أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

الذي هو سبب واحد لا يمكن تأثيره في مسبّبين بناء على ما قرّر في المعقول من امتناع صدور الاثنين عن علّة واحدة ؛ فإنّ العلّة لا بدّ من وجود السنخيّة بينها وبين المعلول ، وإلّا لأثّر كلّ شيء في كلّ شيء ، ومن المعلوم عدم إمكان تحقّق السنخيّة بين الواحد وبين الاثنين بما هما اثنان متباينان ، فيلزم أن يكون المعلول هو الجامع بينهما وهو خلاف الظاهر من القضيّتين ؛ حيث إنّ الظاهر من كلّ منهما كون المسبّب للظهار هو خصوص المطلق أو خصوص المقيّد بخصوصهما لا بجامعهما.

وحينئذ فنقول : لا إشكال في أنّ الظاهر من قوله : إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة هو كون الظهار سببا لعتق الرقبة المؤمنة بما هو مقيّد بهذا القيد ؛ فإنّ من الواضح أنّه لو كان لمطلوبيّة خصوصيّة هذا القيد سبب آخر وراء الظهار وكان الظهار سببا لمطلوبيّة نفس العتق مع قطع النظر عن خصوصيّته لكان هذا التعبير خطأ ؛ فإنّ الظهار وإن كان سببا لأصل وجوب العتق لكنّ المفروض أنّ الخصوصيّة مطلوبة بسبب آخر ، فلا وجه لتعليق وجوب أصل العتق مع مطلوبيّة الخصوصيّة جميعا على الظهار ؛ فإنّه بالنسبة إلى الثاني تعليق للشيء على ما هو أجنبيّ عن سببه وعلّته ، ولا إشكال في عدم صحّته.

فهذا نظير ما لو قيل : إذا دخل الوقت فصّل في المسجد ، والصحيح أن يقال : إذا دخل الوقت فصّل ؛ إذ لا ربط لدخول الوقت إلّا بوجوب أصل الصلاة ، فلا يصح أن يعلّق عليه إلّا وجوب أصل الصلاة ، وأمّا رجحان إتيان الصلاة في المسجد فهو جاء من قبل سبب آخر غير دخول الوقت ، فحال الدخول بالنسبة إليه حال سائر الأشياء الأجنبيّة عن هذا المعلول ، فتعليقه على الدخول كتعليقه على أحدها.

وحاصل الكلام في المتوافقين أنّه إمّا أن يعلم بوحدة التكليف أو يعلم بوحدة السبب أو لا يعلم بشيء منهما ، ففي صورة عدم العلم يدور الأمر في الحقيقة بين رفع اليد عن ظاهر الخطابين من كون كلّ منهما تكليفا مستقلا والأخذ به ، ولا ريب في تعيّن الثاني ، ولهذا جعلوا من مقدّمات حمل المطلق على المقيّد العلم بوحدة التكليف ، وأمّا لو علم بوحدة التكليف من الخارج لا من جهة وحدة السبب فلا إشكال في رفع

٣٤١

اليد عن الظهور المذكور ، يعني لا يمكن الأخذ بمجموع الظهورين ، فيدور الأمر حينئذ بين التصرّف في المطلق ورفع اليد عن ظهوره في الإطلاق بحمله على المقيّد وبين التصرّف في المقيّد بأحد نحوين : إمّا بجعل الأمر المتعلّق به إرشادا إلى الخصوصيّة المشتملة على الفضل ، فيكون الأمر في قوله : أعتق رقبة مؤمنة مثل الأمر فيما إذا كان أصل وجوب الصلاة مثلا مفروغا عنه عند المتخاطبين ، ومع ذلك أمر بالصلاة في المسجد للإرشاد إلى أنّ الصلاة المفروغ عن وجوبها يكون من الفضل ، وإلّا لمستحب إتيانها في المسجد ، وإمّا بجعل الأمر المتعلّق بالمقيّد مثل الأمر فيما إذا علّق الأمر الساري من مطلق الصلاة إلى أفرادها على الصلاة في المسجد وكان تخصيص هذا الفرد من بين أفراد الصلاة بالذكر للإرشاد إلى ما فيه من الفضل ، والأوّل تصرّف في هيئته الأمر بحملها على الاستحباب ، والثاني تصرّف في ظهور القيد في كونه دخيلا في موضوع الوجوب.

وبعبارة اخرى : الأمر بالطبيعة المقيّدة يمكن على أنحاء ثلاثة ، الأوّل : أن يكون إيجابا للمقيّد بما هو مقيّد ، والثاني : أن يكون للإشارة إلى فضيلة خصوصيّة إضافة الطبيعة إلى القيد مع الفراغ عن وجوب أصل الطبيعة ، فيكون الكلام في قوّة أن يقال : يستحب إتيان هذه الطبيعة الواجبة بهذه الخصوصيّة ، والثالث : أن يكون أمرا إيجابيّا لكن لم يتعلّق بهذا المقيّد بنفسه بل من باب كونه من مصاديق الطبيعة الواجبة ؛ فإنّه يصحّ نسبة الوجوب المتعلّق بأصل الطبيعة إلى جميع أفرادها على نحو التخيير العقلي ، ومن جملة الأفراد المقيّد بالقيد الخاص ، فيصحّ الأمر الإيجابي به بلحاظ الطبيعة الموجودة في ضمنه ويكون اختيار هذا المقيّد من بين الأفراد الواجبة بوجوب الطبيعة تخييرا للإشارة إلى الفضيلة الكائنة فيه. ولا فرق في هذا الوجه بين أن يكون ذهن المخاطب مسبوقا بأصل وجوب الطبيعة أو لم يكن.

وبالجملة ، فعلى هذا لا شبهة في كون الهيئة مستعملة في الوجوب ولكنّ القيد لم يؤت به لأجل دخله في موضوع الوجوب وقوامه به ، بل للإرشاد إلى الفضيلة الكائنة فيه ، فيكون من هذه الجهة خلاف الظاهر ، وأمّا الثاني فهو خلاف الظاهر من

٣٤٢

جهة كون الهيئة على تقديره مستعملة في الاستحباب ، وأمّا الوجه الأوّل فهو السليم عن مخالفة الظاهر.

وحينئذ فنقول بعد عدم إمكان حفظ ظهور المطلق والمقيّد معا ـ كما هو المفروض ـ لا بدّ إمّا من التصرّف في المطلق وإمّا في المقيّد بأحد النحوين ، إمّا بالتصرّف في الهيئة بحملها على الاستحباب كما هو الوجه الثاني ، وإمّا بالتصرّف في القيد بحمله على أنّه اتى به بغرض الإرشاد إلى الفضيلة كما هو الوجه الثالث ، وحيث لا معيّن لأحد هذه الثلاثة فلا بدّ من التوقّف.

