أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

هو غير مانع عن شمول دليل أصل الإباحة لو قلنا بعدم اختصاصه بما إذا كان أحد طرفي الشكّ التكليف والآخر اللاتكليف ، بل عمومه لكلّ ما إذا شكّ في الحرمة سواء كان طرفها الوجوب أم غيره ، والجمع بين الالتزام بالتكليف والالتزام بالإباحة على نحو قرّر في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي.

هذا كلّه في ما إذا لم يمكن المخالفة القطعيّة العمليّة ولو تدريجا ، وأمّا لو أمكن بطريق التدريج فيقع الكلام في أنّ المخالفة القطعيّة الحاصلة بالتدريج ليست بمانعة عقلا عن إجراء الإباحة أو هي مانعة؟.

وليعلم أوّلا أنّه ليس المراد بالتدريج مطلق الحصول في جزءين متعاقبين من الزمان ؛ لوضوح أنّ شرب الإنائين المشتبهين بالخمر أيضا تدريجي بهذا المعنى ، بل المراد التدريجيّة من حيث توجّه التكليف بأن كان التكليف المعلوم مردّدا بين ما يتوجّه إلى المكلّف في الحال ، وما يتوجّه إليه في الاستقبال ، كما لو علم بأنّه إمّا يجب عليه إكرام زيد في هذا اليوم أو إكرام عمرو فيما بعد أربعة أيّام ؛ فإنّ الواجب إن كان الأوّل فهو في الحال يتنجّز عليه التكليف ، وإن كان الثاني فهو في الحال غير مكلّف ؛ إذ تنجّز ذاك يتوقّف على حضور ذاك الزمان.

وهذا موجود في الشبهة الحكميّة ، كما لو شكّ في وجوب صلاة الجمعة في جميع الأسابيع أو حرمته في جميعها ، فلو صلاها في اسبوع وتركها في اسبوع آخر يعلم بملاحظة الزمانين بصدور المخالفة القطعيّة منه ؛ إذ يعلم بأنّه إمّا أن يكون الفعل في الأوّل حراما أو الترك في الثاني ، فماله دخل في حصول المخالفة القطعيّة في هذا الفرض هو العلم بأنّه إمّا يحرم في الاسبوع الأوّل وإمّا يجب في الاسبوع الثاني ، لوضوح أنّ العلم بالوجوب أو الحرمة في كلّ واحد من الاسبوعين منفردا لا دخل له في ذلك ؛ لعدم إمكان المخالفة القطعيّة من هذا الحيث.

إذا تقرّر ذلك فقد يقال بأنّ المكلّف في الاسبوع الأوّل لا يعلم بتوجّه تكليف إليه ؛ لاحتمال أن تكون الصلاة في الاسبوع الثاني واجبة ؛ إذ على هذا التقدير لا يتوجّه هذا التكليف التحريمي إليه في هذا الاسبوع ، ثمّ في الاسبوع الثاني أيضا

٤٠١

لا يعلم بتوجّه التكليف إليه ، لاحتماله أن كانت الصلاة في الأوّل محرّمة ، فهو لا يعلم بالتكليف في أحد الزمانين.

نعم بعد الزمانين يعلم بحصول المخالفة منه ، فلهذا لا يكون جعل الإباحة في حقّه ترخيصا في المخالفة القطعيّة.

وبالجملة ، هذه مخالفة لم يحصل العلم بها حين الارتكاب ، وإنّما يحصل بعده ، والمحذور الترخيص في المخالفة القطعيّة التي يحصل القطع بها حين الارتكاب.

وجوابه ظهر ممّا مرّ في بيان الواجب المشروط من أنّه إذا كان الوجوب مشروطا بشرط يعلم بحصوله فيما بعد فهو كالوجوب المطلق ، ولهذا لو توقّف إتيان الواجب في المستقبل على مقدّمة سابقة عليه فتركها يستحقّ العقاب لذلك.

والحاصل أنّ مجرّد تدريجيّة المخالفة بالمعنى المذكور لا يوجب الفرق في حكم العقل بوجوب الموافقة القطعيّة وحرمة المخالفة القطعية أصلا ، وإذن فلو تمكّن من الموافقة القطعيّة وترك المخالفة القطعيّة كان هو المتعيّن ، كما في ما لو علم بوجوب إكرام زيد في اليوم أو عمرو فيما بعد ، أو علم بحرمة إكرام زيد في اليوم أو وجوبه في ما بعد ؛ فإنّه يأتي بالإكرامين في الزمانين في الأوّل ويتركه في الزمان الأوّل ويأتي به في الزمان الثاني في الثاني.

وأمّا لو لم يتمكّن من الموافقة القطعيّة إلّا مقرونة بالمخالفة القطعيّة ، ومن ترك المخالفة القطعيّة إلّا مقرونا بترك الموافقة القطعيّة كما في مثال صلاة الجمعة ؛ فإنّه كما يحصل بإتيانها في اسبوع وتركها في آخر القطع بالمخالفة ، كذلك يحصل القطع بالموافقة أيضا كما هو واضح ، ولو اختار الفعل فقط في جميع الأسابيع أو الترك كذلك ، فكما لا يحصل إلّا الموافقة الاحتماليّة ، كذلك لا يحصل إلّا المخالفة الاحتماليّة ، فيبتني الكلام حينئذ على أنّه هل قبح المخالفة القطعيّة أشدّ أو قبح ترك الموافقة القطعيّة؟.

فإن كان الأوّل لزم رفع اليد من حسن الموافقة القطعيّة واختيار الفعل أو الترك في جميع الأزمان تخلّصا من محذور المخالفة القطعيّة ، وإن كان الثاني لزم الفعل في

٤٠٢

اسبوع والترك في آخر وانحصل المخالفة القطعيّة تخلّصا من محذور ترك الموافقة القطعيّة ، وحيث إنّا نختار الأوّل فيما يأتي في العلم الإجمالي إن شاء الله تعالى مستدلا بأنّ قبح المخالفة القطعيّة بتّي ؛ ولهذا نحصّص به أدلة الاصول ، وأمّا ترك الموافقة القطعيّة والاكتفاء بالاحتماليّة فقابل للزوال بمجيء الترخيص من الشرع ؛ فلهذا يجب بحكم العقل اختياره باختيار الفعل أو الترك في تمام الأزمان تخلّصا من القبح الأشدّ.

ثمّ ربّما يورد على ما ذكرنا من عدم جريان الأصل تدريجا فيما تكون المخالفة فيه تدريجيّة بالنقض بالخبرين المتعارضين ، حيث ورد في الأخبار العلاجيّة أنّه : بعد فقد المرجّحات وتساويهما من كلّ الجهات يكون المكلّف مخيّرا في الأخذ بأيّهما شاء ، فاختلف في ذلك ، فذهب جمع كثير إلى أنّ التخيير استمراري يعني بعد الأخذ بأحدهما أيضا يكون التخيير ثابتا ، فيجوز العدول منه والأخذ بالآخر.

