أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

علم بصدقه في هذا القول ، وفرض أنّ هذا الفعل لا مزاحم لصدوره من المخاطب أصلا ، فلا شك أنّه يحدث بذلك في نفس المخاطب ميل تامّ إلى هذا الفعل ، أعني : المشي بالإرادة ، فهل هو حينئذ يتأسف عجزه عن الإتيان وفوت تلك المنفعة الكبيرة ، أو يبادر بالإتيان ويدركها؟ الوجدان قاطع بالثانى.

وأيضا لا شك أنّ إتمام الصلاة ليس أثرا لإقامة العشرة بل للعزم عليها سواء اقيم أم لا، ولا ريب أنّ المسافر قد يتّفق أنّه لا يكون له من الإقامة منفعة أصلا ، بل لمحض إتمام الصلاة يعزم على الإقامة ..

فإن قلت : فكيف الحال لو كان نفس الفعل مبغوضا بمبغوضيّة أشدّ من محبوبيّة نفس الإرادة؟.

قلت : مفروضنا صورة اجتماع المبادي في نفس الإرادة ، ومن جملتها عدم المزاحم ، والمبغوضيّة المذكورة مزاحم ، فالآمر بالأوامر الامتحانيّة يوجد في نفسه عقد القلب على إيقاع الفعل من الغير ويدرك نتيجته ، ضرورة أنّ الارادة الآمرية ليست بأقوى من الإرادة الفاعليّة غاية الأمر أنّه لو كان الفعل مبغوضا له يمنع من وجوده في الخارج.

فإن قلت : الفائدة إنّما هي في التلفظ بالأمر وإن لم يكن الإرادة النفسانيّة موجودة ، فهي مستغن عنها فلا حاجة إلى التكلّف في إثبات وجودها.

قلت : الداعي إلى ذلك هو الفرار عن كون تلك الأوامر مهملة ؛ إذ من البعيد ذلك، والوجدان يشهد بأنّها على نسق غيرها مستعملة في المعنى ، نعم يكون الأمر فيها سهلا على القول بأنّ الإرادة قسمان حقيقي ، واعتباري إنشائي ، والثاني تحقّقه باللفظ مع القصد، فهيئة الأمر مستعملة أبدا في الثاني ، لكن قد عرفت أنّه لا معنى لذلك.

٢١

ومن هنا ظهر كون الإرادة اختياريّة وبطلان ما تمسّكوا به على عدم اختياريّته من لزوم التسلسل على تقدير اختياريّته بتقريب أنّ الفعل الاختياري ما كان مسبوقا بالإرادة ، فلو كانت الإرادة اختياريّة لزم أن تكون مسبوقة بإرادة اخرى وهي بإرادة ثالثة ، وهكذا إلى غير النهاية.

وجه البطلان أنّ التسلسل إنّما يلزم لو لم يكن للإرادة مبدأ سوى الإرادة ، وقد عرفت أنّها إمّا أن تكون موجودة من جهة المبادي في متعلّقها ، وإمّا أن تكون موجودة من جهة المبادي في نفسها ، فعلى الأوّل فلا شكّ أنّ علّتها هي تلك المبادي ، وعلى الثاني فحالها حال الفعل الخارجي ، فكما أنّه معلول للإرادة فكذا هذه أيضا معلولة لإرادة ثانية وهذه الإرادة الثانية بالنسبة إلى الإرادة الاولى حالها حال الإرادات الآخر بالنسبة إلى متعلّقاتها ، فكما أنّها معلولة للمبادي في المتعلّقات فكذا هذه أيضا معلولة للمبادي في الإرادة الاولى.

وظهر ممّا ذكرنا أيضا أنّ الإرادة التي توجد من جهة المبادي في نفسها اختياريّة ؛ لأنّ حالها حال الفعل الخارجي بعنيه. وأمّا الإرادة التي توجد من المبادي في المتعلّق سواء كان إرادة أم فعلا خارجيّا فلازم ما ذكرنا أنّها اختياريّة أيضا.

بيان ذلك أنّ الشخص كما يكون مختارا وواليا على فعله الصادر عن إرادته ، كذلك قد يصير واليا ومختارا على فعل غيره الغير المستند إلى إرادته ، والدليل على ذلك أنّ مجيء زيد في الدار فعل له موجد بإرادته لا بإرادة صاحب الدار ، لكن لصاحب الدار أن يمنع من تحقّق هذا الفعل بإغلاق الباب ونحوه ، وله ترك ذلك ، فالمجيء وعدم المجيء وإن كان كلاهما صادرا عن إرادة زيد لكن لصاحب الدار دخل وعليّة فيهما ، فولاية الوقوع واللاوقوع ثابتة لصاحب الدار ، ولا نعني بالاختياريّة إلّا ذلك.

٢٢

فإن قلت : إنّ صاحب الدار إنّما يمانع بالإرادة فهو غير خال عن الإرادة في هذا الفعل الاختياري أعني مجيء زيد وعدم مجيئه ، فحاله حال سائر الأفعال الاختياريّة المسبوقة بالإرادة.

قلت : نعم لا يخلو عن الإرادة ، لكنّ المدّعى أنّ المجيء وعدمه لا يستندان إلى إرادة صاحب الدار إيّاهما ، بل إلى إرادة زيد.

فإن قلت : مجيء زيد وعدمه ليسا باختياريّين لصاحب الدار وإنّما اختياريّته هو ايجاد المانع وعدمه وبينهما بون بعيد.

قلت : إذا كان إيجاد المانع اختياريّا له فثمرته وهو عدم المجيء أيضا اختياريّة ؛ فإنّ المقدور بالواسطة مقدور ، وإذا كان عدم المجيء اختياريّا له فوجود المجيء أيضا اختياريّة ؛ إذ القدرة إنّما يتعلّق بالطرفين لا بطرف واحد.

فإن قلت : إنّ عدم المجيء ليس مسبّبا عن إيجاد المانع بل عن إرادة زيد إيّاه ، وبالجملة فالأوّل ليس في طول الثاني بل في عرضه.

قلت : مدّعانا لا يتوقّف على إثبات السببية والترتيب بينهما بل يحصل مع كونهما في عرض واحد ، والدليل على ذلك أنّه لو تنازع زيد وعمرو في مكان واحد أراد كلّ منهما الجلوس فيه فلا شكّ أنّ زيدا لو خلّى المكان لعمرو فجلس العمرو فيه يكون لزيد ولاية على هذا الجلوس ، مع أنّ عدم جلوسه ليس سببا له.

