أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

لا يصدق إلّا بعدم حصول المخبريّة مع حصول الشرط ، وأمّا بدونه فليس في البين صدق ولا كذب ؛ لعدم حصول ظرف الإخبار.

وحينئذ فيشترك القضيّة الإخباريّة مع الإنشائيّة في الجهة المذكورة ، فكما أنّ الجزاء في الثانية هو الحكم الجزئي الحاصل بالإنشاء الخاص فكذا في الاولى أيضا يكون هو الإخبار الجزئي الحاصل بالإنشاء الخاص ، فيكون المنفيّ في طرف المفهوم هو هذا الإخبار الخاص.

وثانيا : بالحل وهو أنّ انتفاء الحكم الجزئي ليس من محلّ الكلام ، وإنّما الكلام في انتفاء سنخ الحكم ، فنحن سواء قلنا بجزئيّة المعاني الحرفيّة أم بكليّتها لا بدّ وأن نقول هنا بلزوم اتفاق القضيتين المنطوقيّة والمفهوميّة في سنخ الحكم لا في شخصه ، وإلّا فانتفاء شخصه بانتفاء الموضوع من البديهيّات الأوّليّة ولا يصلح لأن يقع محلا للنزاع ، هذا مضافا إلى أنّ الحقّ هو أنّ المعاني الحرفيّة كليّات كما قرّر في محلّه.

الثاني : أنّ من المسلّم بين القائلين بالمفهوم في القضيّة الشرطيّة لزوم موافقة القضيّة المنطوقيّة مع القضيّة المفهوميّة في الموضوع والمحمول والقيود الثابتة لكلّ منهما ، وكون التفاوت بمجرّد الإيجاب والسلب لوجود الشرط في المنطوق وعدمه في المفهوم ، فلو قال : إن جاء الرجل العالم فأكرمه ، لزم أخذ الرجل في المفهوم مع هذا القيد ، وكذلك لو قال : إن جاء زيد فاكرمه بالتسليم عليه ، حتى لو اخذ في المنطوق عموم موضوعا في طرف الموضوع أو المحمول فلا بدّ من أخذه كذلك في المفهوم في أحدهما.

فلو قال : إن جاء جميع العلماء فأكرمهم ، بحيث كان الملحوظ مجيء الجميع من حيث المجموع فلا بدّ أن يكون الملحوظ في موضوع المفهوم عدم مجيء المجموع من حيث المجموع ، وكذلك في طرف المحمول كما لو قال : إن جاء زيد فأكرمه بجميع أنحاء الإكرام بحيث كان الملحوظ مجموع الأنحاء من حيث المجموع ولا إشكال في ذلك كلّه.

إلّا أنّه قد وقع النزاع بينهم في كلّ قضيّة كان المحمول فيها مشتملا على عموم

٢٦١

استغراقي كقوله عليه‌السلام : «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» حيث إنّ الجزاء سالبة كليّة ، فقال الشيخ صاحب التعليقة قدس‌سره : بكون المفهوم موجبة جزئيّة ، والشيخ المرتضى بكونه موجبة كليّة ، ومن هنا ذهب إلى انفعال الماء القليل بكلّ نجاسة ، وهذا النزاع كما ترى جار في جميع المحصورات الأربع. وكيف كان فما يمكن أن يكون وجها لنظريهما أحد أمرين :

الأوّل : أنّه لو اخذ العموم في هذه القضيّة وأمثالها في طرف المنطوق على وجه الموضوعيّة فلا إشكال في أخذه كذلك في طرف المفهوم ، إلّا أنّ هنا امورا لم يلحظها المتكلّم قيدا للقضيّة وحالة لها ، ولكنّها تصير من حالات القضيّة وصفاتها قهرا ، وذلك مثل العموم الاستغراقي ، وبيان ذلك أنّ القضيّة المسوّرة بكلمة «كل» ونحوها يمكن لحاظ العموم فيها بوجهين :

الأوّل أن يلحظ بالمعنى الاسمي ومستقلا وموضوعا بحيث صار الأفراد أجزاء ارتباطيّة له ، وحينئذ فليس له امتثال واحد لو وقع مأمورا به.

والثاني أن يلحظ بالمعنى الحرفي ومرآتا للأفراد وهو عبارة عن لحاظ إجمالي محيط بالآحاد منفردا منفردا ، وحيث كان تعداد الأفراد تفصيلا وترتيب الحكم على كلّ على حده موجبا للتطويل والإطالة جعل هذا اللحاظ مرآتا لها ، وحينئذ فيتعلّق الحكم لا محالة بالمرئى وهو الآحاد منفردا منفردا دون المرآة ، فينحل إلى أحكام عديدة ويتعدّد بذلك مناط الإطاعة والمعصية ، ويتّضح الحال في القسمين بملاحظة الحال في لفظ العشرة وأمثالها ؛ إذ فيها أيضا يمكن هذان اللحاظان بعينهما ، ولا يلزم في اللحاظ الثاني استعمال كلمة «كلّ» ونحوها في غير معناها ؛ إذ هنا مرحلتان ، مرحلة الاستعمال ومرحلة الحكم ، ففي الاولى قد لوحظ العموم بالمعنى الاسمي وفي الثانية بالمعنى الحرفي.

إذا تقرّر ذلك فإن لاحظ المتكلّم العموم على الوجه الأوّل فلا كلام ، وإن لاحظ على الوجه الثاني فهو حينئذ وإن لم يلحظ إلّا على نحو المرآتية الصرفة دون الموضوعيّة ، إلّا أنّ لحاظه كذلك لمّا صار موجبا لتعلّق الحكم بالآحاد من دون

٢٦٢

استثناء واحد منها فقد أوجب ورود العموم وعروضه على القضيّة قهرا ؛ إذ يصدق عليها أنّها قضيّته عامّة لا يخرج عن تحت حكمها فرد واحد من أفراد عنوان موضوعها.

فكما أنّ قولنا : هذا واجب الإكرام وهذا واجب الإكرام وهذا واجب الإكرام ، وهكذا إلى آخر الأفراد موجب لانتزاع العموم في البين وإن لم يتّصف به واحدة من تلك القضايا ، فكذلك قولنا : كلّ عالم واجب الإكرام أيضا موجب لانتزاع العموم في البين ولكن يتّصف به هذه القضيّة قهرا ؛ فإنّ الثاني أيضا إشارة إجماليّة عقليّة إلى كلّ واحد واحد من الأفراد منفردا.

وحينئذ فنقول : يمكن أن يكون كلام صاحب التعليقة قدس‌سره ناظرا إلى أنّ العموم في هذه القضيّة وأمثالها وإن لوحظ مرآتا لا موضوعا ، إلّا أنّه لا يخفى أنّ القضية الشرطيّة قضيّتان صارتا بواسطة أداة الشرط قضيّة واحدة.

