركا في حصول الإجزاء بهما.

هذا تمام الكلام في القطع ممّا يناسب المقام ، فيقع المقال في ما هو المهمّ من عقد هذا المقصد وهو بيان.

ما قيل باعتباره من الأمارات الغير العلميّة أو صحّ أن يقال.

وقبل الخوض في ذلك ينبغي تقديم امور :

أحدها : أنّ ما سوى القطع من الأمارات ليس حجّة بالذات وليس حالها كالقطع ، حيث علمت أنّ حجيّته لا يحتاج إلى الجعل ؛ بل هي يحتاج في الحجيّة إلى جعل أو ثبوت مقدّمات مفيدة لحكومة العقل بحجيّتها.

ثمّ لا فرق في ذلك بين مرحلة الثبوت ومرحلة السقوط ، ففي كليهما يحتاج الحجيّة في غير القطع إلى الدليل ، بخلاف القطع ، بمعنى أنّ القطع بثبوت التكليف حجّة ولا يحتاج إلى الدليل ، وكذلك القطع بالفراغ حجّة من دون حاجة إلى دليل ؛ إذ

٤٣٤

ليس فوق القطع حجّة أحرى وأعلى.

وأمّا الظن فهو بقسميه من المتعلّق منه بثبوت التكليف ، ومن المتعلّق منه بفراغ الذمّة عن التكليف المعلوم الثبوت محتاج إلى جعل الحجيّة ودليل الاعتبار.

إلّا أنّه نقل في الكفاية عن بعض المحقّقين المصير إلى أنّ الظّن بالفراغ يكون حجّة عقلا كالقطع.

أقول : لا نفهم كون الظّن كالقطع وإن قلنا بعدم وجوب دفع الضرر الموهوم ؛ فإنّ معنى كونه كالقطع أنّه يسقط حجّة المولى ولا يصحّ عقابه لو فرض كون العبد مشغول الذمّة واقعا وكون ظنّه بفراغ ذمّته مخالفا للواقع ، كما أنّ القاطع بالفراغ لا يصحّ عقابه لو فرض كون قطعه جهلا مركّبا وكونه غير فارغ واقعا ، وهذا المعنى لا يمكن إثباته في الظنّ ولو على مبنى القول بعدم وجوب دفع الضرر الموهوم.

بيان ذلك : أنّ الحكم بعدم الوجوب لا يوجب رفع موضوع الضرر وتبدّل احتماله ووهمه بالقطع بالعدم ، بل المقصود أنّه مع بقائه على وصف موهوميّته واحتمال طرفي وجوده وعدمه غير واجب الدفع ، ومعنى ذلك أنّه لو وقع أحيانا في الضرر كان هذا الوقوع عقلائيّا ومعذورا فيه عند العقلاء ، فمن يسلك طريقا يظنّ بعدم البئر مثلا فيه ، ويحتمل بطريق الوهم وجود البئر فيه ، لو سلكه ولم يعتن بهذا الوهم فاتّفق وقوعه في البئر كان غير مذموم عند العقلاء.

وبعبارة اخرى ليس إلقاء النفس في الضرر في هذه الصورة قبيحا مستحقّا للّوم والذّم عليه ، فكذلك نقول في المقام ، فإنّ من يعلم من ابتداء الأمر بتوجّه التكليف وقطع باستحقاقه العقاب على الترك ، ثمّ ظنّ بسقوط هذا التكليف عنه فهو محتمل وهما لعدم سقوطه وكونه معاقبا على تركه ، فلو فرضنا حكم العقلاء في هذا الفرض بأن هذا العقاب الذي هو موهوم لا يجب دفعه.

وبعبارة اخرى : لا بأس بالإقدام ولو استلزم الوقوع في العقاب ، فمعناه أنّ الوقوع فيه على تقدير صدق الوهم وقوع في العذاب على نحو عقلائي ، وإمضاء الشرع أيضا ليس زائدا على أنّ الوقوع على هذا النحو عقلائي ، وأين هذا من عدم

٤٣٥

ترتّب العقاب رأسا كما هو المدّعى.

وبعبارة اخرى لو تبدّل بعد الظنّ بالفراغ وهم العقاب بالقطع بعدمه بواسطة حكم العقل بعدم وجوب دفع الضرر الموهوم وإمضاء الشرع له ، فهذا مع ما فيه من أنّ الحكم لا يوجب ارتفاع الموضوع أنّه حينئذ خارج عن مسألة عدم وجوب دفع الضرر الموهوم ، ويدخل في باب القطع بعدم العقاب ، ولو لم يتبدّل وكان الاحتمال باقيا فهو غير منفكّ عن اتّفاق الوقوع في العقاب أحيانا ، كما هو الحال في الضرر الدنيوي كما مثّلناه.