وأمّا لو علم بوحدة السبب ، كما لو صرّح بأنّ الظهار سبب لوجوب عتق الرقبة ويقول منفصلا عن ذلك : الظهار سبب لوجوب عتق الرقبة المؤمنة ، فيتعيّن حينئذ التقييد ، أمّا رفع اليد عن الظاهر الأوّلي من ثبوت التكليفين فبوحدة السبب ، فيعلم من وحدتها وحدة التكليف المسبّب ، أمّا تعيين التقييد من بين الوجوه الثلاثة المردّد بينها بعد رفع اليد عن الظاهر الأوّلي فلأنّه على التقديرين الآخرين يلزم نسبة العلّة الثابتة لأصل وجوب الطبيعة إلى المقيّد وهي غير صحيحة ؛ إذ ليست العليّة كالعوارض الطارئة على الطبيعة ، فإنّه يصح نسبة وجوب الإكرام المتعلّق بطبيعة الرجل إلى الرجل الأسود ولكن لا يصحّ إثبات عليّة ما يكون علّة لأصل الطبيعة للمجموع منها ومن القيد ؛ وذلك لأنّ استناد الطبيعة في مقام الإيجاد يكون إلى هذه العلّة وأمّا الخصوصيّة فليس اختيارها بعليّة هذه العلّة بديهة ، بل يكون بعليّة أمر آخر ، ولكن يصحّ نسبة ما يكون علّة لمجموع الطبيعة والتقيّد من حيث المجموع إلى كلّ منهما.

وإذن فيتعيّن حمل المطلق على المقيّد والجمع بأنّ نسبة العليّة في المطلق من باب نسبة علّة الكلّ إلى الجزء ، ونسبتها في المقيّد من باب نسبة علّة الشيء إلى نفسه ، هذا.

وقد عرفت ممّا ذكرنا أنّه لا بدّ في حمل المطلق على المقيّد من إحراز مقدّمتين ، الاولى وحدة التكليف والاخرى وحدة السبب ، وإن شئت قلت : يحتاج إلى مقدّمة واحدة وهي إحراز وحدة السبب ، وهذا على خلاف مذاق المشهور من اعتبار

٣٤٣

وحدة التكليف ولو لم يكن وحدة السبب محرزة ؛ ولهذا لم يفرقوا في الحمل على التقييد بين الصورتين ، فحملوا المطلق على المقيّد في الصورة الاولى أيضا التي ذكرنا أنّ الأمر دائر فيها بين مخالفة أحد الظهورات الثلاثة.

وربّما يتمسّك على المشهور بما ذكره الشيخ المرتضى قدس‌سره في باب التعارض والتراجيح من أنّه إذا دار الأمر بين التقييد ومخالفة ظاهر آخر فالتقييد أولى ؛ لموهونيّة ظهور المطلق في الإطلاق حينئذ ، فيكون أولى برفع اليد ؛ وذلك لأنّ ظهور المطلق متقوّم بعدم البيان ، فبورود ما يصلح للبيانيّة يصير ظهوره موهونا ، لكن قد عرفت فيما تقدّم دفع هذا بأنّه وإن كان قوام ظهور المطلق في الإطلاق بعدم البيان ، لكن بعدم البيان المتّصل لا بعدمه مطلقا ولو منفصلا حتى لا يستقرّ الظهور للمطلق أبدا.

نعم يمكن توجيه التقييد في الصورة المذكورة بوجه نفينا عنه البعد في باب الألفاظ ، ولكنّه مستتبع لثمرة لا يقول بها المشهور وهو أن يقال : الكلمات الصادرة من كلّ متكلّم ما دامت يكون في معرض إلحاق القيد والقرينة بها لا يستقرّ لها الظهور ، غاية الأمر أنّ المعرضيّة يختلف بحسب اختلاف المتكلّمين وكذا المخاطبين ، فالمتكلّم إذا كان من أهل العرف في التكلّم في الامور الجزئيّة الشخصيّة فمعرضيّة كلامه ما دام مشتغلا بالكلام ، فإذا فرغ استقرّ له الظهور ويعدّ القيد بعد ذلك متنافيا معه ، فلو قال أوّلا : أكرم جميع علماء أهل البلد فذكر في مجلس آخر : أهن زيد العالم يحمل ذلك على حصول البداء ونحوه ، ولا يحمل على أنّه أراد في كلامه الأوّل ما سوى هذا الفرد ، وكلامه الثاني قرينة على ذلك.

وأمّا إذا كان المتكلّم بانيا على عدم الاقتصار في بيان مقاصده على مجلس واحد ، لكون مقاصده مطالب عظيمة وقوانين كليّة لا يمكن تفهيمها إلّا بترتيب مجالس عديدة ولا يسع لها مجلس واحد ، فزمان المعرضيّة بالنسبة إلى كلام هذا المتكلّم في مقام اليقين يصير أوسع ولا يكتفي بمجرّد انقضاء المجلس وانقطاع الكلام ، بل يختلف الحال في ذلك بين المخاطبين.

٣٤٤

فالمخاطب المشافه ما لم يصل زمان العمل لا يأخذ بظهور ما سمعه وإن طال المدّة ولم يظهر القرينة ؛ لاحتمال وجود القرينة وإرادة المتكلّم إبلاغها إليه إمّا بالمشافهة وإمّا بإرسال شخص إليه يبلغه ذلك القرينة ، نعم لو حضر وقت العمل ولم يسمع القرينة لا من المولى ولا من الرسول كان حينئذ حال ما أخذه من المتكلّم في رأس مدّة طويلة حال الكلام في غيره بعد الانقطاع وفصل زمان قليل ، فكما يعامل مع الثاني معاملة العموم أو الإطلاق على إحدى الطريقتين المتقدمتين من مقدّمات الحكمة أو المقدّمات التي ذكرناها ، فكذا يعامل ذلك مع الثاني بعد مضيّ تلك المدّة الطويلة وعدم وصول المخصّص أو المقيّد إليه.

وأمّا المخاطب غير المشافه الذي طريقه في استعلام التكاليف الرجوع إلى المكتوبات كما في أحكام الشارع بالنسبة إلينا فلا بدّ من أن يفحص ، ولا يكتفي بمجرّد رؤية المطلق أو العام في صفحة ، بل يجعل ما في الصفحة الاخرى قرينة عليه ، بل ما يكون في باب قرينة في حقّه على ما يكون في باب آخر ، بل ما يكون في كتاب على ما في كتاب آخر ، فبعد الفحص في جميع ما وصل إليه من الكتب وعدم وصوله إلى المخصّص أو المقيّد يكون حال الكلام حينئذ حال الكلام من المتكلّم في الامور الجزئيّة بعد انقطاع كلامه.

وإذن فربّما يكون زمان المعرضيّة للحوق القيد بالنسبة إلى المخاطب المراجع إلى الكتب والآثار أوسع من زمان المعرضيّة بالنسبة إلى المخاطب المشافه ، ولازم هذا أنّه لو رأى المخاطب الأوّل بعد رؤية المطلق مقيّدا بعد الفحص التام والتتبع في الكتب ـ مثلا رأى في موضع : أعتق رقبة واطّلع بعد الفحص والتتبع في موضع آخر على قوله : أعتق رقبة مؤمنة وعلم باتّحاد التكليف ـ فلا بدّ من أن يعامل مع هاتين القضيتين من هذا المتكلّم معاملته معهما لو سمعهما من المتكلّم في الجزئيّات في مجلس واحد قبل مضيّ لحوق القيد بالمطلق ، فكما أنّه يجعل المقيّد قرينة على المطلق في الثاني بلا كلام فكذا لا بدّ أن يعامل ذلك في الأوّل ؛ إذ المطلق في القابليّة للحوق القيد والمعرضية له وعدم استقرار الظهور على السواء في المقامين ، هذا.