وذهب آخرون إلى أنّه بدوي بمعنى أنّه قبل البناء على طريقيّة أحدهما كان مخيّرا ، وبعده يصير هذا الواحد المأخوذ متعيّنا وهو ملزم بالأخذ به ويسقط اختياره ، ومنشأ الخلاف هو الاختلاف في تعيين مدلول الخبر العلاجي الدالّ على التخيير.

فمستند الأوّلين أنّ له إطلاقا بالنسبة إلى جميع الأزمان قبل الأخذ وبعده ، ومستند الآخرين إنكار الإطلاق له وأنّ القدر المتيقّن منه إثبات التخيير قبل الأخذ ؛ فإنّه زمان التحيّر ، وأمّا بعده فلا تحيّر ، هذا مدرك الطرفين ، ومن الواضح أنّ التخيير الاستمراري مستلزم للمخالفة القطعيّة التدريجيّة ، فلو كان لزومها محذورا لم يقل به الأوّلون ، أو يستشكل عليهم الآخرون وجعلوه مدركا للرجوع عن مقالتهم ، دون نفي الإطلاق المذكور.

وكذلك الكلام بعينه في تخيير المقلّد بين الرجوع إلى فتوى المجتهدين المتساويين في العلم والعدالة ؛ فإنّه ذهب جمع إلى كونه استمراريّا ، وآخرون إلى كونه بدويّا ، وليس مستند الآخرين إلّا أنّ طريقيّة قول المجتهد الذي أخذ بقوله معلومة إمّا تعيينا أو تخييرا ، وأمّا طريقيّة قول الآخر فغير معلومة.

٤٠٣

وبعبارة اخرى يدور الأمر بعد الأخذ بقول أحدهما بين التعيين والتخيير ، ونحن وإن قلنا في مورد دوران الأمر بينهما في مسألة فرعيّة بالبراءة وعدم التعيين ، لكن نقول بالاشتغال وثبوت التعيين هنا ؛ وذلك لأنّ الأصل حرمة التعبّد بقول من لا يعلم إصابته وخطائه إلّا ما خرج بالدليل ، فيكون الأخذ بقول الآخر المشكوك طريقيّته والتعبّد بطريقيّته محرّما ، وبالجملة، لم يستند أصحاب هذا القول إلّا إلى أمثال ذلك ، ولم يتعرّض أحد منهم لمخالفة القول بالتخيير الاستمراري لحكم العقل وورود الإشكال العقلي عليه ، مع أنّه مستلزم للمخالفة التدريجيّة كما هو واضح.

والجواب أنّه لا يوجب وهنا في حكم العقل بقبح المخالفة التدريجيّة كالدفعيّة في مورد يحكم به ورود ما يخالفه من الشرع في مورد آخر ، بل اللازم التعرّض لإصلاح المورد الثاني والتكلّم فيه في وجه الجمع بين حكم الشرع والعقل ، وهو واضح.

فنقول : لو كان في الخبرين المتعارضين ما هو نصّ صريح في استمرار التخيير بحيث لا تعتريه شبهة ، كما لو علم بتصريح الشرع بالاستمرار ، لكان اللازم من باب الإلجاء الالتزام بالبدل لامتثال الحكم المعلوم بالإجمال ، بمعنى أنّ الشارع جعل لامتثال الحكم الواقعي المعلوم وجوده بين مدلولي الخبرين بدلا يكتفي به ويتقبّله عوضا عن امتثاله وهو الالتزام بطريقيّة الخبر المخالف للواقع ، فكأنّه أمر المكلّف بأنّه يجب عليك إمّا الإتيان بالفعل الفلاني أو الالتزام وعقد القلب على طريقيّة الخبر الفلاني.

فهنا أيضا وإن كان ليس التكليف بحسب الواقع الأوّلي إلّا واحدا معيّنا بلا عدل ، ولكن بعد علم المكلّف إجمالا يصير ذا عدل وبدل من هذا الحين ، ففي ما كان مدلول أحد الخبرين وجوب الجمعة ، ومدلول الآخر حرمتها ، وكان واجبا واقعا ، فيجب على المكلّف بعد اطّلاعه على الخبرين أحد الأمرين من صلاة الجمعة والالتزام بطريقيّة الخبر الذي دلّ على حرمة الجمعة ، فجعل هذا الالتزام الذي هو فعل القلب بدلا لامتثال الأمر بالجمعة.

وكذلك الحال بعينه في مسألة التقليد ، فلو كان في البين نصّ صريح على

٤٠٤

الاستمرار بحيث ألجأنا إلى الجمع فوجه الجمع ما ذكرنا من أنّه يستكشف أنّ الشارع جعل الالتزام والتعبّد بطريقيّة قول من خالف قوله الواقع بدلا لامتثال الواقع ، ومن المعلوم أنّ حكم العقل في ما إذا علم التكليف ليس إلّا وجوب الامتثال بنفس هذا التكليف أو ببدله.

وهذا بخلاف ما نحن فيه ؛ فإنّه ليس مفاد دليل الأصل إلّا الإباحة وجواز الفعل والترك ، وليس فيه إيجاب لعمل حتى يجعل بدلا عن الواقع ، وبالجملة ، لا بدّ من عمل ليكون بدلا عن الامتثال ، وليس في الأصل عمل يصلح للبدليّة سوى الالتزام بمدلوله.

فنقول : ليس مدلول الأصل العملي ودليل حجيّته الالتزام القلبي بحكم الأصل ، بل مدلول الجري على طبقه في مقام العمل الخارجي ، بل وكذا الحال في دليل حجيّة الأمارة ؛ فإنّه وإن كان مفاده التصديق وإلغاء احتمال الخلاف ، ولكن من المعلوم أنّه ليس المقصود التصديق الجناني بل ترتيب الآثار بحسب العمل الخارجي الأركاني.

وبالجملة ، وجه الالتزام ببدليّة الالتزام في المسألتين هو الإلجاء بسبب وجود النصّ الصريح على استمرار التخيير ولسنا ملجئين هنا ، نعم لو علم بحجيّة أصل شرعي معلوم المخالفة للواقع في مقام التزمنا فيه أيضا بمثل ذلك.

وأمّا في المقام الذي لا نعلم بجريان الأصل وليس إلّا عموم دليله والحكم العقلي مانع عن إجرائه إلّا على وجه كون الالتزام بمضمونه بدلا ، وهو خلاف ظاهر دليله ولا يوجب عملا آخر يصلح البدليّة ، فلا جرم يخصّص دليل الأصل بالنسبة إلى المقام بواسطة قبح المخالفة التدريجيّة عقلا ، فاللازم البناء العملي على واحد من الفعل والترك والبقاء عليه وعدم العدول عنه أبدا ، وكذلك الكلام في المسألتين على تقدير عدم وجود النصّ المذكور في البين كما هو كذلك.

هذا كلّه هو الكلام على تقدير الفراغ من حيث دلالة دليل الأصل في شموله للمقام أعني ما إذا كان أصل الإلزام معلوما ولم يعلم أنّه الوجوب أو الحرمة.