وبعبارة اخرى أنّها قضيّة مربوطة بقضيّة اخرى ، فللقضيّة الجزائيّة لحاظان ، لحاظ نفسها ولحاظ إناطتها بالقضيّة الشرطيّة ، فالعموم في لحاظها الأوّل وإن كان ملحوظا على وجه المرآتية ، إلّا أنّه في لحاظها الثاني ملحوظ على وجه الموضوعيّة ، ووجه ذلك أنّه لا بدّ أوّلا من تماميّة القضيتين ثمّ من إيقاع الارتباط بينهما ، فلا جرم تكون القضيّة الجزائيّة مع جميع توابعها ولواحقها الحاصلة لها قصدا أو قهرا منوطة بالقضيّة الشرطيّة ، ومن جملتها وصف العموم ، فيصير محصّل معنى القضيّة المذكورة أنّ كرّية الماء موجبة لتحقّق قضيّة عامّة هي قولنا : «لم ينجّسه شيء» فعدمها موجب لارتفاع هذه القضيّة العامّة ، وهو يحصل بالإيجاب الجزئي كما بالإيجاب الكلّي.

ويكون كلام شيخنا المرتضى قدس‌سره ناظرا إلى أنّ المفهوم لا يؤخذ عن المنطوق بعد ورود العموم عليه ، بل القيود التي لاحظها المتكلّم في المنطوق لا بدّ من لحاظها في المفهوم على نحو لحاظها في المنطوق ، فكما أنّ العموم ملحوظ في المنطوق على وجه المرآتيّة نفيا ، فلا بدّ أن يكون في المفهوم أيضا ملحوظ كذلك ، وحينئذ فيكون عروض العموم على المنطوق والمفهوم في عرض واحد.

وبعبارة اخرى كلام المتكلّم بمنزلة مائة قضيّة منطوقيّة فيكون المفاهيم أيضا

٢٦٣

مائة ، فهذا نظير وصف الإطلاق الوارد على الجزاء كما في قولك : إن ظاهرت فاعتق رقبة ، فإنّ المفهوم لا يؤخذ من المنطوق بعد ورود الإطلاق عليه ، كيف وإلّا لزم أن يكون المفهوم في القضيّة المذكورة هكذا : إن لم تظاهر فلا يجب عليك عتق مطلق الرقبة ، وهذا لا ينافي لوجوب رقبة خاصّة ، ومن المعلوم خلافه ، بل المفهوم فيها هو أنّه إن لم تظاهر فليس عليك عتق الرقبة ، فعند هذا يطرأ وصف الإطلاق على المنطوق والمفهوم في عرض واحد.

ولكن يمكن الفرق بين وصف الإطلاق والعموم بأن يقال : إنّ وصف الإطلاق ليس مدلولا للقضيّة ولا ملحوظا للمتكلّم ؛ فإنّ ملحوظه هو نفس الحكم ونفس الطبيعة ، وأمّا أنّه لا دخل لشيء آخر سوى الطبيعة في الاقتضاء وأنّ الطبيعة في أيّ فرد تحقّقت وبأىّ نحو اتّفقت تامّة في الاقتضاء فيمكن أن لا يكون المتكلّم ملتفتا إليه اصلا وإنّما الإطلاق من لوازم عدم وجود القيد مع كون المتكلّم بصدد البيان ، وما شأنه هذا يكون ساريا إلى طرفي القضيّة من المنطوق والمفهوم على حدّ سواء.

وأمّا احتمال أنّ المتكلّم قد لاحظ الجزاء بملاحظة ثانية مع ما حصل له من وصف الإطلاق وأناطه مطلقا بالشرط فبعيد عن الظاهر جدا ، وهذا بخلاف العموم ؛ فإنّه مدلول للقضيّة وملحوظ للمتكلّم ؛ إذ المفروض أنّه عند لحاظه نفس القضيّة الجزائيّة لاحظ العموم على وجه المرآتية ، وحينئذ فعند لحاظ الإناطة إمّا أن ينظره بنظرة ثانية إلى العموم الحاصل للقضيّة الجزائيّة على وجه الاستقلال ويشير إليها بوصف العموم فيصير المنوط والمعلول هو القضيّة بوصف العموم الاجتماعي ، فيكون المفهوم لا محالة إيجابا جزئيا.

وإمّا أن ينظر عند هذا أيضا إلى العموم بالنظرة الاولى المرآتيّة فيكون المنوط والمعلول هو كلّ واحد من الأحكام الشخصيّة المتعلّقة بأفراد موضوع الجزاء الملحوظ إجمالا ، فيصير حال المفهوم بعينه حال المنطوق في طريان وصف العموم عليه كما هو واضح ، والمعيّن لأحد هذين الوجهين هو العرف ولا شكّ في أنّه مساعد على الأوّل.

هذا كلّه هو الكلام فيما إذا كان اللفظ الدال على العموم في الجزاء مذكورا كما في

٢٦٤

قولنا : إن جاءك زيد فأكرم العلماء أو كلّ عالم.

هذا مضافا إلى أنّ المثال الذي صار محلا للبحث من قوله عليه‌السلام : «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» لو سلّمنا خلوّه عن الأداة المفيدة للعموم وكون النكرة الواقعة في سياق النفي غير مفيدة له بالوضع ، بل إنّما حال العموم فيه حال وصف الإطلاق في كونه من لوازم توجّه النفس إلى نفس الطبيعة المتوقّف على نفي جميع الأفراد وسلّمنا في طرف الإطلاق سرايته إلى المنطوق والمفهوم على حدّ سواء ، ولكنّه بعد ذلك يكون المفهوم في المثال موجبة جزئيّة ؛ وذلك لأنّ لازم وقوع الإطلاق في حيّز النفي كما في منطوق المثال هو العموم والاستغراق ، ولازم وقوعه في حيّز الإثبات كما في مفهومه أعني قولنا : إذا لم يكن الماء قدر كرّ ينجّسه شيء هو الجزئيّة ، فإنّ الاستغراق هو مقتضى نفس النفي دون إطلاق الدخول ، فإذا تبدّل بالإثبات في جانب المفهوم تبدّل الاستغراق بالجزئيّة للاكتفاء في وجود الطبيعة بوجود فرد واحد منها.

الثاني من الوجهين لطرفي هذا البحث أن يقال : بعد فرض تسليم الطرفين كون مقتضى ظاهر القضيّة إناطة العموم ، أو استفادة ذلك من الإطلاق ووضوح عدم اقتضاء إناطة العموم نفي الإيجاب الكلّي في طرف المفهوم وكون التعبير بالإيجاب الجزئي لأنّه القدر المعلوم أنّ المدّعى للإيجاب الكلّي مدّعي وجود معيّن له من الخارج وهو عموم العليّة بدليل النقل.