٣٤٥

ولكن لازم هذا الذي ذكرنا من عدم الفرق بين القرائن المتّصلة والمنفصلة في كلام الشارع هو سراية الإجمال من المقيّد المنفصل المجمل إلى المطلق ، كما لو كان المقيّد المتّصل مجملا بلا فرق ، والمشهور غير ملتزمين بذلك بل يفرقون بين المتّصل والمنفصل فيجعلون إجمال الأوّل ساريا دون الثاني ؛ لأنّهما حجّتان مستقلّتان فلا يوجب إجمال إحداهما إلّا طرحها خاصّة في مورد الإجمال ولزوم الأخذ بالاخرى فيه.

«فصل»

قد عرفت أنّ حمل المطلق على الإطلاق على ما اختاره المشهور يتوقّف على إحراز مقدّمات الحكمة التي من جملتها كون المتكلّم بصدد البيان ، وعلى ما اخترناه يتوقّف على إحراز أنّ الإرادة أصليّة ، وأنّ الطبيعة موضوع بنفسها لا معرّف للموضوع ، ولازم ذلك عقلا هو الإطلاق ، فنقول : على كلا المبنيين مقتضى المقدّمات في موضوع الإرادة هو الشياع والسريان إمّا على نحو العموم الاستيعابي وإمّا على نحو العموم البدلي حسب اختلاف المقامات كما سنشير إليه إليه إن شاء الله تعالى.

وأمّا في نفس الإرادة فمقتضاها هو الحمل على خصوص الوجوب النفسي التعييني العيني وإن قلنا بأنّ الهيئة موضوعة لمطلق الطلب الجامع بين الندب والوجوب بأقسامه.

وبيان ذلك أمّا على طريقة المشهور فهو أنّ وجه الحمل على الشياع في الموضوعات هو أنّ إرادة عدم الشياع يحتاج إلى مئونة زائدة ، ففي «أعتق رقبة» يحصل الشياع بمجرّد ملاحظة مدلول هذا الكلام ، وامّا عدم الشياع فيحتاج إلى ملاحظة زائدة وقيد زائد ، مثل ملاحظة أعتق رقبة مؤمنة ، فعند الإطلاق لا بدّ من حمل المطلق على ما كان أقلّ مئونة.

وربّما يشكل كون الوجوب أقلّ مئونة بأنّه إذا قلنا بأنّ الهيئة موضوعة لمطلق الطلب وهو الجامع بين الوجوب والندب فكلّ من الوجوب والندب مشتمل على

٣٤٦

مئونة زائدة ، كذلك كلّ من أقسام الوجوب يحتاج إلى مئونة زائدة ، فليس بعضها أقلّ مئونة عن الآخر ، بل الأقلّ مئونة من الجميع هو الجامع أعني مطلق الطلب ، فلا بدّ عند الإطلاق من حمل الهيئة على الجامع المشترك بين الندب والوجوب بتمام أقسامه.

فتعيينه حينئذ في خصوص الوجوب دون الندب ، وفي خصوص التعييني دون التخييري ، وفي خصوص العيني دون الكفائي ، وفي خصوص النفسي دون الغيري مضافا إلى عدم كونه حملا لها على ما هو أقلّ مئونة يكون ترجيحا بلا مرجّح ؛ فإنّ الندب مساو مع الوجوب في المئونة ، فالحمل على خصوص أحدهما ترجيح بلا مرجّح ، وكذا الكلام في التعييني مع التخييري والعيني مع الكفائي والنفسي مع الغيري.

قلت : الحقّ أنّ الوجوب أقلّ مئونة من الندب وبيانه أنّ الإرادة متى تعلّق مخالبها بالمراد فليس فيها تطرّق العدم وليس فيها عدم الفعل ، بل هي صرف الاقتضاء للوجود والفعل مثل الإرادة الفاعليّة ، فهل يمكن تخلّفها عن المراد؟ وهل يتطرّق فيها العدم ، بل متى تحقّقت الإرادة من الفاعل صدر منه الفعل عقيبها ، وليس ذلك إلّا لأنّ الإرادة معناها اقتضاء الفعل وليس فيها تطرّق العدم ، فالإرادة الآمرية التشريعيّة أيضا حالها حال الإرادة الفاعل.

والفرق بينهما أنّ العبد في الإرادة الآمريّة صار بمنزلة العضلات للمولى ، فالمولى من حيث ما يكون من قبله من تشريع الإرادة يقتضي بإرادته من العضلات التنزيليّة إيجاد الفعل من دون تطرّق العدم كالفاعل حيث يقتضي بإرادته إيجاد الفعل بواسطة العضلات ، وإذن فالمشرّع متى أبقى الإرادة التي شرّعها بحالها كانت إيجابا قهرا.

وأمّا الندب فهو محتاج إلى أنّ يشرّع مشرّع الإرادة بعد تشريعها الترخيص والإذن في الترك ؛ فإنّ الإرادة قد حدثت بنفس تشريعه ، فإذا ضمّ نفس المشرّع الإذن في الترك إليها صارت ندبا ، فعلم أنّ الندب مئونته أكثر من مئونة الوجوب ، ولهذا يحمل إطلاق اللفظ الموضوع للطلب وهو الهيئة على الوجوب.

٣٤٧

وأمّا لو علم بوجود نفس الطلب بدليل لبّي وشكّ في كونه من أيّ القسمين فأصالة البراءة مقتضية للحمل على الندب ، وسرّ ذلك أنّه فيما إذا كان في البين دليل لفظي فالمقدّمات مقتضية لحمل اللفظ على ما هو أخفّ مئونة بالنسبة إلى ملاحظة المتكلّم ، وقد ذكر أنّه الوجوب ، وأمّا مع عدم الدليل اللفظي وكون الدليل لبّيا فلا مجرى للمقدّمات المذكورة حتى يعيّن الأخفّ مئونة للمتكلم ؛ لعدم وجود اللفظ ، وجريانها فرع وجوده ، وأصل البراءة وقبح العقاب بلا بيان إنّما يقتضيان الحمل على ما يكون أخفّ مئونة بالنسبة إلى المخاطب ، ولا إشكال أنّ مئونة الندب بالنسبة إليه أخفّ من الوجوب ، هذا.

وأمّا الفرق بين الوجوب والندب بالشدّة والضعف فليس في محلّه ؛ فإنّ العزم على الفعل إن كان موجودا في النفس فهو الإرادة ، وإن لم يكن فلا إرادة ، فهو أمر بسيط لا يعقل فيه الشدّة والضعف ، نعم هما يعقلان في مبادي الإرادة من الحبّ والبغض والمصلحة والمفسدة ، فقد يكون الحبّ شديدا والمصلحة شديدة ، وقد يكونان ضعيفين ، ومن المعلوم أنّ الإرادة غير هذه الأشياء.