٤٠٥

وأمّا الكلام في دلالته وعدم الدلالة فالظاهر العدم ، وذلك لأنّ دليل البراءة ممّا سوى حديث الرفع بين ما يكون أجنبيّا عن الباب وبين ما يناسبه ، ولا يشمل المقام إمّا للانصراف أو لعدم كونه مورده ؛ فإنّه دليلان : أحدهما :

قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال» ؛ فإنّه إمّا متعرّض لحكم الشبهة المحصورة فيكون أجنبيّا عن الشبهة في شيء واحد بالمرّة ، وإمّا أنّ معناه : كلّ شيء فيه احتمال الحليّة واحتمال الحرمة ، فيرتبط بالشبهة في الشيء الواحد ولكن أجنبيّ عن خصوص المقام ؛ فإنّ الشبهة فيه بين الوجوب والحرمة دون الحليّة والحرمة.

وثانيهما قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» فإمّا أن يقال : إنّه متعرّض لحال الأشياء قبل ورود الشرع عليها الذي هو موضوع بحث الحظر والإباحة العقليين فلا يرتبط بالمقام ؛ لفرض كونه ممّا ورد فيه الشرع ، غاية الأمر لا يعلم بأنّ التشريع الموجود هو الإيجاب أو التحريم ، وإمّا أن يقال : إنّ معنى «يرد» يبلغ ، فيشمل الشبهة الحاصلة بعد ورود الشرع أيضا ، لكنّه منصرف إلى غير المقام ؛ إذا الظاهر منه صورة كون الشبهة في التحريم والإباحة.

وبعبارة اخرى : ما إذا كان أحد طرفي الاحتمال التقييد بقيد التكليف والآخر اللاتقييد والإطلاق ، فحكم فيه بأنّه مطلق حتّى يعلم تقييده الذي يحتمل أعني التحريم ، فلا يشمل ما إذا كان أصل وجود التقييد وعدم الإطلاق معلوما وشكّ في كون التقييد أمرا أو نهيا.

وأمّا حديث الرفع فمورده المنّة ، ففي ما إذا كان هناك احتمال الحرمة والإباحة فمعنى منّة الشارع أنّه لم يجعل الاحتياط على العباد مع أنّه كان له جعله حفظا للأحكام الشرعيّة ، لكن ما جعله منّة عليهم ، فيكون الرفع بمعنى الدفع.

وأمّا في ما إذا كانت الشبهة في الحرمة والوجوب فإن كانت واقعة شخصيّة لا يمكن فيها المخالفة القطعيّة ولو تدريجا ، فلا يعقل معنى لجعل الإباحة فيها لطفا ومنّة ؛ إذ لم يكن للشارع أن يجعل الاحتياط حتّى يتحقّق بعدم جعله لطف ومنّة ؛ إذ

٤٠٦

الاحتياط بالخلوّ عن الفعل والترك غير ممكن ، والالتزام بأحدهما ليس فيه حفظ للحكم الشرعي ؛ إذ هما متساويان من حيث لزوم الموافقة الاحتماليّة والمخالفة الاحتماليّة.

وإن كانت واقعة كليّة يتحقّق فيها المخالفة التدريجيّة ، فجعل الإباحة فيها بمعنى جواز الفعل مرّة والترك اخرى ، وبعبارة اخرى الإباحة الاستمراريّة فهو وإن كان منّة لكونه أسهل من بناء العمل أوّلا على أحدهما تخييرا ولزوم البقاء على ما بنى عليه ، إلّا أنّه غير ممكن ؛ لكونه ترخيصا في المخالفة القطعيّة بدون جعل شيء بدلا للامتثال.

وأمّا الالتزام القلبى بالإباحة فقد قلنا : إنّه لا يجري هنا وان قلنا بثبوت مثله في الخبرين المتعارضين ، والفرق بين المقامين قد مرّ سابقا وحاصله أنّ دليل الأصل مثل هذا الحديث غير متعرّض إلّا لحيث مقام العمل ، ولا إشعار فيه بمقام الالتزام فضلا عن الدلالة ، فمدلولها الإباحة بمعنى ترخيص الفعل والترك ورفع البأس عنهما ، لا بمعنى لزوم عقد القلب عليها ، بخلاف قوله عليه‌السلام في الخبرين المتعارضين : «وإذن فأنت مخيّر» يعني في الأخذ بأيّهما كما في قوله في رواية اخرى : «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك» فإنّ الظاهر من الأخذ التعبّد بطريقيّة الخبر والبناء القلبي على حجيّته دون صرف العمل الخارجى على طبقة ، ولو كان هو أيضا كذلك للزم طرحه لمخالفته لحكم العقل ، هذا في الإباحة الاستمراريّة.

وأمّا الإباحة البدويّة فهي غير موافقة للمنّة ؛ إذ ليس للشارع جعل احتياط من هذه الجهة بأن يلزم البناء من أوّل الأمر على خصوص الفعل أو على خصوص الترك ؛ إذ ليس فيه حفظ للحكم ، لمساواتهما في لزوم الموافقة والمخالفة الاحتماليين ، كما في الشبهة الشخصيّة.

وبالجملة ، في الشبهة الحكميّة من حيث الإباحة الاستمراريّة جعل الإباحة موافق للمنّة ، لكن غير ممكن ، ووجه عدم إمكانه مرّ سابقا ، وهذه الشبهة من حيث الإباحة البدويّة وكذا الشبهة الموضوعيّة كالمرأة المردّدة ليس جعل الإباحة فيهما

٤٠٧

لطفا ومنّة ودفعا لمئونة زائدة كان للشارع إثباتها ، نعم يمكن جعل الإباحة فيهما لحكمة اخرى غير الامتنان بدليل آخر غير الحديث المفروض كون الحكمة فيه الامتنان ، ولكن عرفت عدم دليل آخر.

وإذن فمن حيث الواقع عرفت أنّه يجب الالتزام بأنّ حكم هذا الشيء هو الإلزام على ما هو عليه من الوجوب أو الحرمة ، وأمّا من حيث هذا الشخص الخارجى بشخصيّته فلا بدّ أن يكون المكلّف بلا بناء وبلا التزام ، يعنى لا يلتزم بوجوبه ولا بحرمته ؛ لما عرفت من حرمة هذين الالتزامين بدليل التشريع ، وكذلك لا يلتزم بإباحته ؛ لما عرفت هنا من قصور دليل أصالة الإباحة عن شموله للمقام.

