أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

لكن كان تعميمه الحكم للجميع بحسب الصورة مع اختصاص الباقين به بحسب اللب.

فعلى الأوّل لا إخراج في البين حقيقة ، وعلى الثاني يكون الإخراج من هذا الحكم الصوري ويكشف عن عدم الدخول في الحكم الجدّي من الأوّل ، وعلى التقديرين يكون العام حجّة في الباقي ، أمّا على الأوّل فلأنّ المفروض عدم الإغماض عن ما سوى هذا الفرد في مرحة الحكم ، ولازم ذلك شمول الحكم لجميع ما سواه ، وأمّا على الثاني فلأنّ المفروض تعلّق الحكم الصوري بجميع الأفراد ، غاية الأمر قد علم مخالفته للحكم الجدّي في خصوص هذا الفرد بالدليل ، فيبقى أصالة التطابق بين الحكمين بالنسبة إلى الباقي بحالها.

«فصل»

لا إشكال في عدم الفرق بين المخصّص المتّصل والمنفصل فيما إذا كان مبيّنا لا إجمال فيه أصلا ، فيكون العام حجّة في الباقي ، ويسقط عن الحجيّة في غيره في كلتا الصورتين ، غاية الأمر لا يستقرّ ظهور العام من أوّل الأمر إلّا في الباقي في صورة الاتّصال ، ويستقرّ ظهوره في الجميع ، فيعارض ظهوره بالنسبة إلى الفرد الخارج بظهور أقوى ، فيسقط عن الحجيّة بالنسبة إليه في صورة الانفصال.

وبعبارة اخرى المتّصل مزاحم لأصل ظهور العام ، والمنفصل مزاحم لحجيّته لا لظهوره.

وكذا لا إشكال في عدم الفرق بين الصورتين في صورة إجمال المخصّص وتردّده بين المتباينين كما لو قال : أكرم العلماء إلّا زيدا ، أو ورد بعد أكرم العلماء : لا تكرم زيدا وكان الزيد في المثالين مشتركا بين رجلين عالمين فاشتبه المراد به في المثالين فيسقط ظهور العام بالنسبة إلى كلا طرفي الترديد عن الحجيّة في كلتا الصورتين لمكان العلم الإجمالي ، غاية الأمر أنّه لا ينعقد الظهور للعام بالنسبة اليهما في صورة الاتصال ، وينعقد ولكن يسقط عن الحجيّة لقيام الحجّة الأقوى على خلافه في صورة الانفصال.

٢٨١

إنّما الكلام والإشكال في صورة الإجمال والتردّد بين الأقلّ والأكثر ، فالمحكيّ عن أساتيد الفن قدّس الله أسرارهم هو الفرق بين المخصص المتّصل والمنفصل ، فالأوّل يسري إجماله إلى العام فيصير العام بالنسبة إلى الفرد الغير المتيقّن الخروج مجملا ، والثاني يقتصر في تخصيصه للعام على القدر المتيقّن ويكون عموم العام بالنسبة إلى غير المتيقّن محكّما.

والدليل على هذه الدعوى أنّ العامّ في صورة انفصال المخصّص قد انعقد له ظهور مستقرّ في العموم فصار موضوعا للحجيّة بمقتضى أدلّة حجيّة الظواهر ، غاية الأمر صار حجّة في حدّ ذاته بحيث لا ينافي عدم حجيّته عند معارضة الحجّة الأقوى ، فإذا ورد على خلافه دليل خاص منفصل كان من باب التعارض بين الحجّتين ، وحيث إنّ الخاص أقوى حجّة من العام لنصوصيّته أو أظهريّته يكون مقدّما ، لكن لو فرض كون هذا الخاص مجملا بين الأقلّ والأكثر ينحصر حجيّته في القدر المتيقّن وهو الأقلّ ، وأمّا في الزائد فلا حجيّة له لعدم الظهور وثبوت الإجمال ، وحينئذ فما يمكن أن يزاحم فيه الخاص العامّ في الحجيّة إنّما هو القدر المتيقّن ، وأمّا بالنسبة إلى الزائد فلا مزاحمة له للعام أصلا ؛ لعدم معقوليّة تعارض اللاحجّة مع الحجّة.

فلو ورد أكرم العلماء ، ثمّ لا تكرم الفسّاق من العلماء ، وشكّ في مفهوم الفاسق أنّه مرتكب الكبيرة أو مطلق من ارتكب ذنبا ، فما يمكن أن يصير هذا الخاص مزاحما فيه لذاك العام إنّما هو خصوص مرتكب الكبيرة ، وأمّا مرتكب الصغيرة فليس الخاص حجّة فيه لإجماله وقد فرض كون العام حجّة فيه فيكون العام بالنسبة إليه حجّة بلا معارض.

ولو قلنا بأنّ الخاص يجعل العام معنونا فيصير عنوانه في المثال هو العالم الغير الفاسق فإنّما نقول به بالنسبة إلى القدر المتيقّن أيضا لا مطلقا ، فلا يرد أنّ العام بعد صيرورته معنونا بعدم الخاص يصير مجملا أيضا.

وممّا يشهد بذلك أنّه لو لم يكن في البين عام وورد دليل خاص على حرمة إكرام العالم الفاسق كان المرجع في الفرد المشكوك أعني المرتكب للصغيرة هو أصالة

٢٨٢

البراءة ؛ لإجمال الدليل بلا إشكال ، ففي صورة وجود العامّ يرجع إلى عمومه ، بل يرفع بسببه الإجمال عن الخاص ؛ لكونه دليلا اجتهاديّا فمثبته أيضا حجّة ، فيقال : إنّ مرتكب الصغيرة يجب إكرامه بمقتضى عموم العام ، وكلّ فاسق يحرم إكرامه بمقتضى دلالة الخاص ، فينتج أنّ مرتكب الصغيرة ليس بفاسق ، فيتبيّن بذلك مفهوم الفاسق وأنّه خصوص من ارتكب الكبيرة.

وهذا بخلاف ما إذا كان المخصّص متّصلا ، فإنّ الكلام حينئذ واحد وعلى المخاطب أن يصبر إلى أن يأتي تمام أجزاء الكلام ولواحقه ثمّ ينظر أنّ المستفاد من مجموع الصدر والذيل ما ذا فيحكم بأنّ هذا المستفاد هو ظاهر القضيّة ، فإذا قال : أكرم العلماء فليس للمخاطب أن يحكم بمجرّد سماع هذا أنّ المراد عموم العلماء ، نعم يكون له حينئذ ظهور بدوي في العموم كظهور لفظ الأسد بدوا في الحيوان المفترس ، ولكنّه ليس ظهورا مستقرّا معتدّا به إلّا بعد مجيء تتمّة الكلام ، فإن لم يكن في التتمّة قرينة على خلاف هذا الظاهر البدوي صار مستقرّا وإلّا استقرّ الظهور على الخلاف ، كما في رأيت أسدا يرمي ، ولازم هذا أنّه إذا كان في التتمّة لفظ مجمل كقوله : إلّا الفسّاق منهم كان الإجمال ساريا إلى عموم العام أيضا.