وأمّا أخفيّة الوجوب النفسي عن الغيري مئونة فلأنّ المقدّمي محتاج إلى ملاحظة الغير ، ولا يحتاج النفسي إلّا إلى ملاحظة نفسه ، مثلا لو كان نصب السلّم مطلوبا بنفسه لما احتاج المريد إلى ملاحظة أمر سوى نفسه ، وأمّا لو كان مطلوبا مقدّمة للكون على السطح فيحتاج إلى إيجابه بملاحظة الكون على السطح.

وأمّا أخفيّة التعييني عن التخييري فلأنّه لا يحتاج إلّا إلى إنشاء الإرادة في موضوع ، وأمّا التخييري فيحتاج إلى ذلك وإلى ضمّ العدل ، فأكرم زيدا يكون تعيينيّا بدون الحاجة إلى ضمّ «أو كذا» وتخييريّته محتاجة إلى ضمّه ، فيصير أكرم زيدا أو عمرا.

وأمّا العيني فوجه أخفيّته عن الكفائي أنّه محتاج إلى توجيه الإرادة نحو جميع المكلّفين ، غاية الأمر فعل البعض مسقط عن الباقين وليس متوجّها إلى الجامع ، بل إلى جميع الأشخاص ، وأمّا العيني فيكون متوجّها إلى شخص واحد.

٣٤٨

والحاصل أنّ الإطلاق بأحد النحوين يقتضي في متعلّق الإرادة الحمل على الجامع بين الأفراد والشياع ، وفي نفس الإرادة يقتضي الحمل على النوع الخاص أعني الوجوب النفسي التعييني العيني حتّى عند من يقول بكون لفظها حقيقة في الجامع ، ووجهه أنّ المقدّمات يقتضي الحمل على الأقلّ مئونة بالنسبة إلى المتكلّم وإن كان أشدّ على المخاطب ، وهو في المتعلّق هو الجامع وفي الإرادة هو الوجوب ؛ فإنّ الإرادة معناها العزم على الفعل ، والعزم لا ينفكّ عن نفس الفعل ، يعني لا مانع من تأثيره في الفعل وتحريك العضلات نحوه من قبل نفس العازم ، فلو لم يمنعه مانع فالعزم محرّكه نحو الفعل وليس لهذا العزم مراتب ، نعم يكون لمباديه مراتب.

فإذن العزم ينبعث عن الحبّ والإدراك الملائم كما قال في المنظومة :

عقيب داع دركنا الملائما

شوقا مؤكّدا إرادة سما

فمراتب الحب ودرك الملائم وإن كانت مختلفة لكن العزم نحو واحد ، فالعزم في الفاعل محرّك لعضلات نفسه ، وفي الآمر لعضلات عبده ، فكما أنّه في الفاعل لا ينفكّ عن الفعل ففي الآمر أيضا متى كان هذا العزم ولم يكن معه شيء كان بهذا النحو ، يعني بحسب تشريع المولى ليس للمراد لا وقوع ، نعم إن ضمّ جنب العزم التشريعي الإذن التشريعي في الترك كان ندبا.

فظهر أنّ الوجوب مقيّد بقيد عدمي ولا يحتاج في التحقّق إلى ملاحظة والتفات مستقلّ نظير الخطّ البالغ ذرعا ، فإنّه يتحقّق الخط الذرعي ولو لم يلتفت الموجد انتهاء الخط إلى هذا الحد ولم يكن بقصده.

فلا يشكل بأنّ الهيئة على تقدير كونها موضوعة للقدر المشترك فالاستعمال فيه غير ملازم للوجوب ؛ فإنّ ذلك لو كان للوجوب قيد وجودي ، وأمّا إذا كان عبارة عن نفس هذا القدر المشترك إذا لم ينضمّ إليه قيد بل كان مطلقا وبلا قيد ولو من دون التفات للمريد نحو كونه بلا قيد فهو يتحقّق بالاستعمال في القدر المشترك مع عدم ضمّ شيء إليه قهرا ، فعلم أنّ الإطلاق يجعل الإرادة خاصّة ويجعل متعلّقها عامّا.

٣٤٩

وكذا مئونة النفسي ليس إلّا توجيه الإرادة نحو نصب السلّم مثلا ، وأمّا الغيري فيحتاج إلى ملاحظته مرتبطا مع واجب آخر كالكون على السطح ، وكذا التعييني لا يحتاج إلّا إلى توجيه الإرادة نحو إكرام العلماء مثلا ، وأمّا التخيير فيحتاج إلى ملاحظة العدل أيضا، وكذا الكفائي يحتاج إلى مئونتين ، ملاحظة جميع الأشخاص بعنوان إجمالي وتعليق التكليف على الجميع ثمّ ملاحظة أنّ إتيان الواحد مسقط التكليف عن الباقين أيضا ، والعيني غير محتاج إليهما بل هو صرف تعليق الطلب وتوجيهه نحو المكلّف من دون احتياج إلى ملاحظة اخرى ، هذا.

ويمكن أن يقال : لا حاجة لنا في حمل الصيغة على الوجوب النفسي التعييني العيني إلى إحراز المقدّمات بحيث لو لم نحرزها ما كان لنا محيص عن التوقّف ، وذلك بأن يدّعى أن الصيغة وإن كانت موضوعة للقدر المشترك بين هذه الأقسام بمعنى أنّ استعمالها في كلّ غير مستلزم للتجوّز مع أنّه استعمال في معنى واحد بحكم الوجدان ، إلّا أنّ المتبادر منها عند الإطلاق يعني عدم وجود القرينة على خصوص الندب هو الإيجاب ، وعند عدم القرينة على خصوص التخييري هو التعييني ، وعند عدم القرينة على الكفائي هو العيني أو على الغيري هو النفسي ، وبالجملة ، الظهور لنفس اللفظ ثابت في هذا النوع الخاصّ ولا يكون انعقاد ظهوره فيه معلّقا على إحراز المقدّمات ، وهذا نظير ما ادّعيناه في كلمة «كلّ» حيث ربّما توهّم أنّ دلالته على الاستغراق منوطة بإحراز المقدّمات في مدخولها ؛ فإنّ كلّ رجل مثلا لو اريد بالرجل المطلق كان لفظ «كل» مستعملا في معناه ، وإن كان المقيّد كان أيضا مستعملا في معناه ، وإذن فلا بدّ أوّلا من إحراز المقدّمات في مدخول هذه اللفظة وإثبات كون المراد به مطلقا ثمّ الحكم بإفادة هذه اللفظة الاستغراق ، وأمّا مع عدم إحرازها فيه فيصير هذه اللفظة أيضا مجملة ولا يدلّ على الاستغراق لاحتمال كون المراد من مدخوله المقيّد.