وينبغي هنا شرح عبارة الكفاية في هذا المقام ، فقال قدس‌سره ـ بعد بيان أنّه في مورد العلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمة على القول بلزوم الموافقة الالتزاميّة تلزم هي ، وإن كان لا يجب الموافقة القطعيّة العلميّة ، ولا يحرم المخالفة القطعيّة العمليّة لامتناعهما ؛ للتمكّن من الالتزام بما هو الثابت واقعا ، وإن أبيت إلّا عن لزوم الالتزام بالحكم الواقعى بخصوص عنوانه فالموافقة القطعيّة الالتزاميّة بمعنى التزام نفس الحكم الواقعي غير ممكنة ، وأمّا الالتزام بواحد تخييري وإن كان ممكنا ، لكنّه غير واجب ؛ إذ الالتزام بضدّ التكليف ليس محذوره بأقلّ من محذور عدم الالتزام به ، مع أنّ التكليف لو اقتضى الالتزام لاقتضى الالتزام بنفسه عينا دون الالتزام به أو بضدّه تخييرا ـ ما هذا لفظه : ومن هنا ـ يعني ممّا ذكرنا من أنّه لا يجب إلّا الالتزام بما هو الثابت واقعا وإن لم يعلم أنّه الوجوب أو الحرمة ـ قد انقدح أنّه لا يكون من قبل لزوم الالتزام مانع عن إجراء الاصول الحكميّة أو الموضوعيّة في أطراف العلم لو كانت جارية مع قطع النظر عنه ـ لما ذكرنا من إمكان الجمع بين الالتزام بكون حكم الواقع هو الإلزام وبين الالتزام بأنّ حكم هذا الشخص الخارجى هو خصوص الإباحة ـ كما لا يدفع هنا محذور عدم الالتزام به ، بل الالتزام بخلافه لو قيل بالمحذور فيه حينئذ أيضا إلّا على وجه دائر.

يعني كما أنّه لو قلنا ـ كما هو المختار ـ بأنّه لا يجب أزيد من الالتزام بما هو الثابت

٤٠٨

واقعا فالأصل لا مانع من جريانه من قبل لزوم الالتزام ، كذلك لو قلنا بخلاف المختار من لزوم الالتزام بخصوص عنوان الوجوب أو الحرمة وعدم كفاية مجرّد ما هو الثابت واقعا ، فحينئذ لا يدفع بواسطة أصل الإباحة محذور عدم الالتزام بخصوص الوجوب أو الحرمة ، كما هو المفروض من ثبوت المحذور فيه ، بل الالتزام بخلافه وهو الإباحة ؛ إذ يلزم الدور ؛ إذ المفروض ثبوت المحذور في ترك الالتزام بأحد الوجوب أو الحرمة ، والمقصود رفع هذا المحذور ، بل محذور الالتزام بالخلاف بجريان الأصل ، ولا شكّ أنّ جريان الأصل أيضا موقوف على عدم المحذور في عدم الالتزام اللازم من جريانه.

اللهم إلّا أن يقال : إنّ قبح عدم الالتزام ليس بتيّا لا يرفع بالأصل ؛ إذ حينئذ من الواضح أنّ جريان الأصل موقوف على عدم ترتّب مثل هذا القبح عليه ، فاذا قصد دفع قبحه أيضا بجريان الأصل يلزم الدور ، بل قبحه معلّق على عدم ورود الرخصة عليه من الشرع ، إذ حينئذ ما لم يرد الرخصة يكون قبيحا وبعد وروده يرتفع القبح بارتفاع موضوعه ، فلا يلزم الدور.

وأمّا نحن حيث اخترنا عدم لزوم الالتزام إلّا بما هو الثابت واقعا ففي فسحة من هذا الإيراد وهذا الجواب ، بل يكون الأصل جاريا بلا كلام ؛ لإمكان حفظ هذا الالتزام مع جريان الأصل ؛ لاختلاف الرتبة.

«إلّا أنّ الشأن في جواز جريان الاصول في أطراف العلم الإجمالي ، مع عدم ترتّب أثر عملي عليها ، مع أنّها أحكام عمليّة كسائر الأحكام الفرعية ، مضافا إلى عدم شمول أدلّتها لأطرافه ؛ للزوم التناقض في مدلولها على تقدير شمولها كما ادّعاه شيخنا العلّامة أعلى الله مقامه وإن كان محلّ تأمّل ونظر» (١).

ووجه التأمّل على المختار عدم لزومه بسبب اختلاف الرتبة كما ذكرنا ، هذا هو الكلام في المخالفة الالتزاميّة.

__________________

(١) ما بين المعقوفتين كلام المحقّق الخراساني في الكفاية.

٤٠٩

وأمّا المخالفة العمليّة للتكليف المعلوم بالإجمال كما لو علم بعد العلم بورود «لا تشرب الخمر» على نحو التكليف الفعلي بأنّ هذا الإناء خمر وذاك الإناء ماء أو بالعكس ، أو علم بعد العلم باجتنب عن النجس على نحو التكليف الفعلي بأنّ هذا نجس وذاك طاهر أو بالعكس ـ هذا في الشبهة التحريميّة ـ وأمّا الوجوبيّة فكما لو علم بأنّ هذا الفعل واجب أو ذاك.

فيقع الكلام تارة في أنّ العلم الإجمالى بالتكليف الفعلي هل يؤثّر أثرا وينجّز على العالم شيئا ، أو هو كالعدم ويعامل مع الأطراف معاملة المشكوك البدوي فيجري في جميعها الأصل العملي وهو البراءة فيجوز أن يرتكب جميعها في التحريمية ويترك الجميع في الوجوبيّة؟

وربّما يظهر من بعض كلمات المحقّق القمي قدس‌سره في القوانين اختيار الثاني ، فجوّز المخالفة القطعيّة على التدريج كشرب أحد الإنائين المشتبهين بالخمر أوّلا ثمّ شرب الآخر بعده ، وأمّا شرب الجميع دفعة فلا كلام في كونه شرب خمر محرّما.

واخرى يقع بعد التنزّل عن المقام الأوّل وتسليم عدم كونه بلا أثر واقتضاء أصلا ، بل له أثر واقتضاء في الجملة في أنّ هذا الأثر ما ذا؟ فهل يوجب حرمة المخالفة القطعيّة فقط ، فليس له في الشبهة التحريميّة ارتكاب الجميع ولا في الوجوبية ترك الجميع ، ولكن لا يوجب وجوب الموافقة القطعية ، فيكفي في التحريميّة ترك أحد الأطراف وإن أتى بالباقي ، وفي الوجوبيّة إتيان أحدها وإن ترك الباقي ، أو أنّه يكون كالعلم التفصيلي؟ ، فكما يوجب حرمة المخالفة القطعيّة كذلك يوجب وجوب الموافقة القطعية أيضا ، والحاكم في هذين المقامين هو الوجدان.

فنقول : أمّا المقام الأوّل فصريح الوجدان هو الحكم ببطلان كون العلم الإجمالي حاله كالعدم في عدم تنجيز شيء على العالم أصلا ، ومعاملة الشكّ البدوي معه.

ألا ترى أنّه لا فرق في عصيان لا تشرب الخمر واستحقاق العقوبة عقلا بين من علم تفصيلا بأنّ هذا خمر وشربه ، وبين من علم إجمالا بأنّ أحد الإنائين خمر وشربهما تدريجا ، فكما أنّ العقل مستقلّ باستحقاق الأوّل فكذلك يكون مستقلّا به في

٤١٠

الثاني أيضا ، وليس إلّا لأنّ العلم الإجمالى صار موجبا لتماميّة الحجّة على المكلّف.