فنقول إذا صار محبوبيّة الفعل مشرفة بأن يوجد العزم والإرادة في النفس فلا شكّ أنّ الشخص متمكّن من أن يمانعها من ذلك ويوجد بسرعة الإرادة المضادّة في نفسه قبل أن يوجد المحبوبيّة إرادة الفعل فيها.

فإن قلت : إنّ المحبوبيّة علّة تامّة للإرادة فكيف يمكن انفكاكها عنها.

قلت : ليس المحبوبيّة علّة تامّة للإرادة بل لعدم المزاحم أيضا دخل في تحقّقها.

٢٣

فإن قلت : لا معنى لوجود المزاحم بين المحبوبيّة والإرادة ، لعدم الفصل بينهما ، وبالجملة متى تحقّق المحبوبيّة التامّة تحصل إرادة الفعل بسرعة ، ولا يمهل الإرادة المضادّة أن يوجد قبلها.

قلت : لو كان الفعل في عين الصلاح بحيث لا يشوبه ذرّة مفسدة ولكن كان في نفس إرادته مفسدة أعظم من مصلحة نفسه فهل ترى نفسك تقدم عليه؟.

فإن قلت : إنّا لو فرضنا أنّ الفعل في غاية المحبوبيّة وبلا مزاحم ، ونفس الإرادة أيضا بلا مزاحم ، وحينئذ فكيف يمكن عدم وقوعها؟.

قلت : لو كانت الإرادة غير اختياريّة فما شأن المريد يلاحظ في وجودها وعدمها الضرّ والنفع ووجود المزاحم وعدمه ، ولو كانت غير اختياريّة لوجب أن يوجد سواء كان ضارّا أم نافعا كحركة المرتعش ، أو لا يوجد كذلك كالطيران إلى السماء ، كيف وحال الإرادة في ذلك حال الفعل الخارجي بعينه ، حيث إنّه أيضا لو تمّ صلاحه وفقد مزاحمه من جميع الجهات لم يعقل من العامل أن يتركه ، وأيضا يلاحظ في فعله وتركه الضرّ والنفع ، فإذا كان حال الإرادة في جميع ذلك حال الفعل الخارجي بلا فرق كفى ذلك في المطلوب.

* * *

٢٤

«فصل»

لا شكّ أنّ صحّة المجاز لا يتوقّف على ترخيص الواضع بحيث يكون حاله حال الحقيقة في التعبّد به ، ويكون الفرق أنّ الوضع هناك شخصيّ وهنا نوعي ؛ ضرورة أنّه لو سمّى زيد ابنه باسم يصحّ استعمال هذا الإسم في مشابه الابن مع أنّ ترخيص واضع اللغة لا ربط له بوضع زيد ، وكذا لا يتوقّف على وجود إحدى العلاقات المضبوطة بين المعنى المجازى والحقيقى ، بل يتوقّف على استحسان الطبع ، فكلّ معنى غير المعنى الحقيقي استحسن طبع أهل العرف استعمال اللفظ فيه صحّ الاستعمال فيه ، وكلّ معنى ليس كذلك لم يصحّ.

وبعبارة اخرى يتوقّف على الانس بين اللفظ والمعنى ، نعم منشأ هذا الانس غالبا هو المناسبة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي ، وقد ينفكّ الانس عن المناسبة كما في استعمال اللفظ في اللفظ ، فإنّه صحيح مجازا كقولك : ضرب فعل ماض ، ومن المعلوم أنّه لا مناسبة حينئذ بين المعنى المجازي وهو اللفظ والحقيقي وهو المعنى ، بل ينفكّ المجاز عن الحقيقة كما في استعمال اللفظ المهمل في اللفظ كقولك : ديز مهمل ، فإنّه مجاز لعدم كونه حقيقة ولا غلطا ، فلا يكون في البين معنى حقيقي فضلا عن المناسبة بينه وبين المعنى المجازي.

«فصل»

لا إشكال في صحّة استعمال اللفظ في نوعه كقولك : ضرب فعل ماض ، وكذا في صنفه كقولك : ضرب في «زيد ضرب» فعل ماض ، وكذا في شخص مثله كقولك : ضرب فعل ماض مريدا به شخص ضرب الصادر من لافظ ، وأمّا استعماله في نفسه كزيد في قولك : زيد لفظ ، أو مركّب من ثلاثة أحرف إذا أردت به شخص نفسه ، فقال في الفصول : في صحّته بدون تأويل نظر ، لاستلزامه اتّحاد الدال والمدلول أو تركّب القضيّة من جزءين انتهى.

٢٥

أقول : الترديد باعتبار الاستعمال في النفس وعدم الاستعمال ، فرتّب على الأوّل اتّحاد الدالّ والمدلول ، وعلى الثاني تركّب القضيّة من جزءين ، وما ذكره في الشقّ الأوّل صحيح ولكن الشقّ الثاني مستدرك ؛ لأنّ المفروض استعمال اللفظ في نفسه ، ففرض عدم الاستعمال خروج عن المفروض.

والإنصاف عدم جواز استعمال اللفظ في شخص نفسه لما ذكره المستدلّ من الاتّحاد؛ فإنّ قضيّة الاستعمال أن يتعقّل معنى ويجعل اللفظ حاكيا ومرآتا ، وهذا لا يتحقّق إلّا بالاثنينيّة والتعدّد.

لا يقال : يكفي التعدّد الاعتباري بأن يقال : إنّ لفظ زيد مثلا من حيث إنّه لفظ صدر عن المتكلّم دالّ ، ومن حيث إنّ شخصه ونفسه مراد مدلول.

لأنّا نقول : هذا النحو من الاعتبار يطرئه بعد الاستعمال ، فلو أردنا تصحيح الاستعمال بهذا النحو من التعدّد يلزم الدور.

ولكن أورد في الكفاية على ما ذكره في الشقّ الأوّل بأنّه يمكن أن يقال بكفاية التعدّد الاعتباري بين الدالّ والمدلول ، فيكون اللفظ باعتبار أنّه لفظ صادر من المتكلّم دالّا ، وباعتبار أنّه مراد له مدلولا.

أقول : وهذا يستلزم الدور ؛ لأنّ وصف الداليّة والمدلوليّة يتوقّف على التعدّد وهو يتوقّف على وصف المراديّة ، ووصف المراديّة مع وصف الداليّة والمدلوليّة في مرتبة واحدة ، فما يتوقّف على الأوّل يتوقّف على الثاني أيضا.