فدفعنا ذلك بأنّا إذا راجعنا الوجدان وجدنا عدم الحاجة في فهم الاستغراق من هذه الكلمة إلى المقدّمات ، بل لا يتوقّف فهم ذلك منها إلّا على عدم ذكر القيد عقيب مدخوله، فإذا لم يذكر فالظاهر منه الاستغراق مطلقا ، وإن كان لو اريد المقيّد أيضا

٣٥٠

كان هذه الكلمة مستعملة في معناها ولا يجوز فيها ، فكذا نقول في الهيئة أيضا أنّها وإن كان لا يجوز فيها لو استعملت في كل من الأقسام لكنّها ينصرف عرفا إلى النوع الخاص الذي هو الإيجاب النفسي التعييني العيني.

ويمكن التمسّك في حمل الصيغة على ذلك بوجه آخر وهو الأصل العملي دون الظهور اللفظي كما على تقدير الأخذ بالمقدّمات أو الانصراف ، والمراد بالأصل العملي ليس هو البراءة ؛ لوضوح أنّ مقتضاها الندب ، وعلى فرض الوجوب هو التخييري ؛ فإنّ مرجع الشكّ إلى أنّه هل يعاقب على ترك إكرام الزيد مطلقا ولو أكرم عمروا ، أو أنّه معاقب لو ترك إكرام جميعهما؟ ولا شكّ أنّ مقتضى البراءة هو الثاني ، وكذا مقتضاها الغيريّة والكفائيّة كما هو واضح ، بل المراد أن يقال : إنّ الحجّة والبرهان على نفس الإرادة موجودة وهو نفس الصيغة ، وعلى غيرها أعني الترخيص والإذن في الترك غير موجودة.

فالمكلّف لو عصى فلا عذر له عند المولى لو عاتبه على الترك فيقول له : أما اطّلعت على إرادتى وأما كانت الإرادة مقتضية للإيجاد ، فمع وجود المقتضي للإيجاد وعدم المقتضي للترك لم تركت؟

وكذا لو وصل من المولى طلب إكرام الزيد بقوله : أكرم زيدا وقلنا لا ظهور للصيغة في التعييني ؛ فإنّه لو لم يكرم الزيد وأكرم عمرا باحتمال أن يكون أمرا تخييريّا بينه وبين الزيد فيقول له المولى : أنا اردت منك إكرام الزيد وأنت تجيبني بإكرام عمرو ، فلو كان المراد في الواقع تعيينيّا فالعقاب ليس بلا حجّة وبيان وإن قلنا بظهور اللفظ في الجامع ليس إلّا.

وكذا لو قال : انصب السلّم وقلنا بأنّه ليس له انصراف إلى النفسي وكان المراد في الواقع نفسيّا ، فصعد المكلّف على السطح من طريق الدرج ، فيكون للمولى حجّة على هذا العبد ويصحّ عقابه ويقول له : كان لك الحجّة على نفس إرادة نصب السلّم ولم يكن لك حجّة على المقدار الزائد أعني : كون هذه الإرادة مرتبطة بإرادة شيء آخر ، ومجرّد احتمال ثبوته في الواقع لا يكون بحجّة ، وكذا الكلام في العيني.

والحاصل أنّ اللفظ وإن كان موضوعا للقدر المشترك بين النوعين وظهوره

٣٥١

بالسويّة بالنسبة إليهما ، لكنّه مع ذلك حجّة عقليّة على الأقلّ مئونة من النوعين ؛ فإنّ اللفظ حجّة بحسب الظهور على أصل الإرادة التي هي الجامع بين النوعين وليس على زيادة النوع الآخر حجّة ، ومجرّد الاحتمال لا يثمر ، وبذلك يصير حجّة عقليّة على النوع الذي لا زيادة فيه ، فيجب بحكم العقل البناء في مقام العمل على طبق هذا النوع وإن كان اللفظ بحسب الظهور اللفظي مجملا بينهما.

ومن هنا ظهر أنّ الأخذ بالأقلّ عند الشكّ بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين ونفي الزائد بأصالة البراءة صحيح بتقريب أنّ التكليف بالأقلّ معلوم وبالزائد مشكوك ننفيه بالأصل ؛ فإنّ المراد بمعلوميّة التكليف بالنسبة إلى الأقلّ ليس إلّا معلوميّة الجامع بين الغيري والنفسي ومع ذلك يلزم العقل بالإتيان ؛ إذ في عدم الإتيان خوف العقاب لاحتمال نفسيّة التكليف واقعا.

وليس هذا من قبيل الموارد التي يكون احتمال الضرر فيها موجودا ومع ذلك يكون حكم العقل هو البراءة ؛ إذ ذلك فيما إذا كان العقاب والمؤاخذة على الترك على تقدير ثبوت التكليف واقعا بلا بيان ، لا بالنسبة إلى مثل المورد الذي يكون البيان موجودا ؛ فإنّ المفروض كون وجود الأمر والطلب المقتضيين للإيجاد معلوما وإن لم يعلم جهته من كونه نفسيّا أو مقدّميّا ؛ إذ هذا المقدار يكفي بالوجدان لكونه حجّة للمولى لو كان التكليف في الواقع نفسيّا ، ولا يكون العقاب معه بلا بيان ، وإذن فاحتمال الضرر موجود والمؤمّن وهو كون العقاب بلا بيان على تقدير الثبوت غير موجود ، فيجب دفعه بالاحتياط بحكم العقل.

فلا يرد على القول بالبراءة في الأقلّ والأكثر بأنّ التكليف المعلوم مردّد بين أن يكون مقدميّا وأن يكون نفسيّا ، فالأوّل غير مفيد ؛ إذ لا يوجب مخالفته العقاب ، والثاني وإن كان مفيدا لكنّه مشكوك بدوي ؛ فإنّ هذا تشكيك في قبال الوجدان وحكم العقل.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ حمل الهيئة على خصوص الوجوب النفسي التعييني العيني يكون بأحد الوجوه الثلاثة.

وأمّا مفاد المادّة بل مطلق متعلّق الحكم وإن كان الحكم وضعيّا ، بل وإن كان

٣٥٢

واقعيّا غير مجعول ، فهو مختلف باختلاف المقامات ، فقد يكون محمولا على العموم البدلي وقد يكون على الاستغراقي ، وليعلم أنّ ذلك فيما إذا كان في البين لفظ دالّ على العموم لا فيما إذا لم يكن في البين كالنكرة ؛ فإنّها لا يحتمل العموم بل يكون صريحا في إرادة الوحدة وإن لم يعلم أنّ المراد واحد معيّن أو غير معيّن فيدفع الأوّل بمقدّمات الإطلاق.