هذا تقريب مرامهم قدس‌سرهم (١) ، والإنصاف أنّه لم يحصل الجزم به إلى الآن و

__________________

(١) ومحصّله أنّ أصالة الجهة أعني أصالة التطابق بين الإرادتين في صورة الاتّصال غير جارية ؛ لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة ، وهي جارية في صورة الانفصال في غير مورد حجيّة الدليل الخاص ، وأمّا الظهور الاستعمالي فلا شبهة في انعقاده في العموم موضوعا وحكما سواء في المتّصل الذي من قبيل أكرم كلّ عالم إلّا زيدا أو ولا تكرم زيدا أم في المنفصل.

نعم المتّصل الذي من قبيل أكرم كلّ عالم عادل تضيّق لدائرة موضوع الحكم المنشأ في القضيّة الاستعماليّة أيضا ، ففي صورة إجماله يصير مورد الشكّ من الشبهة الموضوعيّة التي لا شبهة في عدم اعتبار العام فيها لعدم الظهور رأسا لا لعدم جريان أصالة الجهة مع حفظ الظهور ، فانقدح أنّ في المتّصل يكون وجه الإجمال إمّا نقصان الدلالة وإمّا نقصان ـ

٢٨٣

وجهه أنّ قولهم : إنّ العام يكون له ظهور مستقرّ فيكون موضوعا للحجيّة في صورة الانفصال إنّما يتمّ في العام الواقع في كلام من يتكلّم لتحصيل أغراضه الشخصيّة ، كما هو المرسوم في مكالمات العامّة ؛ إذ المرسوم أنّه لو كان للعام مخصّصات ذكروها بجملتها في مجلس ذكر العام ، فلو قيل : أضف كلّ عالم هذا البلد ولم يستثن أحدا علم أنّ مراده الجميع ، حتى لو صرّح بعد انقضاء المجلس باستثناء فرد منهم يحمل على حصول البداء له بالنسبة إلى هذا الفرد وأنّه كان إلى الآن بانيا على ضيافته فظهر له الآن كون الصلاح في ترك ضيافته.

وهذا بخلاف كلام المتكلم الذي يتكلّم في الامور العامّة وتأسيس القوانين ، فإنّه ربّما يذكر عامّا في مجلس ولم يقتض المصلحة ذكر مخصّصه معه ، فيذكر المخصّص في مجلس آخر ، فالعمومات الواقعة في كلام هذا المتكلّم لا بدّ أن يعامل معها معاملة العام الواقع في كلام المتكلّم الأوّل قبل فراغه من الكلام ، فكما ليس للمخاطب هناك الاعتماد على الظهور البدوي في العموم ، بل لا يستقرّ ظهوره فيه إلّا بعد انقضاء الكلام وعدم ذكر المخصّص ، كذلك هاهنا ليس له الحكم بالظهور في العموم بمجرّد أخذه لفظا عامّا في مجلس ؛ إذ لا يستقرّ له ظهور إلّا بعد التتبّع والفحص عن المخصّص في المجالس الأخر التي يجوز تأخير ذكر المخصّص إليها ، فعند عدم وجدانه بعد هذا الفحص يستقرّ الظهور في العموم ، فالمجالس المتعدّدة لهذا المتكلّم في حكم المجلس الواحد لذاك.

والذي يدّل على ما ذكرنا من عدم استقرار الظهور وعدم صيرورة العامّ موضوعا للحجيّة بالنسبة إلى هذا المتكلّم إلّا بالفحص المذكور لزوم الفحص عن المخصّص وعدم جواز التمسّك بالعام قبله.

فإن قلت : لعلّه من جهة كثرة التخصيص بحيث قيل : ما من عامّ إلّا وقد خصّ.

قلت : لو كان كذلك لكان اللازم الفحص إلى حدّ صار التخصيص خارجا عن

__________________

ـ الجهة ، وأمّا المنفصل فلا نقصان في شيء من جهتيه ، منه عفي عنه.

٢٨٤

أطراف العلم الإجمالى وكان الزائد على ذلك غير لازم وليس كذلك ، فلو وجد عشرة مخصّصات لعام وخرج بذلك عن أطراف العلم المذكور ولكن يحتمل وجود المخصّص يجب الفحص أيضا.

فإن قلت : لزوم الفحص عن المخصّص لا ينافي حجيّة العام ؛ فإنّ الثابت من دليل حجيّته ليس أزيد من الحجيّة الجهتية الذاتية ، بمعنى أنّه حجّة لو لم يعارض بحجّة أقوى وإلّا سقط عن الحجيّة ، فلزوم الفحص لأجل الاطمئنان بعدم تلك الحجّة الأقوى.

قلت : لو كان كذلك لزم فيما إذا كان العام قطعي السند والخاص ظنيّة أن يقدّم العام ؛ إذ يعارض ظهور العام حينئذ مع ظهور دليل اعتبار السند وظهور العام أقوى من ظهوره ، مثلا لو قام العام الكتابي على الوجوب وقام الخبر الواحد الظني الصدور على حرمة الخاصّ ، وقع التعارض بين ذلك العامّ وبين ظهور دليل حجيّة خبر الواحد ، أعني قولهعليه‌السلام: صدّق العادل ، والأوّل أقوى ، وليس كذلك ، بل الخاصّ الظنّي الصدور الغير الخارج عن موضوع الحجيّة وإن كان سنده في غاية الضعف يقدّم على العام القطعي الصدور، ولا يمكن أن يكون وجه هذا إلّا ما ذكرنا من عدم استقرار الظهور والمعاملة مع مكالمات هذا المتكلّم المتفرّقة في المجالس العديدة معاملة المكالمات المجتمعة في مجلس واحد الصادرة عن غيره ؛ إذ على هذا متى وجد خاص بالوصف المذكور في مجلس غير المجلس الذي ذكر فيه العام يكون اللازم ضمّ هذا الخاص إلى ذاك العام وفرض كونهما صادرين في مجلس واحد ، فيستقرّ ظهور العام بعد ملاحظة الخاص ، فليس بينهما معارضة أصلا ، ولازم هذا أنّه لو كان في الخاص المنفصل الواقع في كلام هذا المتكلّم إجمال يسري منه إلى العام ، هذا كلّه هو الكلام في الشبهة المفهوميّة.

وأمّا الشبهة المصداقية بأن لا يكون في مفهوم لفظ الخاص إجمال أصلا أو لم يكن في البين لفظ ، بل كان المعنى متواترا أو مجمعا عليه ، ولكن شكّ في فرد معيّن من أفراد العام أنّه من مصاديق هذا الخاص أو لا ، فالمعروف عدم جواز التمسّك فيها بعموم العام ، فلو ورد أكرم العلماء ، ثمّ لا تكرم الفسّاق ، وفرض العلم بمدلول لفظ الفسّاق

٢٨٥

فشكّ في عالم أنّه من مصاديق الفاسق أولا ، لم يمكن التمسّك على وجوب إكرامه بعموم أكرم العلماء ، كما لا يمكن التمسّك على حرمته بعموم لا تكرم الفسّاق ، وقيل بالجواز.