«فصل»

هل يمكن أن يقال زيد مجردا عن الدلالة على شيء أصلا بقصد إلقاء الموضوع في عالم الخارج ويحكم على الصوت الخارجي المشتمل على «زاء» «ياء» «دال» بأنّه لفظ أو لا يمكن؟ توضيح المقام يحتاج إلى بيان مقدّمتين.

الاولى : لا شكّ أنّ تركيب القضيّة لا يمكن إلّا بتوسيط الذهن ، فلا بدّ أن يكون الحمل بين شيئين ذهنيين في طرف التقرّر ؛ ضرورة اقتضاء الحمل وجود شيئين بجعل

٢٦

أحدهما موضوعا والآخر محمولا ، وذلك يكون أبدا في الذهن ، ولا بدّله من الايجاد إمّا في ظرف الخارج أو في ظرف الذهن ليكون الحمل باعتباره ، وذلك بأن نلاحظ في الذهن صورة الموضوع مجرّدا عن المحمول ، وصورة المحمول مجرّدا عن الموضوع ونقطع النظر عن وصف الذهنيّة والتجريد ، ونحكم بأنّ هذين الشيئين الذين هما اثنان في ظرف التقرّر واحد في الخارج أو في الذهن ، فعلم أنّ وصف تجريد كلّ من الموضوع والمحمول من الآخر لا بدّ منه في تحقّق القضيّة وهو لا يتحقّق في الخارج ؛ ضرورة أنّهما فيه واحد ، فالموضوعيّة والمحموليّة وصفان طارئان على الذهني في ظرف التجريد بلحاظ حكايته عن الواقع ، لا على الخارجي بخارجيته، فبمجرّد تحقّق زيد قائم في قائم الخارج لا يتحقّق القضيّة ما لم ترتب صورتها في ذهن ذاهن.

الثانية : لا بدّ أن يكون الموضوع منظورا إليه بالنظر الفراغي ، يعنى يفرض مفروغا عن وجوده في موطنه من خارج أو ذهن وإن لم يكن موجودا واقعا فلنفرض كذلك كما في موضوع القضيّة الكاذبة ، ضرورة أنّ إثبات اللوازم والأحكام لشيء فرع ثبوت هذا الشيء وبعد الفراغ عن نفسه ، فالمتكلّم بالقضيّة المريد لإثبات المحمول للموضوع يكون نظره إلى الموضوع نظرا فراغيّا لا محالة ، ولا يمكن إثبات شيء لشيء في غير هذا النظر ، ومفروغيّة كلّ شيء بحسبه ، ففي مثل «الإنسان حيوان ناطق» أو «زيد موجود» هي مفروغيّة الطبيعة المقرّرة بحسب ظرف التقرّر وفي مثل «زيد قائم» هي مفروغيّة الوجود الخارجي ، وفي مثل «علمي قليل» هي مفروغيّة الوجود الذهني.

إذا عرفت المقدمتان علم أنّ زيدا في المثال لا يكون موضوعا من جهتين ، الاولى : أنّه أمر خارجي ، وقد مرّ في المقدّمة الاولى أنّ الخارجي لا يتّصف بالموضوعيّة ، الثانية : أنّه غير متصوّر بالتصوّر الفراغي بل بالتصوّر المقدّمي للايجاد ، وهو غير كاف في الموضوع ، فلا بدّ أن يتصوّر ثانيا مفروغا عنه ، فيكون هذا المتصوّر الثاني موضوعا.

٢٧

لكن في الكفاية بعد تصوير جعل شخص اللفظ موضوعا فيما إذا كان الحكم معلّقا عليه من حيث الخصوصيّة عمّم ذلك لصورتي إرادة النوع والصنف فقال : بل يمكن أن يقال: إنّه ليس أيضا من هذا الباب أي باب الاستعمال ، بل يكون من باب الموضوع ما إذا اطلق اللفظ واريد به نوعه أو صنفه ، إلى قوله قدس‌سره : الخامس.

وحاصل مجموع الكلام من الاستدراك وما قبله إلى أنّ القضايا التي حكم فيها على اللفظ على قسمين ، لأنّه إمّا أن يكون الحكم فيها ساريا إلى الفرد الذي تكلّم به المتكلّم ، وإمّا أن لا يكون ساريا إليه ، فعلى الثاني كما في قولنا : «ضرب فعل ماض» أو «زيد في ضرب زيد فاعل» تعيّن كون التكلّم بالموضوع من باب الاستعمال.

وعلى الأوّل كما في قولنا : «ضرب ثلاثي» أو «زيد في ضرب زيد لفظ» يمكن أن يكون من باب الموضوع ، بأن كان المتكلّم وإن أحضر شخص اللفظ للمخاطب إلّا أنّه حكم بلحاظ الجامع ومع إلغاء الخصوصيّة لا بلحاظها.

ويمكن أن يكون من باب الاستعمال بأن يكون لفظ زيد في المثال مثلا مستعملا في جامع «زاء ياء دال» على هذه الهيئة نوع استعمال الالفاظ في معانيها ، وقد عرفت أنّ شخص اللفظ لا يصلح للموضوعيّة ؛ لكونه متصوّرا بالتصوّر الإيجادي وهو غير كاف في الموضوع بل لا بدّ أن يتصوّر مفروغا عنه ، ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان الحكم معلّقا على شخص اللفظ أو على الجامع.

فنقول في المقام : لا شكّ أنّ المتكلّم لا بدّ أن يتصوّر الجامع قبل المحمول ، فهذا الجامع المتصوّر يكون موضوعا ، وإيجاد اللفظ غير مرتبط به.

«فصل»

هل الألفاظ المفردة موضوعة بإزاء المعاني المتقرّرة المعرّاة عن الوجود الخارجي والذهني أو لها بوصف كونها ملحوظة في الذهن؟ قد استدلّ للأوّل بأنّ الثاني مستلزم لثلاثة توال فاسدة :

الأوّل : أنّ من المعلوم صحّة الحمل في القضايا من دون تجريد ، وعلى هذا يتوقّف

٢٨

صحّته على التجريد ؛ ضرورة أنّ مفهوم زيد المقيّد باللحاظ الذهني مباين لمفهوم قائم المقيّد به ، وكلّ منهما مباين للخارج ، فلا يحمل أحدهما على الآخر ، ولا شيء منهما على الخارج ، والقيد وإن كان خارجا إلّا أنّ التقيّد داخل ، فصحّة الحمل يتوقّف على تجريد اللفظ من جزء معناه وهو التقيّد باللحاظ.