وأمّا ما إذا كان في البين ما يصلح للعموم فالتكلّم فيه في مقامين ، مقام الثبوت ومقام الإثبات ، أمّا الأوّل فنقول : لا شكّ أنّ العرض الطاري على الطبيعة يسري إلى أفرادها ، فالحبّ والمطلوبيّة وكذا سائر الأحكام إذا تعلّقت بنفس الطبيعة فلا محالة يسري إلى جميع أفرادها ، لكن للطبيعة بحسب مقام التصوّر ملاحظتين بكلّ منهما يقع متعلّقة للأحكام ، وبإحدى الملاحظتين يصير ذات أفراد كثيرة بحيث كلّما وجد في الخارج من مصاديق هذا النوع كان فردا لها ، وبالاخرى يصير على نحو لا يمكن انطباقها عقلا إلّا على فرد واحد ، وتعيين كلّ من القسمين في مقام الإثبات لا بدّ أن يكون بقرينة عامّة أو خاصّة ولا يكون بالمقدّمات للإطلاق ؛ فإنّ كلا منهما نحو من الملاحظة ، وتعيين أحدهما بلا مرجّح.

الاولى (١) : أن يلحظ حاكية عن نحو وجودها في الخارج ، فكما أنّ الإنسان مثلا في الخارج موجود في ضمن الزيد والعمرو والبكر إلى آخر الأفراد فكذا لوحظت الطبيعة بهذا الوصف أعني السريان والانتشار ، فإن كانت الطبيعة بهذا النحو متعلّقة للحبّ والحكم لزم سراية الحبّ والحكم أيضا إلى كلّ ما يسري إليه الطبيعة كما في حرارة النار ؛ فإنّها وصف للطبيعة لوضوح عدم دخل الخصوصيّات في تحقّقها ومع ذلك يسري إلى كلّ فرد منها.

والثانية : أن ينتزع جامع عن الوجودات الخارجيّة على اختلافها قلّة وكثرة يعبّر عنه بمطلق الوجود في قبال العدم ويلاحظ الطبيعة مقيّدة بهذا النحو ، وبعبارة اخرى اخذت مقيّدة بالوجود الناقض لعدم الأصلي ، يعني أنّ المقصود خروج

__________________

(١) أي الملاحظة الاولى.

٣٥٣

الطبيعة عن العدم الأزلي وانهدام ركن عدمها الأصلي ، ومن المعلوم أنّ هذا المعنى لا ينطبق إلّا على أوّل فرد وجد ، والفرد الثاني لا يعقل فرديّته لها ؛ إذ النقض للعدم الأصلي للطبيعة قد حصل بالفرد الأوّل ولا يمكن ثانيا ، والفرد الثاني إخراج لهذا الفرد عن عدمه لا إخراج لأصل الطبيعة عن عدمها.

والحاصل أنّ صرف الوجود والوجود الناقض غير ممكن الانطباق على غير الفرد الأوّل، فلو تعلّق الحكم والحبّ بالطبيعة بهذا النحو فلا جرم يخصّ الفرد الأوّل بهذا الحبّ والحكم دون ما بعده. نعم لو أتى بأفراد كثيرة دفعة واحدة صار الجميع متعلّقا لحبّ واحد وحكم واحد.

أمّا مقام الإثبات فمتعلّق الأمر عند عدم القرينة ظاهر في القسم الثاني ، ومن هنا قيل: يمتنع الامتثال عقيب الامتثال ، فإذا قيل : أعطني الماء ، فالمراد مطلق وجود إعطاء الماء لا وجود كلّ فرد منه ، فيلزم إعطاء جميع مياه العالم ، ومتعلّق النهي عند عدم القرينة ظاهر في القسم الأوّل ، فالمنهيّ عنه جميع الأفراد لا أوّل الفرد ، فإذا قيل : لا تشرب الخمر فلا يكون النهي متعلّقا بصرف إيجاد شرب الخمر بأن يكون لو شربه عصى وارتفع الحكم بارتفاع الموضوع فلم يكن شربه بعد ذلك بمحرّم ، بل الأمر على خلاف ذلك. فالشرب في كلّ هذه معصية على حده ، وليس ذلك إلّا لأجل سراية النهي المتعلّق بالطبيعة إلى كلّ فرد ، فالحكم متعدّد والموضوع متعدّد ولكل إطاعة ومعصيته على حدة.

وأمّا الأحكام الغير التكليفيّة فمختلفة ، فمثل الطبيعة الفلانيّة سبب لكذا معناه السببيّة المستقلّة لكلّ فرد ؛ ولهذا حكم شيخنا المرتضى قدس‌سره في موجبات النزح بتعدّد المقدّر بتعدّد وقوع نوع واحد بناء على مذاقه من استفادة السببيّة التامّة من أداة الشرط ، ومثل أحلّ الله البيع ظاهر في الاستغراق أيضا ؛ فإنّ العموم البدلي مناف لمقام الامتنان وإن كان من الممكن أن يكون ما أحلّ في حقّ كلّ مكلّف بيعا من البيوع وكان اختيار تعيينه بيده ، لكنّ المناسب لمقام الامتنان إحلال جميع أفراد البيع في حقّه ، إلى غير ذلك من الموارد ، فلا بدّ في كلّ مورد من ملاحظة مقتضى هذا المورد وأنّه أيّ من القسمين وليس له ضابط.

٣٥٤

«المقصد السادس في الأمارات المعتبرة شرعا»

ولا بدّ أوّلا من البحث عن أحكام القطع لشدّة مناسبته بالمقام ، وعلى هذا فتقسيم المكلّف إلى حالات تطرأ عليه وتكون مرتبطة بمطالب الاصولي على وجه لم يتداخل الأقسام يكون على نحو ما ذكره شيخنا المرتضى في حاشية الرسائل.

فنقول في توضيحه : اعلم أنّ المكلّف يعني من وضع عليه قلم التكليف ، ـ كما يقال : فلان صار مكلّفا ، لا خصوص من تنجّز عليه التكليف فعلا حتّى يرد أنّ المقسم لا ينطبق على الأقسام ؛ فإنّ فيها من لا يكون له تكليف فعلي كما في مورد البراءة مثلا ـ إذ التفت إلى حكم شرعي ، وهذا قيد احترازي ؛ فإنّ المكلّف بالمعنى الذي ذكرنا يشمل الغافل، ووجه التقييد عدم جريان الحالات الثلاث من القطع وما بعده في الغافل ، مضافا إلى أنّ الغافل لا يتعلّق بالبحث عن تكليفه في حال الغفلة غرض ؛ إذ لا يرجع فائدته لا إلى نفس الغافل في حال غفلته ولا إلى غيره ، وأمّا هو بعد الالتفات فيصير داخلا في موضوع الملتفت.

وبالجملة فهذا المقسم لا يخلو من قسمين ؛ لأنّه إمّا يكون قاطعا بالحكم الواقعي أولا، فالأوّل هو المقصود بالبحث في مبحث حجيّة القطع ، وعلى الثاني إمّا يكون عنده طريق معتبر وأمارة معتبرة على الواقع أولا ، والأوّل هو المقصود في مبحث حجيّة الأمارات ، وعلى الثاني ـ ولا محالة يكون شاكا في الحكم الواقعي ـ إمّا يكون لشكّه حالة سابقة ملحوظة ، يعني اعتبرها الشارع وراعاها أولا ، أعمّ من أن لا يكون لشكّه حالة سابقة أصلا أو كان ولم يعتبرها الشارع كما في الشكّ في

٣٥٥

المقتضي بناء على عدم جريان الاستصحاب فيه.