وبيانه أنّ المستفاد من القضيّة الشرطيّة شيئان ، العليّة التامّة لتالي الأداة ، وكون العلّة منحصرة فيه ، فيكون مفاد قوله عليه‌السلام : «إذا كان الماء الخ» كون عموم السلب المذكور منوطا بكريّة الماء ومعلولا لها ، ولازم ذلك عقلا ثبوت العليّة للكريّة بالنسبة إلى كلّ فرد من أفراد العموم المذكور ، وإلّا فلو كان العلّة في بعضها شيئا آخر لزم أن لا تكون الكريّة علّة تامّة للتمام بل للإتمام ، وأن يكون العموم المذكور حاصلا من أشياء عديدة من جملتها الكرّية ، فيكون نسبته إليها نسبة المعلول إلى جزء علّته ، وقد كان مفاد القضيّة كونها تمام علّة بالنسبة إلى العموم.

٢٦٥

وحينئذ فحيث إنّ مفاد القضيّة هو الانحصار أيضا ، كما هو المبنى للقول بالمفهوم فيصير المحصّل ثبوت العليّة المنحصرة للكريّة بالنسبة إلى كلّ فرد من العموم ، فيلزم من انتفائها انتفاء جميع الأفراد لانتفاء علّتها المنحصرة ، فينتفي بانتفاء الكرّية عدم التنجيس بالنسبة إلى جميع النجاسات ، فيصير الجميع منجّسا ، والمدّعي للإيجاب الجزئي له أن يمنع ما ذكر من استفادة العليّة التامة المستقلّة من القضيّة الشرطيّة ويقول بأنّ استفادة أصل الترتّب وإن كان حقّا كاستفادة الانحصار ، إلّا أنّ الترتّب المستفاد أعمّ من أن يكون على نحو الترتّب على العلّة التامّة أو على الجزء الأخير منها ؛ وذلك لأنّ المستفاد منها ليس إلّا مجرّد أنّه متى وجد الشرط فليس لترتّب ما هو الجزاء وهو عموم السلب في المثال المذكور حالة منتظرة ، وهذا أعمّ من كون الشرط علّة تامّة للعموم المذكور وكونه علّة متمّمة له ، وحينئذ فيكون القدر المتيقّن عند انتفاء الشرط انتفاء الحكم عن بعض أجزاء العموم فلا يفيد المثال المذكور في طرف المفهوم أزيد من الإيجاب الجزئي.

«فصل»

لا إشكال في أنّه قد يؤتى بالوصف لأجل أن يكون معرّفا للموضوع لعدم مميّز آخر له سواه مع أنّه لا دخل للوصف فيما هو المراد ومتعلّق الغرض أصلا وإنّما اتي به لمجرّد توضيح الموضوع وتعريفه ، وذلك مثل ما يقال : جئني بذلك الرجل الأبيض قلنسوته أو الأبيض قبائه أو الأطول من الجميع مشيرا إلى شخص لا يميّزه المخاطب من بين جماعة هو فيهم إلّا بهذا النحو من الأوصاف.

كما أنّه قد يؤتى به لأجل كونه محلا للابتلاء إمّا لغلبة الوجود وإمّا لقربه من المخاطب ، مثلا كما لو قيل : جئني بماء من القناة إذا كان تعيين هذا الماء لكونه أقرب من المخاطب من ماء آخر ، لا لتعلّق غرض بخصوصه ، والقسم الأوّل لا يجري إلّا في الموضوعات الشخصيّة ؛ إذ هي التي تشتبه على المخاطب أحيانا ، وأمّا الموضوعات الكليّة فلا تشتبه على أحد حتّى يحتاج إلى المميّز.

٢٦٦

فالرجل في قولك : أكرم الرجل العالم ليس كالموضوع الشخصي حتّى يمكن أن يكون العلم مميّزا له ، نعم يمكن أن يؤخذ الوصف في الكليّات معرّفا لكلّي آخر يكون هو الوصف للكلّي الموصوف ، ولكن لمّا كان تشخيص مصاديقه صعبا على المخاطب اتى بوصف آخر يكون ملازما له ولا يشتبه مصاديقه عليه لأجل تعريف ذلك الوصف الذي له الدخل واقعا، كما أنّ الأوصاف التي تكون واردة مورد الغالب كما في آية (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) لا مجرى لتوهّم دلالتها على المفهوم أصلا كما هو واضح.

وحينئذ فنقول : إنّ القضايا الكليّة بعد إحراز أنّ الوصف فيها ليس من قبيل الأوصاف المميّزة التى تكون تمام الدخل لموصوفها كما هو المفروض ، وإحراز أنّه ليس واردا مورد الغالب تكون ظاهرة عند العرف في عليّة الوصف للحكم وكونه دخيلا فيه وأنّه لا يكون أجنبيّا صرفا عن الحكم وغير مربوط به أصلا ، وهذا هو المصحّح لحمل المطلق على المقيّد عند اجتماع شرائطه من وحدة الحكم ووحدة السبب.

كما لو ورد : إن ظاهرت فاعتق رقبة ، وورد أيضا : إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة ، وعلم أنّ الحكم في كليهما هو الوجوب مع إيجاد سببه من الظهار ؛ إذ لو لم يكن للوصف ربط بالحكم أصلا لما كان وجه للحمل في الصورة المزبورة كما هو أوضح من أن يخفى ، ولهذا أيضا قد اشتهر أنّ الأصل في القيد أن يكون احترازيّا ولكن مجرّد هذا لا يكفي لإثبات المفهوم ؛ لوضوح عدم منافاة ثبوت العليّة للوصف عليّة شيء آخر ، فالمدّعي للمفهوم يحتاج مضافا إلى ذلك إلى دعوى ظهور القضيّة في الانحصار.

ومن هنا ظهر ما في الاستدلال للمفهوم بما لا يفيد أزيد من العليّة مثل التمسّك بحمل المطلق على المقيّد ؛ فإنّه لا يقتضي إلّا كون الوصف مضيّقا لدائرة الموضوع بالنسبة إلى هذا الحكم المسبّب من هذا السبب من دون منافاته لتعلّق الحكم من جهة سبب آخر بالمطلق.

فتحصّل أنّ العليّة وإن كانت مستفادة من القضيّة الوصفيّة ، ولكن في استفادة الانحصار إشكال ولا بدّ لمدّعي المفهوم من إثباته بالتبادر فإن ادّعاه فعليه عهدته.

٢٦٧

«تذنيب»

لا إشكال في أنّ حال المفهوم هنا على القول به ليس بأقوى من حاله في القضيّة الشرطيّة ، فكما أنّه هناك يتعرّض لحال موضوع القضيّة عند عدم الشرط من دون تعرّض لحال موضوع آخر فكذا هنا ، فكما أنّ مفهوم قولنا : إن جاءك زيد فأكرمه لا يتعرّض لحال العمرو وأنّه عند عدم المجيء واجب الإكرام أولا ، فكذا مفهوم قولنا : أكرم الرجل العالم أيضا غير متعرّض لحال المرأة وأنّها عند عدم العلم واجب الإكرام أولا.

