أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

وهي علّتها الصلاح في الإرادة الاولى لا إرادة ثالثة ؛ فاتّضح بطلان التسلسل فيما إذا وجد الإرادة بالإرادة ، وإنّما يتحقّق التسلسل في هذه الصورة لو كان سبب وجود الإرادة منحصرا في الإرادة وقد عرفت عدمه.

والثانية : أنّ بعض الأفعال يكون اختياريّة بحيث يصحّ وقوعها متعلّقا للتكليف مع عدم مسبوقيّتها بإرادة المكلّف ، بل بمجرّد قدرته على مقدّمة وجوده ، فالاختيارية المصحّحة للتكليف أعمّ من أن يكون الفعل ناشئا عن الإرادة ، وأن يكون مقدّمته بيده وإن كان ناشئا عن إرادة غيره ، فيصحّ في الصورة الثانية العقاب على نفس ذي المقدّمة وما هو النتيجة لكونها مقدورة بالواسطة ، مثلا مجيء العمرو إلى دار الزيد وإن كان غير ناش عن إرادة الزيد بل عن إرادة العمرو ولكن يكفي في كون وجوده وعدمه مقدورين للزيد قدرته على ممانعة العمرو من دخول الدار بإغلاق الباب ، فيصحّ عقابه على نفس مجيء العمرو الذي هو النتيجة ، كما يصحّ على ترك إيجاد المانع.

إذا عرفت ذلك علمت أنّ الإرادة أعمّ ممّا يوجد منها لمصلحة فيها وما يوجد لمصلحة في المتعلّق يكون اختياريّة.

أمّا القسم الأوّل فواضح وإشكاله لزوم التسلسل وقد عرفت منعه في المقدّمة الاولى.

وأمّا القسم الثاني ـ وهو ما يوجد لمصلحة في المتعلّق سواء كان متعلّقه إرادة اخرى أو فعلا خارجيّا ـ فلأنّه إذا ثبت الاقتدار على إيجاد الإرادة لمصلحة في نفسها كما هو القسم الأوّل فيثبت الاقتدار على تركها والممانعة من وجودها فيما يكون لمصلحة في المتعلّق إذا كانت في نفسها مضرّة مزاحمة لما في المتعلّق من المنفعة ، فكما يتمكّن من إيجادها لمصلحتها فيتمكّن من تركها في القسم الثاني لمضرّتها إذا غلبت على مصلحة المتعلّق ، وإذا غلبت مصلحته أيضا فهو متمكّن ، حيث اختار الوجود بعد الكسر والانكسار وغلبة مصلحة المتعلّق لما عرفت في المقدّمة الثانية ، فإنّه لو شاء يتمكّن من إيجاد إرادة الضدّ في نفسه قبل وجود الإرادة في النفس ، فهو وإن لم

٣٨١

يصدر منه الإرادة أعني القسم الثاني منها بسبق إرادة اخرى عليها ، لكن يكفي في كون وجود هذه الإرادة وعدمها تحت قدرته واختياره كون وجودها منوطا بمطلوبيّة ما فيها من المضرّة لمصلحة المتعلّق ، وكون إيجاد المانع عن وجوده وهو إيجاد إرادة الضدّ قبل وجودها مقدورا له ، فيصحّ عقوبته على نفس هذه الإرادة ، كما يصحّ على ترك إيجاد الإرادة المانعة.

وبالجملة فكما تكون الاختياريّة المصحّحة للتكليف في الأفعال الخارجيّة حاصلة تارة بالصدور عن الإرادة واخرى بمقدوريّة مقدّمة وجودها أو عدمها في الخارج ، فكذا هذان القسمان موجودان في الإرادة أيضا بلا فرق ، هذا وصاحب الكفاية قدس‌سره مع قوله بكون العزم غير اختياري صحّح العقوبة عليه معلّلا بأنّه راجع إلى جناية النفس وهي أمر ذاتي والذاتي لا يعلّل ، فالقادم على المعصية خبيث النفس ، وخبيث النفس يدخل النار كما أنّ الكلب يمنع من الدخول في البيت المفروش لقذارته الذاتيّة ، ونحن في فسحة من ذلك حيث جعلنا العزم اختياريّا.

فإن قلت : سلّمنا كون العزم على المعصية اختياريّا وقبيحا ، لكن ذلك إنّما يوجب القبح الفاعلي عقلا واستحقاقه اللوم عن العقلاء ، ولا يلازم استحقاق العقوبة من المولى كما هو المدّعى ؛ فإنّ مجرّد القبح العقلي ما لم ينته إلى الشرعي لا يوجب العقاب ، ولهذا قيل بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع من باب قاعدة اللطف ؛ فإنّ القبيح العقلي لا يكون نفوس النوع منصرفة عنه ، فاللطف يقتضي بأن يأمر الشارع بالحسن وينهى عن القبح حتى يصير النوع مع الداعي ؛ فإنّ مخالفة الأمر والنهي يكون من تبعتها العقاب والعذاب ، فبعض النفوس يصير داعيها إلى الترك مجرّد القبح العقلي ، وبعض النفوس لا يحصل الداعي لها إلّا بالأمر والنهي حتّى يدعوه خوف وقوعه في العذاب والنكال.

فلو كان مجرّد القبح العقلي مورثا للعقاب المولوي لم يصح إثبات الملازمة بقاعدة اللطف ؛ إذ كان مجرّد القبح عقلا كافيا في ردع النوع ولم يحتج إلى الأمر والنهي مضافا إليه ؛ إذ لم يكن فيهما لطف على هذا التقدير.

٣٨٢

وبالجملة لا بدّ في استحقاق العقوبة في القبائح العقليّة إلى ضميمة حكم الشرع بقاعدة الملازمة ، وهنا لا يمكن ذلك لعين ما ذكر في نفس المعصية من عدم إمكان توجّه النهي المولوي إليها ؛ فإنّ هذا بعينه موجود في إرادة المعصية أيضا ؛ فإنّها لا تتحقّق إلّا بعد العلم بوجود النهي واقعا ، فإذا لم يصرفه هذا النهي فالنهي عن الإرادة لا يمكن مولويته بالبيان المتقدّم.

قلت : وجه الحاجة في سائر المواضع إلى ضميمة الأمر والنهي لاستحقاق العقاب المولوي أنّ مجرّد ارتكاب القبيح مع قطع النظر عن النهي لا يرتبط بالمولى من حيث إنّه مولى، نعم هو من حيث إنّه واحد من العقلاء مشمئزّ من الفعل ، فالظلم لو لا النهي ليس هتكا للشارع من حيث إنّه مولى ، نعم هو من حيث كونه من العقلاء يشمئزّ منه ، فيحتاج إلى إيجاد الأمر والنهي في موضوع الحسن أو القبح العقليين حتى يكون الارتكاب أو الترك مرتبطا بمقام مولويته.