فالأوّل مجرى الاستصحاب ، وعلى الثاني إمّا يكون عالما بحقيقة التكليف أعمّ من أن يكون عالما بجنسه دون نوعه كما لو علم بوجوب هذا أو حرمة ذاك ، أو علم بأنّ هذا إمّا واجب وإمّا حرام ، ومن أن يكون عالما بالجنس والنوع معا كما لو علم بأنّ الواجب إمّا هذا وإمّا ذاك ، أو لا يكون عالما بحقيقة التكليف الذي هو الإلزام فضلا عن نوعه ، فالثاني مجرى البراءة ، والأوّل إمّا يمكن فيه الاحتياط أولا ، فالأوّل مجرى الاحتياط كما لو علم بوجوب شيء أو حرمة شيء آخر ، أو علم بوجوب الظهر أو الجمعة مثلا وكان الوقت واسعا لهما ، والثاني مجرى التخيير كما لو علم بالوجوب أو الحرمة في شيء واحد أو علم بوجوب الظهر أو الجمعة مثلا ولم يسع الوقت إلّا لأحدهما.

فإن قلت : إنّ المقسم وهو المكلّف الملتفت أعمّ من المجتهد والمقلّد والحال أنّ بعض الأقسام مختصّ بالمجتهد كما في الأمارات والاصول ؛ فإنّ الأمارات حجيّتها مختصّة بالمجتهد لوضوح عدم قدرة المقلّد على الاستنباط ، وما سوى الاستصحاب من الاصول أيضا واضح اختصاصها بالمجتهد ؛ لتوقّف إجرائها في مواردها على الفحص عن البيان والدليل وعدم الظفر به ، وليس الفحص من شأن المقلّد.

وكذا الكلام في الاستصحاب في الكليّات ؛ فإنّ إجرائه أيضا يتوقّف على اليأس عن الدليل بعد الفحص عنه ، وأمّا في الجزئيّات وإن كان المجتهد والمقلّد فيها على السواء إلّا أنّ المقصود بالبحث في هذا الفن هو القسم الأوّل ولا يبحث عن الاستصحاب في الجزئيّات إلّا استطرادا.

لا يقال : كيف يختصّ مثل ذلك بالمجتهد والحال أنّ نظره فيها حجّة على المقلّد ، ولو كان العمل بمقتضاها من الشئون الخاصّة به لم يكن للمقلّد فيها حظّ وإن كان بتقليد المجتهد ، كما هو الحال في سائر المختصّات به كالقضاء والإفتاء وحفظ مال الغائب ؛ فإنّها وظيفة المجتهد وهو المخاطب بها خاصّة وليس للمقلّد تصدّي هذه الامور وإن كان بالتقليد عن المجتهد.

٣٥٦

لأنّا نقول : الطرق والقواعد متعرّضة للحكم المعلّق على عنوان يشترك فيه المقلّد والمجتهد ، مثلا لسان الأمارة تحقّق حكمها في حقّ جميع المكلّفين من العالم والجاهل وكذا الاصول ، ففي الاستصحاب مثلا الحالة السابقة المعلومة شاملة للجميع من دون اختصاص حكمها بأحد ، ومفاد الاستصحاب ليس إلّا إبقاء عين هذا الحكم الثابت في السابق في حقّ الجميع في اللاحق ، والمخاطب بهذا الإبقاء وإن كان ليس إلّا طائفة واحدة ، إلّا أنّ ما يستصحبه هذه الطائفة الواحدة حكم الجميع.

وبعبارة اخرى : إذا استنبط المجتهد من الأدلة وجوب صلاة الجمعة مثلا فهو بحسب نظره يعتقد مشروعيّة هذا الحكم في حقّه وحقّ جميع من عداه من المكلّفين حتى المجتهدين ، ويرى أنّ التكليف الواقعي الأوّلي في حقّ الجميع وجوب الجمعة ، غاية الأمر أنّ نظره هذا ليس متّبعا لغيره من المجتهدين ؛ لعدم كونه طريقا لهم إلى الواقع ، واللازم بالنسبة إلى من يجب عليه اتّباع نظره من المقلّدين متابعته والعمل على طبق نظره ، فعلم أنّه لا منافاة بين اختصاص الخطاب بالعمل على طبق الاصول والأمارات بالمجتهد ووجوب متابعة المقلّد إيّاه لعموم مداليلها للمقلّد أيضا ، وهذا بخلاف مثل منصب القضاء والإفتاء وحفظ مال الغائب؛ فإنّ دليلها غير متعرّض لحكم شخص آخر وراء المجتهد ، بل مفاده جعل ذلك وظيفة لشخص المجتهد من دون شركة الغير له.

قلت : ليس مفاد أدلّة حجيّة الأمارات والاصول إلّا العمل على طبق مداليلها ، فمفاد «صدّق العادل» لزوم العمل على طبق مقول قوله ، وكذا «ابن على الحالة السابقة» مفاده البناء في مقام العمل على السابق ، ومن الواضح أنّ العمل غير مختصّ ببعض دون بعض والكلّ قادر عليه ، فالعمل على طبق قول الزرارة مثلا في قوله : قال الصادق : صلّ الجمعة كما هو مطلوب من المجتهد كذلك يكون مطلوبا من المقلّد أيضا بلا فرق ، وكذا «لا تنقض اليقين بالشكّ» كما أنّه خطاب إلى المجتهد يكون خطابا إلى المقلّد أيضا.

حتّى أنّ الرجوع إلى الأعدل عند التعارض أيضا خطاب عامّ ؛ إذ مرجعه إلى

٣٥٧

لزوم الأخذ بما قاله الأعدل والعمل على طبقه ، إلّا أنّ تشخيص ما قاله العدل أو الأعدل عند التعارض وكذا تعيين موارد البناء على الحالة السابقة صار بواسطة طول الزمان متوقّفا على مقدّمة مفقودة في حقّ المقلّد وهي ملكة الاستنباط والاقتدار على فهم معنى الآية والخبر؛ فلهذا لا بدّ من رجوع المقلّد إلى المجتهد لا بمعنى أنّ طريقه إلى الواقع بلا واسطة هو قوله ، بل قول المجتهد طريق للمقلّد إلى ما هو طريقه إلى الواقع من خبر العدل ونحوه ، فهو في الحقيقة عامل على طبق ما قاله العدل ، غاية الأمر أنّ طريقه إلى ما قاله العدل قول المجتهد ، كما أنّ طريق المجتهد إليه فهمه ونظره.

فعلم أنّ الخطاب بالأمارات والاصول عامّ للمقلّد أيضا غاية الأمر يجب رجوعه في تشخيص الأمارات والاصول إلى المجتهد ، فوظيفة الاستنباط وأخذ الأحكام من مآخذها من مختصّات المجتهد وليس للمقلّد حظّ في ذلك ، ولكن العمل على طبق ما استنبطه عامّ له ولمقلّديه لما عرفت من أنّ مفاد أدلة التنزيل وجعل الأصل في حقّ الشاكّ ليس إلّا العمل على طبق مؤدّي الأمارة والجري على وفق مقتضي الاصول ، ويدلّك على ذلك أنّ أدلّة الأحكام مثل (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) و (آتُوا الزَّكاةَ) وغيرهما خطابات عامّة يندرج تحتها العالم والجاهل.