أمّا تقريب الأوّل فهو أنّ أصالة العموم إنّما تكون حجّة لأن يرفع بها الشبهة في المراد ويكون هذا في مقام كان المتكلّم قادرا على رفع التحيّر عن الشاكّ ، وبعبارة اخرى مقام إجراء أصالة العموم ما إذا صحّ السؤال عن المتكلّم بأن يقال له : ما أردت من قولك : أكرم العلماء مثلا ، وأمّا إذا كان مراده واضحا وكانت الشبهة ممحّضة في المصداق كما هو المفروض فليس المقام صالحا للسؤال عن المتكلّم فلا يسأل عنه أنّ هذا الرجل العالم فاسق أم لا ، فربّما يكون المتكلّم أيضا متحيّرا في ذلك.

وأمّا تقريب الثاني فهو أنّه لو ورد أكرم العلماء مثلا ثمّ لا تكرم الفسّاق من العلماء ، فلا شكّ أنّ الأوّل عامّ لجميع الأفراد من العادل والفاسق ، والثاني إنّما نجعله محدودا بقدر الحاجة فنقول : وإن كان بحسب الواقع ليس في البين إلّا فردان ، عادل وفاسق إلّا أنّه يحصل بحسب الحالات ثلاثة أفراد ، الأوّل معلوم العدالة ، والثاني معلوم الفسق ، والثالث مشكوك العدالة والفسق ، فالعام بالنسبة إلى معلوم الفسق مخصّص قطعا ، كما أنّ معلوم العدالة باق تحته بلا كلام ، وأمّا المشكوك فالمانع عن شمول العام أنّه إذا كان فاسقا في الواقع كان محرّم الإكرام وهو ينافي وجوب إكرامه.

والجواب أنّ هذا بعينه هو ما تخيّله ابن قبة ، وأجابوا عنه بأنّ الحكمين طوليّان ولا منافاة بينهما ، فكما نقول : إنّ الخمر حرام واقعا والمشكوك منه حلال فكذا نقول هنا : لا منافاة بين كونه واقعا محرّم الإكرام وكونه بحسب الظاهر داخلا في عموم أكرم.

وبالجملة ، لا مانع من العموم بالنسبة إلى الفرد المشكوك ، وأمّا قولك إنّ أصالة العموم في مقام كان رفع الشكّ مقدورا للمتكلّم ، وهاهنا ليس رفعه بيده نقول : لا شكّ أنّه يقدر على رفع الشكّ من حيث جعل الحكم في الموضوع المشكوك ، فهو وإن كان قد لا يقدر على رفع الجهالة من حيث العدالة والفسق إلّا أنّه يقدر على أنّ الفرد المجهول داخل تحت حكم العام أولا ، فالمقام مقام السؤال عنه لرجوعه إلى إرادته.

٢٨٦

فإن قلت : يلزم أن يكون خطاب واحد متكفّلا لحكمين أحدهما واقعي والآخر ظاهري.

قلت : لا ضير فيه فإنّ الحكم الظاهري ليس سنخا آخر غير الحكم الواقعي ، غاية الأمر أنّ الأوّل متعلّق بنفس الواقع والثاني بالشكّ فيه.

فإن قلت : إنّ الشكّ المأخوذ في موضوع الحكم الظاهري لا بدّ وأن لا يكون شكّا متعلّقا بالموضوع الواقعي بنفسه مع قطع النظر عن حكمه إذ حينئذ يقع في عرض الحكم الواقعي ويكون مخصّصا له ؛ إذ دليل الخمر مثلا يفيد أنّ جميع أفراد الخمر حرام ، ودليل الحكم الظاهري مفاده أنّ الخمر المشكوك الخمريّة حلال ، فرفع المنافاة عمّا بينهما وجعل الظاهري في طول الواقعي إنّما يتحقّق لو جعل الشكّ متعلّقا بالحكم سواء كان ناشئا عن الشكّ في الموضوع أم لا ، فيقال : إنّ المشكوك الحرمة سواء كان الشكّ في حرمته لأجل الشكّ في كونه خمرا أو ماء مثلا ، أو كان موضوعا محرزا وشكّ في الحكم الكلّي المتعلّق به ، وبعبارة اخرى : قد أخذ في موضوع الحكم الثانوي الشكّ في الحكم الأوّلي فالشكّ متأخّر رتبة عن نفس الحكم الأوّلي ، والحكم الثانوي متأخّر رتبة عن الشكّ في الحكم الأوّلي لكونه موضوعا.

قلت : الأمر من هذه الجهة سهل ؛ إذ يدّعى تعلّق الشكّ بالموضوع لا من حيث نفسه ، بل من حيث منشئيته للشكّ في حكمه الجائي من قبل المخصّص ، هذا.

ويرد على ما ذكره قدس‌سره امور ،

أحدها : أنّ الشكّ المأخوذ في الحكم الظاهري لا بدّ وأن يلحظ قيدا لا على وجه الإطلاق ، وبعبارة اخرى لا بدّ وأن يكون دخيلا في الحكم لا كالأوصاف التي يلحظ على وجه الإطلاق كالإيمان والفسق والكفر الملحوظة في أعتق رقبة ، فإنّها ملحوظة على وجه يساوي وجودها وعدمها في ثبوت الحكم ، فمن حيث إنّ القضيّة متعرّضة للحكم الواقعي لا بدّ وأن يلاحظ الشكّ في حكم المخصّص على وجه الإطلاق ؛ إذ لم يوجد في موضوع الحكم الواقعي الشكّ في حكم آخر ، ومن حيث أنّها متكفّلة للحكم الظاهري لا بدّ وأن يلحظ فيها الشكّ في حكم المخصّص قيدا ،

٢٨٧

فيلزم الجمع بين لحاظي الإطلاق والتقييد بالنسبة إلى الشكّ المذكور في لحاظ واحد.

وثانيها : أنّه كما لا يمكن أن يكون الحكم ناظرا إلى نفسه ؛ إذ يلزم طوليّته بالنسبة إلى نفسه وتأخّره عن نفسه ، كذلك لا يمكن ذلك بالنسبة إلى حكم آخر مساو معه رتبة ، ويكون معه في عرض واحد لوجود الملاك المذكور عينا ؛ إذ يلزم تأخّر الحكم عن نفسه ، فإنّ المفروض أنّه في رتبة الحكم المنظور إليه ، فلو كان متأخّرا عنه لزم أن يكون مساويا معه ومتأخّرا معا.

فنقول : لازم كون الدليلين من باب العام والخاص ـ حيث يتخصّص العام بالخاص ـ كونهما في عرض واحد واردين على الموضوع ، وإلّا لم يتحقّق التخصيص ، فإنّ معناه مصادمة الخاص للعام في بعض مدلول العام وهي لا تتحقّق مع الاختلاف في الرتبة وهذا واضح.