وهذا بخلاف المقام فإنّه بدون النهي يرجع سوئيته إلى المولى ، بل قبح إرادة معصية المولى عقلا إنّما هو لأجل كونها راجعة إلى المولى وكونها بمنزلة الظلم عليه ، كما أنّ هذا هو الحال في إرادة الطاعة المسمّاة بالانقياد ؛ فإنّه من الابتداء يرجع حسنه إلى المولى ، بل حسنه يكون من جهة كونه حسنا راجعا إلى المولى ، فيكون المولى أهلا للثواب عليه ، وإرادة المعصية أيضا تكون من الابتداء قبيحا راجعا إلى المولى ، وقبحه العقلي أيضا من جهة ذلك ، فيكون المولى هو الأهل للعقاب عليه.

والحاصل أنّ العزم على المعصية قبيح عقلي يستحقّ عليه العقاب بدون النهي كما أنّ العزم على الطاعة حسن عقلي يستحقّ عليه الثواب بدون الأمر ، ولا يتوهّم منافاة بين ما ذكر هنا وما تقدّم من إمكان انفكاك التجرّي عن عنوان الاستخفاف وما أشبهه ؛ فإنّه وإن كان يمكن أن لا يكون استخفافا ولكنّه لا ينفكّ عن كونه جريا على خلاف إرادة المولى وإرادة على خلاف ميله فيكون رجوع أمره إليه ، مثلا لو ضرب العبد ابن شخص آخر غير المولى فالمولى من حيث إنّه أحد العقلاء يبغض هذا الفعل ، وأمّا لو ضرب ابن المولى فهذا الضرب له تعلّق بالمولى وهو من حيث

٣٨٣

مولويته متأثّر منه ، فيكون أهلا للمجازاة عليه وإن لم يسبق منه نهي عن هذا العمل.

فتحصّل أنّ قصد المعصية في التجرّي قبيح عقلي وأنّ قبحه لتعلّقه بحيث مولويّة المولى موجب لاستحقاق العقاب ، فلا يكون حراما شرعيّا وإن قلنا بالملازمة.

لكن هل يكون استحقاق العقوبة على هذا في المعصية الحقيقيّة متعدّدا فيكون العاصي مستحقّا لعقوبتين ، إحداهما للقصد الذي هو الفعل القلبي والاخرى لنفس الفعل الخارجي ، أو يكون مستحقّا لعقاب واحد لمجرّد القصد؟ الظاهر هو الأوّل ؛ إذ يلزم على الثاني عدم مدخليّة الفعل الخارجي في العاصي لاستحقاق عقاب أصلا وأن لا يكون عقاب على فعل خارجي أصلا ، وهو ممّا لا يمكن الالتزام به ، وإذن فلا مانع من القول باستحقاق العاصي عقابا أشدّ من عقاب من صدر منه القصد مع الفعل الخارجي المخالف أو مجرّدا وهما سيّان في الاستحقاق ؛ لتساويهما في القصد الذي هو المنشأ له ، والعفو في القسم الثاني لا ينافي مع الاستحقاق ؛ فإنّ العفو ورفع فعليّة العقاب لا ينافي الاستحقاق كما هو واضح.

بقي الكلام في الدليل العقلي الذي أقاموه على استحقاق المتجرّي على الفعل الخارجي كالعاصي ، وهو أنّه لو فرضنا شخصين كلّ منهما شرب مائعا يعتقد هو بخمريّته واتّفق مصادفة أحدهما للواقع ومخالفة الآخر فإمّا نقول باستحقاق كليهما ، أو بعدم استحقاق كليهما ، أو باستحقاق من خالف اعتقاده الواقع دون من صادف ، أو باستحقاق من صادف دون من خالف ، فهذه أربعة وجوه.

لا سبيل إلى عدم استحقاق كليهما ، ولا إلى استحقاق من خالف دون من صادف ؛ لمخالفة كليهما مع الوجدان والقطع بخلافهما ، وأمّا استحقاق من صادف دون من خالف فهو مستلزم لإناطة الاستحقاق وعدمه على أمر خارج عن قدرة المكلّف ؛ فإنّ المصادفة والمخالفة كليهما خارج عن الاختيار ، فيتعيّن استحقاق كليهما وهو المطلوب.

والجواب أنّا نختار استحقاق من صادف دون من خالف ، قولك : يلزم إناطة الاستحقاق بأمر غير اختياري مدفوع بأنّ صحّة العقوبة لا ينفكّ عن الإناطة بأمر

٣٨٤

غير اختياري ، لا أقلّ من المقدّمات السابقة على الإرادة من تصوّر الفعل والميل ونحوهما ، بل وجود الفاعل وقدرته ووجود الموضوع مثل الخمر مثلا ؛ فإنّ كلّ ذلك دخيل في صحّة العقوبة قطعا.

ألا ترى أنّ من كان واجدا للخمر وشربه يستحقّ العقوبة ومن لم يشربه لأجل أنّه لا يجد لا يصحّ عقوبته ، مع أنّ وجود الخمر عند الأوّل وعدمه عند الثاني غير اختياريين ، وبالجملة المصحّح للعقوبة كون الفعل بالأخرة منتهيا إلى اختيار المكلّف بأن كان آخر مقدّمة وجوده بيده ، فإذا تحقّق ذلك لا يضرّ عدم اختياريّة سائر المقدّمات وإن كانت ألف مقدّمة، نعم لو كان جميع المقدّمات خارجا عن الاختيار ولم يرجع إليه حتى بالاخرة لم يصحّ حينئذ العقاب.

وحينئذ فنقول : إنّ من شرب الخمر الواقعي فوجود الخمر الذي هو أحد أسباب الاستحقاق وإن كان غير اختياري متحقّق في حقّه ، فلهذا صار مستحقّا ، ومن شرب الماء باعتقاد الخمريّة فهذه المقدّمة منتفية في حقّه ؛ فلهذا لا يكون مستحقّا ، نظير من كان الخمر عنده موجودا ويشربه ، ومن يكون عنده مفقودا فلهذا لا يشربه ، كما مثّلنا به ، وهذا من جهة الفعل الخارجي ، وبعبارة اخرى من حيث عقاب معصية شرب الخمر ، وأمّا من حيث القصد فقد عرفت عدم الفرق بينهما.

الكلام في القطع الطريقي والموضوعي

الأمر الثالث : جميع ما ذكرناه من التكلّم في حجيّة القطع بنفسه وعدم إمكان النهي عنه وعدم قابليّته للأمر المولوي ومن البحث في أحكام التجرّي كلّها إنّما هو في القطع الطريقي ؛ فإنّ القطع قد يكون طريقا صرفا ، والأثر لنفس متعلّقه ، ولازم هذا حجيّته على الإطلاق من أيّ سبب حصل ولأىّ شخص كان وفي أيّ زمان وجد ، وقد يكون مأخوذا على وجه الموضوعيّة وحينئذ ففي سعة دائرته وضيقها وإطلاقه وتقييده يتبع دليله اللفظى ؛ فإنّه في ذلك تابع لنظر الجاعل وجعله ، فقد يجعل القطع موضوعا مطلقا وقد يجعل القطع الخاص موضوعا كالقطع الحاصل من

٣٨٥

الحسّ لا الحدس أو من غير الجفر والرمل إلى غير ذلك من الخصوصيات.