الثاني : أنّ من المعلوم توقّف الاستعمال على تصوّر المعنى بتمامه ، فلو كانت الألفاظ موضوعة بإزاء المعاني المتصوّرة يلزم أن يكون الاستعمال محتاجا إلى تصوّرين ، الأوّل تصوّر ذات المعنى للتكميل ، والثاني تصوّر المعنى المتصوّر للاستعمال ، والوجدان شاهد بكفاية تصوّر واحد في مقام الاستعمال.

الثالث : يلزم أن يكون وضع مثل لفظ الإنسان والأسد والغنم ونحوها من أسماء الأجناس عامّا والموضوع له خاصّا ؛ وذلك لأنّ المفهوم المقيّد بالتصوّر الخارجي جزئي حقيقي.

فإن قلت : إنّا نأخذ التصوّر قيدا لكن لا بخارجيّته ، بل بما هو مفهوم كسائر المفاهيم له خارج وهو النفس ، وذهن وهو تصوّر هذا المفهوم ، وتقرّر ، ومن المعلوم أنّ ضمّ كلّي إلى كلّي آخر لا يصيّره جزئيّا حقيقيّا ، فيكون معنى لفظ الأسد مثلا هو الأسد المتصوّر.

قلت : منشأ هذا النزاع كون المستعمل في مقام الاستعمال محتاجا إلى التصوّر الفعلي للمعنى فقيل بجزئيّة هذا التصوّر للمعنى ، وقيل بعدم جزئيّته ، وأنت إذا تسلّمت عدم جزئيّته فلا داعي لك إلى إدخال مفهوم من المفاهيم المتقرّرة في المعنى لتكون دائرة المعنى بسببه مضيّقا.

والجواب عن الأوّل أوّلا بالنقض بأسماء الأجناس ؛ فإنّها موضوعة للجهة الجامعة ، وهي عبارة عمّا يؤخذ من الأفراد بعد إلغاء جميع الخصوصيّات ، فالتجريد عن جميع الخصوصيّات مأخوذ قيدا وحالا لمعنى هذه الألفاظ ، ومن المعلوم أنّ المعنى المتّصف بالتجريد يباين الخارجيّات ، فكيف يصحّ حمله عليها؟ ولو لم يكن نفس المعنى مجرّدا بل كان أعمّ بحيث لائم مع المجرّد ومع غيره لوجب أن يكون

٢٩

استعمال اللفظ في الخاص من حيث الخصوصيّة حقيقة ، وظاهرهم الإطباق على مجازيّته.

فإن قلت : فرق بين اللابشرط القسمي والبشرطلا ، وبعبارة اخرى بين عدم اللحاظ ولحاظ العدم ، والمقام من قبيل الأوّل لا الثاني ، فالواضع لم يلاحظ مع المعنى شيئا من الخصوصيّات لا أنّه لا خط التجريد معه.

قلت : مفهوم الرجل مثلا له ثلاثة تصوّرات :

الأوّل : تصوّر زيد ، فإنّه تصوّر للرجوليّة المندكّة فيه ،

الثاني : تصوّر الرجل الأسود.

الثالث : تصور الرجل ، فإن كان الموضوع له هو المقسم لهذه الثلاثة لزم أن يكون استعمال لفظ الرجل في الزيد حقيقة ، فلا بدّ أن يكون الموضوع له هو التصوّر الأخير ، ولا شكّ أنّه متقوّم بالتجريد بحيث يلزم من انتفاء التجريد انتفائه ، وهذا معنى القيديّة.

وعلى هذا فيكون ضمّ الخصوصيّة إلى معنى لفظ الرجل كضم الحجر إليه ، غاية الأمر أنّه متّحد مع الخصوصيّة في الخارج ، ومن المعلوم أنّ شيئا من الخارجيّات لا يكون متّصفا بالتجريد البتّة.

وكذا الكلام فيما نحن فيه ؛ فإنّه إذا تصوّر أحد مفهوم الرجل وكان تصوّره طريقا وحاكيا للخارج ، وتصوّره آخر وكان قيد الملحوظيّة ملحوظا عنده مستقلا ، فإذا اطّلع ثالث عليهما فكما أنّه يرى الثاني مقيّدا باللحاظ ، فكذا الأوّل بلا فرق ؛ ضرورة أنّ الوجود الذهني كالوجود الخارجي ، فكما أنّ الزيد في الخارج مقيّد بالوجود الخارجي فكذا مفهوم الرجل أيضا في ذهن اللاحظ الأوّل مقيّد باللحاظ الذهني ، غاية الأمر أنّ اللاحظ الأوّل قد استطرق بتصوّره إلى الواقع ولم يأخذه موضوعا ولم يلحظه مستقلا ، والثاني قد أخذه موضوعا ولاحظه مستقلا ، فالواضع تعهّد على أنّه متى تعقّل المعنى مستطرقا إلى الواقع تكلّم باللفظ فيصير اللفظ بذلك أمارة على تعقّل المعنى كذلك ، والاستعمال عبارة عن جريه على طبق تعهّده ، فاللفظ حاك عن

٣٠

الصورة الذهنيّة وهي حاكية عن الخارج.

فنقول في مقام الحلّ : إنّ التصوّر الاستطراقي لا يراه اللاحظ مستقلا حين لحاظه وإن كان ربّما يلتفت إليه كالتفات العالم إلى علمه والناظر بالباصرة إلى نظره ، بل يتخيّل أنّه ليس في البين إلّا ذات المعنى ، ولهذا يقبح عنده حمله على الخارجيّات بخلاف الثالث الذي يرى تقيّد المعنى في ذهنه باللحاظ ؛ فإنّه يحكم بمباينته للخارجيّات ، فالواضع وضع اللفظ لمعنى يكون متحقّقا مع تتمّته في ذهن المستعمل أبدا ، لكن المستعمل حين الاستعمال لا يرى هذه التّتمة ، وهذا نظير ما عرفت في الحروف من أنّها موضوعة لمعان لا يمكن للمستعمل لحاظها مستقلا حال الاستعمال ، بل لا بدّ من لحاظها حالة في الغير أبدا.

فكما وضع الواضع اسم الجنس للمعنى المتّصف بالتجريد ، لكن إذا قطع النظر عن تجريده ولم يلاحظ قيدا ووصفا له حتّى ينطبق على الخارجيّات ، فكذا يمكن ذلك في التصوّر أيضا بأن يتعهد الواضع على أنّه متى تعقّل هذا المعنى ولم يلاحظ هذا التعقّل وصفا وحالا له بل جعله طريقا للواقع تكلّم بهذا اللفظ ، فاتّصاف المعنى بكونه موضوعا له نظير اتّصاف الطبيعة بالكليّة.