فلو فرضنا العام ناظرا إلى حكم الخاص ومتكفّلا لحكم الشكّ فيه فلا محالة يكون مترتّبا عليه وفي طوله ، وبهذا يخرجان عن باب العام والخاص وإن كان يصحّ تكفّل العام للحكم الظاهري ، وإن فرضنا العام في رتبة الخاص فهما في عرض واحد يردان على موضوع واحد ، فلا يمكن النظر لأحدهما إلى الآخر ، وبالجملة وإن كانا حينئذ من باب العموم والخصوص لكن لا يتحقّق بهذا البيان حكم ظاهري.

ثالثها : أنّه لا شكّ أنّ العموم الأحوالي تابع للعموم الأفرادي ويكون الأوّل في طول الثاني ، فلو خرج من العام فرد وخصّص بذلك عمومه الأفرادي فلا يعقل بقاء عمومه الأحوالي المتحصّل من دخول الأفراد تحت العام بحاله بالنسبة إلى الفرد المخرج ؛ إذ الدليل إنّما يتكفّل أحوال الفرد إذا كان نفس الفرد باقيا تحت عموم موضوعه.

وبعبارة اخرى : بعد اندراج الفرد تحت عموم الموضوعي يشمله مقدّمات الحكمة ، وبدون ذلك لا موضوع لتلك المقدّمات ؛ إذ بعد عدم شمول الحكم نفس الفرد فلا كلام في هذا الفرد حتى يحكم بسرايته إلى أحواله بمقدّمات الحكمة.

فإن قلت : هذا مسلّم فيما كان للحكم ملاك واحد ، وأمّا لو كان هناك ملاكان أحدهما في الفرد من حيث ذاته وانطباق العام عليه والآخر من حيث حاله وكونه

٢٨٨

معروضا للحالة الفلانيّة كما في المقام ـ حيث إنّ الفاسق الواقعي الذي شكّ في حرمة إكرامه ووجوبه من جهة الشكّ في فسقه وعدالته قد اجتمع فيه ملاكان لوجوب الإكرام أحدهما العلم والآخر كونه مشكوك العدالة والفسق ـ فإذا خرج عن العموم بواسطة لا تكرم الفسّاق يبقى تحته من حيث كونه مشكوك الفسق والعدالة.

قلت : لا فرق بين اتّحاد الملاك وتعدّده ؛ إذ على أيّ حال يكون الأحوال واردا على المفرد ونريد إسراء الحكم إلى حالاته بمقدّمات الحكمة ، فهو موقوف على بقاء نفسه تحت عموم الدليل ؛ إذ ليس بحسب الفرض في البين دليل آخر ، بل المقصود استفادة الحكمين من الدليل الواحد وهو لا يتمّ إلّا بمحفوظيّة نفس الفرد وهذا أيضا واضح.

فإن قلت : ما ذكرته في الإشكال من اجتماع اللحاظين ممنوع ؛ إذ من الممكن إجراء الحكم على طبيعة مشتملة على أصناف لملاك في نفس كلّ واحد من تلك الأصناف كما إذا قال : أعتق كلّ رقبة وكان وجوب عتق الرقبة الكافرة لملاك في نفسه خاص به ، وكذا في المؤمنة ، وليس في ذلك اجتماع لحاظين : لحاظ الإطلاق ولحاظ التقييد كما هو واضح.

قلت : لا محيص عن إمكان ما ذكر لكنّه خلاف ظاهر القضيّة ؛ حيث إنّه كون ملاك الحكم في نفس الطبيعة التي علّق عليها الحكم من دون تفاوت بين أصنافها.

نعم لا يبعد عدم مخالفة الظاهر في بعض القضايا كما لو قال : أكرم هؤلاء وكان إكرام كلّ بجهة خاصّة به ، وكما لو قال : أكرم ساكني البلد إذا كان سبب الإكرام جهة خاصّة بكلّ واحد من الأفراد لا الجهة الجامعة أعني السكون في البلد ، ومن هنا يعلم أنّه وإن فرغنا عن الإمكان من جهة الإشكالين الآخرين أيضا لا ينفع بحال المدّعي بل لا بدّ للمدّعي المذكور مضافا إلى الإمكان من دعوى الظهور ، والإنصاف عدمه ، بل الظهور منعقد على الخلاف في كلا الأمرين يعني أنّ الظاهر من قول القائل : أكرم العلماء وقوله منفصلا : لا تكرم الفسّاق من العلماء أنّهما حكمان في عرض واحد ولم يلحظ في الأوّل الشكّ في الثاني ، وكذا الظاهر أنّ الحالات التي يشملها العام الأحوالي وتكون مندرجة تحت الإطلاق يكون بحسب الظاهر اللفظي غير دخيلة

٢٨٩

في الحكم ، فالظاهر من أكرم العلماء الذي هو بمنزلة أكرم العلماء سواء كانوا معلوم العدالة أو مشكوك العدالة والفسق أنّ المشكوكيّة ليست مناطا لحكم أكرم ، فعلم أنّه قدس‌سره وإن أتعب قلمه الشريف في توجيه ما قاله لكنّه مخدوش ثبوتا وإثباتا ، ومن هنا يظهر أنّ الحقّ عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.

نعم قد يكون التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة جائزا وهو مشروط بشرطين ، الأوّل : أن يكون النسبة بين الدليلين هو العموم من وجه لا مطلقا مثل أكرم العلماء ولا تكرم الفساق ، والثاني : احتمال أن يكون المتكلّم مستقصيا في أفراد كلّ من العامين وعالما بعدم تداخلهما في فرد ، مثلا لو قال : أضف جميع علماء البلد وقال في مقام آخر : أهن كلّ فاسق هذا البلد واحتملنا أنّه تفحص بين علماء البلد فلم يجد فيهم فاسق ، وتفحّص بين فسّاقهم فلم يجد فيهم عالم فحينئذ نحتمل في العالم المشكوك الفسق أن يكون مريدا جدّيا لإكرامه ويكون الإرادة الجديّة بالنسبة إليه محفوظة ، فيكون المقام مقام أصالة العموم ، لكن هذا في القضايا اللفظيّة التي لا تتعرّض لحال المستقبل والأفراد المقدّرة الحاصلة فيما بعد كالمثال المذكور.

وبعبارة اخرى تكون خارجيّة لا حقيقيّة ، أو تتعرّض لها وتكون حقيقيّة لكن كان المتكلّم عالما بالغيب واحتمل أنّه في هذه القضيّة أعمل علمه بالغيب وأصدر الكلام مبنيّا عليه.

وأمّا لو كان متعرّضا لحال ما يأتي من الأفراد ولم يكن المتكلّم عالما بالغيب أو كان وعلمنا أنّه في هذه القضيّة لم يعمل علمه بالغيب كما في ألفاظ الشارع عند بيان الأحكام الشرعيّة فليس في البين احتمال أن تكون الإرادة الجدّية محفوظة بالنسبة إلى الفرد المشكوك.

وكذا لو لم يكن بينهما عموم من وجه ، بل كان عموما مطلقا كقوله : أكرم العلماء ولا تكرم الفسّاق من العلماء ؛ إذ مع وجود الخاص لا يحتمل أن يكون المتكلّم مستقصيا لأفراد العام وحاكما على كلّ منها باعتبار عدم وجدانه شيئا منها معنونا بعنوان الخاص ؛ إذ لو كان كذلك لم يتكلّم بالخاص.