وإذن فيختصّ مورد الكلام هنا في ثبوت المفهوم بما إذا كان للموصوف مورد افتراق من الوصف بأن يكون الوصف أخصّ مطلقا ، أو أعمّ من وجه حتّى يحكم على القول بالمفهوم بانتفاء سنخ الحكم من الموضوع في مورد الافتراق ولا يحكم به على القول الآخر ، وأمّا ما إذا لم يكن من جانب الموصوف مورد افتراق بأن يكون الوصف مساويا أو أعمّ مطلقا فخارج عن محلّ الكلام ؛ إذ يلزم من انتفاء الوصف حينئذ انتفاء الموضوع.

نعم يظهر ممّا حكي بعض الشافعيّة من القول بدلالة قولنا : في الغنم السائمة زكاة بالمفهوم على عدم الزكاة في معلوفة الإبل أنّه حاول أن يقول هنا بمفهوم أقوى ممّا يقال به في القضيّة الشرطيّة أيضا ، وذلك بأن يدّعى أنّ القضيّة الوصفيّة يستفاد منها عليّة الوصف لنفس الحكم في أيّ موضوع كان ، فيدور الحكم ثبوتا مدار ثبوت الوصف سواء تحقّق هذا الموضوع أم لا ، ونفيا مدار نفيه كذلك ، وعليه فيعم محلّ الكلام ما إذا كان الوصف مساويا أو أعمّ مطلقا كما هو واضح.

ولكنّك عرفت بطلان أصل الدعوى المذكورة وأنّ العليّة المستفادة إنّما هي بالنسبة إلى الحكم المتعلّق بهذا الموضوع لا غير.

٢٦٨

«فصل»

في أنّ القضيّة المغيّاة بغاية كقولك : اجلس في المسجد إلى الزوال تدلّ على ارتفاع الحكم عند حصول الغاية أولا؟ ومعنى المفهوم هنا أيضا هو انتفاء سنخ الحكم لا شخصه ، وإلّا فارتفاع شخصه عند حصول الغاية واضح إلى النهاية وهو معنى كون الغاية غاية ، فمعنى ثبوت المفهوم للمثال ظهوره في عدم تحقّق سبب آخر عقيب الزوال اقتضى وجوب الجلوس منه إلى الغروب مثلا ، ومبدأ الارتفاع يعتبر من حين حصول الغاية بناء على خروجها عن المغيّا وممّا بعدها بناء على دخولها فيه.

ثمّ إنّ الغاية بحسب القضيّة اللفظيّة قد يكون قيدا للحكم وقد يكون قيدا للموضوع ، والظاهر أنّ المعيار أنّه كلّما كانت الغاية من قبيل الزمان كان ظاهرا في الأوّل كالمثال المتقدّم، ومنه قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام» وقوله : «كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر» وكلّما كانت من قبيل المكان ونحوه كان ظاهرا في الثاني كما في سر من البصرة إلى الكوفة ، واقرأ أوّل الآية إلى آخرها ، فإنّ الظاهر أنّ متعلّق الحكم في أمثالهما هو الفعل المحدود بالحدّين.

ففصّل بين الصورتين في الكفاية فجعل التحقيق في الثاني عدم الدلالة على انتفاء سنخ الحكم عن غير المقيّد بالغاية كعدم دلالة التقييد بالوصف على انتفائه عن غير المقيّد بالوصف مع الدلالة على انتفاء شخصه بسبب انتهاء الفعل إلى غايته ، وجعله في الأوّل هو الدلالة على ارتفاع سنخ الحكم بحصول غايته ، وجعل هذا واضحا إلى النهاية ، وعلّله بأنّه لو لا ذلك كما كانت الغاية بغاية.

وأنت خبير بعدم الفرق بينهما أصلا ؛ فإنّ الأوّل أيضا يدل على ارتفاع شخص هذا الحكم الذي اقتضى جعله سبب خاص بحصول غايته من دون دلالة له أصلا على ارتفاع سنخه بعد الغاية ولو كان مسبّبا من سبب آخر.

فالحقّ عدم ثبوت المفهوم للغاية من دون أن يكون في هذه الجهة فرق بين الصورتين ، نعم يظهر الفرق بينهما في الأصل الجاري عند الشكّ في ثبوت الحكم بعد

٢٦٩

الغاية ، فإنّه في الأوّل هو الاستصحاب عند من يجوّز استصحاب الكلّي في القسم الثالث ، أعني ما إذا كان زوال فرد من الكلّي مقطوعا بعد العلم بوجوده ، ولكن احتمل حدوث فرد آخر من هذا الكلّي مقارنا لزوال الفرد الأوّل ؛ إذ في هذه الصورة أيضا يقطع بزوال وجوب الجلوس مثلا عند الزوال بعد العلم بثبوته قبله ولكن يحتمل حدوث شخص آخر من وجوبه بعد الزوال متّصلا بالشخص الأوّل ، فيجرى الاستصحاب بالنسبة إلى أصل الوجوب ،

وهذا بخلاف الصورة الثانية ؛ فإنّ الشكّ فيها ليس في بقاء الحكم المتعلّق بموضوع واحد ، بل في حدوث الحكم المتعلّق بموضوع آخر ، مثلا نشكّ في حدوث الوجوب المتعلّق بالجلوس من الزوال إلى الغروب بعد العلم بزوال الوجوب المتعلّق بالجلوس من الصبح إلى الزوال ، فيكون مجرى للبراءة دون الاستصحاب ؛ لاختلاف الموضوع.

بقي الكلام في النزاع الآخر في هذا الباب في أنّ الغاية داخلة في المغيّا أو خارجة عنه؟ فنقول : قد يكون النزاع ـ بعد تسليم أنّ مفاد كلمتى «إلى» و «حتّى» ونحوهما هو الغاية العقليّة ـ في أنّ الغاية العقليّة داخلة في المغيّا أو خارجة؟ وقد يكون ـ بعد تسليم أنّ الغاية العقليّة خارجة ـ في أنّ مفاد الكلمتين هل هو الانتهاء الداخل أو الخارج.

والظاهر أنّ النزاع هنا ليس على الوجه الأوّل ، وذلك لأنّ الغاية العقليّة عبارة عن حدّ الشيء وطرفه ، والحد والطرف أمر عدمي خارج من الشيء ؛ لأنّه عبارة عن نفاد الشيء وتماميّته كما هو الحال في البداية العقليّة ، فالخطّ الفرضي الممتدّ بقدر امتداد الشيء، النقطة الموهومة المتّصلة به من طرف أوّل الشيء هو البداية ، كما أنّ النقطة الموهومة المتّصلة به من طرف آخره هي النهاية ، ولهذا لم يعهد منهم مثل هذا النزاع في كلمة «من» ونظائرها مع أنّه لو كان النزاع هنا على الوجه الأوّل لوجب أن يجري مثله في كلمة «من» بعد تسليم دلالتها على البداية العقليّة ، فيكون النزاع هنا على الوجه الثاني.