ثمّ أخذ القطع موضوعا يتصوّر على نحوين :

الأوّل : أن يكون تمام الموضوع بأن يكون تمام الدخل للقطع من دون دخل للواقع ، فمتى تحقّق القطع وإن كان جهلا مركّبا تحقّق الموضوع الواقعي كما إذا تعلّق الحرمة بمقطوع الخمريّة وإن لم يكن خمرا واقعا ، وما لم يقطع بخمريّته كان حلالا واقعا وإن كان في الواقع خمرا.

والثاني : أن يكون جزء الموضوع بأن يكون القطع والواقع كلاهما دخيلا وكلّ منهما منفردا لا يوجب أثرا ، كما لو تعلّق بالخمر المقطوع الخمريّة بحيث لو كان خمرا ولم يكن مقطوعا كان حلالا واقعا ، وكذا لو كان مقطوعا ولم يكن خمرا أيضا ؛ فإنّ في هذا الفرض يتحقّق التجرّي.

وعلى كلا التقديرين إمّا يؤخذ القطع على وجه الصفتيّة ، وإمّا يؤخذ على وجه الطريقيّة ، فهذه أربعة أقسام : القطع المأخوذ تمام الموضوع على وجه الصفتيّة ، والمأخوذ جزء الموضوع على هذا الوجه ، والمأخوذ تمام الموضوع على وجه الطريقيّة ، والمأخوذ جزئه على هذا الوجه.

والفرق بين نحو الصفتيّة ونحو الطريقيّة أنّ الموضوع إن كان هو الأوّل لم يقم الأمارات وبعض الاصول مقام القطع ، فلو كان معلوم الخمريّة بالعلم على نحو الصفتيّة حراما فالمائع الذي قام على خمريّته البنيّة أو الاستصحاب ليس بحرام لانتفاء جزء الموضوع وهو صفة القطع ، وإن كان الموضوع هو الثاني يقوم الأمارات وبعض الاصول مقامه ، هذا حاصل التقسيم والفرق الذين ذكرهما شيخنا المرتضى قدس‌سره.

واستشكل عليه المحقّق الخراساني قدس سرّه في قيام الأمارات وبعض الاصول مقام القطع الموضوعي على نحو الطريقيّة ، وحاصل ما ذكره في تقريب الإشكال أنّ العلم له نسبة إلى العالم ونسبة إلى المعلوم ؛ فإنّه نور وانكشاف قائم بنفس العالم ومنوّر ومظهر للشيء المعلوم ، فيراد بصفتيته اعتباره من حيث قيامه بالنفس و

٣٨٦

بطريقيته اعتباره من حيث حكايته ومظهريّته للمعلوم.

وحينئذ فنقول : المفروض أنّ موضوع الأثر هو الخمر المقطوع بدخل الخمر والقطع معا مع أخذ القطع طريقا ، ولازم ذلك عدم قيام الأمارات وبعض الاصول مقامه ؛ لأنّ دليل حجيّتها لا يخلو من حالين : إمّا مفاده التنزيل من حيث آثار المعلوم ، وإمّا من حيث آثار العلم ، فعلى الأوّل لا بدّ من أن يكون النظر إلى القطع والظن طريقيّا بأن ينظر بهما إلى المعلوم والمظنون فيصير معنى أنّ البيّنة ـ مثلا ـ حجّة أنّ : المائع الذي قام على خمريّته البيّنة بمنزلة الخمر المعلوم ، وهذا يوجب ترتيب كلّ أثر يترتّب على نفس الخمر على هذا المائع ، وقد فرضنا كون الأثر للخمر والقطع معا ، فكلّ أثر كان للقطع لا يترتّب يعني لا يفيده هذا الدليل ، فيحتاج إلى دليل آخر على تنزيل الظنّ أيضا مقام القطع حتّى يحصل كلا جزئي الموضوع.

وعلى الثاني لا بدّ من أن يكون النظر إليهما استقلاليا ويحكم بأنّ الظن كالقطع وهذا لا يوجب إلّا ترتيب جميع الآثار التي تمام موضوعها القطع على الظن ، وينفي الآثار التي تمام موضوعها الواقع أو هو مع القطع ، فيحتاج إلى تنزيل آخر بنظر طريقي حتّى ينزّل مؤدّى الظن أيضا منزلة مؤدّى القطع حتى يحكم بتلك الآثار أيضا.

فعلم أنّ قيام الأمارة والأصل مقام العلم في جميع الآثار يحتاج إلى تنزيلين تكفلهما دليلان ، وأمّا الدليل الواحد فلا يتكفّلهما ؛ ضرورة أنّهما لحاظان متباينان لا يمكن جمعهما في لحاظ واحد.

ثمّ العمومات الدالّة على حجيّة الأصل والأمارة يكون التنزيل منزلة الواقع قدرا متيقّنا منها ، ومع ذلك لا يمكن دلالتها على التنزيل الآخر ، ولازم ذلك عدم قيام الأمارات والاصول مقام العلم في الآثار التي يكون العلم تمام موضوعها أو جزئه وإن كان العلم موضوعا على وجه الطريقيّة.

هذا حاصل الإشكال ولا بدّ أوّلا من فهم معنى الطريقيّة والصفتيّة ، فنقول : إن كان المراد بالطريقية كون العلم مرآتا صرفا لمتعلّقه ، بحيث لا ينظر فيه أصلا ، فيلزم عدم دخله في الموضوع ؛ لأنّ المفروض أنّ الجاعل لم ينظر إلى القطع إلّا بالنظر

٣٨٧

المرآتي ، والحكم المجعول في هذا النظر لا محالة يكون تمام موضوعه الواقع ؛ لأنّه لا يرى إلّا إياه.

وإن كان المراد أن ينظر ثانيا إلى حيث طريقيّة القطع بنظر الاستقلالي فما المراد بالصفتية إن كان المقصود حيث كون القطع صفة نفسانيّة؟ فهذا جامع لجميع الصفات النفسانيّة من الحسد والبخل وغيرهما ، فيلزم كونها أيضا موضوعا.

وإن اريد هذه الصفة الخاصّة والحالة النفسانيّة المخصوصة المقابلة لسائر الصفات والحالات النفسانيّة ، فالخصوصيّة التي بها تمتاز هذه الصفة عن سائر صفات النفس وتصير مقابلة لها ليس إلّا كونه كشفا تامّا ، فبالكشف تمتاز عن جميع الصفات غير الظن كالحسد والبخل ونحوهما ؛ حيث لا كشف فيها أصلا ، وبقيد التمام تمتاز عن الظن ؛ حيث إنّه وإن كان كشفا لكنّه ناقص.

وبالجملة ، فيصير على هذا مرجع الصفتيّة إلى الطريقيّة ؛ إذ المنظور في الثانية أيضا هو الكشف التام ، وإلّا فإن كان منظورا على نحو المرآتية وبالمعنى الحرفي فقد عرفت أنّه يلزم عدم دخله في الموضوع أصلا ، فاللازم هو التزام أنّ القطع بمعنى الكشف التامّ الملحوظ بالاستقلال لا يكون إلّا ذا حيثيّة واحدة وليس له حيثيتان حتى يسمّى باعتبار إحداهما صفة وبالاخرى طريقا.