٢٩٠

نعم لو كان الخاص دليلا لبيّا كان لهذا الاحتمال مجال ، كما لو علم من الخارج أنّه لا يريد إكرام العالم الفاسق من أهل البلد ، ولكن لم يكن منه في البين لفظ يدّل على هذا فقال: أكرم علماء هذا البلد.

وبالجملة إذا كان محفوظيّة الإرادة الجديّة في خصوص هذا الفرد الذي شكّ في كونه مصداقا لعنوان محكوم بحكم مضاد محتملة ، سواء ورد حكم هذا العنوان في الدليل اللفظي مع كونه عامّا من وجه ، أو ثبت حكمه بالدليل اللبّي مطلقا ، فأصالة العموم جارية ، بل يمكن التمسّك بها في رفع الإبهام والتحيّر عن الفرد وتبيين عدم كونه معنونا بهذا العنوان ، فيقال مثلا بعد ورود : لعن الله بني اميّة قاطبة والقطع بعدم جواز لعن المؤمن إذا شكّ في إيمان بعض بني اميّة : إنّ هذا البعض جائز اللعن بأصالة العموم في لعن الله الخ ، وكلّ مؤمن يحرم لعنه ، فينتج أنّ هذا ليس بمؤمن.

فإن قلت : لا شبهة أنّه لا يمكن أن يجعل أصالة العموم في الحكم طريقا لإحراز موضوع نفس هذا الحكم واستكشافه وهذا واضح ؛ إذ عموم الحكم فرع إحراز موضوعه ، فلو كان إحراز الموضوع أيضا متوقّفا على عمومه لزم الدور ، وبعد ما فرضتم أنّ المخصّص المنفصل يجعل موضوع العام مقيّدا ومضيّقا كالمتّصل ـ في كلمات الشارع وأمثاله ممّن جرت عادته بذكر القرائن لكلامه منفصلة يلزم ما ذكر من الإشكال ، فكما لا يمكن إحراز القيد بأصالة العموم فيما إذا كان المخصّص متّصلا بالعام فكذلك في المنفصل أيضا ؛ لأنّه بحكمه حسب الفرض.

قلت : لنا قسمان من القيود ، الأوّل ما أحال المتكلّم إحرازه إلى المخاطب ، ففيه يتمّ ما ذكرته ، فليس للمخاطب إحراز هذا القيد بأصالة العموم في كلام المتكلّم ، بل لا بدّ من إحراز المخاطب هذا القيد من الخارج ، والثاني القيد الذي جعله المتكلّم في عهدة نفسه وصار هو متعهّدا بإحرازه في تمام أفراد الموضوع ورفع مئونته عن عهدة المخاطب ، ففي مثله يجوز للمخاطب إحراز القيد بأصالة العموم في كلام المتكلّم ، كما أنّه يصحّ السؤال عن نفس المتكلّم عن حال الفرد المشكوك وأنّه واجد القيد أولا؟ وقد ذكرنا أنّه كلّ مورد كان كذلك كان مجرى لأصالة العموم ، فعلم ممّا ذكرنا أنّ ما

٢٩١

اشتهر من أنّ عموم الحكم فرع إحراز الموضوع وأنّ الحكم لا يمكن أن يستكشف ويحرز به موضوعه ليس على إطلاقه.

ثمّ إنّ في الكفاية فصّل بين ما إذا كان المخصّص لفظيّا فحكم بعدم الجواز كليّة وبين ما إذا كان لبيّا فحكم بالجواز كليّة ، وتمسّك بأنّ الحجّة من جانب المولى في قبال العام موجود في الأوّل وهو لفظه ، وأمّا في الثاني فليس في البين حجّة ملقاة من طرفه في قبال العام ، فلا بدّ من الأخذ بالعام الذي هو حجّة واحدة إلى أن يقطع بالخلاف.

وعلمت ممّا ذكرنا أنّ الجواز وعدمه يجريان في كلّ من اللفظي واللبّي ، والمناط في الجواز هو ما عرفت من احتمال التفحّص والتتبّع ، فمعه يجوز التمسّك في كليهما ، ومع عدمه لا يجوز في كليهما ، وعرفت أنّ هذا الاحتمال في اللفظي منحصر بما إذا كان خاصّا من وجه وكان هو والعام متعرّضين لحال الأفراد الموجودة فقط ، أولها ولما يأتي إذا كان المتكلّم عالما بالغيب واحتمل أنّه أصدر الكلام مبتنيا على العلم بالغيب.

وأمّا ما ذكره قدس‌سره أنّ اللفظي حجّة ملقاة من السيّد في قبال العام ، ففيه : أنّ القطع لا يقصر حاله عن لفظ السيد ، بل القطع حجّة أقوى من ظواهر الألفاظ ، فإذا كان اللفظ موجبا لسقوط العام عن الحجيّة في الفرد المشكوك كان القطع كذلك بطريق أولى.

إيقاظ

لا يخفى أنّ الخاص وإن لم يجعل العام معنونا بعنوان الضدّ إلّا أنّه يجعله معنونا بغير عنوانه ، فالعلماء في أكرم العلماء يصير بعد ورود لا تكرم الفسّاق معنونا بعدم الفسق ، وبصير موضوع وجوب الإكرام العلماء الغير الفسّاق ، لا العلماء العدول ، فاستصحاب عدم الفسق في الفرد المشكوك إذا كان مسبوقا به يكفي في الحكم بوجوب الإكرام من دون حاجة إلى إثبات العدالة حتى يكون أصلا مثبتا.

٢٩٢

وحينئذ فإن كانت الحالة السابقة في الفرد المشكوك هو الاتّصاف بعنوان الخاص ، كأن يكون الحالة السابقة في الفرد المشكوك الفسق من العلماء هو الفسق فلا كلام ، وأمّا إن لم يعلم حالته السابقة أو لم يكن له كما في المرأة التي يشكّ في كونها قرشيّة أو تميميّة مثلا، فإنّ المرأة إمّا أن تكون وجدت قرشيّة أو وجدت تميميّة ، فليس لهذا الشكّ حالة سابقة ، فهل يكفي استصحاب عدم عروض عنوان الخاص على هذا الفرد المشكوك في الأزل ، فيكفي في المرأة المذكورة استصحاب عدم تحقّق الانتساب بينهما وبين القريش الثابت قبل وجود المرأة قطعا ؛ فإنّ المرأة القرشيّة أيضا لا يتحقّق قبل وجودها الانتساب بينها وبين قريش، فإنّ النسبة تحتاج إلى طرفين فيصدق انتفائها بانتفاء أحد الطرفين.

وبعبارة اخرى وإن كان لسلب القرشيّة على نحو السالبة بانتفاء المحمول بأن يقال : هذه المرأة لم تكن قرشيّة حالة سابقة ، لأنّها إمّا وجدت قرشيّة أو غيرها إلّا أنّ لسلبها عنها على نحو السالبة بانتفاء الموضوع بأن يقال : ليست المرأة قرشيّة حالة سابقة ، فالسلب على النحو الأوّل وإن لم يجر فيه الاستصحاب لكن الثاني يجري فيه ، فهل يكفي هذا الاستصحاب أولا؟.