ولا فرق في ذلك بين اقسام العلم الإجمالي من كون أصل الحكم الكلّي كحرمة الخمر معلوما وكان الشبهة في موضوعه كاشتباه الخمر بين الإنائين ، وكما لو علم بوجوب إكرام زيد واشتبه الزيد بين شخصين ، ومن كون الشبهة في أصل الحكم لتردّده بين حكمين فى موضوعين ، كما لو علم أنّه إمّا يجب عليه الدعاء عند رؤية الهلال وإمّا يجب عليه الصلاة عند ذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، مع اتحاد نوع التكليفين كهذا المثال ، ومع اختلافه كما لو علم بأنّه إمّا يجب عليه الدعاء عند الرؤية ، وإمّا يحرم عليه الخمر ، فإنّه فى القسم الأخير الذي يكون الشكّ فيه في موضوع التكليف ونوع التكليف لو فرض كونهما محلّا لابتلائه ، كما لو كان عنده خمر ورأى الهلال فترك الدعاء وشرب الخمر ؛ فإنّه عند العقل فعل قبيحا بلا كلام ، وكذلك سائر الأقسام. هذا في المقام الأوّل.

وأمّا المقام الثاني فنقول : بعد البناء على كون العلم الإجمالي منجّزا لمتعلّقه في الجملة لا وجه للتفكيك بين حرمة المخالفة القطعيّة ووجوب الموافقة القطعية ، وذلك لأنّ ما يحكم به العقل هو أنّ المؤاخذة والعقاب بلا بيان وحجّة من قبل المولى على التكليف قبيح ، فيرفع بذلك احتمال العقاب على تقدير ثبوت التكليف واقعا أيضا ، كما هو الحال في الشبهة البدويّة فى التكليف ، فإنّ الارتكاب يعلم بحكم العقل خلوّه عن الضرر وإن صادف الحرام الواقعي ، لعدم إمكان مؤاخذة المولى على هذا التقدير العبد بأنّه : لم ارتكبت ما حرّمته عليك ؛ إذ ليس له حجّة وبيان على هذا التكليف.

وهذا بخلاف المقام ؛ فإنّا قد فرضنا في المقام الأوّل صيرورة التكليف بواسطة تعلّق العلم الإجمالي به ذا حجّة وبيان ، بمعنى أنّه يكون للمولى أن يخاطب العالم بالعلم الإجمالي ويقول له : ما ذا فعلت مع أمري الفلاني أو نهيي؟

كما يصحّ ذلك له بالنسبة إلى العالم بالعلم التفصيلي ، ولا يمكن أن يقال : إنّ هذا يكون للمولى في العالم الإجمالي بالنسبة إلى صورة المخالفة القطعيّة ، ولا يصحّ بالنسبة إلى

٤١١

صورة ترك الموافقة القطعيّة.

وبعبارة اخرى : الحجّة موجودة بالنسبة إلى الأوّل وغير موجودة بالنسبة إلى الثانى ؛ فإنّ الحجّة على التكليف إذا صارت موجودة يلزم بحكم العقل اجتناب أحد الأطراف أيضا؛ إذ المفروض أنّه على تقدير الارتكاب يحتمل أن يكون الحرام الواقعي هو هذا الذي يرتكبه ، وقد فرضنا أنّه على هذا التقدير كان العقاب والمؤاخذة على مخالفة التكليف التحريمى عقابا ومؤاخذة مع الحجة والبيان ، فيلزم اجتنابه تحرّزا عن الوقوع في هذا الضرر ، والضرر وإن كان محتملا لكن لكونه اخرويّا ، والضرر الاخروي يكون اهتمام العقل بدفعه أزيد من الدنيوي ؛ لكونه أشدّ منه ، فلهذا يستقلّ العقل بوجوب دفع محتمله أيضا.

وبعبارة اخرى : الحكم الواقعي بعد تعلّق العلم الإجمالي به لا يخلو من حالين : إمّا يكون الحجّة عليه موجودة ، وإمّا لا ، فعلى الثاني لا يحرم عليه المخالفة أيضا ، وقد فرضنا خلافه في المقام الأوّل ، فتعيّن الأوّل ، وعليه يجب الموافقة القطعية أيضا ، ولا معنى للتفكيك بين المخالفة والموافقة.

فثبت أنّ العلم الإجمالي بحسب حكم العقل لا فرق في تنجيزه بين حرمة المخالفة القطعيّة ووجوب الموافقة القطعيّة.

وأمّا بحسب الشرع ، فهل يجوز للشارع أن يرخّص في المخالفة القطعيّة وارتكاب جميع الأطراف ، فيصير العلم بعد كونه مؤثرا تمام التأثير عقلا غير مؤثر لشىء أصلا شرعا ، أو أنّه لا يجوز له الترخيص في ارتكاب الجميع الذي هو المخالفة القطعية ، ولكن قبح ترك الموافقة القطعية عقلا ليس بهذه المثابة ، بل هو قابل لإذن الشرع ، وحينئذ فيكون بحسب الشرع مؤثّرا بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة دون وجوب الموافقة القطعيّة ، أو أنّه ليس له الترخيص في ترك الموافقة القطعيّة أيضا ، كما أنّه ليس له الترخيص في فعل المخالفة القطعية، فيصير العلم الإجمالي كالتفصيلي في جميع الآثار عقلا وشرعا.

وبعبارة اخرى : هل اقتضاء العلم الإجمالى لقبح المخالفة القطعيّة وقبح ترك

٤١٢

الموافقة القطعية يكون في كليهما على نحو العليّة التامّة بحيث لا يمكن الترخيص من الشرع في شيء منهما؟ أو أنّ اقتضائه في كليهما يكون على نحو الاقتضاء ، بمعنى أنّ العقل لو خلّي وطبعه يحكم بالقبح ، وللشارع أن يرخصّ من حيث الشارعيّة في المخالفة القطعيّة ، فحكم العقل بالمنع إنّما هو لو لا حكم الشرع بالجواز ، أو هنا تفصيل ، فبالنسبة إلى المخالفة القطعيّة يكون على نحو العليّة التامّة ، وبالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة يكون على نحو الاقتضاء ولو لا حكم الشرع.

وبعبارة ثالثة : هل العلم الإجمالي كالتفصيلي ليس للشارع التصرّف فيه لا نفيا ولا إثباتا بوجه من الوجوه ، أو أنّه يكون له التصرّف فيه نفيا من حيث المخالفة الاحتماليّة دون القطعيّة ، أو له ذلك في كليهما؟

فنقول : أمّا المخالفة القطعيّة فقد يقال بأنّه لو رخّص الشارع في جميع الأطراف يلزم التناقض بين هذا الترخيص وبين الحكم الواقعى المعلوم إجمالا ، فمن يعلم بأنّ أحد الإنائين خمر لو جوّز له الشرع شرب كليهما كان راجعا إلى تجويز شرب الخمر وهو مخالف لقوله : لا تشرب الخمر ، وهذا مدفوع ؛ لعدم التناقض ، لما يأتى في وجه الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري ، فإنّ جعل الترخيص هنا يكون في موضوع الشكّ لثبوته في كلّ من الطرفين بالخصوص.