بيان ذلك : أنّ العوارض لا يعرض على الطبيعة إلّا إذا وجدت إمّا في الخارج كبرودة الماء وحرارة النار ، أو في الذهن ؛ ضرورة أنّ الطبيعة معرّاة عن جميع العوارض خارج هذين العالمين ؛ لأنّ وجود العرض فرع وجود المعروض والطبيعة خارج العالمين لا شيء ؛ إذ ليس ورائهما عالم آخر ، وهذا معنى قولهم :

«الطبيعة من حيث هي ليست إلّا هي» يعني أنّ الماهيّة المهملة لا تكون كليّة ولا جزئيّة ؛ لأنّها ليست بموجودة في شيء من العالمين بل هي معرّاة عن عرض كونها ليست إلّا هي أيضا.

فالتعبير به من باب ضيق العبارة ، فلا بدّ أن يتحقّق الطبيعة في الذهن مجرّدة عن جميع الخصوصيّات حتّى ينطبق على الخارجيّات ، فوصف الكليّة إنّما يعرض على الطبيعة في حال الملحوظيّة والتجريد بحيث لو سلب عنها هذا الحال انتفى هذا

٣١

الوصف ، لكنّ الطبيعة الملحوظة جزئي ذهني مباين للخارجيّات فلا يتّصف بالكليّة والصدق عليها ، فلا بدّ أن يصير وصف الذهنيّة والتجريد ملغى بعد ثبوته واقعا ، وبعبارة اخرى لا بدّ من التخلية عنه بعد التخلية به.

والجواب عن الثاني أوّلا : بالتكلّم في مدرك هذا المطلب أعني : لزوم تصوّر المعنى في الاستعمال فنقول : لا مدرك له سوى كلمات العلماء ، وقد جرت العادة على تسمية ما يتعلّق به قصد المتكلّم وإرادته عند الاستعمال باسم المعنى ، فالمراد بهذا اللفظ اصطلاحا بل لغة أيضا هو ما قصد من اللفظ لا ما وضع له ، وتصوّر المعنى بهذا المعنى لازم بلا إشكال.

وثانيا : بأنّه لا فرق في هذا المقام بين القولين ؛ إذ القائل الأوّل يقول : بأنّ هنا مرحلتين : الاولى جعل المقابلة والاختصاص بين اللفظ وذات المعنى ، والثانية استعمال اللفظ في المعنى ، وتصوّر المعنى لا بدّ منه لتحقّق الاستعمال فهو من مقوّمات الاستعمال ، وهو متأخّر رتبة عن الوضع ، ولا شكّ أنّ غرض كلّ مستعمل ومقصودة هو تصيير مخاطبه منتقلا إلى مراده بتوسط اللفظ ، ولا شكّ أيضا أنّ هذا المقصود ليس مغفولا عنه في نظر المستعمل ، بل هو ملتفت إليه فلزم أن يتصوّر علاوة على ذات المعنى وصف كونه مرادا له أيضا ، فهذا القائل لا بدّ له من الالتزام بذلك في مقام الاستعمال ، والقائل الآخر أيضا لا يلتزم بشيء أزيد من هذا حتّى يوجب هذا الشيء فساد كلامه ، غاية الأمر أنّه يقول بأنّ جعل اللفظ مقابلا لذات المعنى محال ، فالوضع عبارة عن التعهّد على التّلفظ باللفظ عند إرادة المعنى ، والاستعمال عبارة عن متابعة هذا التعهّد والجري على طبقه.

فإن قلت : إنّ القائل الأوّل لا يلتزم بأنّ مقصود المستعمل تصيّر مخاطبه منتقلا إلى إرادة المعنى بتوسّط اللفظ بل إلى ذاته.

قلت : لو كان الأمر كذلك فلم يصر المتكلّم مذموما عند كذب القضيّة بل وجب أن يكون حاله حال سائر الناس بالنسبة إلى هذه القضية ، فليس ذلك إلّا لموضوعيّة إرادته وعقده القلبي وقصد إظهاره باللفظ.

٣٢

والجواب عن الثالث أنّه قد جرى الاصطلاح على أنّه متى كان المعنى المتصوّر حال الوضع خاصّا كان كلّ من الوضع والموضوع له خاصّا ، ومتى كان عامّا فإن كان تعهّد الواضع على التلفّظ باللفظ عند إرادة نفس العام كان كلّ منهما عامّا ، وإن كان على التلفّظ به عند إرادة جزئياته كان الوضع عامّا والموضوع له خاصّا ، ولا مشاحة في الاصطلاح.

ثمّ إنّه قد اشتهر عن الشيخ الرئيس أنّ الدلالة تتبع الإرادة وهو ظاهر الانطباق على ما ذكرنا ؛ إذ مفاده أنّ الدلالة التصديقيّة الثانية للفظ بالوضع على أنّ المعنى مراد للمتكلّم تابعة لإرادة المتكلّم للمعنى واقعا ، وما نرى من الانتقال إلى المعنى من الألفاظ وإن صدرت من غير الشاعر فهو من باب انس الذهن وليس من باب الدلالة ، ألا ترى أنّه لو صرّح واحد بأنّي ما وضعت اللفظ الكذائي بإزاء المعنى الكذائي وسمع منه الناس هذه القضيّة ينتقلون إلى ذلك المعنى عند سماع ذلك اللفظ مع أنّ هذا ليس من باب الدلالة قطعا.

لكن في الكفاية عند توجيه هذه العبارة ما حاصله أنّ الدلالة على قسمين :

الدلالة التصوّرية أعني كون سماع اللفظ موجبا لإخطار المعنى في البال وهذه هي الدلالة الثابتة للفظ بسبب الوضع ، وحيث إنّها لا يتوقّف على إحراز كون اللافظ عاقلا شاعرا مختارا فضلا عن كونه مريدا ، بل يحصل عند صدور اللفظ من الجماد أو سماعه من وراء الجدار بحيث لم يعلم أنّ اللافظ شاعر أم لا ، فلهذا لا يمكن حمل الدلالة في العبارة على هذه.

الثانى : الدلالة التصديقيّة اعني : التصديق والحكم بأنّ المعنى مراد للمتكلّم وهي متوقّفة على إحراز كون المتكلّم شاعرا مختارا وكونه بصدد الإفادة ، فحينئذ يحصل التصديق بأنه مريد للمعنى بحكم العقل لا بسبب الوضع ، والمراد من العبارة أنّ هذه الدلالة التصديقيّة العقلية تابعة للإرادة تبعيّة مقام الإثبات للثبوت والكاشف للواقع المكشوف.