الكلام في ذلك مبنيّ على أنّ هاتين السالبتين مرجعهما إلى حقيقة واحدة وليس بينهما تباين بحسب الحقيقة ، أو أنّهما حقيقتان من السلب مختلفتين؟ فذهب صاحب الكفاية إلى الأوّل ، فلذا حكم فيها في المقام بأنّه قلّما لم يجر الأصل الموضوعي الذي ينقّح به كون الفرد المشتبه داخلا تحت العام ؛ إذ مورد عدم جريانه على هذا ينحصر في مورد اتصاف الفرد في السابق بوجود العنوان الخاص ، ولكنّ الحقّ هو الثاني وبيانه أنّ الأوّل سلب للحكم ورفع له عن موضوع مفروض الوجود إمّا محقّقا وإمّا مقدّرا ، كما أنّ القضيّة الموجبة إثبات للحكم ووضع له في موضوع كذلك ، فكما أنّ معنى زيد قائم أنّ الزيد المفروغ عن وجوده ثبت له القيام ، فكذا زيد ليس بقائم معناه أنّ الزيد المفروض الوجود ليس له القيام ، أو أنّ الزيد لو كان موجودا يكون له القيام ، أو على تقدير الوجود ليس له القيام ، وهذا بخلاف النحو الثاني ؛ فإنّه سلب

٢٩٣

الوجود عن العرض المنتسب إلى الموضوع باعتبار كونه ماهيّة معرّاتا عن الوجود والعدم ، وفرق بين هذين بحسب الحقيقة أعني سلب العرض عن الموضوع الموجود وسلب الوجود عن العرض المنتسب إلى الموضوع المأخوذ ماهيّة.

فتارة يقال : الزيد ـ وينظر إليه بنظر الفراغ عن وجوده التحقيقي أو التقديري ـ ليس له القيام ، واخرى يقال : قيام الزيد ـ وينظر إلى ماهيّة الزيد بدون اعتبار الوجود أصلا ـ ليس بموجود في العالم ، فهذا إن لم يكن الزيد موجودا يكون صادقا ، وإن كان موجودا ولم يكن قائما أيضا يكون صادقا ، والتعبير الحاكي عن هذا قولنا : ليس زيد قائما ، فكأنّه قيل: ليست هذه القضيّة بموجودة ، كما أنّ التعبير الحاكي عن الأوّل : زيد ليس بموجود ، ويقال له باصطلاح المنطقيين : القضيّة الموجبة السالبة المحمول.

إذا عرفت هذا فنقول : السلب على النحو الأوّل ليس له حالة سابقة بالعرض ، والثاني وإن كان له حالة سابقة ، لكن لم يؤخذ في الدليل موضوعا في الغالب ، وإثبات الأوّل باستصحاب الثاني لا يتمّ إلّا على الأصل المثبت ، مثلا عموم ما دلّ على أنّ منتهى الحيض في كلّ مرأة هو الخمسون قد خصّص بالقرشيّة ، فيصير مفادها بعد هذا التخصيص أنّ كلّ مرأة لا تكون قرشيّة ترى الحمرة إلى الخمسين ، ولا شكّ أنّ هذا السلب إنّما هو على نحو السلب بانتفاء المحمول عن الموضوع المفروغ الوجود ، وهذا ليس له في المرأة المشكوكة حالة سابقة ؛ إذ لم يصدق في زمان أنّ هذه المرأة ليست بقرشيّة قطعا ، بل الشكّ سار إلى أوّل أزمنة وجودها.

نعم استصحاب عدم تحقّق النسبة بين هذه المرأة وبين القريش كان له حالة سابقة ، لكنّ المفروض أنّ المستفاد من الدليل هو السلب على النحو الآخر لا على هذا النحو ، فهذا السلب لا أثر له شرعا.

وبعبارة اخرى ليس الأثر لعدم تحقّق النسبة بين المرأة والقريش ، بل لعدم كون المرأة الموجودة إمّا فعلا وإمّا تقديرا قرشيّة ، والاستصحاب إنّما هو جار في الأوّل دون الثاني ، وحيث إنّ الغالب في القضايا السالبة الشرعيّة هو كون السلب مأخوذا

٢٩٤

على النحو الأوّل أعني السلب بانتفاء المحمول فلهذا قلّما يتّفق أن يكون هذا الاستصحاب الموضوعي نافعا لتنقيح كون الفرد المشكوك باقيا تحت العام.

«وهم وإزاحة»

ربّما توهّم بعض جواز التمسّك بالعام في الفرد المشكوك من غير جهة التخصيص بل من جهة اخرى ، فتوهّم جواز التمسّك على مشروعيّة الوضوء بالماء المضاف وصحّة الصلاة معه بعموم وجوب الوفاء بالنذر إذا وقع متعلّقا للنذر ، بتقريب أنّه يصير بعموم هذا الدليل واجبا ، وإذا صار واجبا يكون لا محالة صحيحا.

وفيه أنّ الأحكام المتعلّقة بالعناوين الثانويّة كالمنذوريّة إذا احدث في موضوعها الأحكام المتعلّقة بالعناوين الأوّليّة ، لا يصحّ التمسّك بدليلها لإثبات هذه الأحكام المتعلّقة بالعناوين الأوّليّة ، فوجوب الوفاء بالنذر الذي موضوعه العمل الراجح لا يمكن إثبات رجحان العمل بعموم هذا الدليل ؛ إذ عمومه فرع إحراز الرجحان من الخارج ، فإذا ثبت مرجوحيته من الخارج كما في الوضوء المذكور لم يكن بين دليل المرجوحيّة وبين هذا الدليل معارضة أصلا.

نعم إذا لم يوجد في موضوع الأحكام المتعلّقة بالعناوين الثانوية الأحكام المتعلّقة بالعناوين الأوّليّة كما لو قلنا بعدم اعتبار الرجحان في متعلّق النذر ، فحينئذ يصحّ التمسّك على جوازه ومشروعيته بعموم هذا الدليل ، فيقع التزاحم بين هذا الدليل الدال على الحكم الاقتضائي أعني المشروعية في العنوان الثانوي وبين دليل عدم المشروعيّة من حيث العنوان الأوّلي ، فيرجّح الأقوى منهما ، لكن على هذا التقدير مع ترجيح دليل النذر في الوضوء المذكور غاية ما يلزم أن يكون هذا الوضوء واجبا بوجوب توصّلى ، فإن أراد هذا البعض بالصحّة مطابقة الأمر النذري فلا كلام ، وأمّا لو أراد صحّته بمعنى العباديّة بحيث كان الدخول معه في الصلاة جائزا فدليل وجوب الوفاء قاصر عن إفادة عباديته ، وأمّا نذر الصيام في السفر والإحرام قبل الميقات الذي ربّما تمسّك هذا القائل به فيمكن توجيه صحته بأحد نحوين :

