أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

أمارة على عدم وجوب السورة وكون الصلاة مركّبة من تسعة أجزاء ـ مثلا ـ وكانت السورة في الواقع واجبة والصلاة مركّبة من عشرة أجزاء ، فأتى المكلّف بالصلاة بدون السورة لقيام الأمارة المذكورة عنده ، فيكون هذا العمل بملاحظة الأمر الظاهري ما دام موضوعه ـ وهو الجهل بالواقع ـ باقيا تامّا مسقطا للإعادة والقضاء في قبال كون الإتيان بثمانية من الأجزاء ناقصا موجبا لهما ، وهذا العمل بملاحظة الأمر الواقعي ناقص ؛ ولهذا عند ارتفاع الجهل يجب الإعادة والقضاء.

ثمّ إنّ كلّا من الصحّة والفساد أمر وحداني اعتباري في جميع الموارد ، بمعنى أنّه ليس في الخارج ما وراء عشرة أجزاء مثلا شيء آخر يكون بحذاء التماميّة أو المنشئيّة للأثر أو بحذاء عدم التماميّة أو عدم المنشئيّة للأثر ، من غير فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات وإن فرّق بينهما في الكفاية ردّا على من جعل الصحّة والفساد اعتباريين بقول مطلق بما حاصله : أنّ الصحّة في العبادات بالنسبة إلى الكليّات مختلفة ، فيكون انتزاعيّة بمعنى موافقة الأمر ، وعقليّة بمعنى سقوط الإعادة والقضاء في المأمور به بالأمر الواقعي الأوّلي ؛ لكونه حكما يستقلّ به العقل كسائر الأحكام العقليّة ، وجعليّة بمعنى سقوطها في المأمور به بالأمر الظاهري ، فإنّه على القول بعدم الإجزاء في الأوامر الظاهريّة عند تبيّن الخلاف على حسب القاعدة مع تصوير إجزائها حينئذ أيضا بأن يكون الإتيان بالناقص موجبا لسقوط الفاعل عن قابليّة تدارك المصلحة الفائتة يكون سقوط الإعادة والقضاء في هذه الأوامر عند تبيّن الخلاف حكما شرعيّا ، بمعنى كون بيانه من وظيفة الشرع كسائر الأحكام الشرعيّة.

وبالنسبة إلى الجزئيّات يكون من باب انطباق الكليّات عليها نظير اتّصاف أفراد الواجب بالوجوب ؛ فإنّه ليس بالجعل ، بل من باب انطباق عنوان الواجب عليها ، وفي المعاملات بالنسبة إلى الكلّيات جعليّة دائما ؛ لاحتياجها إلى إمضاء الشرع ؛ إذ لولاه لم يترتّب الأثر لأصالة الفساد ، وبالنسبة إلى الجزئيّات يكون من باب الانطباق.

ولكنّه مخدوش ، أمّا في العبادات ، فلما عرفت من أنّ الصحّة بمعنى التماميّة بلحاظ

٢٤١

الأثر المرغوب أمر وحداني لا يختلف باختلاف الموارد ، وهو قدس‌سره أيضا معترف بذلك في صدر هذا البحث ، وما ذكره هنا متّجه بالنسبة إلى آثار التماميّة ولوازمها لا بالنسبة إلى نفسها ، فيصحّ القول باعتباريّة الصحّة والفساد بقول مطلق.

وأمّا المأمور به بالأمر الظاهري فلا يتّصف على القول المذكور عند تبيّن الخلاف بالتماميّة حتى يقال بكونها مجعولة ، غاية الأمر كونه مسقطا للإعادة والقضاء ، فسقوطهما لا يكون لازما مساويا للتماميّة بل أعمّ ، مع أنّه لو ثبت من الشرع اتّصافه بالتماميّة في مقام نلتزم فيه بأنّ هنا مصلحتين إحداهما أدنى والاخرى أقصى ، فاتّصاف العمل الناقص بالتماميّة بلحاظ الأدنى ، وبعدمها والإسقاط عن قابليّة التدارك بلحاظ الأقصى.

وأمّا في المعاملات فلأنّ وجه الحاجة فيها إلى إمضاء الشرع ، إمّا كونه دخيلا في التأثير فإنّ الشارع مالك حقيقي فلا يقصر إمضائه عن إمضاء المالك المجازي ، فكما أنّ الثاني جزء للمؤثّر فكذا الأوّل بطريق اولى ، وإمّا كونه كاشفا عن السببيّة الواقعيّة بمعنى أنّ الشارع جعل اختيار الأموال بيد المالك المجازي لها ، ولكن الأسباب التي تكون أسبابا بنظر العرف بعضها متلبّس بالسببيّة واقعا وبعضها غير متلبس بها كذلك ، فإمضاء الشرع يرفع احتمال كون العقد من القبيل الثاني ويكشف عن كونه من الأوّل ، كما أنّ تخطئته بالعكس.