وعلى هذا فلا بدّ من حمل الطريقيّة والصفتية في كلام شيخنا المرتضى على معنى آخر، بأن يقال : إنّ جعل معلوم الخمريّة موضوعا يتصوّر على نحوين :

الأوّل : أن يكون المقصود هو الخمر المفروغ عن خمريّته بقيام طريق متّبع عليها ، وبعبارة اخرى : الخمر الذي له كاشف وطريق أعمّ من أن يكون كاشفه وطريقه هو القطع أو طريقا معتبرا آخر ، ووجه تخصيص القطع بالذكر كونه أظهر أفراد الكاشف وأتمّها.

والثاني : أن يكون نفس هذه الصفة التي هي الكشف التام بخصوصيّته هذه معتبرا ، فعلى هذا لا يقوم طريق آخر مقامه ؛ إذ غاية الأمر إحراز نفس الواقع بقيام طريق آخر بسبب دليل حجيّته ، فيبقى خصوص صفة القطع والكشف التام الذي هو

٣٨٨

جزء الموضوع أو تمامه منتفيا ، وأمّا على الأوّل ـ وهو أن يكون النظر إلى جهة طريقيته وكشفه مع قطع النظر عن خصوصيّة كونه تامّا ـ فيقوم مقامه الأمارات وبعض الاصول لو اخذ بهذا النحو موضوعا.

لا يقال : إنّه على هذا ليس الأصل والأمارة قائما مقام القطع بل هما أيضا في عرض القطع ؛ فإنّ الدليل نسبته إليهما على حدّ سواء ؛ إذ لم يعتبر فيه إلّا وجود الطريق المطلق ، وكما أنّ القطع أحد أفراد الطريق فكذا الأصل والأمارة ، فيكون ترتيب الأثر عليهما بنفس هذا الدليل كالقطع لا بدليل التنزيل.

لأنّا نقول : معنى قيامهما مقام القطع حينئذ إنّما هو بالنسبة إلى نفس الواقع ؛ فإنّ الأثر يكون لنفس الواقع والطريق ، فلا بدّ من إحراز شيئين : نفس الواقع والطريق ، فلو لم يكن دليل التنزيل في البين فالظن بخمريّة مائع وإن كان يتحقّق به الطريق لكن يحتاج إلى تنزيل هذا المائع المظنون الخمريّة أيضا منزلة الخمر الواقعي ليرتّب عليه أثر الخمر الواقعي ، فيكون أحد الجزءين وهو الظنّ مثلا حاصلا بالوجدان والجزء الآخر وهو الخمر حاصلا بالتنزيل للمؤدّى منزلة الواقع ، فيكون قيام الظن مثلا مقام القطع في الجزء التنزيلي لا في الجزء الوجداني.

فإن قلت : لا أثر لنفس الواقع بالفرض ، بل له مع الطريق ، وتنزيل المظنون منزلة الواقع يفيد في ترتيب الآثار المترتّبة على نفس الواقع.

قلت : يكفي الأثر التعليقي المترتّب على جزء الموضوع ، فيفيد التنزيل إثبات هذا الأثر التعليقي للمظنون ، نظير الأصل والأمارة القائمين على إثبات جزء الموضوع في سائر الموارد كالبيّنة القائمة على تعديل عدل واحد ليكون موضوعا لقبول الشهادة إذا انضمّ إليه عدل آخر ، أو إثبات الكريّة بالاستصحاب ليرتّب عليها عدم الانفعال إذا انضمّ إليها الطهارة والإطلاق.

وبالجملة فإذا قام الظنّ أو البيّنة على خمريّة مائع فيقوم هذا الظنّ أو البيّنة مقام القطع بواسطة دليل تنزيلهما منزلته ، فيحكم بكون المائع خمرا ، وبعد إثبات خمريّته بذلك يصير ذا طريق قهرا ، فدليل التنزيل يثبت خمريّة المائع تشريعا وطريقيّة

٣٨٩

الظن والبيّنة تكوينا ، هذا كلّه فيما إذا كان القطع جزء موضوع.

وأمّا إذا كان تمام موضوع فإن كان لمتعلّقه أثر آخر غير ما اخذ القطع تمام موضوعه فالأمارة والأصل يقومان مقامه ؛ إذ بلحاظ ذاك الأثر يصحّ التنزيل وبه يتحقّق مصداق الطريق ، فالصغرى أعني طريقيّة الأمارة تثبت به ، والكبرى أعني ثبوت الأثر الذي تمام موضوعه القطع لكلّ طريق معتبر بدليل هذا الأثر ، فكون الأمارة طريقا يثبت بالتنزيل ، وكون كلّ طريق حكمه كذا ثبت بدليل هذا الحكم ، وإن لم يكن لمتعلّقه أثر أصلا فلا يشمل دليل التنزيل إيّاه ، إذ هو بلحاظ الأثر ، وإذ ليس فليس ، فلا يقوم الأمارة والأصل مقام القطع ، فتبيّن أنّ قيام المقام مخصوص بموضع قابل له.

تتمّة : القطع بحكم لا يمكن جعله موضوعا لمثل هذا الحكم ولا لضدّه ، أمّا الأوّل فللزوم اللغويّة في الأمر والنهي المولويين كما تقدّم ، لا من جهة اجتماع المتماثلين ؛ إذ هو غير لازم لاختلاف الرتبة كما تقدّم أيضا ، وكذا في الثاني ليس الجهة لزوم التناقض لعدم لزومه باختلاف الرتبة ، بل الجهة لزوم الإذن في المخالفة وهو أيضا كالمخالفة في القبح.

مثلا القطع بوجوب موضوع لو صار موضوعا لوجوب آخر لهذا الموضوع فهذا لغو ، وإن صار موضوعا لحرمته لزم الإذن في ترك الواجب ، ولو لم يلزم أحد المحذورين فلا بأس كما في جعل القطع بإباحة شيء موضوعا لوجوبه أو حرمته أو استحبابه أو كراهته ، وكما في جعل القطع بالكراهة موضوعا للحرمة دون العكس ، أو جعل القطع بالاستحباب موضوعا للوجوب دون عكسه ، وفي مورد لزوم أحدهما لا بدّ من جعله موضوع الحكم على موضوع آخر مثل قولك : إذا قطعت بكون المائع خمرا وحراما فتصدّق بدرهم.

ثمّ إنّه يرد على المحقّق المذكور القائل بعدم قيام الأمارات مقام العلم المأخوذ على نحو الكشف والطريقية موضوعا النقض بالاصول العمليّة ؛ فإنّ غايتها العلم ، فقاعدة الطهارة مغيّاة بالعلم بالنجاسة ، وقاعدة الاستصحاب مغيّاة بيقين مثل

٣٩٠

اليقين السابق ، وهكذا سائر الاصول ؛ فإنّها مجعولة في حقّ الشاكّ ما دام الشكّ ، فإذا ارتفع الشكّ وتبدّل بالعلم ارتفع موضوعها ، ولا إشكال أنّ العلم المذكور وإن اخذ طريقا محضا بالنسبة إلى حكم متعلّقة ، لكنّه موضوع بالنسبة إلى عدم جريان الأصل.