٢٧٠

وإذن فلا فرق في جريانه بين ما إذا كان الغاية قيدا للحكم ، وما إذا كان قيدا للعمل ، فيقال في مثل قولك : اجلس في المسجد من الصبح إلى الظهر : إنّ حكم وجوب الجلوس بحسب مفاد كلمة «إلى» هل هو مستمرّ إلى الآن الواقع قبل الظهر المتّصل به فيرتفع في هذا الآن ، أو أنّه يستمرّ إلى ما بعد دخول الظهر ويرتفع حينئذ ، كما يقال في مثل قولك : سر من البصرة إلى الكوفة : إنّ السير بحسب مفادها لا بدّ وأن يشمل جزء من الكوفة أو يكفي اختتامه في المكان الغير المحسوب من الكوفة عرفا المتّصل بها.

وحينئذ فالاستدلال للخروج بأنّ غاية الشيء حدّه وحدّ الشيء خارج عنه ، لا مساس له بمحلّ الكلام ، والظاهر الدخول في الغاية كما هو الحال في المبدا ، فالمسير من البصرة إلى الكوفة لا يتحقّق إلّا بالمسير المبتدإ في جزء من البصرة المنتهى في جزء من الكوفة وهكذا.

«فصل»

الظاهر أنّ القضيّة الاستثنائيّة دالّة على الحصر بلا إشكال ، ولذا اشتهر أنّ الاستثناء من الإثبات يفيد النفي ومن النفي يفيد الإثبات ، نعم هنا كلام آخر وهو أنّ هذا الحصر هل هو مستفاد من نفس الأداة حتّى أنّ قولنا : إلّا زيد بمنزلة قولنا : أستثني زيدا لا غير ، أو أنّ الأداة لا يفيد سوى الإخراج وليس إلّا بمنزلة قولنا : أستثني ، والحصر مستفاد من مجموع الجملتين ، بل ليس الحصر في الحقيقة إلّا عبارة عمّا هو مفاد الجملتين منطوقا ، ففي قولنا : جاءني القوم إلّا زيدا ليس الحصر إلّا مجيء جميع من سوى زيد وعدم مجيء زيد والجزء الأوّل دلّ عليه الحكم المعلّق على العام المستثنى منه ، والثاني دلّ عليه الأداة ، فليس الحصر مدلولا ثالثا حتّى يجعل من باب المفهوم على هذا الاحتمال.

وكيف كان فليس النزاع في ذلك ـ بعد فرض كون استفادة الحصر مسلّمة ـ بمهمّ وإن كان الظاهر هو الوجه الثاني ، وتظهر الثمرة فيما لو ورد مخصّص منفصل

٢٧١

ظاهر في التخصيص كما لو ورد بعد أكرم العلماء إلّا زيدا : لا تكرم عمروا ، وكان العمرو مشتركا بين شخصين ، أحدهما عالم والآخر جاهل وكان منصرفا عند الإطلاق إلى العالم ، فعلى الثاني يعامل معه معاملة العام والخاص فيقدّم الخاص المذكور على العام ، وعلى الأوّل لا بدّ من موازنة ظهور العام المؤيّد بظهور الأداة في الحصر مع ظهور الخاص وترجيح ما كان أقوى منهما ، وربّما يكون الأقوى ظهور العام ، فإنّ الخاص على هذا معارض لظهور العام ولظهور الأداة أيضا ؛ فإنّ مفاد «إلّا زيدا» ينحصر غير واجب الإكرام من العلماء في زيد، ومفاد الخاص المنفصل أنّ عمروا يكون غير واجب الإكرام أيضا والنسبة بينهما تباين.

وأنكر أبو حنيفة دلالة القضيّة المذكورة على الحصر مستدلا بقوله : لا صلاة إلّا بطهور ؛ إذ لو كان للاستثناء مفهوم لزم إثبات الصلاة مع الطهور مطلقا وإن اجتمع مع عدم القبلة ، وبطلانه من الواضحات ، فعلم أنّ الاستثناء من النفي مثلا غير مفيد لحصر النفي في السابق والإثبات فى اللاحق.

والجواب أنّ بعد إثبات المفهوم للقضيّة بحكم الوجدان لا بدّ من التوجيه في أمثال هذه القضيّة كقوله : لا يحلّ مال امرئ الخ إمّا بجعل المنفي هو المستجمع لجميع الشرائط ممّا سوى المذكور بعد «إلا» فيقال في المثال : إنّ الصلاة التي فرض اجتماعها للشرائط غير الطهارة ليست بصلاة إلّا مع الطهور ، وإمّا بجعل النفي مطلقا وفي جميع الحالات حتّى يكون مفاد الأداة نفي النفي المطلق اللازم منه الإيجاب الجزئي ، فيقال في المثال : الصلاة منفيّة على وجه الإطلاق مع كلّ شيء إلّا مع الطهور ، فليست منفيّة على وجه الإطلاق ، وليس مفاد هذا إلّا ثبوت الصلاة مع الطهور في الجملة فيكون الحصر إضافيّا بالإضافة إلى الطهور.

ثمّ إنّه قد استدلّ لدلالة القضيّة على الحصر بقبول إسلام من قال : لا إله إلّا الله ، فإنّ للفظ وإن كان الموضوعيّة في المقام كما في العقود بمعنى عدم كفاية مجرّد النسبة القلبيّة ، إلّا أنّ اللفظ من حيث كونه دالّا على المعنى جعل موضوعا للحكم بالإسلام وأمارة على الاعتقاد الجناني تعبّدا ، فدلالة هذه الكلمة على معنى التوحيد لا بدّ منه ،

٢٧٢

ومن المعلوم عدم تماميّته إلّا على تقدير ثبوت المفهوم كما هو واضح ، واجيب بأنّ الدلالة لقيام القرينة ، هذا.

ثمّ في هذه الكلمة المباركة إشكال وهو أنّ خبر «لا» إمّا يقدّر «موجود» وإمّا «ممكن» فعلى الأوّل يلزم نفي الوجود عن غيره تعالى وإثباته له ، وأمّا عدم إمكان وجود الغير ووجوب وجوده فمسكوت عنه ، ومن المعلوم عدم تماميّة الإسلام بدون ذلك ، وعلى الثاني يلزم نفي الإمكان عن الغير وإثباته له تعالى وهذا أعمّ من إثبات الوجود له تعالى وعدمه ، والإسلام لا يتحقّق إلّا مع إثبات الوجود.