فإن كان الثاني فمن الواضح أنّ إمضاء الشرع حينئذ مجرّد تصديق للعرف بمعنى أنّ ما يراه العرف سببا فهو كذلك واقعا فإنّما يحتاج إليه في مرحلة الإثبات بعد الفراغ عن ثبوت السببيّة لبعض العقود واقعا لا بجعل جاعل.

وإن كان الأوّل فإمضاء الشرع جزء متمّم للسبب ، فحاله حال الإيجاب والقبول وإجازة المالك المجازي ، فكما أنّ الموجب مثلا موجد لجزء السبب لا جاعل للصحّة ، فكذا حال الشارع في إمضائه ، فإذا تحقّق أجزاء السبب التي من جملتها إمضاء الشرع انتزع من المجموع وصف التماميّة قهرا.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الصحّة في المعاملات أيضا أمر اعتباري كما في

٢٤٢

العبادات ، غاية الأمر أنّها في المعاملات منتزعة عن امور جعليّة كالإيجاب والقبول ، وفي العبادات عن امور واقعيّة.

السابع : متعلّق النواهي في العبادات إمّا نفسها كالنهي عن الصلاة في الحمّام ، وإمّا جزئها كالنهي عن قراءة سورة العزيمة في الصلاة ، وإمّا شرطها كالنهي عن لبس الحرير فيها الراجع إلى الستر المشروط به الصلاة ، لا عن لبس اللباس المغصوب ؛ فإنّ النهي فيه متعلّق بالغصب المتّحد مع الصلاة ، وأمّا الحرير فالنهي فيه متعلّق باللبس وهو مقترن مع الأكوان الصلاتيّة لا متّحد معها.

وإمّا وصفها غير المفارق عنها كالنهي عن جهر المرأة في الصلاة عند سماع الأجنبي صوتها ، بناء على كون صوتها عورة ، لا عن الجهر في صلاة الظهر مثلا ؛ فإنّ النهي فيه وضعي راجع إلى اشتراط الإخفات لا تكليفي ، والجهر في القراءة ملازم للقراءة وإن كانت القراءة غير ملازمة له ، وإمّا وصفها المفارق عنها المتّحد معها أحيانا كالنهي عن الغصبيّة المتّحدة مع الأكوان الصلاتيّة.

لا إشكال في دخول القسم الأوّل في محلّ النزاع ، ولا في دخول القسم الثاني بالنسبة إلى نفس الجزء ، بمعنى أنّ العزيمة في الصلاة مثلا غير مجزية عن السورة الواجبة في الصلاة ، وأمّا أنّ بطلان الجزء موجب لبطلان أصل العبادة فلا ؛ لإمكان الإتيان ثانيا بجزء غير محرّم فتصّح العبادة بذلك ، اللهم إلّا أن يلزم من ذلك محذور آخر كالزيادة العمديّة في الصلاة ، بناء على شمول دليل الزيادة العمديّة لمثل ذلك ، كما احتملوا في الريا في جزء العبادة بعد القطع ببطلان نفس الجزء كونه مبطلا لأصل العبادة لذلك.

وأمّا القسم الثالث فإن كان الشرط توصّليّا فلا ضير في كونه محرّما ، وإن كان تعبّديا فالنهي موجب لفساده المستلزم لفساد المشروط به.

وأمّا القسم الرابع فادّعى في الكفاية امتناعه ؛ إذ النهي عن الوصف يسري إلى الموصوف ، فالنهي عن الجهر في القراءة في الحقيقة نهي عن القراءة الجهريّة ، وهو لا يجتمع مع الأمر بالقراءة ، ويمكن منعه بمنع السراية ؛ لمكان التعدّد بين الوصف و

٢٤٣

الموصوف خارجا وعدم الاتّحاد المصحّح للحمل الشائع الصناعي بينهما وجودا وإن قلنا بثبوت الاتّحاد الوجودي بينهما نحو الاتّحاد الوجودي الثابت في الجسم المتّصل كماء الحوض؛ فإنّ هذا النحو من الاتّحاد غير مناف ؛ لاختصاص كل بعرض من دون سراية عرضه إلى الآخر كما هو المشاهد في الجسم المتّصل ، نعم كون المأمور به ملازما للمنهي عنه ممتنع ؛ للزوم التكليف بما لا يطاق ، وأمّا العكس فلا كما في نحن فيه.

وأمّا القسم الخامس وهو ما إذا تعلّق النهي بالوصف المفارق كغصبيّة المكان أو اللباس أو المحمول في الصلاة ، فإن لم يكن الوصف المتعلّق للنهي متّحدا مع العبادة ، ولا كانت العبادة علّة له كما في الصلاة في المحمول المغصوب الذي لم يوجب الحركات الصلاتية تصرّفا زائدا فيه ، ولم يتحرّك بحركاتها مثل الخيط الملصق بالبدن أو اللباس ، فلا وجه لسراية نهيه حينئذ إلى العبادة ؛ إذ متعلّق النهي في المثال مثلا هو استصحاب المحمول وإمساكه ، وهو غير متّحد مع الأكوان الصلاتية ، ولا هي علّة له بل هو مقترن معها ، فحاله حال النظر إلى الأجنبيّة في الصلاة.