وحينئذ فإمّا نختار مذاق من يقول للحكم بمراتب ، ونقول : إنّ قوله : لا تشرب الخمر وإن كان ظاهرا في الفعليّة ولكن بعد ما ورد الترخيص في كلا الطرفين يستكشف ـ قضيّة للجمع بينهما ـ منه كون ذاك حكما غير فعلي من حيث الشكّ ، وكون هذا حكما فعليّا من جميع الحيثيّات ، والمخالفة القطعيّة للحكم الفعلي وإن كانت قبيحة بحيث لا يمكن أن يجوّزها الشرع ، ولكن هذا ليس مخالفة للحكم الفعلي.

وإمّا نختار مذاق من يقول بأنّ الحكم والأمر والنهي لا يعقل له إلّا مرتبة واحدة ؛ لأنّه إمّا موجود فيكون فعليّا ، وإمّا معدوم فلا يعقل أن يكون موجودا وغير فعلي. فنقول : وإن كان كلّ من «لا تشرب الخمر» والترخيص في الأطراف حكما فعليّا ، ولكن مع ذلك لا تناقض ، لكون رتبتهما مختلفة ، فإن الثاني في طول الأوّل ، فعلم أنّه

٤١٣

من حيث التناقض لا مانع من اجراء الأصل في كلا الطرفين على كلا المذاقين ، كيف وقد عرفت عدم لزومه في ترخيص مخالفة العلم التفصيلي أيضا ، إلّا أنّه يمكن أن يقال على مذاق من يجعل للحكم مراتب ؛ إنّه وإن كان لا يلزم التناقض مع الواقع ؛ لاختلاف المرحلتين ، ولكن يلزم التناقض مع الغاية التي جعلت في الأدلّة غاية للاصول.

بيان ذلك : أنّ قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهى» كما يدلّ على المطلقية قبل ورود النهي بمعنى معلوميّته ، كذلك يدلّ على عدم المطلقيّة بعد معلوميّة النهي ، فذيل الرواية يدلّ على أنّ تعلّق العلم بالنهى يجعله فعليّا ، وصدره يدلّ على أنّه حال الشكّ فيه غير فعلي ويجوز مخالفته ، فيكون بين الصدر والذيل في أطراف الشبهة تناقض وتهافت ؛ إذ المكلّف في خصوص كلّ واحد شاكّ في الحرمة ، فيكون خصوص كلّ واحد مطلقا مرخّصا فيه باعتبار مشكوكيّة النهي فيه بمقتضى الصدر.

ولا يخفى أنّه مع هذا الشكّ عالم إجمالا بوجود خمر في البين ، فيعلم بخطاب النهي عن شرب الخمر ، فلا يكون هذا المعلوم مطلقا ومرخّصا فيه باعتبار معلوميّة نهيه بمقتضى الغاية ، ولا إشكال أنّ كونه في قيد بالنسبة إلى هذا التكليف المعلوم ينافي كونه مطلقا وبلا قيد من حيث ارتكاب الطرفين ؛ إذ معناه عدم التقيّد بالنسبة إلى ذاك المعلوم.

فإن قلت : لا يلزم ذلك ، إذ المراد بالعلم الذي هو غاية إنّما هو العلم التفصيلي في خصوص الشخص المشكوك.

قلت : هذا مناف للإطلاق ؛ فإنّه بإطلاقه يشمل العالم الإجمالي ؛ فإنّه أيضا عالم بالحكم ، والتقييد بالتفصيلي يدفعه الإطلاق.

فإن قلت : الظاهر من قوله : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» أنّه يعلم في هذا الشيء نهي ، والظاهر من الشيء الأشياء الخارجيّة ، وليس في المقام لنا إلّا شيئان خارجيّان ، فمدلول الرواية أنّ كلّا منهما مطلق حتّى يعلم في خصوصه نهي ، وعلى

٤١٤

هذا فلا يشمل العلم الإجمالي ، فلا تهافت في الدليل.

قلت : نعم ، لكنّ الإطلاق لا يمكن إنكاره في قوله : رفع ما لا يعلمون الذي مفاده أنّه لم يرفع ما يعلمون ، وكذلك قوله : الناس في سعة ما لا يعلمون ، بكلا احتماليه.

وممّا ذكر في هذه الرواية يعرف الكلام في قوله : «الناس في سعة ما لا يعلمون» أو في سعة ما لا يعلمون ، بجعل «ما» ظرفيّة لا موصوله ؛ فإنّه أيضا كما يدلّ على السعة حال الجهل ، يدلّ أيضا على الضيق حال العلم ، وهنا يكون الجهل والعلم موجودين ، فالجهل من حيث الخصوص والعلم من حيث الإجمال ، فمقتضى الأوّل السعة وجواز ارتكاب كلا الطرفين ، ومقتضى الثانى الضيق وعدم جوازه.

هذا كلّه على قول من يجعل للحكم مراتب.

ويمكن ان يقال على قول من لا يجعل له بعد الوجود سوى مرحلة الفعليّة أيضا : إنّه وإن كان لا يستحيل ترخيص أطراف الشبهة من حيث لزوم التناقض ، ولكنّه يستحيل من جهة لزوم الترخيص في المخالفة القطعيّة للتكليف الفعلي ، فإنّ المخالفة القطعيّة لهذا التكليف ظلم على المولى ، والظلم لا يرتفع قبحه بالترخيص ، بل يكون ترخيصه أيضا قبيحا.

وجه لزوم ذلك أنّ المفروض كون الخطاب الواقعي حكما فعليا ، فإذا تعلّق به العلم يقبح عقلا من المكلّف مخالفته ، والمفروض أنّه هنا عالم أيضا بهذا الخطاب ، غاية الأمر بالعلم الإجمالى ، وعرفت أنّه لا فرق في قبح المخالفة بين العلم التفصيلي والإجمالى ، وعرفت هنا أنّ قبح المخالفة القطعية يكون من باب الظلم وعلى نحو العليّة التامّة ، فإنّ المولى يطلب الفعل أو الترك من العبد بكمال الشدّة والاهتمام ويظهر عدم رضاه بالمخالفة ، فكما أنّ مخالفته مع هذه الحالة وعدم المبالاة بكمال بغضه ذلك ظلم قبل الترخيص ، فهو بعينه باق على هذا الحال بعده ؛ لأنّه بعده أيضا ظلم ، لفرض قيام عدم الرضى والطلب بكمال الجدّ بالمولى بعده أيضا ، فيكون الترخيص قبيحا ؛ لكونه ترخيصا للظلم ، فيمتنع صدوره عن الحكيم.