٢٩٥

الأوّل : أن يقال : إنّه يستكشف من النصّ الوارد على جوازهما مع عدم مشروعيّة الصوم في السفر والإحرام قبل الميقات أنّه يحدث بسبب النذر يعنى العمل النذري إذا تعلّق بهذين العملين رجحان في نفسهما ، فيصير بعد تعلّق الأمر النذري مجمعا لرجحانين أحدهما استحبابي قد أوجده فيه العمل النذري ، والثاني وجوبي جاء من قبل الأمر الوجوبي الذي جاء لتحقّق موضوعه ، غاية الأمر أنّ نفس العمل النذري صار موجدا لموضوع هذا الأمر ، ولا دليل على ثبوت الرجحان لنفس العمل قبل تعلّق النذر به ومع قطع النظر عنه ، وعلى هذا لم يلزم مخالفة الأدلّة الدالّة على اعتبار الرجحان في متعلّق النذر ، ولا يلزم الإشكال الآخر أيضا وهو تصحيح العباديّة ؛ فإنّ العباديّة قد فرضنا تحقّقها بواسطة نفس العمل النذرى.

والثاني : أن يكون النصّ الوارد فيهما مخصّصا لعمومات اعتبار الرجحان في متعلّق النذر ، لكن يرد حينئذ أنّه غاية ما يلزم حينئذ صيرورة متعلّق النذر في المقامين واجبا مع عدم رجحانه في حدّ ذاته ، ولا إشكال أنّ الأمر النذري توصّلي وليس بتعبّدي ، فمن أين يصحّح عباديّة الصوم في السفر والإحرام قبل الميقات.

ويمكن أن يجاب بأنّ التوصّلي لا يحتاج إلى قصد القربة ، لا أنّه لا يمكن فيه هذا القصد كما في غسل الثوب ، والحاصل أنّه بعد توجّه الأمر النذري يتحقق إمكان الإتيان بالعملين على الوجه القربي ولو لم يكن ممكنا قبل توجّهه ، فهذا الأمر يتحقق التمكن من امتثاله بنفسه مع عدم التمكّن منه قبل وجوده ، ولا ضير في كون الأمر موجدا لتمكّن المكلّف من الامتثال ، هذا ولكنّ الوجه الأوّل لا يلائمه الأدلة ؛ وذلك لأنّه يستفاد من قوله: «لا نذر إلّا أن يجعل شيئا لله» ـ وإن قلنا بعدم كون اللام في «لله» قرينة وجعلناها وصليّة ومفيدة للاختصاص نظيرها في قولك : جعلت هذا الزيد ـ لزوم كون متعلّق النذر راجحا قبل تعلّق النذر به وعدم كفاية طروّ الرجحان عليه مقارنا للنذر ، فإنّ جعل شيء لأحد لا يتحقّق مفهومه إلّا بعد الفراغ عن كون المجعول له طالبا للشيء المجعول وكون هذا الشيء مطلوبا له ، وإلّا فلا معنى لجعل أمر لا يطلبه أصلا له.

٢٩٦

والحاصل أنّه يستفاد منه أنّه يلزم أن يكون جعل الجاعل متعلّقا بمطلوب لله ، وما يصير بسبب هذا الجعل راجحا ومطلوبا لا يصدق أنّ المكلّف جعل أمرا مرغوبا مطلوبا بل أنّه في حدّ نفسه غير مرغوب وصار بعد الجعل وبسببه مرغوبا.

ثمّ إنّ هنا وجها آخر ذكروه في نذر النافلة في وقت الفريضة ـ بناء على حرمتها وعدم مشروعيتها في وقت الفريضة لا بناء على كراهتها فإنّه على هذا يكون راجحا غاية الأمر أنّ شيئا آخر يكون في البين أرجح منه ـ وهو أن يقال : إنّ متعلّق الحرمة هو النافلة بوصف نفلها ، فإذا زال وصف نفلها بواسطة الأمر النذري وتبدّل بالوجوب ارتفع موضوع الحرمة ، وهذا بظاهره مستلزم للدور ؛ إذ مجيء الوجوب يتوقّف على ارتفاع موضوع الحرمة وفرضنا أنّه أيضا يتوقّف على طروّ الوجوب.

ولكنّه مندفع ، بيانه أنّ متعلّق الحرمة لا يمكن أن يكون هو النفل الفعلي ، بل لا بدّ وأن يكون هو النفل الذاتي التعليقي ، فمتعلّق الحرمة هو ما لو لا وقوعه في وقت الفريضة كان راجحا ؛ فإنّ الصلاة أمر مرغوب خير موضوع في حدّ نفسه ، وحينئذ فلو رفع هذا النفل التعليقي وبدّل بالوجوب التعليقي فصار ما لو لا وقوعه في وقت الفريضة كان نفلا مبدّلا بما لو لا وقوعه في هذا الوقت كان واجبا ، فلا إشكال في ارتفاع الحرمة لانقلاب العنوان الذي هو موضوعها إلى عنوان آخر.

فنقول : إذا نذر النافلة في وقت الفريضة يتحقّق فيها المقتضي للوجوب ؛ فإنّ النذر مقتض للوجوب ، فمتى تعلّق بشيء ، يكون راجحا بحسب الذات يتبدّل رجحانه الاقتضائي بالوجوب الاقتضائي ، فإن صادف وجود المانع لا يصير فعليّا ، وإن صادف عدمه يصير فعليّا ، ألا ترى أنّ نذر طبيعة الصوم منعقد مع أنّ لهذه الطبيعة فردا واجبا ومستحبّا ومكروها وحراما ، وينصرف نذرها إلى الفرد الغير الحرام أعني غير صوم العيد مثلا ؛ وذلك لأنّ في طبيعة الصوم رجحانا اقتضائيّا ، وفي بعض أفرادها المانع موجود وفي بعض آخر معدوم ، فحكم العقل تأثير المقتضي في الثاني دون الأوّل.

٢٩٧

والحاصل أنّه يكفي في النذر الرجحان الاقتضائي ، فبعد النذر يتبدّل بالوجوب الاقتضائي ، ثمّ بعد تحقّق المقتضي للوجوب في هذه الصلاة يكون عنوان هذه الصلاة أنّه لو لا وقوعها في وقت الفريضة كان واجبا ؛ إذ المانع عن الفعليّة هو الوقوع في هذا الوقت ، فلو لم يكن هذا المانع في البين أثّر المقتضي أثره ؛ إذ المفروض ثبوت الرجحان في ذات الصلاة ، فالمقتضي للوجوب وهو النذر إذا تحقّق فيه يصدق أنّ هذه الصلاة لو لا وقوعها الذي هو المانع من ظهور أثر المقتضي كان واجبا ، وإذا صدق عليه هذا العنوان فلا يصدق أنّه لو لم يقع في هذا الوقت كان نفلا ، والمفروض أنّ الحرمة كان متقوّما بهذا العنوان ، فإذا ارتفع هذا العنوان بتحقّق العنوان الضد ارتفع الحرمة المتقوّمة به أيضا ، وإذا ارتفع الحرمة التي فرضناها مانعا عن فعليّة الوجوب كان صيرورة الوجوب فعليّا بحكم العقل ؛ فإنّ مقتضيه موجود بالفرض وهو النذر وقد انعدم المانع أيضا ، فانفكاك الأثر عن المقتضي في هذا التقدير ممتنع ، غاية الأمر أنّ وجود المقتضي صار علّة لانقلاب موضوع المانع وتبدّله إلى موضوع آخر ، فصادف وجود المقتضي عدم المانع ، فعدم تأثيره ليس له جهة.