فلازم القول المذكور عدم كون الأمارة القائمة على خلاف الاصول واردة عليها ، بل اللازم هو التعارض بين الأصل والأمارة ، فإذا شكّ في حدوث خمريّة مائع قطع بخليّته سابقا فقضيّة عدم نقض اليقين السابق بالشكّ بل بيقين مثله هو البناء على كون هذا المائع خلّا ما دام الشكّ في خمريّته باقيا ، فإذا قام أمارة على خمريّة هذا المائع فقضيّة دليل اعتبار هذه الأمارة المفيد لتنزيل نفس المؤدّى منزلة الواقع دون تنزيل الشكّ منزلة اليقين ليس إلّا تنزيل هذا المائع منزلة الخمر وترتيب آثار الخمر الواقعي عليه ، لا تنزيل شكّ المكلّف وترديده النفساني منزلة اليقين ، ومن المعلوم أنّ تنزيل المائع بمنزلة الواقع لا يرفع الشكّ ، فيكون المائع خمرا بمقتضى دليل التنزيل ، ويكون المكلّف شاكا لعدم حصول العلم له لا وجدانا ـ بلا إشكال ـ ولا تنزيلا كما هو الفرض ، فيكون موضوعا للاستصحاب وعدم نقض اليقين بالشكّ ، فيكون مقتضى هذا هو الحكم بالخليّة ، ومقتضى دليل الأمارة هو الحكم بالخمريّة فيقع التعارض بينهما بدون الورود.

ومبنى هذا المحقّق في باب ورود الأمارة على الأصل هو أنّ العلم المجعول غاية للأصل ، المراد به هو العلم بالحكم الفعلي لا خصوص العلم بالحكم الواقعي ، ولا شكّ أنّ من تقوم عنده أمارة على وجوب شيء ـ مثلا ـ يعلم بأنّ حكم الله في حقّه فعلا هو وجوب هذا لشيء ، وبهذا يخرج عن موضوع الشاكّ ، وينقطع الأصل الجاري في حال الشكّ في الوجوب.

وأنت خبير بعدم تأتّي ذلك في الشبهة الموضوعيّة ، فمن شكّ في حرمة شرب التتن لو قام عنده خبر العادل الثقة على حرمته يعلم وجدانا بأنّ الحكم الفعلي هو الحرمة بضميمة وجوب العمل على طبق خبر العادل الثقة ، وأمّا من شكّ في خمريّة مائع مع العلم بخليّته سابقا وقام البيّنة على خمريّته فهو لا يحصل له العلم

٣٩١

بالخمريّة ؛ فإنّها غير قابلة للجعل ، فليست كالحكم القابل له ، ومن المعلوم أنّ دليل عدم نقض اليقين بالشكّ إنّما يعتبر اليقين والشكّ فيه في الشبهات الموضوعيّة في نفس الموضوعات، فمفاده أنّ العلم بالخليّة في السابق لا ينقض إلّا بالعلم بالخمريّة وقد عرفت أنّ دليل الأمارة لا يصير سببا للعلم بنفس الخمر وإن كان يصير سببا للعلم بحكمه.

وبالجملة ، فكلّ ما يختاره هذا المحقّق الجليل في ورود الأمارة على الأصل في الشبهة الموضوعيّة نختاره نحن في هذا الباب أعني قيام الأمارات مقام العلم المأخوذ في الموضوع على نحو الكشف ، ونجيب به عن إشكاله قدس‌سره ، فبين اختيارية قدس‌سره في المقامين تهافت وتدافع.

لا يقال : إنّه إذا قام الأمارة على خمريّة المائع المذكور فقد حصل كلا جزئي الغاية ، أحدهما بالتنزيل والآخر بالوجدان ؛ فإنّ الغاية لحكم الأصل وعدم نقض اليقين بالخليّة السابقة هو شيئان ، خمر وعلم به ، وقبل قيام الأمارة ليس شيء منهما محرزا ، وأمّا بعده فالخمر يحرز بالتنزيل ، وأمّا العلم فيحصل حينئذ بالوجدان ؛ إذ بعد قيام الأمارة وإن كان لا يحصل العلم بالخمر الواقعي ، ولكن يحصل العلم بالخمر التعبّدي بالوجدان ، فيتحقّق الخمر المعلوم الذي هو الغاية والموضوع ، نظير إحراز موضوع الكرّ الطاهر بإحراز كريّته بالوجدان وطهارته بالتنزيل.

لأنّا نقول : نعم يمكن إحراز أحد جزئي الموضوع بالتنزيل مع إحراز جزئه الآخر بالوجدان كإحراز جميع أجزائه بالتنزيل ، لكن بشرط أن يكون الجزء المحرز بالوجدان عين ما اخذ في الدليل الأوّل لا شيئا آخر غيره ، وفي المقام الجزء الوجداني هو العلم بالخمر التعبّدي، ولو كان المأخوذ دليل الأصل علما وخمرا منفردين كانا حاصلين ، ولكن من المعلوم أنّ المأخوذ فيه هو الخمر والعلم بالخمر الواقعي لا مطلق العلم ولو بشيء أجنبيّ عن الخمر الواقعي وبعد قيام الأمارة وإن كان نفس الخمر محرزا بدليل التنزيل ، ولكنّ العلم الوجداني غير ما اخذ في غاية حكم الأصل ؛ فإنّه علم بالخمر الواقعي ، وهذا علم بالخمر التعبّدي ، فالعلم الذي هو الجزء غير محرز لا

٣٩٢

بالوجدان ولا بالتنزيل كما هو المفروض ، والعلم الذي هو محرز ليس بجزء.

ثمّ على تقدير تماميّة ما ذكر فمن الواضح عدم اختصاصه بما إذا كان القطع الموضوعي مأخوذا على وجه الطريقيّة ، بل يعمّ ما إذا كان على وجه الصفتية ، فيلزم قيام الأمارة مقام القسم الثاني أيضا بهذا البيان كما هو واضح.

ثمّ إنّه قدس‌سره بعد ما جوّز قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض لم يجوّز قيام الاصول غير الاستصحاب مقامه معلّلا بأنّ قيام المقام ليس إلّا ترتيب ما للواقع من الآثار والأحكام، والاصول ليست إلّا وظائف مقرّرة في حقّ الجاهل.

وفيه أنّ كونها وظائف مقرّرة في حقّ الجاهل في مقام العمل لا يضرّ بقيامها في حقّه مقام العلم بمعنى ترتيب آثار الواقع على مؤدّاها ، فقاعدة الطهارة قائمة مقام العلم بمعنى أنّه يحكم بسببها بجميع آثار موضوع الطاهر كما لو علم بهذا الموضوع ، وهذا أيضا هو الموجود في الأمارة ؛ فإنّها أيضا لا تفيد أزيد من ترتيب الآثار ، فالأمارة على كلّ موضوع تقوم مقام العلم بهذا الموضوع في ترتيب جميع آثاره ، وأصل الطهارة أيضا يقوم مقام العلم بها في ترتيب جميع آثار الطهارة.

وكذا الكلام في قاعدة الفراغ ؛ فإنّها تقوم مقام القطع بالصحّة ، فكما يرتّب على هذا القطع عدم وجوب الإعادة ، فكذا يحكم به بهذا الأصل أيضا ، وهكذا سائر الاصول الشرعيّة.