ولا يتوهم أنّ قبحه إنّما هو من جهة لزوم الجري على خلاف المراد ورفع اليد عن

٤١٥

الغرض ونقضه ؛ إذ لو كان ذلك للزم بعينه في إجراء الأصل في الشبهة البدوية ، ولا اختصاص له بالشبهة المقرونة بالعلم ؛ فإنّ معنى الأصل في الشبهة البدويّة أنّ الفعل مثلا جائز ، سواء كان في الواقع جائزا أم حراما ، فتجويزه على تقدير حرمته نقض للغرض ، بل المانع ما ذكرنا من لزوم الترخيص في المخالفة القطعيّة.

ولا يتوهّم أنّ المانع ذلك مع لزوم التهافت في دليل الأصل كما ذكرناه على القول الآخر ؛ فإنّ المانع على هذا القول منحصر في الجهة المذكورة ولا يلزم التهافت في الدليل اللفظي ، وذلك لأنّك عرفت أنّ الحكم الواقعي على هذا يكون فعليّا بمجرّد وجوده ، فالعلم به يكون بحكم العقل منجّزا له ، وليس بعد العلم للشارع الأمر بمتابعة هذا العلم على نحو المولويّة ، كما ليس له المنع عنه مولويّا.

فلو وقع الأمر به في مقام كما في الغاية الواقعة في قوله : كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي ، يعني بعد ورود النهي والعلم يجب المتابعة ، وقوله : الناس في سعة ما لا يعلمون يعني أنّهم في ضيق ما يعلمون ، فلا بدّ من حمل ذلك على الإرشاد إلى حكم العقل وتقريره من دون مولويّة وشارعيّة ، وإذا لم يكن الغاية حكما من قبل الشرع من حيث إنّه شرع لم يبق في البين إشكال التهافت ؛ فإنّه مبنيّ على كون حكمين شرعيّين هنا كما على القول الآخر ، إذ عليه كما أنّ الترخيص المشتمل عليه الصدر معلوم أنّه شرعي فكذلك الغاية ؛ فإنّها وإن كان علما بالتكليف ، لكن مجرّد العلم بالتكليف لا يخرجه عن تصرّف الشرع ، فإنّه لو كان التكليف المعلوم شأنيا كما هو المفروض في متعلّق هذا العلم فبعده أيضا يكون إعطاء الفعليّة له بيد الشرع ومن قبله ، فهنا حكم بموافقة العلم وعلم منه أنّه جعل الواقع فعليا لصيرورته في مقام البعث إليه والزجر عن تركه.

وأمّا على القول بنفي المرتبة فالإشكال ممحّض من حيث الترخيص في المخالفة القطعيّة الذي مبناه حكم العقل بقبح المخالفة القطعيّة ، وليس من الشرع حكم في موضوع القطع ، وإنّما قرّر حكم العقل بقبح مخالفة القطع.

والملخّص من جميع ما ذكرنا أنّ الترخيص في جميع أطراف الشبهة إمّا أنّه

٤١٦

ممكن عقلا بحسب مقام الثبوت ولا يلزم التناقص ، لأجل اختلاف مرحلة الحكم الواقعي والظاهري ، ولكنّه غير واقع بحسب مقام الإثبات للزوم التهافت في دليل إثباته ، فيتساقط جزءا دليله للتعارض ، فيبقى بلا دليل ، ودعوى عدم التعارض بأنّ المراد من العلم هو العلم بالتكليف مفصلا فلا يشمل المقام المفروض وجود العلم به على نحو الإجمال مردودة بالإطلاق.

وإمّا أنّه غير ممكن عقلا لا من جهة التناقص لأجل اختلاف الرتبة ، ولا من جهة لزوم التهافت فى الدليل ؛ إذ ليس الغاية إلّا تقريرا لحكم العقل ، ولا يمكن أن يكون حكما مولويّا شرعيّا ، بل من جهة لزوم الترخيص في المخالفة القطعيّة للتكليف الفعلى المعلوم بالإجمال. هذا هو الكلام في ترخيص الشرع في ارتكاب جميع الأطراف.

وأمّا الترخيص في بعض الأطراف إمّا معيّنا وإمّا مخيّرا ، فالكلام فيه تارة يقع في إمكانه عقلا مع قطع النظر عن ثبوت الدليل عليه وقوعا وإثباتا بحسب الشرع وعدمه ، واخرى في ثبوت الدليل عليه إثباتا بحسب الشرع بعد فرض إمكانه والتكلّم في دليل الأصل من حيث إنّه هل هو قاصر عن شمول أحد الأطراف كما كان كذلك عن شمول الجميع ، أو له دلالة عليه؟

أمّا الإمكان العقلي فلا نرى مانعا هنا ، فإنّا إذا عرضنا على النفس المخالفة القطعيّة نراها معصية بحيث لا يمكن أن يصير بواسطة مصلحة جائزة ، فإنّه عناد وشقاق مع المولى وقيام على وجهه وفي قباله ومعارضة معه بعلانية ووضوح ، وهذا أمر لا يجوّز العقل أن يوجد فيه صلاح يزاحم قبحه وفساده ويجعله جائزا أو راجحا.

وإذا عرض عليها المخالفة الاحتماليّة فهو وإن كان لا يفرق بينها على تقدير المصادفة لمخالفة التكليف وبين المخالفة القطعيّة في صحّة العقوبة ، لكنّه ليس بأزيد من الإقدام على شيء يحتمل كونه مخالفة تمّت عليها الحجّة ، بمعنى أنّه مع وصف محتمليّته تكون الحجة عليه تامّة كالمقطوع ، بخلاف الشبهة البدويّة ، فإنّه وإن كانت مخالفة محتملة ، لكن ليست الحجّة عليها تماما ، فليس للمولى على تقدير المصادفة للحرام

٤١٧

العقاب ، ومجرد تماميّة الحجّة لا يوجب عدم إمكان الترخيص ، وليس مثل ما اذا كانت المعصية مقطوعة.

إذ أوّلا قد ورد الترخيص من الشرع فيه في بعض المواضع كما في الشبهة بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين ، حيث حكموا فيها بالاحتياط بحكم العقل ، ثمّ رفعوه وحكموا بالبراءة بحديث الرفع المشتمل على رفع ما لا يعلمون ، وكذلك في الشبهة البدويّة قبل الفحص ؛ فإنّهم حكموا فيما كانت منها في الأحكام بالاحتياط ؛ لعدم ورود الترخيص فيها شرعا ، فأوجبوا الفحص ، وفي ما كانت منها في الموضوعات حكموا بالبراءة ؛ لورود الترخيص وعدم وجوب الفحص فيها بالخصوص ، مع أنّهما من واد واحد ؛ لأنّهما مشتركان في تماميّة الحجّة في كليهما ؛ فإنّه لو كان معلوما عادة أو لخصوص الشاكّ أنّه لو تفحّص لحصل العلم بالواقع ، فلا فرق في تماميّة الحجّة حينئذ بين كون الشبهة في الحكم أو في الموضوع.

وبالجملة ، يستكشف من الترخيص في هذه الموارد إمكان الإذن في المخالفة الاحتماليّة ولو فرض أنّ العقل في هذا المقام متحيّر ولا حكم له بالمنع والجواز.