وبالجملة ، فلم يحصل بمجرّد ذلك الأمن من العقاب على كلّ تقدير ، ولا نعني بالحجّة إلّا ما يوجب ذلك كالقطع بالبراءة ؛ فإنّه مؤمّن من العقاب ؛ إذ نقطع بأنّ عقاب المولى قبيح على تقدير كون القطع جهلا مركّبا.

ثانيها : في إمكان التعبّد بغير العلم من الأمارات والاصول وعدمه ، المعروف هو الأوّل ، ويظهر من الدليل الذي أقامه ابن قبة على استحالة التعبّد بخبر الواحد عموم المنع لكلّ ما سوى العلم.

فاعلم أوّلا أنّ الإمكان تارة يقال في مقابل الامتناع الذاتي ، والمراد بالامتناع الذاتي أن يكون مجرّد تصوّر الشيء وتعقّله كافيا في الجزم بامتناعه من دون حاجة في إثباته إلى التشبّث بشيء آخر ، وذلك كاجتماع الوجود والعدم ، فإنّ الوجدان يكفي في الحكم بامتناعه ، ولا يحتاج إلى التعليل ، وينقطع السؤال بلم وبم ، كما أنّ قبح الظلم ذاتا معناه أنّ نفس تصوّر ذاته موجب لاشمئزاز العقل عنه من دون حاجة إلى إدراجه تحت عنوان آخر ، بخلاف ضرب اليتيم.

وهذا القسم من الإمكان ليس محلا للنزاع في المقام ، بمعنى أنّ ابن قبة لا يدّعي أنّ التعبّد بالأمارة ممّا يدرك امتناعه بنفس تعقّله ، كيف ولو كان مدّعيا لذلك لم يحتج إلى الاستدلال وهو حاول إثبات مطلبه بالدليل ، مع أنّ من الواضح عدم كون التعبّد بالأمارة من هذا القبيل.

واخرى يقال بمعنى الاحتمال ، ويمكن أن يكون هذا المعنى مرادا من الإمكان في

٤٣٦

قاعدة الإمكان المقرّرة في باب الحيض ، ويظهر الثمرة بينه وبين إرادة الإمكان الوقوعي في أوّل ظهور الدم ؛ فإنّه قبل تبيّن استمراره إلى الثلاثة لا يستقرّ إمكان حيضيّته بالمعنى الثاني ، وقد استقرّ بالمعنى الأوّل ، وهذا أيضا ليس محلا للكلام ؛ فإنّ الاحتمال أمر وجداني فليس قابلا لأن يقع مطرحا لأنظار العلماء.

وثالثة يقال في قبال الامتناع بالعرض الذي يطلق عليه الامتناع الوقوعي أيضا ، وهو ما لا يدرك امتناعه بالوجدان بمجرّد تصوّر ذاته ، بل يحتاج إلى التشبّث بأمر آخر كان هو محالا بالذات ، وكان هذا الشيء محالا لاستلزامه لذاك الأمر المحال ، فيكون امتناع هذا الشيء بالغير لا بالذات ، وهذا هو محلّ البحث في هذا المبحث.

فمحصّل محلّ الكلام أنّه هل يستلزم التعبّد بالأمارات الغير العلميّة بعد الفراغ عن إمكانه ذاتا محذورا حتى يكون ممتنعا وقوعا ، أو هو غير مستلزم لمحذور أصلا فيكون ممكنا وقوعيّا أيضا؟ ، ولا بدّ أن لا يكون هذا الكلام من جهة المقتضي ؛ فإنّ الأشياء من هذه الجهة غير خارجة عن الواجب والممتنع ؛ لأنّها إمّا أن توجد علّتها فتجب ، وإمّا أن لا توجد فتمتنع ، فلا يتصوّر الممكن ، ويساوق القطع بالإمكان على هذا مع القطع بالوجود ، بل يكون الكلام في الإمكان الوقوعي من حيث المانع ، فالقائل بالإمكان مقصوده نفي المانع مع قطع النظر عن المقتضي ، يعني أنّ التعبّد بالأمارة لا يمنع عنه مانع ، ولا ينافي ذلك امتناعه وقوعا لأجل عدم المقتضي.

وكيف كان فقد استدلّ المعروف في قبال ابن قبة : بأنّا نقطع بعدم المانع واقعا ، واستشكل عليهم شيخنا المرتضى قدس‌سره بأنّ هذه الدعوى فرع الاطّلاع على جميع الجهات المحسّنة والمقبّحة ، وهو غير حاصل لغير علّام الغيوب ، فلا يمكن دعوى الجزم لغيره.