أقول : الوضع من حيث إنّه شيء جعل الواضع نفسه في قيده إنّما يناسب أن

٣٣

ينسب إليه الدلالة التصديقيّة لا التصوّريّة ؛ إذ هي كما يحصل منه يحصل من غيره أيضا ، كما لو حصل عند التّلفظ بلفظ واقعة جديدة فإنّه يصير موجبا لصيرورة هذه الواقعة حاضرة في الذهن متى سمع هذا اللفظ ، وكما لو نادى الواضع بين الناس : إنّى ما وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى ، فإنّ هذا النداء يوجب لحضور هذا المعنى في الذهن عند سماع هذا اللفظ.

«فصل»

لا شكّ أنّ الجمل الفارسيّة حيث إنّها مشتملة على لفظة «است» و «نيست» الدالّة على النسبة فلا حاجة فيها إلى التزام وضع نوعي للهيئة ولا شخصى للمجموع منها ومن المادّة ، وكذا الجمل الإنشائيّة كاضرب زيدا ؛ إذ مفرداتها تشتمل على وضع يتمّ به القضيّة ، وكذا بعض الجمل الخبريّة العربيّة وهو ما اشتمل منها على لفظة «كان وليس» وما أفاد مؤدّاهما.

وأمّا ما ليس منها كذلك كقولنا : زيد قائم فلا بدّ فيها من القول بأنّ هيئتها موضوعة للنسبة لكن نوعيّا لا شخصيّا (١) بأن يكون لكلّ هيئة قائمة بكلّ مادّة وضع على حدّه ؛ ضرورة أنّه لا داعي إلى الثاني بعد إمكان الأوّل ، وكذا لا حاجة بعد ثبوت الوضع للهيئة بإزاء النسبة نوعيّا إلى ثبوته لمجموع الهيئة والمادّة بإزاء مجموع الطرفين ، والنسبة شخصيّا بحيث كان كلمة زيد في قولنا : زيد قائم بمنزلة الزاء في كلمة زيد ، فإنّ ذلك مضافا إلى لغويّته يشهد وجدان كلّ احد ببطلانه ، وكلام القائل بالوضع للمركّبات محتمل لكلّ من هذه الثلاثة.

__________________

(١). إذ وضع مفردات القضيّة لا يفي بصدق القضيّة التامّة التي يصحّ السكوت عليها ؛ لأنّ معاني المفردات معان تصوّرية وتعدّد المعاني التصوّرية لا يستلزم القضيّة التامّة التي يصحّ السكوت عليها ، فلا بدّ أن تكون القضيّة المستفادة من قولنا : زيد قائم مسبّبة من وضع آخر غير وضع المفردات ثابت للهيئة. منه قدس‌سره.

٣٤

«فصل»

لا شكّ أنّ فائدة الفراغ عن معنى اللفظ من أيّ طريق كان هو عدم حاجة المكلّف في مقام العمل إلى إجراء الأصل من البراءة والاحتياط ونحوهما ، فلو علم أنّ معنى لفظ الصعيد في قوله : «فتيمّموا صعيدا» هو مطلق وجه الأرض الشامل للرمل والطين مثلا لم يحتج عند وجدانهما مع التراب الخالص إلى الاحتياط بالتيمّم به ، ولا عند وجدانهما مع فقده إلى الاحتياط بالتيمّم بهما ثمّ القضاء بعد ذلك مثلا.

ولا شكّ أنّ تبادر معنى من لفظ من حاقّه بحيث علم أنّه لا قرينة في البين أصلا شاهد قطعيّ بأنّ استناد هذا التبادر إلى الوضع ، ضرورة عدم مناسبة بين شيء من الالفاظ وبين شيء من المعانى قبل الوضع أصلا.

ثمّ إنّ هذا التبادر يكون على قسمين :

الأوّل : أن يكون عند العالم باللسان ويكون المستعلم هو الجاهل به كما لو شاهد شخص من العجم أنّ شخصا من العرب قال لصاحبه : جئني بالخبز ، فأتاه بالطعام المعهود فيعلم أنّ لفظ الخبز موضوع لجامع هذا الطعام ، وهذا القسم لا إشكال فيه.

الثاني : أن يكون التبادر عند نفس المستعلم فيكون الشخص الواحد مستفتيا ومجيبا معا ، وقد استشكل على هذا القسم بأنّه لا شكّ أنّ تبادر المعنى من اللفظ يتوقّف على العلم بأنّه معناه ؛ ضرورة أنّ الترك لا يفهم معنى اللفظ العربي قطعا ، فلو كان العلم بأنّه معناه متوقّفا على التبادر لزم الدور.

وقد أورد إمام المشكّكين نظير هذا الإشكال على الشكل الأوّل الذي هو أوضح الأشكال ، بيان ما أورد هو أنّ العلم بالكبرى بكلّيتها متوقّف على العلم بالنتيجة فلا بدّ أوّلا من العلم بأنّ العالم مثلا حادث لأنّه من أفراد المتغيّر ، فبدون العلم بحدوثه كيف يحصل العلم بأنّ كلّ متغيّر حادث؟ فلو كان العلم بالنتيجة متوقّفا على العلم بالصغرى والكبرى ونتيجة الاستدلال بهما لزم الدور.

والجواب عن هذا الإشكال في الشكل الأوّل بالفرق بين الموقوف والموقوف

٣٥

عليه بالإجمال والتفصيل ، بيانه أنّ استعلام وجوب إكرام زيد بالخصوص مثلا من أجزاء علمه ، وأنّ كلّ عالم واجب الإكرام لا ينافيه علم المستعلم بأنّ كلّ عالم واجب الإكرام ؛ لأنّ من الواضح أنّ العلم بذلك لا يتوقّف على العلم بوجوب إكرام كلّ فرد فرد من العالم تفصيلا، فالموقوف عليه هو العلم بوجوب إكرام زيد إجمالا وبعنوان أنّه فرد للعالم ، والموقوف هو العلم بوجوب إكرامه تفصيلا وبعنوان أنّه زيد.

والجواب عنه في التبادر أنّ ما يتوقّف عليه التبادر هو العلم الارتكازي وما يتوقّف على التبادر هو العلم التفصيلي.