وثانيا : أنّا لو فرضنا وجود مصلحة في المخالفة الاحتمالية كما لو رأى المولى أنّ العبد في الشبهة الوجوبيّة مثلا لو أتى بوقائع عديدة لاجل درك واقعة واحدة لسقط عن درك كثير من الوقائع الأخر ، ويكون ذلك حرجا عليه ، فيرفع عند ذلك عنه مئونة بعض هذه الوقائع التي وقعت أطرافا للشبهة واكتفى منه بإتيان واحدة منها وإن كانت هذه الواقعة قد يصادف الواجب وقد لا يصادفه ولكنّه يرفع اليد عن بعض أوقات مصادفته أيضا رعاية لحال العبد ليصير الأمر عليه سهلا ، ولا يقع في الحرج والشدة ، ومع ذلك كان موافقا وآتيا بالأمر أيضا في بعض الأوقات لم يقع في محذور مخالفته في جميع الاوقات ، فلا نرى الوجدان آبيا عن ذلك كإبائه ذلك في المخالفة القطعيّة.

أمّا الضرر المحتمل فهذا الترخيص مؤمّن شرعي منه ، وأمّا الشقاق مع المولى والقيام في قباله فلا يحصل إلّا مع العلم بمخالفة أمره لا مع حصولها منه بلا علم ، بل مع

٤١٨

احتمال ، وحاصل هذا الوجه أنّه لا منع من العقل في هذا المقام كما في المخالفة القطعيّة.

فتحصّل أنّ كون العلم الإجمالى لا شيء وغير منشأ لأثر باطل ، بل هو ذو أثر ، فإسقاطه عن التأثير رأسا غير ممكن شرعا كالعلم التفصيلي ، وبعبارة اخرى : المخالفة القطعية للعلم الإجمالي والتفصيلى قبيح بقبح ذاتي اقتضياه على نحو العليّة التامّة ، فلا يقبل تجويزا من الشرع ، وإنّما يظهر الفرق بين التفصيلى والإجمالي في الموافقة القطعيّة ؛ فإنّ اقتضائها يكون في الأوّل على نحو العليّة التامة ، وفي الثاني على نحو الاقتضاء المعلّق على عدم ورود الترخيص الشرعي ، هذا.

ولكن في الكفاية جعل اقتضاء العلم الإجمالي في المخالفة القطعيّة أيضا على نحو الاقتضاء القابل لتصرّف الشرع مستدلّا بمحفوظيّة المرتبة الظاهريّة في كلّ واحد من الأطراف ، لفرض الشك في كلّ واحد ، فيكون كالشبهة البدويّة في هذه الجهة ، فللشارع جعل الترخيص في تمامها ، ولا يلزم التناقض ، لاختلاف مرتبة الحكمين.

ونحن نطالبه بوجه الفرق بينه وبين التفصيلي ؛ حيث إنّه لم يسلّم ورود الترخيص هناك ؛ للزوم التناقض ، فنقول : لا فرق في لزومه بين العلم بقسميه والشكّ ، غاية الأمر أنّ في الشكّ احتمال التناقض ، وفي العلم بقسميه يقينه ، واحتماله أيضا كيقينه محدود ، وإذا دفعتم الأوّل باختلاف المرتبة وكذلك تقولون في أطراف العلم الإجمالي ، فلم لا يجرى هذا الجواب في العلم التفصيلي؟ فإنّ فيه أيضا يمكن دفع التناقض باختلاف المرتبة بأن نقول : المولى لا يعمل بالعلم الحاصل من الرمل أو الجفر ، هذا في الامكان العقلى.

وأمّا التكلّم في قصور دليل الأصل لشمول المقام وعدمه بعد فرض الإمكان فملخّصه أنّه بعد ما فرضنا عدم إمكان دخول كلا الطرفين في زمان واحد في عمومه للزوم التناقض يبقى هنا ثلاثة احتمالات ، الأوّل : أن لا يشمل شيئا منهما ، والثاني : أن يشمل واحدا معيّنا ، والثالث : أن يشمل واحدا مخيّرا ، والاحتمال الثانى مدفوع بلزوم الترجيح بلا مرجّح ، لمساواة الدليل بالنسبة إلى الطرفين ، بقى احتمال التخيير وعدم الشمول رأسا.

٤١٩

فإن قلنا بأنّ الواحد التخييرى ليس مستفادا من الدليل ، بل ظاهره الأشياء المعيّنة يبقى عدم الشمول رأسا ، إلّا أن يتمسّك في إثبات التخيير بالإطلاق بأن يقال : إنّ الدليل لو لا حكم العقل كان باطلاقه دالّا على ترخيص هذا الطرف ، سواء أتى بالطرف الآخر أو لم يؤت به ، وكذلك كان شاملا لذاك الطرف أيضا سواء أتى بهذا أم لا ، فحكم العقل قد أوجب تقييد هذين الإطلاقين ، فقيّد إطلاقه في كلّ منهما بحال عدم إتيان الآخر ، فيلزم ثبوت التقييد في مدلول الرواية بالنسبة إلى الشبهة المقرونة بالعلم دون البدوية.

وقد يقال : إنّه استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد ، وتنقيح المطلب والتكلّم فيه أزيد من هذا يطلب في بحث أصالة البراءة إن شاء الله تعالى.

الأمر الخامس : على تقدير القول بأنّ العلم الإجمالي يقتضي وجوب الموافقة القطعيّة ، فهل يكتفى في مقام الامتثال بالإتيان على وجه الإجمال مع التمكّن من تعيين مورد التكليف تفصيلا ، كمن علم إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة وهو يتمكّن من تعيين أنّ أيّهما هو الواجب عليه بالاستفتاء من العالم مثلا ومع ذلك أتى بها بدون تعيين ، وكمن اشتبه عليه القبلة بين أربع جهات ، فصلّى إليها مع إمكان تشخيص القبلة في إحداها.

والكلام يقع تارة في التوصّليات واخرى في التعبّديات.

أمّا التوصّليات فلا كلام في الاكتفاء بهذا النحو من الامتثال فيها ، فمن يعلم إجمالا باشتغال ذمّته لأحد رجلين فأدّى إليهما كان بريئا بلا إشكال.

وأمّا التعبديّات فإمّا يكون مورد الشبهة فيها عملا واحدا ويدور أمره بين الوجوب والإباحة وإمّا يكون عملا واحدا ويدور بين الوجوب والاستحباب ، وإمّا يكون عملا واحدا معلوم الوجوب ويدور أمره بين الأقلّ والأكثر ، ثمّ أمر الزيادة المشكوكة إمّا دار بين الوجوب والإباحة وإمّا ، بين الوجوب والاستحباب.

وإمّا يكون مورد الشبهة عملين ، فالاحتياط في القسم الأخير مستلزم للتكرار دون ما سبقه ، فإن قلنا بأنّه يعتبر في الامتثال الإتيان بداعويّة الأمر ففي ما يكون

٤٢٠