نعم لا معنى لقيام الأصل العقلي وهو الاحتياط والبراءة مقامه ، ووجهه أنّ الاحتياط ليس إلّا عبارة عن نفس حكم العقل بتنجّز التكليف وكونه ثابتا في رقبة المكلّف وكونه معاقبا بالمخالفة لو كان التكليف موجودا واقعا ، والبراءة ليست إلّا عبارة عن حكم العقل برفع التنجيز واستحقاق العقوبة على تقدير ثبوت التكليف ، ومن المعلوم أنّ العلم إن كان بوجود التكليف فهو موجب للحكم بالتنجّز واستحقاق العقوبة بالمخالفة ، لا أنّ مؤدّاه نفس هذا الحكم ، وإن كان بعدمه فهو موجب لرفع التنجّز والاستحقاق لا أنّ نفس مؤدّاه ذلك.

وبالجملة ، لو كان الاحتياط مؤدّيا إلى شيء يكون من آثاره التنجيز ، وكانت

٣٩٣

البراءة مؤدّية إلى شيء هو موجب لرفع التنجيز صحّ قيامهما مقام العلم ؛ فإنّ مؤدّاه أيضا إمّا منجّز وإمّا رافع للتنجيز ، لكن ليسا كذلك ، بل هما كما عرفت نفس التنجيز العقلي والمعذوريّة العقليّة وليسا مؤدّيين إلى شيء من آثاره أحد هذين.

ثمّ إنّه قدس‌سره بعد ما بيّن عدم قيام الأمارة مقام العلم الموضوعي بيّن عدم قيام الاستصحاب مقامه أيضا ، ولعلّ وجه ذكره بالخصوص مع معلوميّة حاله من الأمارة وعدم كونه أقوى منها أنّ في دليله ذكر لفظ الشكّ واليقين ، فربّما يتوهّم وفائه بتنزيل الشكّ منزلة اليقين فيما إذا كان له دخل في الموضوع ، فصرّح به أيضا دفعا لهذا التوهّم وأنّه لا بدّ إمّا من ملاحظة المتيقّن السابق والمشكوك بجعل اليقين طريقا إلى متعلّقه ليفيد تنزيل المشكوك منزلة المقطوع بلحاظ آثار نفس الواقع ، وإمّا من ملاحظة اليقين والشكّ على وجه الاستقلال ليفيد التنزيل بلحاظ آثار نفس القطع ، وحيث إنّ الدليل ظاهر في اللحاظ الأوّل والجمع بينه والثاني أيضا غير ممكن فتعيّن عدم وفاء دليله بقيامه مقام القطع فيما له دخل في الموضوع.

ثمّ إنّه قدس‌سره ذكر كلاما ذكره في حاشيته مع جوابه ، وحاصل ما ذكره في الحاشية إمكان أن لا يفيد دليل الأمارة والاستصحاب إلّا تنزيل المؤدّى والمستصحب ومع ذلك كان كافيا للتنزيل منزلة القطع ؛ فإنّه إذا حكم بالأمارة أو الاستصحاب بالخمريّة فالقطع بالخمريّة التعبديّة يحصل ، وكما يدّل دليل الأمارة والاستصحاب على تنزيل المشكوك منزلة الخمر يدّل على تنزيل هذا القطع أيضا منزلة القطع بالواقع ؛ للملازمة بين هذين التنزيلين.

وحاصل الجواب أنّ الملازمة ليست بعرفيّة قطعا بحيث يلزم عرفا من الانتقال إلى الأوّل الانتقال إلى الثاني ، كما يلزم من الانتقال إلى تنزيل شخص منزلة الأب لشخص آخر الانتقال إلى تنزيل الشخص الثاني منزلة الابن للشخص الأوّل ، فلو كان حكم مرتّبا على مجموع الابوّة والبنوّة فالتنزيل في أحدهما فقط كاف لإحراز موضوع هذا الحكم بتمامه ؛ فإنّه وإن كان دلالة الدليل على تنزيل أحد الجزءين في طول دلالته على تنزيل الآخر لكنّهما بحسب الواقع في عرض واحد ، ففي مقام

٣٩٤

الثبوت قد نزّل كلاهما في عرض واحد وإن كان في مقام الإثبات قد دلّ على أحدهما في طول الدلالة على الآخر.

وهذا بخلاف المقام ؛ فإنّ الملازمة هنا إنّما يدّعى من جهة عدم لزوم اللغويّة وذلك لأنّ التنزيل يكون في موضوع ذي أثر وفي غيره لغو ، فإذا فرضنا أنّ نفس الخمر لا أثر له ، فالتنزيل فيه إنّما لا يكون لغوا إذا كان جزء آخر للموضوع وهو القطع بالخمر محرزا إمّا بالوجدان أو بتنزيل آخر في عرض التنزيل الأوّل.

ولهذا لو كان هنا دليل خاص على تنزيل هذا الخمر تعيّن القول بالملازمة بين تنزيله وتنزيل القطع بالخمر التعبّدي أيضا منزلة القطع بالخمر الواقعي لئلّا يلزم اللغويّة ؛ فإنّ تنزيل الخمر بدون تنزيل القطع مع فرض عدم كون الخمر ذا أثر لغو وإنّما يخرج عن اللغويّة إذا كان الجزء الآخر محرزا بالوجدان أو بالتنزيل الآخر.

وهذا غير جار في الدليل العام ؛ فإنّ غايته أنّ أصالة العموم محفوظة بالنسبة إلى هذا الخمر فيكشف عن ثبوت التنزيل في القطع أيضا لعدم لزوم اللغويّة ، لكن لا إشكال أنّ التمسّك بإطلاق حكم أو عمومه إنّما يصحّ فيما هو مصداق موضوعه مع قطع النظر عن إجراء عموم الحكم فيه لا فيما يصير مصداقا للموضوع بسبب الإجراء ؛ فإنّه في رتبة الإجراء غير مصداق ، فلا يجري بالنسبة إليه أصالة العموم من باب التخصّص لا التخصيص.

فنحن إذا فرضنا أنّ موضوع دليل العام للتنزيل هو كلّ ذي أثر ، فلا بدّ أوّلا من إحراز كون هذا الخمر ذا أثر ليصير مصداقا للموضوع ليصحّ التمسّك فيه بعموم الحكم وإجراء التنزيل فيه ، وكونه ذا أثر يتوقّف على كون القطع بالخمر الواقعي مورد التنزيل في عرض ذاك التنزيل ، وكونه موردا للتنزيل يتوقّف على دلالة الدليل على تنزيل نفس الخمر لكي يحكم صونا له عن اللغويّة بالتنزيل في القطع أيضا ، وبالجملة ، فمصداقيّته لذي الأثر الذي هو موضوع دليل التنزيل إنّما يتحقّق بسبب إجراء عموم التنزيل فيه ، وبعده فلا يشمله العموم للتخصّص ولا التخصيص.