فالأولى أن يقال : إنّا لا نجد من عقولنا مانعا من التعبّد بالأمارة ، والحكم بالإمكان عند ذلك أصل عقلائي في كلّ ما دار الأمر فيه بين الإمكان والامتناع ، نظير عدم وجدان القرينة ؛ حيث يجعلونه في باب الألفاظ عند الدوران بين وجود

٤٣٧

القرينة وعدمها قرينة وأمارة على العدم ، وكذلك كلّما دار الأمر بين إمكان شيء وامتناعه يجعلون عدم وجدان المانع عنه دليلا على الإمكان.

ولعلّ نظره قدس‌سره إلى القضيّة المحكيّة عن الشيخ الرئيس : كلّ ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يمنعك عنه قائم البرهان ، بناء على أن يكون الإمكان في كلامه بمعنى الإمكان الوقوعي وتكون إشارة إلى الأصل المذكور.

أقول : أمّا دعوى القطع الوجداني الذي منشائه الوجدان كما هو ظاهر المعروف (١) فإنّما يصحّ ممّن يقطع بعدم لزوم تحليل الحرام وتحريم الحلال من التعبّد بالأمارة ، ويقطع أيضا بعدم لزوم الإلقاء في المفسدة وتفويت المصلحة ، وذلك لا يحصل إلّا مع القطع بإصابة جميع الأمارات للواقع ؛ فإنّه حينئذ يقطع بعدم لزوم شيء من المحذورات ، وأمّا اجتماع المثلين فهو غير لازم ؛ لإمكان الحمل على التأكّد ، ومن الواضح أنّ هذا القطع غير متمشّ في حقّنا ، وهذا هو مراد شيخنا قدس‌سره.

وأمّا ما ذكره من جعل الحكم بالإمكان أصلا عقلائيا عند الدوران بين الإمكان والامتناع وعدم وجدان المانع في عقولنا فغير مسلّم (٢) ولم يثبت هذا الأصل ، و

__________________

(١) فإنّه على مذهب من يقول بالتوفيق بين الحكم الظاهري والواقعي يجعل الواقعي شأنيّا والظاهري فعليّا يمكن له القطع بعد الاطلاع على الدليل على الحكم الظاهري ، أمّا قبل الاطلاع لا يمكن له هذه الدعوى ؛ لأنّه لا يدري لعلّ الأحكام الواقعيّة كانت فعليّة ، وعلى هذا التقدير يعترف بالاستحالة ، فكيف يصحّ له دعوى القطع بعدمها بقول مطلق؟. وكذلك على قول من يذهب إلى الجمع بنحو الترتّب بضميمة أخذ حال التجرّد عن الشكّ في موضوع الواقعي على سبيل الحاليّة لا القيديّة كما في التجريد في موضوع الكليّة ؛ فإنّه يمكن له بعد الظفر على الدليل أن يستكشف على طريق الإنّ من دخل التجرّد على النحو المذكور ، ولكن قبل ذلك يحتمل عدم ذلك ، ومعه يبقى محذور المناقضة والمضادّة بحالهما ، فلا يمكن له أيضا دعوى القطع بعدمه لا محالة.

(٢) وقد يقال : إنّه غير معقول ؛ لأنّه بعد مساواة طرفي الإمكان والاستحالة في النظر فترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجّح ، وفيه : أنّه معقول وإلّا فكيف تعقّلتم من ـ

٤٣٨

القضيّة المحكيّة عن الشيخ الرئيس إن كان ناظرا إلى ذلك فلا نسلّمها ، ويحتمل أن يكون الامكان فيها بمعنى الاحتمال ، وعلى هذا فليست قاعدة علميّة ، بل وصيّة للطلاب بعدم المبادرة إلى الحكم بعدم المعقوليّة بمجرّد سماع شيء من الغرائب ، بل إبقائه على احتمال الإمكان والامتناع ما لم يقم على امتناعه البرهان.

وكيف كان فالتعبّد بالأمارة يبقى على احتمال الإمكان والامتناع من دون أن يكون هنا أصل عقلائي على إمكانه ، نعم ليس على امتناعه أيضا دليل.

وحينئذ يجوز لنا بمجرّد عدم القطع بالامتناع واحتمال الإمكان وإن لم يكن الأصل معاضدا لنا أن نأخذ بظاهر دلّ على وقوع التعبّد بالأمارة كظاهر آية النبأ ؛ إذ لا وجه لطرحه أو تأويله ، وحينئذ يتبدّل احتمال الامتناع بالجزم بالإمكان.