وأمّا الظن في حال الانسداد فإن قلنا بأنّه يستكشف من مقدّمات الانسداد أنّ الشارع جعله طريقا إلى الواقع وكاشفا عنه في تلك الحال فيكون داخلا في الطرق المعتبرة شرعا ، وإن قلنا بالحكومة بمعنى أنّ العقل حاكم بعد عدم إمكان الاحتياط أو عسره بترك الموهومات وأخذ المظنونات والمقطوعات وفي الحقيقة يكون حكمه راجعا إلى تبعيض الاحتياط فيكون الظنّ داخلا في قاعدة الاحتياط ؛ فإنّ معناه أنّه بعد عدم إمكان الأخذ بجميع المحتملات ودوران الأمر بين الأخذ بطائفة خاصّة منها ، فالعقل حاكم بتقديم الأقرب منها إلى الواقع فالأقرب ، يعني يجب الأخذ بالاحتياط مهما أمكن وليس للعقل سبيل إلى أن يجعل الظن في تلك الحال كاشفا عن الحكم الشرعي الواقعي.

٣٥٨

بقي الكلام في أنّ المناسب بمقصد الاصولي هو تثليث الأقسام كما فعلنا وفاقا لشيخنا المرتضى ، أو تثنيتها كما اختارها صاحب الكفاية فجعل المكلّف الملتفت على قسمين ؛ لأنّه إمّا قاطع بالحكم الفعلي الظاهري أو الواقعي وإمّا شاكّ ، وأمّا الظن فإن كان من طريق معتبر فداخل في القطع وإلّا فداخل في الشكّ ، والشكّ الذي يكون مجرى للأصل الشرعي أيضا داخل في القطع ؛ فإنّ هذا الشاكّ أيضا قاطع بالحكم الفعلي الظاهري ، فالشاكّ المقابل للقاطع عبارة عمّن ليس له يقين بالواقع ولا ظن معتبر به ولا أصل من الاصول الشرعيّة ، ومرجعه إلى الظنّ لو تمّت المقدّمات وقلنا بالحكومة ، وإلّا فإلى الاصول العقليّة من البراءة والاحتياط والتخيير.

أقول : لا إشكال في إمكان تقسيم المكلّف إلى أقسام كثيرة بحسب الحالات الطارئة عليه من القيام والقعود ونحوهما ، ويمكن جعله قسما واحدا بأن يقال إنّه قاطع بوظيفته العمليّة أبدا وليس متحيّرا فيها في وقت من الأوقات ولكن لا بدّ من مراعاة المناسبة للمقاصد المندرجة في الكتاب حتى يكون التقسيم بمنزلة الفهرست لها ، وحيث إنّ المطالب المجموعة في الكتاب الاصولي مطالب تفيد المستنبط فصار المناسب هو التثليث ؛ فإنّ المستنبط يرجع أوّلا إلى القطع ومع عدمه إلى الظنون المعتبرة ، ومع عدمها إلى الاستصحاب مقدّما له على سائر الاصول لبرزخيّته بين الأماريّة والأصليّة وتمحّضها للثانية ، ومع عدمه إلى سائر الاصول العمليّة الشرعيّة ، ومع عدمها إلى الظنّ لو حصل له وقد تمّت المقدّمات على تقدير الحكومة ومع عدمه إلى الاصول العقليّة من البراءة والاحتياط والتخيير.

فعلم أنّه مع تثنية الأقسام أيضا لا بدّ من تقسيم القاطع إلى ثلاثة أقسام بأن يقال : إنّ قطعه بالحكم الفعلي إمّا حاصل من القطع بالحكم الواقعي وإمّا حاصل من الطريق المعتبر وإمّا من الأصل العملي ، فصار الأولى هو التثليث.

وكيف كان فبيان أحكام القطع وأقسامه يستدعي رسم امور :

الأوّل : هل القاطع بالحكم الواقعي يحتاج إلى جعل قطعه حجّة أولا ، بل يجب

٣٥٩

عليه متابعته ، بل لا يمكن منعه عن المتابعة ، بل وأمره بها على نحو الأمر المولوي ، فلا بدّ من حمل الأمر لو كان على مجرّد الإرشاد؟ فهنا ثلاثة مقامات :

الأوّل : أنّ القاطع هل هو كالظان في احتياجه في العمل إلى جعل الحجيّة أو يلزم عليه العمل على طبق القطع بحكم العقل؟

الثاني : أنّه وإن قلنا بلزوم العمل بدون الحاجة إلى جعل الحجيّة هل يمكن للمولى لو رأى المفسدة في متابعة قطع أن يمنع العبد عن متابعته أولا؟.

الثالث : أنّه وإن قلنا بعدم الحاجة واستحالة المنع هل يمكن توجّه الأمر المولوي أولا؟.

أمّا الأوّل فالحق عدم الحاجة ؛ إذ ليس ما وراء القطع حجّة اخرى ، فيلزم على تقدير احتياجه إلى جعل الحجيّة ارتفاع الحجّة من البين رأسا ؛ إذ لو فرض القطع بحكم وفرض القطع بقول الشارع : اعمل بقطعك ، فلا يكون القطع بهذا القول حجّة ويحتاج في جعله حجّة بجعل ثانوي ، وكذا الكلام في القطع بالجعل الثانوي فيحتاج إلى جعل ثالث وهكذا ، فيلزم التسلسل ؛ فإنّه لا ينتهي المحتاج إلى غير المحتاج أبدا. وبالجملة فلزوم متابعة القاطع لقطعه بديهيّ لا يحتاج إلى البيان.

أمّا الثاني فقيل فيه بعدم الإمكان مستدلا بلزوم العمل بالتناقض ، وبيانه أنّه لو قطع المكلّف بكون المائع مثلا خمرا وقطع بالكبرى أيضا أعني حرمة الخمر فيقطع بالبديهة بأنّ هذا المائع حرام ؛ فإنّ الشكل الأوّل بديهيّ الإنتاج ، فلو منعه المولى من العمل بهذا القطع فيلزم أن يعلم المكلّف بمتناقضين أعني حكم اجتنب وحكم رخّصتك وإن كان قطعه بكون هذا خمرا جهلا مركّبا ؛ فإنّه لا يحتمل الخطاء في قطعه.

واورد عليه بالنقض بالقياس في حال الانسداد ؛ فإنّه لا شكّ في كونه قائما مقام العلم ؛ فإنّ الامتثال له مراتب يحكم العقل بتقديم بعضها على بعض ، فالامتثال القطعي هو المقدّم ، ومع عدم إمكانه يلزم الظنّي على اختلافه بحسب قوّة الظن وضعفه ، فيقدّم الأقوى على الأضعف ، والمناط تقديم ما هو الأقرب إلى القطع فالأقرب ، فيكون الظن عند انتفاء القطع قائما مقامه ، ومع ذلك قد نهى الشارع عنه

٣٦٠