الأمر الرابع : هل يجب الموافقة الالتزاميّة كالموافقة العلميّة ويحرم المخالفة

٣٩٥

الالتزاميّة كالمخالفة العمليّة أولا؟ فاعلم أوّلا أنّ للمخالفة الالتزاميّة مرتبتين ، الاولى : مجرّد عدم الانقياد القلبي بالحكم الشرعي ، وبعبارة اخرى اللابناء ، والثانية : البناء القلبي على الخلاف مضافا إلى عدم انقياد الحكم وعدم الإذعان به.

ومحلّ الكلام ما إذا لم يكن في البين مخالفة قطعيّة عمليّة لا في زمان واحد ولا تدريجا ، وهو لا محالة يكون فيما إذا دار الأمر في زمان مخصوص يسع عملا خاصّا بين كون هذا العمل الخاص حراما أو واجبا مع العلم بعدم الحرمة والوجوب قبل هذا الزمان وبعده ؛ فإنّ المخالفة القطعيّة من حيث العمل غير ممكن حينئذ ولو بطريق التدريج ، والمخالفة الاحتماليّة لازمة على أيّ حال ؛ لعدم إمكان صدور الفعل والترك معا عن المكلّف ولا خلّوه عنهما وبشرط عدم العلم بالتعبّد به إمّا في الوجوب معيّنا أو في الحرمة كذلك أو كليهما ؛ لوضوح أنّه معه يتحقّق المخالفة القطعيّة كما هو واضح.

وهذا في الشبهة الحكميّة لم نعثر له على مثال ؛ فإنّ الأحكام الشرعيّة ثابتة من أوّل هذه الشريعة إلى الأبد وليس فيها ما يكون دوامه ساعة واحدة مثلا ، حتّى يعلم إجمالا بكون العنوان الفلاني في الساعة الفلانيّة من اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية إمّا واجبا وإمّا حراما ، مع كونه خاليا عن الوجوب والحرمة قبل هذه الساعة وبعدها إلى الأبد.

نعم له مثال في الشبهة الموضوعيّة ، وهو كما إذا علم بصدور حلف منه متعلّق بالمرأة الفلانيّة في الساعة الاولى من ظهر يوم الجمعة الفلاني بقدر زمان يسع الوطي الواحد فقط ، ولم يعلم أنّه حلف على وطئها فيها أو على ترك الوطي ؛ فإنّ الأمر دائر حينئذ بين الوجوب والحرمة في الشيء الواحد والزمان الواحد ، ومن المعلوم أنّه لا يخلو من الفعل والترك في هذا الزمان ، فينازع في مثل ذلك في أنّه هل يحرم عدم البناء على شيء أصلا والبناء على عدم الوجوب والحرمة معا أولا؟.

فنقول : إن كان مقصود المدّعي أنّ المكلّف يكون عالما بالإلزام على نحو الإجمال فيلزم عليه الانقياد والتصديق القلبي على قدر علمه وبمقدار معلومه ، فيلزم الاعتقاد بأصل الإلزام على ما هو عليه واقعا من الوجوب والحرمة ، فالظاهر أنّه

٣٩٦

مسلّم ؛ فإنّ معنى الإيمان والإسلام والتصديق بما جاء به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله هو انقياد ما علم أنّه حكم الله من غير فرق بين علمه تفصيلا أو إجمالا ، فإن كان تفصيليّا فعلى نحو التفصيل ، وإن كان إجماليّا فعلى نحو الإجمال كما فيما نحن فيه.

ويشهد لذلك مراجعة الوجدان في من يشرب الخمر معتقدا أنّه معصية المولى ومن يشربه مستحلّا له أو غير بان على شيء أصلا (١) ؛ فإنّ الثاني والثالث أغلظ من

__________________

(١) ذهب شيخنا المرتضى قدس‌سره إلى أنّه لو ترك شرب الخمر ولكن كان بانيا على حليّته فلا بأس ؛ إذ لا دليل على وجوب عقد القلب على كلّ حكم تفصيلا ، وإنّما المسلّم في تحقّق الإسلام عقد القلب على العنوان الإجمالى الذي هو كلّ ما جاء به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفيه أنّه نعم لا يكون شرطا في الإسلام أن يكون عالما بالأحكام تفصيلا بواقعها وبانيا عليها على التفصيل حتى يلزم كفر الجاهل بالأحكام الفرعيّة كلّا أو بعضا بالجهل البسيط أو بالجهل المركّب ، بل يكفي عقد القلب على أنّ كلّ ما جاء به النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إجمالا حقّ ومن جانب الله عزوجل ، وهذا أمر علاوة على الاعتقاد الجناني الذي هو عبارة عن اليقين والجزم بالحقيّة الحاصل لتمام الكفّار الجاحدين في زمانهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فإنّه اتّضح الأمر عليهم أجلى من الشمس في رابعة النهار ، ولكن كانوا جاحدين.

والمراد بالجحود ليس هو الإنكار اللساني ، بل يجتمع مع الخرس وعدم التكلّم أيضا وهو الإباء القلبى عن قبول أحكامه ورسالته والتزامه وعقد القلب على خلاف أحكامه والعتوّ والتمرّد عن الدخول تحت إطاعته وامتثال أو امره ، والطغيان والاستكبار عن تذليل النفس له ولرسالته وما يقابل هذا ، وهو الذي يعتبر في تحقّق الإسلام والاقرار اللساني كاشف عنه وليس له موضوعيّة.

ولذا يتحقّق الإسلام مع الخرس وعدم التكلّم وهو التباني وتذليل النفس وتوطينها على انقياد حكمه وقبول رسالته وعقد القلب والالتزام بها ، وهو أيضا أمر قلبي باطني كالعلم والجزم ولكنّه غيرهما.

والحاصل أنّه وإن كان لا يعتبر في الإسلام زيادة على الاعتقاد وعقد القلب الجنانيين على صحّة وحقيّة كلّ ما جاء به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على سبيل الإجمال ، ولكن كما ـ

٣٩٧

الأوّل قطعا ؛ فإنّهما مستخفّان بحكم المولى ، والأوّل غير مستخفّ به ، بل قابل له ، وبالجملة التفرقة بينهما في مراتب الاستحقاق لعلّه من أوائل البديهيّات ، وليس منشأ ذلك إلّا المخالفة الالتزاميّة الموجودة في الأخيرين دون الأوّل.

فيكون هذا شاهدا على المدّعى فيما نحن فيه وهو صورة العلم الإجمالى وعدم إمكان المخالفة القطعيّة العمليّة ؛ لعدم الفرق بينها وبين صورة العلم التفصيلي وإمكانها ، فإذا كانت المخالفة القطعيّة الالتزاميّة محرّمة في الثانيّة فهي كذلك في الاولى أيضا ولا يعقل التفكيك ، وبالجملة يلزم الانقياد القلبي على طبق العلم وحذوه ، إن تفصيليّا فتفصيليّا ، وإن إجماليّا فإجماليّا.