ويمكن الجواب بأنّ الخبر المقدّر «موجود» إلّا أنّه مختلف معناه بحسب الموارد ، ففي المحسوسات والقضايا التي يكون مدرك الجزم فيها هو الحسّ كما في قولك : ليس في الدار إلّا زيد ، ليس المفاد إلّا مجرّد اثبات الوجود لما بعد «إلّا» ونفيه عمّا قبله من غير تعرّض للإمكان والامتناع ، وهذا بخلاف القضايا العقليّة التي يحصل الجزم فيها بالبراهين العقليّة كما في الكلمة المباركة ، فإنّ إثبات الوجود فيها لما بعد الأداة ونفيه عمّا قبلها لا يمكن حصول الجزم به إلّا بمعونة البرهان على وجوب وجود الصانع وامتناع وجود الشريك له ، والحاصل أنّ هذه الكلمة قد جعلت أمارة شرعيّة على الجزم القلبي بمضمونها ، والجزم بمضمونها متوقّف على برهان امتناع التعدّد ؛ إذ لو لم يقم عنده هذا البرهان والمفروض أنّ المقام ليس من قبيل المحسوسات فمن أين يجزم بعد وجود إله آخر غيره تعالى؟.

والحاصل أنّ هنا مقامان :

الأوّل كون هذه الكلمة كاشفة عن الجزم القلبي وهو أمر تعبّدي لا بدّ أن نقول به على كلّ تقدير ،

والثاني أنّها إذا كشفت عن الجزم والاعتقاد بمضمونها فليس الاعتقاد بمضمونها إلّا حاصلا إمّا من البرهان العقليّ القائم لدى صاحبه تفصيلا ، وإمّا من التصديق بما جاء به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهذا أيضا من أفراده ، ولا شكّ أنّه حينئذ جزم بامتناع الشريك إجمالا ؛ فإنّ امتناعه ممّا أخبر به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا

٢٧٣

حصل الاعتقاد بصدق كلّ ما جاء صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به فقد حصل الاعتقاد بهذا أيضا في الضمن ، فعلم أنّ الاعتقاد الحقيقي بمضمون هذه الكلمة من أينما حصل يكون ملازما مع الاعتقاد بامتناع الشريك فتدبّر.

وأجاب في الكفاية بأنّ المراد بالإله واجب الوجود ، وحينئذ تدلّ القضيّة على امتناع إله آخر بالالتزام ؛ إذ لو أمكن وجود الإله الآخر لوجد ؛ لعدم احتياج وجوده إلى العلّة ، فحيث لم يوجد انكشف امتناعه ، وبتوجيه آخر بقيّة أفراد الواجب لا يمكن اتّصافها بالإمكان الخاص ، للزوم خروجها عن كونها مصداقا للواجب ، وأمّا الإمكان العام فهو إمّا متحقّق في ضمن الإمكان الخاص وإمّا في ضمن الوجوب ، فما يكون منه من القبيل الأوّل يمتنع اتّصاف هذه الأفراد به لما مرّ ، وما يكون من القبيل الثاني فالاتّصاف به وإن لم يمتنع إلّا أنّه مناف للحصر ، فتعيّن أن يكون البقيّة غير ممكن أصلا.

وفيه أنّ لفظ الإله ليس بحسب اللغة واجب الوجود بل يطلق على المعبود ، والمناسب أن يراد به هاهنا المعبود بالحقّ لئلّا يلزم الكذب من حصره فيه تعالى.

٢٧٤

المقصد الرابع في العام والخاص.

«فصل»

ليعلم أوّلا أنّ العام المقصود هاهنا ليس هو العام المنطقي الذي يعبّر عنه بالكلّي ويعرف بما لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين ؛ فإنّ هذا هو المسمّى في الاصول بالمطلق فهو المقصود في باب المطلق والمقيّد.

ثمّ إنّهم ذكروا تعريفات للعامّ ، وأوردوا عليها خدشات إمّا عكسا وإمّا طردا ، وهذا يدّل على أنّ المعرّف معنى واضح عند الجميع ، والأولى أن يعرّف بما يكون مسوّرا بسور محيط بأفراد حقيقة واحدة كما في كل عالم والعلماء وجميع العلماء ، فخرج مثل لفظ «كلّ» و «الجميع» ؛ فإنّها أداة العموم وليس بعام ، وكذلك لفظ عالم وعلماء وأمثالهما ، فإنّها مطلق لا عام وإنّما يصير عاما إذا كانت مصدّرة ومسوّرة بأحد أدوات العموم.

ثمّ إنّ العموم يكون على ثلاثة أقسام ، الأوّل العموم الاستغراقي وهو أن يكون كلّ واحد من الأفراد متعلّقا للحكم ومناطا للنفي والإثبات مستقلا ، والثاني العموم المجموعي وهو أن يكون مجموع الأفراد من حيث الاجتماع متعلّقا ، والثالث العموم البدلي (١) وهو أن يكون المتعلّق من الأفراد لا على التعيين كمفاد النكرة ، والانقسام إلى هذه الأقسام يتصوّر على نحوين :

الأوّل : أن يكون حقيقة المعنى في الجميع واحدة وهو معنى الجميع ، لكن يحدث عند تعلّق الحكم بهذا المعنى أنحاء ثلاثة ، فالاختلاف إنّما جاء من قبل كيفيّة تعلّق الحكم بهذا المعنى الواحد ، الأوّل أن يلحظ الهيئة الاجتماعيّة بالمعنى الحرفي ويجعل عبرة ومرآتا للأفراد فيحكم على كلّ فرد مستقلا ، الثاني أن تكون هذه الهيئة

__________________

(١) وهذا غير المطلق ؛ فإنّ دلالة المطلق على العموم البدلي عقلي وبمقدّمات الحكمة ، وهنا وضعي أو عرفي وبدلالة اللفظ مثل قولنا في الفارسيّة : هركدام دلت مى خواهد ، فتدبّر ، منه رحمه‌الله.

٢٧٥

محفوظة وملحوظة بالمعنى الاسمي في مقام تعلّق الحكم ، والثالث أن تجعل الهيئة في هذا المقام عبرة للواحد لا على التعيين.

والثاني : أن تكون حقيقة المعنى في كلّ من الأقسام غيرها في الآخر ، بأن يكون لنا مع قطع النظر عن مقام الحكم ثلاثة أنحاء من التعقّل والملاحظة للعموم ، ولازم جعل نحوه الأوّل تحت الحكم أن يكون كلّ واحد موضوعا مستقلا لحكم مستقلّ ، ولازم جعل نحوه الثاني كذلك أن يكون الموضوع هو المجموع ، ولازم الثالث أن يكون هو الواحد لا على التعيين ، والحقّ هو الثاني وإن اختار الأوّل في الكفاية ، فإنّا إذا راجعنا انفسنا نجد ثلاثة معقولات متباينة الحقيقة في عالم الذهن وهي مفاهيم كلّ واحد من الأفراد ، ومجموع الأفراد ، وواحد من الأفراد.