نعم يعتبر أن يكون هذا الدليل الدالّ على التعبّد قطعيّا وإن كان ظاهرا ثبت حجيّته بدليل قطعي ، فإنّه لو لم يكن قطعيّا لم يحصل لنا القطع بالإمكان ، وأمّا لو كان قطعيّا كما لو قطعنا بأنّ ظاهر آية النبأ حجّة ، فنقطع بوقوع التعبّد بخبر العادل ، ومن هنا نكشف إمكانه ونقطع بعدم جميع المحاذير واقعا ، وهذا ثمرة عدم القطع بالامتناع.

وأمّا من يقطع به كابن قبة فهو لم يجز له الأخذ بهذا الظاهر ، كيف وهو قاطع بخلافه ، فلا بدّ له من التأويل أو الطرح والقول بعدم حجيّة هذا الظاهر.

ومحصّل الكلام أنّه بعد الاحتمال والترديد وعدم القطع بشيء من الطرفين لا يخلو الحال إمّا أن يكون في البين دليل قطعيّ على التعبّد بالأمارة من الشرع ، وإمّا أن لا يكون ، فعلى الأوّل يكشف بهذا الدليل عن الإمكان ويقطع بعدم شيء من المحاذير بقضيّة حكمة الشارع ، وعلى الثاني فلا ثمرة عمليّة في البحث عن الإمكان والامتناع.

__________________

ـ العقلاء الحكم بعدم القرينة عند احتمال وجودها وعدمها؟ والحلّ : أنّه يمكن أن يكون غلبة عدم القرينة في نظرهم طريقا إلى العدم ، وفي مقامنا غلبة الممكنات طريقا إلى الإمكان فالأولى القول بأنّه غير مسلّم.

٤٣٩

وكيف كان فقد استدلّ ابن قبة على امتناع التعبّد بخبر الواحد بوجهين ، الأوّل : أنّه لو جاز التعبّد بالإخبار عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لجاز بالإخبار عن الله سبحانه ، والتالي باطل بالإجماع ، فالمقدّم مثله ، وسند الملازمة هو القاعدة المسلّمة من أنّ حكم الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحد ، والإخبار عن النبي والإخبار عن الله مثلان (١) ؛ فإنّ الإخبار عن النبي أيضا إخبار عن الله ، غاية الأمر مع وساطة النبي ، ولا ملازمة بين الإخبار عن الله والنبوّة ، فإنّها إنّما كانت لو لم يكن له طريق غير الوحي وليس كذلك ؛ إذ يمكن أن يكون بطريق الإلهام والمكاشفة ، فلو كان التعبّد بالإخبار عن النبي ممكنا لكان بالإخبار عن الله أيضا ممكنا كأن يقول الشارع : متى أخبركم الزهراء سلام الله عليها أو السلمان أو غيرهما بحكم عن الله تعالى فعليكم بقبول قوله والعمل على طبقه ، ولكنّ الثاني غير جائز فكذا الأوّل بقضيّته المماثلة.

والجواب : أنّا نسلّم كونهما مثلين ، ولكن قضيّة المماثلة ليست إلّا اتّحادهما بحسب الحكم في ما يجوز وفي ما لا يجوز ، لا في ما وقع وفي ما لم يقع ، ونحن نقول بمساواة الاخبارين في الإمكان ، والاجماع لم يقم في الإخبار عن الله إلّا على عدم الوقوع لا على عدم الإمكان ، فهما بعد اتّحادهما في إمكان التعبّد افترقا في أنّ التعبّد بالإخبار عن النبي واقع وعن الله غير واقع بدليل الإجماع.

والثاني : أنّ التعبّد بخبر الواحد لو جاز لزم تحليل الحرام وتحريم الحلال ، أقول : وهذا بعض المحاذير الذي يتوهّم لزومها ، وهنا محاذير أخر ، وتوضيح الجميع أنّه على ما هو الصواب من مذهب المخطئة يكون لنا أحكام واقعيّة مجعولة في حقّ جميع

__________________

(١) والمناقشة في المثليّة بأنّ أحدهما إخبار عن حسّ والآخر عن حدس ، أو أنّ في الإخبار عن الله الدواعي على الكذب متوفّرة للكشف عن علوّ الرتبة وسموّ المنزلة بخلاف الأخير ، مخدوشة ؛ فإنّ ذلك إنّما يصلح فارقا في مرحلة الوقوع لا الإمكان العقلي ؛ فإنّ شيئا من ذلك لا يمنع عن الإمكان العقلي ، منه قدس‌سره.

٤٤٠