وإن كان المقصود لزوم عقد القلب على الشخص المعيّن من الحكم بمعنى أنّه يلزم في المثال البناء على خصوص ما كان واقعا ثابتا من الوجوب أو الحرمة أو كان هو بالخيار في تعيين أحدهما ، فإمّا يبنى على شخص الوجوب أو على شخص الحرمة ، فيكون حال الموافقة الالتزاميّة في مورد العلم الإجمالي حال الموافقة العمليّة في مورد العلم الإجمالي ، فكما يجب الموافقة القطعيّة وقد يجب الموافقة الاحتماليّة عملا في صورة العلم الإجمالي ، فكذلك الحال في الموافقة الالتزاميّة.

ففيه أنّ الأوّل وهو الالتزام والبناء على خصوص الحكم الواقعي غير ممكن

__________________

ـ لا يجتمع هذا الاعتقاد فيما إذا علم وجدانا بأنّ الشيء الفلاني مصداق ما جاء به مع الاعتقاد بعدم حقيّة هذا المصداق ، ولا محالة يكون هذا استثناء من تلك الكليّة ؛ ضرورة أنّه لا يمكن الاعتقاد بالموجبة الكليّة مع السالبة الجزئيّة ؛ فإنّهما متناقضان ، كذلك التباني وعقد القلب على تلك الكليّة الإجماليّة أيضا لازم وجوده الذي لا ينفكّ عنه أنّه إذا صار مصداقه تفصيليّا صار هو أيضا تفصيليّا قهرا ، وإلّا يكشف عن عدم الإجمال أيضا.

ولهذا ذكروا أنّه لا ينفكّ إنكار الضروري أو التشكيك فيه عن إنكار الرسالة وحقيّة ما جاء به ، أو التشكيك في ذلك مع الالتفات إلى كونه ضروريا واصلا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أيدي الناس ، فحينئذ لا محالة يكون عقد القلب على بعض ما جاء به دون تمامه ، منه قدس‌سره.

٣٩٨

لكونه تكليفا بما لا يطاق ؛ لفرض عدم العلم بهذا الحكم الشخصي ، والثاني وهو الالتزام والبناء على خصوص أحد الحكمين على نحو التخيير وإن كان ممكنا ولكن لا دليل يدلّ على ثبوت هذا التكليف التخييري ، وإذا لم يثبت الدليل جاء حرمته من باب التشريع ؛ فإنّ البناء على خصوص وجوب الوطي في المثال أو خصوص حرمته إدخال لما لا يعلم أنّه من الدين في الدين ، فيشمله أدلّة حرمة التشريع ، فيكون موافقة احتماليّة للحكم الواقعي ومخالفة قطعية لحرمة التشريع.

وربّما يتوهم أنّ الدليل تنقيح المناط فيما ورد في الخبرين المتعارضين من جعل أحدهما طريقا على التخيير ، وأنّ المناط هو الحكمان المشتبهان اللذان دلّ عليهما الخبران ، لا خصوص كونهما خبرين ، فإذا دلّ أحدهما على وجوب الجمعة والآخر على حرمته فالمكلّف يشكّ في أنّ حكم الله هو الوجوب أو الحرمة؟ فالتخيير يكون من هذا الحيث ، فيجري في كلّ ما إذا دار الأمر بين حكمين شرعيين ، فمعنى الأخذ بما دلّ على الوجوب هو الأخذ بالوجوب ، ومعنى الأخذ بما دلّ على الحرمة هو الأخذ بالحرمة.

وفيه أنّه تابع لإثبات كون المناط هذا ، وأنّى لأحد بإثباته ، فلا يمكن العلم به ، وإن كان لو علم مناطيّة ما ذكر صحّ إجراء الحكم في غير مورد الخبرين المتعارضين بتنقيح المناط.

ثمّ بعد تبيّن عدم لزوم البناء على واحد شخصي على التخيير فإن قلنا بأنّ أدلّة حليّة كل مشتبه من مثل قوله عليه‌السلام : كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي غير شاملة إلّا لما إذا شكّ في أصل الإلزام كما إذا كان أحد الطرفين الوجوب والآخر الإباحة ، فهي غير شاملة للمقام ممّا يكون أصل الإلزام فيه متيقّنا ، وحينئذ فمن حيث أصل الإلزام حيث إنّه عالم يلزم الانقياد قلبا ، ومن حيث التعيّن والشخص فحيث إنّه جاهل لا يجب عليه شيء.

وإن قلنا بشمول تلك الأدلّة لمثل المقام فيجب هنا عليه التزامان الالتزام بالإلزام الواقعي أيّا ما كان ، والالتزام بالإباحة والحليّة ، ولا منافاة بين الالتزامين

٣٩٩

كما لا منافاة بين نفس الحكمين ؛ فإنّ أحدهما بحسب مرحلة الواقع والآخر بحسب مرحلة الظاهر ، فمن حيث مرحلة الواقع المكلّف عالم بأصل الإلزام وجاهل بشخصه ومنقاد بالإلزام الإجمالي ، ومن حيث مرحلة الظاهر بان على حليّة كلّ مشتبه الحرمة ومنه المقام.

والمحصّل أنّ محلّ الكلام أنّ المخالفة العمليّة في مورد العلم الإجمالي ، كما أنّها مانعة عن جريان أصالة الإباحة في الأطراف كذلك الالتزاميّة أيضا أولا؟.

فلنفرض الكلام في صورة لم يكن مانع عن جريانه من جهة العمليّة وكان ممحّضا في الالتزاميّة كالشبهة الموضوعيّة التي مثّلنا بها ، فالمدّعي للمانعيّة لا بدّ وأن يقول : كما أنّ العلم الإجمالي ينجّز التكليف في مقام العمل في خصوص الأطراف ، ففي ما علم بوجود إناء نجس بين إناءين يوجب الموافقة العمليّة في خصوص شخص هذا الطرف وذاك الطرف ، كذلك يوجب تنجزّ التكليف في مقام عقد القلب في خصوص الطرف.

ففي ما علم بالتكليف المردّد بين الوجوب والحرمة يجب الالتزام بخصوص شخص الوجوب أو شخص الحرمة ، نظير الالتزام بطريقيّة أحد الخبرين عند التعارض ؛ فإنّه حينئذ لا يمكن إجراء أصالة الإباحة ؛ فإنّه وإن كان لا مانع من حيث المخالفة العمليّة ـ إذ القطعيّة منها غير ممكنة والاحتماليّة غير منفكّة ، وأمّا من جهة المخالفة الالتزاميّة فالمانع موجود ؛ إذ لا يمكن عقد القلب في فعل واحد في زمان واحد على وجوبه أو حرمته وعلى إباحته ـ ولكن قلنا : إنّ المقدار الذي تعلّق به العلم وهو مجرد التكليف الحتمي الإلزامي من غير تعيين كونه أمرا أو نهيا يلزم التصديق والبناء القلبي به ، وأمّا الزائد على هذا بأن وجب عقد القلب على خصوص الأمر أو خصوص النهي فإن كان خصوص الواقع فمحال ، وإن كان خصوص أحد الطرفين مخيّرا فممكن ، لكن لا دليل عليه ، فيكون مشمولا لأدلّة التشريع ويصير موافقة احتماليّة للتكليف المعلوم ومخالفة قطعيّة لدليل التشريع.

وإذن فينحصر المانع في الالتزام بما تعلّق به العلم أعني التكليف الإلزامي و

٤٠٠