ويشهد لهذا أنّ في الفارسيّة لكلّ من هذه الثلاثة لفظا مخصوصا ، فللمجموعي لفظة «همه» وللاستغراقي لفظة «هر» وللبدلي «هركدام مى خواهى» فيستعمل في العربيّة لفظة «كل» في مواضع الثلاثة ويحتاج في كلّ مقام إلى القرينة ، والقرينة لمقام الاستغراق إضافته إلى النكرة مثل : كلّ واحد وكلّ عالم ؛ ولهذا يترجم حينئذ في الفارسيّة بقولنا : «هريك» أو «هريك عالم» ، ولو كان معناه في جميع المواضع ما يرادف قولنا : «همه» لكان ترجمته في الموضعين «همه يك» أو «همه يك عالم» فكان ظاهرا في المجموعي دون الاستغراقي فتدبّر.

ثمّ في الكفاية ما حاصله أنّ شمول العشرة لأجزائه ليس كشمول العام لآحاده ؛ إذ العام يصلح للانطباق على كلّ واحد من الآحاد ولا يصلح العشرة للانطباق على كلّ من أجزائها ، وهذا مخدوش ؛ إذ العام بوصف العموم أيضا لا يصلح للانطباق على الآحاد ، فكما أنّ الواحد مثلا ليس بعشرة ، كذلك فرد واحد من العلماء لا يصدق عليه مفهوم الكلّ ، فالأولى أن يقال : إنّ المعتبر في العامّ شيئان : أحدهما ما يكون جامعا للأفراد وصالحا للانطباق على كلّ منها ، والثاني ما يكون محيطا بها ، وهذان منتفيان في العشرة ؛ إذ ليس مفهوم العشرة جامعا لما تحته من الأجزاء كما هو واضح ، بل حاله حال الكلّ ، وأمّا ما يضاف إليه هذا اللفظ أو مفهوم العدد وإن كان جامعا لها ، إلّا أنّ العشرة غير محيط بتمام آحاد هذين المفهومين ، بخلاف قولنا : كلّ عالم ؛ فإنّ العالم جامع للأفراد ولفظة «كلّ» محيط بها.

٢٧٦

«فصل»

الحق أنّ للعموم لفظا يخصّه ويدّل عليه بالحقيقة لا بالمجاز ولا بالاشتراك بينه وبين الخصوص ككلمة «كلّ» و «الجميع» ونحوهما بشهادة التبادر ، وأمّا ما يقال من أنّ التخصيص قد شاع بحيث قيل : ما من عام إلّا وقد خص فالأولى أن يقال بوضع هذه الألفاظ للخصوص ؛ إذ تقليل المجاز أولى من تكثيره.

ففيه أوّلا أنّ استلزام التخصيص للتجوّز ممنوع ، وذلك لأنّ العام المخصّص يمكن فيه ثلاثة وجوه ،

الأوّل أن يستعمل في الخصوص مجازا وكان الخاص قرينة على إرادة الخصوص من العام عند الاستعمال.

والثاني أن يراد بالعام في مقام الاستعمال العموم الشامل للخاص أيضا ، ولكن في مرحلة الحكم علّق الحكم على ما سوى الخاص واغمض النظر عن الخاص ، ففي قولنا : أكرم العلماء إلّا زيدا يكون العلماء مستعملا في تمام الأفراد حتى الزيد ، ولكن خصّص الحاكم حكم وجوب الإكرام عند إنشائه بما سوى الزيد وأغمض نظره عنه.

والثالث أن يراد بالعام في مقام الاستعمال العموم أيضا وعلّق الحكم على المجموع أيضا لكن كان حكما صوريّا نظير الحكم الصوري في مقام التقيّة فلا يطابق الجدّ واللبّ.

وبعبارة اخرى لنا إرادة استعماليّة وهي إرادة المعنى من اللفظ عند التلفّظ ، وإرادة جديّة وهي الثابتة واقعا الناشئة عن الأغراض ، والغالب تطابق الإرادتين ، وقد يتخالفان كما في التقيّة ، والأصل في مورد الشكّ هو التطابق ، فالمراد الجدّي في قوله : أكرم العلماء إلّا زيدا هو وجوب إكرام ما سوى الزيد ولكن إنشاء الحكم بحسب الصورة في موضوع العلماء الشامل للزيد أيضا ، وقوله : إلّا زيدا قرينة على خروج الزيد عن المراد الجدّي ، وواضح أنّه على الوجهين الأخيرين لا تجوّز في البين أصلا ، فالتخصيص غير ملازم للتجوّز حتى يلزم من كثرته كثرة المجاز.

وثانيا لو سلّم الملازمة بين التخصيص والتجوّز فلا محذور بعد قيام القرينة على المجاز مع مساعدة الوجدان على كون اللفظ حقيقة في خصوص العموم.

٢٧٧

«فصل»

لا إشكال في أنّ النكرة الواقعة في سياق النفي أو النهي سواء كان دالّا على الطبيعة كما في «لا رجل» أو على فرد واحد منها كما في : ما جاءني رجل ، لا تدلّ على العموم بحسب الوضع اللغوي أو العرفي بمعنى أنّ قولنا : لا رجل ، ليس بمعنى ليس كلّ فرد من الرجل ، ومراد القائل بدلالته على العموم أنّ لازم نفي الطبيعة عقلا نفي جميع الأفراد ؛ إذ لا يصدق انتفاء الطبيعة مع وجود فرد واحد منها ، وكذلك لا يصدق نفي فرد واحد من الطبيعة إلّا بنفي جميع الأفراد ، فالدلالة على العموم إنّما هي بالاستلزام العقلي.

وأيضا لا إشكال في عدم حصول التجوّز لا في أداة النفي ولا في المدخول عند التقييد ، فلو قيل «لا رجل عالم» لا يلزم التجوّز في لفظة «لا» ؛ إذ هي موضوعة لنفي أفراد مدخولها مقيّدا كان المدخول أو مطلقا ، ولا في لفظة رجل على ما هو التحقيق من وضع المطلقات للطبيعة المهملة القابلة للإطلاق والتقييد ؛ لتعدّد الدال والمدلول ، وكذلك الكلام في كلمة «كل» وما في معناها ، فالتقييد غير مناف لمدلولها ، لكونها موضوعة لاستيعاب أفراد ما يراد من مدخولها ، ولا لمدلول مدخولها.