توضيح ذلك في عكس ما نحن فيه وهو ما إذ كان المعنى معلوما واللفظ غير معلوم هو أنّه مثلا لو فرض أنّ لك صديقا اسمه الحسن لكنّك نسيت اسمه فلا شكّ أنّك حينئذ كلّما عرضت على ذهنك لفظا غير لفظ الحسن كلفظ محمّد وأحمد وعلى وحسين ونحوها يأباه الذهن حتّى إذا عرضت عليه لفظ الحسن يقبله سريعا ويحكم بأنّه اسم هذا الصديق ، فثبت أنّ هنا علمين ، علما ارتكازيا حاصلا قبل القبول ، والدليل على وجوده هو الامتناع والقبول المذكوران ، وعلما تفصيليّا حاصلا بعده ، فما يتوقّف عليه القبول هو الأوّل ، وما يتوقّف على القبول هو الثانى.

فنقول فيما نحن فيه مثلا : لو فرض أنّك كنت من الأعراب أو مأنوسا بلغتهم واستعملت لفظة الماء في كلامك مرارا غير شاكّ في معناه أصلا لكن عرض لك كثرة المجالسة مع العجم ، وكثر التشكيك بين علمائهم فضلا عن عوامهم في بعض أقسام الماء فاشتبه الأمر بسبب ذلك عليك أيضا ، فشككت أنّ لفظ الماء موضوع للطبيعة الخاصّة فيما إذا كانت خالصة عن غيرها بالحسّ لا بالدقّة العقليّة أو لما هو أعم من ذلك بحيث يشمل وقية منها فيها ربع من التراب ، فلا شكّ أنّك حينئذ كلما عرضت على ذهنك لفظا غير لفظ الماء كلفظ الحمار والفرس والشجر ونحوها ليكون اسما لغير الخالص يأباه الذهن ، ومتى عرضت عليه هذا اللفظ لم يأب منه ، فهذا الامتناع وهذا القبول يدلّان على أنّ لفظ الماء موضوع للأعمّ من الخالص ؛ إذا المفروض أنّك كنت في السابق عالما بمعنى اللفظ بوجه صحيح.

٣٦

هذا فيما إذا كان الشكّ في أضيقيّة المفهوم وأوسعيّته ، وكذا فيما إذا كان الشكّ في أصل المعنى فيعرض المعاني على الذهن واحدا بعد واحد مع اللفظ ، فإذا قبل الذهن واحدا منها يحكم بأنّه معنى اللفظ.

هذا إذا كان جهل المستعلم مسبوقا بالعلم فيكون القبول وعدم القبول عنده موجبا لحصول العلم له بمعنى اللفظ ، وليس برهانا ودليلا عقليّا حتّى يلزم به الخصم ، وأمّا إذ كان جهله ابتدائيّا غير مسبوق بالعلم أصلا فحينئذ لا يمكن حصول التبادر عنده ، فالمقصود من التبادر الذي ذكر أنّه علامة للحقيقة إنّما هو التبادر عند أهل اللسان لغيرهم والتبادر عند المستعلم الذي كان عالما في السابق.

ثمّ إنّ أصالة الحقيقة المعبّر عنها بأصالة عدم القرينة أيضا مقيّدة عند الشكّ في أنّ استناد التبادر إلى حاقّ اللفظ أو إلى القرينة ، فلو شكّ أعجمي عند قول عربي لعربيّ آخر : جئني بالأسد ، وإتيانه برجل شجاع في أنّ لفظ الأسد موضوع لمطلق الشجاع أو للحيوان المفترس واريد الرجل الشجاع بقرينة من حال أو مقال قد اختفت عليه ، وبعبارة اخرى في أنّ استناد فهم المخاطب إلى حاقّ اللفظ أو إلى القرينة المخفيّة ، فحينئذ يحكم بمقتضى أصالة الحقيقة المفروغ عن حجيّتها بناء العقلاء بأنّ هذا اللفظ موضوع للمعنى الأعمّ وأنّ استناد فهم المخاطب إلى نفس اللفظ.

فإن قلت : إنّ القدر المتيقّن من حجيّة هذا الأصل والمسلّم من بناء العقلاء على العمل به إنّما هو في صورة الشكّ في المراد بمعنى أنّه لو علم أنّ لفظ الأسد مثلا حقيقة في الحيوان المفترس ومجازا في الرجل الشجاع وشكّ في أنّ مراد المتكلّم هو الأوّل أو الثاني بالقرينة المخفيّة فحينئذ يحكم بمقتضى هذا الأصل بأنّ المراد هو الأوّل ، وأمّا في صورة الشكّ في الوضع والعلم بالمراد فلا يصحّ التمسّك به ، وبالجملة أنّ هذا الأصل حجّة في الشبهة المراديّة لا في الشبهة الوضعيّة.

قلت : قد استعمل شيخنا العلّامة قدس‌سره نظير هذا حيث ذكر ما حاصله أنّه لو ورد أكرم العلماء وعلم من الخارج بأنّ زيدا لا يجب إكرامه ، سواء كان عالما أو جاهلا وشكّ في أنّه عالم حتّى يكون العالم المذكور مخصّصا ، أو ليس بعالم حتّى لا

٣٧

يكون كذلك ، فحينئذ يحكم بمقتضى أصالة عدم التخصيص بعدم عالميّته ، إلى غير ذلك من الموارد المتفرّقة في مكاسبه ، ويظهر من ذلك ميله قدس‌سره إلى حجّية الاصول اللفظيّة في غير موارد الشبهة المراديّة من موارد الشبهة في التصرّفات اللفظيّة ونحوها.

ويظهر ذلك أيضا من سيّدنا المرتضى قدس‌سره حيث إنّه قائل بظهور الاستعمال في الحقيقة من دون فرق بين كونه في معنى واحد أو معنيين وأكثر ، كما أنّ كلام من قال بأنّ الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز ناص في عدم حجيّة أصالة الحقيقة في غير موارد الشبهة في المراد.

وبالجملة فإن ثبت حجّية الاصول اللفظيّة في غير مورد الشبهة المراديّة فهو المطلوب وإلّا فحيث إنّ دليلها لبّي ، لا بدّ أن يقتصر فيها على القدر المتيقّن منه من موارد الشبهة في المراد ، وحينئذ فتبادر المعنى من اللفظ عند العالم بالوضع إنّما يصلح علامة على الحقيقة للجاهل في مورد العلم باستناده إلى نفس اللفظ ، وأمّا في مورد احتمال الاستناد إلى قرينة خفيت عليه فلا يتحقّق العلامة ؛ لعدم إمكان إحراز جزئها أعني ثبوت الاستناد إلى نفس اللفظ بأصالة عدم القرينة.