«فصل»

هل يجوز إجراء أصالة عدم التخصيص فيما إذا علم بخروج فرد من حكم العام ولم يعلم كونه من مصاديقه حتى يلزم التخصيص أو ليس منها حتى لا يلزم؟ كما لو علم بعد ورود أكرم العلماء بأنّ زيدا غير واجب الإكرام ، ولكن لم يعلم أنّه عالم حتى يخصّص العام به أو جاهل حتى يكون العموم محفوظا ، فهل أصالة عدم التخصيص وحفظ العموم يعيّن الثاني ويثبت كون زيد في المثال غير عالم ، فإنّ الاصول اللفظيّة مثبتها أيضا حجّة فيحكم بآثار عدم العالميّة على زيد لو كان ، أو لا يعيّن وإنّما يجري هذا الأصل في موارد تكون الشبهة في مراد المتكلّم ، لا في ما إذا لم يكن شكّ في مراده بل في شيء آخر.

وهذا الكلام بعينه يجري في أصالة الحقيقة وأصالة عدم القرينة فيقال : إنّه هل

٢٩٨

يخصّ جريانهما بما إذا شكّ في مراد المتكلّم بعد تشخيص الحقيقة عن المجاز فشكّ أنّه أراد أيّهما من اللفظ ، فيعيّن الأوّل بهذا الأصل ، أو يجري أيضا فيما إذا كان المراد معلوما ولم يتميّز الحقيقة عن المجاز فشكّ في أنّ هذا المعنى الذي أراده من اللفظ هل هو مفهوم من حاقّ اللفظ حتى يكون اللفظ حقيقة ، أو من القرينة حتى يكون مجازا ، فيعيّن أصالة الحقيقة وعدم القرينة الأوّل أعني كون التبادر من حاقّ اللفظ ، فيرتّب آثار المعنى الحقيقي على هذا المعنى في مقامات أخر.

وإلى هذا ينظر الخلاف الواقع بين علم الهدى والمشهور حيث ذهب إلى أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة ، وذهبوا إلى أنّ الاستعمال أعمّ ، مع أنّ المشهور أيضا مسلّمون أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة في الجملة ، فيكون هذا النزاع منزّلا على ما إذا كان المراد من اللفظ معلوما ، كما لو استعمل الصيغة في الندب ولم يعلم أنّه مفهوم من حاقّها أو من القرينة ، فيحكم السيّد بالأوّل بالأصل ، والمشهور لا يجرون الأصل في مثله.

وكيف كان فقد أجرى الشيخ الأجلّ المرتضى في رسائله ومكاسبه هذين الأصلين في هذا المقام أعني الشبهة الغير المراديّة ؛ فإنّه ذكر في رسائله في ردّ الاحتجاج على حجيّة قول اللغوي بأنّه لو لم يكن حجّة ينسدّ باب العلم بأكثر الأحكام الشرعية ، لعدم الطريق إلى تشخيص موضوعاتها ممّا سوى قول اللغوي بما حاصله : أنّ الانسداد ممنوع ؛ فإنّ معاني أكثر الألفاظ مقطوع لنا ولا نحتاج فيها إلى الرجوع إلى اللغوي ، وأصالة الحقيقة أيضا موجودة في بعض من الألفاظ التي لا نعلم معناها ، ولكن وقعت في كلام الشارع مستعملة في معنى ، فأصالة الحقيقة يثبت كونها حقائق في هذه المعاني.

وذكر في مكاسبه أنّه على القول بعدم إفادة المعاطاة للملك وإفادته للإباحة فلا إشكال أنّ مقتضى عموم على اليد يشمل كلّا من العوضين فيكون كلّ منهما مضمونا في يد آخذه بالمثل أو القيمة ؛ فإذا فرض ثبوت الإجماع على أنّه لو تلف أحدهما لم يكن مضمونا بالمثل أو القيمة ، بل يكون مضمونا بالمسمّى ، فحينئذ لا بدّ من الالتزام

٢٩٩

بحصول الملك القهري آناً ما قبل التلف لحفظ هذه القاعدة عن التخصيص ، فمع معلوميّة مراد الشارع اثبت الملكيّة آناً ما حفظا لعموم قاعدة على اليد عن التخصيص.

ولكنّ الحق أن يقال : إنّ هذه الأصول حيث تكون مأخوذة من العقلاء لبّا فلا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن ، والقدر المتيقّن من إجراء العقلاء هو في الشبهات المراديّة ، ولعلّ السرّ أنّ وجه الحاجة إليها هو الإلزام والالتزام والاحتجاج بين المتكلّم والمخاطب ، فلو قال : أكرم العلماء ، فلم يكرم المخاطب فردا من العلماء يلزمه المتكلّم ويحتجّ عليه بأنّه لم لم تكرمه مع أنّ العلماء قد شمل هذا أيضا ، كما أنّه لو أكرم المخاطب فردا وقال المتكلّم : لم أكن مريدا لإكرام هذا الفرد كان للمخاطب إلزامه والاحتجاج عليه بأنّ لفظك كان عامّا شاملا لهذا أيضا ، وإن كنت غير مريد لإكرامه كان عليك الاستثناء.

والحاصل أنّ إلزام أحد المتخاطبين للآخر واحتجاجه عليه إنّما يكون في مقامات الشكّ في المراد ، وأمّا لو كان المراد معلوما فلا إلزام ولا احتجاج في البين كما هو واضح.

«فصل»

هل يجوز التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصّص أولا؟ قد يقال بعدم الجواز ؛ لأنّا نعلم إجمالا بوجود مخصّصات كثيرة للعمومات بحيث قيل : ما من عام إلّا وقد خصّ ، والعام مع هذا العلم الإجمالي وإن لم يسقط عن الظهور لثبوت الظهور له في العموم وجدانا ، إلّا أنّه يصير مجملا وبلا ظهور حكما يعني يسقط عن الحجيّة ، ولا نحتاج في باب الظهورات إلى كون العلم الإجمالي على خلافها منجّزا للتكليف في إسقاطها عن الحجيّة بخلاف باب الاصول.

ولهذا لو علم بعد ورود أكرم العلماء بعدم وجوب إكرام زيد أو عمرو يسقط العام بالنسبة إلى كلا الفردين عن الحجيّة مع أنّه مثبت للتكليف ، والعلم الإجمالي متعلّق بنفيه ، وهذا بخلاف ما إذا علم بحصول طهارة أحد الثوبين بعد الشكّ في طهارتهما و

٣٠٠