وإنّما الكلام والاشكال في أنّه هل نحتاج في الحكم بالعموم عقلا أو وضعا إلى تمهيد مقدّمات الحكمة أوّلا في المدخول وإثبات إرادة الطبيعة المرسلة منه بتلك المقدّمات ، ثمّ الحكم بعد ذلك بانتفاء جميع أفراد هذه الطبيعة المرسلة عقلا في أدوات النفي واستيعاب جميعها وضعا في أدوات العموم ، فعند عدم تماميّة المقدّمات لم نحكم بالعموم ، أو لا نحتاج بل يكفي كلمة «لا» وكلمة «كل» في الحكم بالعموم وإن احتمل التقييد في مدخولهما مع التصديق بعدم منافاته لمدلول شيء منهما ومن مدخولهما؟

الحقّ هو الثاني ، والدليل عليه ـ بعد مساعدة الوجدان على أنّ قولنا : كلّ رجل أو لا رجل ، معناه العموم بدون الاحتياج إلى شيء آخر ـ أنّه فرق بين المجمل والمهمل ونحن نسلّم أنّه لو كان مدخول اللفظين مجملا ومردّد بين المطلق والمقيّد يسري الإجمال إليهما ؛ إذ لم يعلم أنّ المنفي أو المستوعب أفراد المطلق أو المقيّد لكنّ المهمل مفهوم متّضح لا إجمال فيه أصلا.

٢٧٨

فنقول : لو كان المراد في قوله : «لا رجل» الرجل العالم فلا يخلو إمّا أن يكون مرادا لبيّا مع استعمال لفظ الرجل في معناه ، أو يكون مرادا استعماليّا بأن استعمل قوله : لا رجل، في لا رجل عالم ، فإن كان الثاني كان على خلاف قانون المكالمة ؛ إذ يلزم نقض الغرض ؛ إذ الغرض إفهام المقاصد ، واستعمال اللفظ في غير معناه نقض لهذا الغرض ، وإن كان الأوّل فاللفظ مستعمل في الطبيعة المهملة كما هو الموضوع له.

فنقول : كلمة «لا» مفيدة للنفي وهو إذا تعلّق بالطبيعة المهملة يلزم انتفاء جميع الأفراد ؛ إذ المهملة مقسم للمطلق والمقيّد ، ونفي المقسم ملازم لنفي جميع الأقسام ، وكذلك نقول في كلمة «كل» فإن كان الرجل في قوله : كلّ رجل مثلا مستعملا في الرجل العالم فهذا نقض للغرض ، وإن كان مستعملا في الطبيعة المهملة والمفروض أنّ كلمة «كل» موضوعة لاستيعاب أفراد مدخولها ، فيصير مجموع المعنى جميع أفراد الطبيعة المهملة ولازمه استيعاب جميع الأفراد الثابتة لجميع الأقسام ؛ إذ فرد كلّ قسم فرد للمقسم.

وممّا يؤيّد المطلب أنّه لو صرّح في الكلام بقيد الإطلاق فقيل : لا رجل مطلقا ، لم يشكّ أحد في الحكم بالإطلاق ، وليس إلّا لأجل أنّ إرجاع قيد الإطلاق إلى الطبيعة المهملة كما هو مفاد اللفظ يتولّد منه الإطلاق ، ولم يلتزم أحد بأنّ الحكم بالإطلاق في هذا المثال يتوقّف على إحراز مقدّمات الحكمة في لفظ «رجل» وإلّا كان مجملا ، مع أنّ التقييد غير مناف لمدلول الرجل ولا لمدلول الإطلاق ، ففي قولنا : لا رجل عالم مطلقا ليس في البين تجوّز في لفظه أصلا فتدبّر.

ولا يخفى عليك أنّه فرق بين ما ذكرنا وبين إجراء المقدّمات في المطلقات ؛ إذ هناك ما يكون مفاد اللفظ قاصر عن إفادة المقصود ، بل يحتاج إلى إحراز أنّ للمتكلّم حالة إلقاء تمام المراد اللبّي فيحكم بعد إحراز هذا وسائر المقدّمات أنّ المراد اللبّي في قوله : أعتق رقبة مطلق الرقبة وإلّا لذكر القيد ، فإن لم يحرز تلك الحالة للمتكلّم لم يعلم أنّ المراد عتق المطلق أو خصوص المؤمن ، ولا يمكن تعيين هذا من مفاد اللفظ بالفرض ، وهذا بخلاف المقام ؛ إذ يكفي فيه مجرّد ما هو مفاد اللفظ وضعا من دون حاجة إلى شيء آخر أصلا.

٢٧٩

«فصل»

في أنّ العام المخصّص حجّة في الباقي أولا؟ دليل عدم الحجيّة إجماله أنّه بعد العلم بعدم إرادة العموم منه يكون مردّدا بين مراتب الخصوص ، فقبل قيام القرينة على تعيين أحدها لم يحمل على شيء منها ، وكون تمام الباقي أقرب المجازات إلى الحقيقة إنّما هو بحسب الكمّ والمقدار ، وما هو مرجّح لحمل اللفظ هو الأقربيّة بحسب الانس الذهني ، بأن يكون هذا المعنى من بين المعاني المجازيّة أكثر انسا باللفظ من غيره ، ومن الواضح عدم تحقّق الأقربيّة بهذا المعنى في المقام ، فإنّ حال العام بالنسبة إلى جميع مراتب الخصوص على السواء في كونه خلاف معناه الوضعي نظير المائة ؛ فإنّه بعد عدم استعماله في العدد الخاص الذي هو معناه يكون نسبته إلى الواحد والتسعة والتسعين واحدا.

وفيه أنّه قبل ملاحظة المعنى المحيط بتمام الأفراد لا يمكن استعمال العام مجازا في شيء من مراتب الخصوصيّات ، وذلك لعدم عنوان كان منطبقا على واحدة من تلك المراتب دون غيرها حتى يستعمل الأداة بعد عدم استعماله في المحيط بتمام الأفراد في هذا العنوان.

نعم بعد إحضار المعنى المحيط في الذهن يمكن الغضّ عن واحد أو اثنين أو ثلاثة فصاعدا واستعمال اللفظ في تمام الباقي ، لكن هذا في المخالفة للظاهر بمكان ؛ فإنّ عدم إمكان الاستعمال المجازي في الباقي بدون ملاحظة المعنى الجامع المحيط أوّلا أدل دليل على أنّ لفظ العموم مستعمل في معناه الحقيقي أعني : المعنى المحيط أبدا ، ولا ينافي ذلك ورود المخصّص بعده متّصلا أو منفصلا ؛ لإمكان الجمع بأحد نحوين : إمّا بجعل الفرد المخصّص خارجا في مرحلة الحكم دون مقام الاستعمال بأن كان اللفظ مستعملا في المحيط ثمّ غضّ النظر عن الفرد المعيّن وأنشأ الحكم في موضوع الباقي ، وإمّا بجعله خارجا عن المراد اللبّي مع كونه داخلا في مرحلة الحكم كمقام الاستعمال بأن لاحظ المعنى المحيط عند مقام الاستعمال وكذا لاحظه أيضا عند جعل الحكم ،

٢٨٠