ثمّ إنّ عدم صحّة السلب علامة الحقيقة كما أنّ صحّة السلب علامة المجاز ، وإشكال الدور جار هنا ، وجوابه هو ما تقدّم من الفرق بين الموقوف والموقوف عليه بالإجمال والتفصيل أو بالإضافة إلى العالم والمستعلم.

ثمّ إنّهم ذكروا الاطّراد علامة للحقيقة وعدم الاطّراد علامة للمجاز ، ويحتمل أن يكون المراد بالاطّراد أحد معنيين :

الأوّل : شيوع تطبيق اللفظ على أفراد مفهوم بين أهل اللسان ، مثاله لو راى هنديّ أنّ فارسيّا قال لخادمه : «ببر اين چغندر را به خانه» فأطلق مفهوم لفظ «چغندر» على هذا الشيء الخارجي ، فعند ذلك يحتمل هذا الهندي أن يكون هذا الشيء مصداقا حقيقيّا للمفهوم الحقيقي لهذا اللفظ ، وأن يكون مصداقا ادعائيّا له من باب الحقيقة الادّعائيّة التي أثبته السكّاكي ، وأن يكون هذا اللفظ مستعملا في

٣٨

المفهوم المجازي بقرينة قد اختفت عليه ويكون الإطلاق باعتباره.

فإذا صبر أيّاما متردّدا في السوق وتتّبع محاورات أهله وعثر على مقدار شائع كبير من هذا الإطلاق أعني إطلاق مفهوم لفظ «چغندر» على أمثال الشيء السابق فلا شكّ أنّ هذا مورث للقطع بالاحتمال الأوّل وعدم الأخيرين ، ضرورة أنّ الحقيقة الادّعائية لو سلّمت فإنّما هي في مقامات يطلب فيها البلاغة كمقام إنشاء الخطبة والشعر ونحوهما ، لا في مثل محاورات أهل العرف الصادرة منهم في ليلهم ونهارهم المتعلّقة بامور معاشهم ومعاملاتهم ونحوها.

وعدم سماع السامعة للقرينة اللفظيّة إنّما هو في مورد أو موردين أو ثلاثة أو أربعة لا في عشرة موردا ، وكذا خفاء القرينة الحاليّة بأن يكون متحقّقة بنجوى بين المتخاطبين أو معهودة بينهما في السابق بحيث لم يطّلع عليها المتتبّع إنّما هو في خمسة أو ستّة أو عشرة موردا لا في عشرين موردا.

وكون قرينة حاليّة عامّة في البين بحيث كان جميع أهل البلد بأصنافهم المتشتّتة مطّلعين عليها يتوقّف على جامع كأن يأمرهم شخص نافذ الكلمة على جميعهم باستعمال هذا اللفظ في معناه المجازي الفلاني بحيث صار ذلك قرينة عامّة يستغنى بها في استعمالات هذا اللفظ عن قرينة اخرى. ولا يخفى أنّ هذا من الاحتمالات التي لا يعتنى بها العقلاء كاحتمال سقوط السقف.

وبالجملة ، فشأن القرينة الحاليّة أن يكون بين اثنين أو ثلاثة أو أربعة لا بين جميع الناس ، والحاصل أنّه يحصل القطع بعدم القرينة بقول مطلق بسبب شيوع إطلاق مفهوم اللفظ على مصداق مفهوم ، ولازم ذلك هو القطع بعدم المجازيّة.

فإن قلت : يحتمل أن يكون في البين شهرة ويكون الاستناد إليها ومع هذا الاحتمال كيف نقطع بعدم المجازيّة.

قلت : إنّا نفرض هذه العلامة في مورد كان عدم الشهرة فيه مفروغا عنه بسبب كخبر مخبر صادق ، ولا محلّ لها بالنسبة إلى غير هذا المورد ، كما لا محلّ للتبادر بالنسبة إلى العالم بالوضع ، وعلى هذا المعنى يكون عدم الاطّراد عبارة عن عدم بقاء

٣٩

اللفظ الذي اطلق مفهومه على مصداق مفهوم كلفظ الأسد المطلق مفهومه على مصداق الرجل الشجاع في الاستعمالات المتأخّرة المعثور عليها بالتتبع على حاله في الاستعمال الأوّل، بأن ينكشف قرينته في الاستعمال الخامس أو السادس أو العاشر.

الثاني : شيوع استعمال اللفظ في المعنى وعدم اختصاصه بمقام دون مقام ، وهذا المعنى يختصّ بالحقيقة ؛ لأنّ المجاز سواء كان لغويّا أم عقليّا يحتاج إلى القرينة والعلاقة التي يصحّ معها الاستعمال ، فاستعماله لا يطّرد في جميع المقامات بل في خصوص مقامات وجود العلاقة المذكورة والقرينة ، ومطلوبيّة الفصاحة كاختصاص التأكيد في الكلام بمقامات خاصّة بخلاف المعنى الأوّل ؛ فإنّه ثابت في المجاز أيضا لكنّه فيه مع إدراك العلاقة المذكورة والقرنية ، وقد عرفت أنّه في الحقيقة كاشف عن عدم القرينة.

«فصل»

لا شكّ أنّ حمل اللفظ على المعنى الحقيقي ما دام ممكنا هو المتعيّن ، وكذا سائر حالاته المطابقة للأصل ، لكن إذا دار الأمر بين حالين أو أكثر من الأحوال المخالفة له فأيّها مرجّح؟ ذكروا وجوه ترجيح لبعضها على بعض ، لكنّها وجوه اعتبار لا اعتبار بها ولم يثبت حجيّتها بالتعبّد ، نعم إن اوجبت ظهورا في اللفظ فهي متّبعة وإلّا فلا.

«فصل»

لا شكّ في كون ألفاظ العبادات كالصلاة والصيام والزكاة ونحوها حقيقة في زماننا في معانيها الشرعيّة ، إنّما الشكّ فيها في زمان الشارع ، ففيها ثلاثة احتمالات :

الأوّل : أن يضعها الشارع بإزاء هذه المعاني بالوضع التعييني.

الثاني : أن يكون قد استعملها فيها مجازا ثمّ صارت بكثرة الاستعمال حقيقة بالوضع التعيّنى ، وعلى هذا فمبدأ حصول الوضع ليس بمعلوم.

الثالث : ـ وهو المنقول عن الباقلاني ـ أن يكون قد استعملها في معانيها اللغويّة

٤٠