كما أنّه لو كانت العبادة علّة للوصف فلا إشكال في تعلّق النهي بها ؛ لكونها علّة للحرام ، فتصير بذلك من محلّ البحث ، وذلك كما في الصلاة في المحمول المغصوب الذي يتحرّك بالحركات الصلاتيّة ؛ فإنّ الأكوان الصلاتيّة حينئذ يكون علّة للتصرّف في المغصوب بناء على كونها عبارة عن نفس القيام والركوع والسجود التي هي أفعال بلا واسطة للمكلّف ، وأمّا بناء على كونها عبارة عن نتائج تلك الأفعال والهيئات الحاصلة منها فهي مع التصرّف في المغصوب معلولان لعلّة ثالثة وهي نفس تلك الأفعال.

وأمّا صورة إيقاع الصلاة في المكان المغصوب فتسرية النهي فيها عن الغصب إلى الصلاة ثمّ الحكم بفسادها مبتنية على طيّ مقدّمتين : احداهما من مسائل الاصول والاخرى من مسائل الفقه.

فالاولى مسألة جواز اجتماع الأمر والنهي وامتناعه ، فالحكم بالتّسرية المذكورة مبتن على اختيار الامتناع في هذه المسألة ؛ إذ لو جوّزنا الاجتماع فالنهي

٢٤٤

متعلّق بطبيعة الغصب وهي غير طبيعة الصلاة ، فيكون اجنبيّا عن النهي المتعلّق بالعبادة الذي هو موضوع لهذا البحث.

والثانية اختيار احتمال أن يكون الأكوان الصلاتيّة عبارة عن نفس القيام والركوع والسجود التي هي أفعال مضافة إلى المكلّف بلا واسطة ؛ إذ على هذا الاحتمال تكون الأكوان الصلاتيّة متّحدة مع الغصب ؛ فإنّ الحركة النهوضيّة ـ مثلا ـ على هذا قيام صلاتي وغصب ، وهكذا ، فيسري النهي عن الغصب إليها لا محالة بناء على القول بالامتناع كما هو المقدّمة الاولى.

وأمّا لو اخترنا الاحتمال الآخر فيها وهو أن يكون عبارة عن الهيئات والأطوار القائمة بالمكلّف الناشئة من القيام والركوع والسجود ، والفرق بين هذا والاحتمال الأوّل أنّ الأكوان على الأوّل ملحوظة بوجود مستقلّ منحاز عن وجود المحلّ ، وعلى الثاني ملحوظة بوجود مندكّ في وجود المحلّ ، فهي على الثاني تكون من كيفيات المحلّ وأطواره وخصوصيّاته ، فالأوّل هو بعينه ما جعله أهل المعقول مفهوما لمبدا المشتق ، والثاني بعينه هو ما جعلوه مفهوما لنفس المشتق.

وكيف كان فعلى هذا يكون الأفعال المذكورة المتّحدة مع الغصب محقّقات للأكوان الصلاتية والأكوان نتائج لها ، والسبب الحرام إنّما لا يجتمع مع المسبّب الواجب إذا كان السبب منحصرا فيه ، وأمّا السبب غير المنحصر فلا ينافي حرمته مع وجوب المسبّب كما في ركوب الدابّة الغصبيّة في طريق الحج مع عدم الانحصار ، وما نحن فيه من القبيل الثاني ؛ لتمكّن المكلّف من إيجاد المحقّقات المذكورة في الأرض المباحة.

فتحصّل ممّا ذكرنا أنّا لو قلنا بالامتناع في مبحث الاجتماع لا يكفي مجرّد ذلك في الحكم بفساد الصلاة في الأرض المغصوبة ، بل لا بدّ معه من إثبات مطلب آخر وهو الاتّحاد بين الغصب وأكوان الصلاة دون السببيّة والمسببيّة ، وبعبارة اخرى إثبات كون الأكوان نفس الأفعال دون نتائجها.

ثمّ لو تعلّق النهي بالعبادة وعلم كونه من جهة الجزء أو الشرط أو الوصف كما لو

٢٤٥

نهى عن الصلاة المشتملة على العزيمة أو في الحرير أو في المكان المغصوب وعلم كونه لأجل أحدها ، فإن كان النهي راجعا إلى أحد الامور لبّا ونسب إلى العبادة بالعرض والمجاز ومن قبيل نسبة الوصف بحال المتعلّق ، كان حاله حال النهي عن أحدها ، وإن كان راجعا إلى نفس العبادة حقيقة ، وكان أحد الامور واسطة في الثبوت لا في العروض بأن أوجب المفسدة في نفس العبادة ، كان من قبيل القسم الأوّل الذي قد مرّ أنّه من محلّ الكلام بلا كلام.

إذا عرفت هذه الامور فلنذكر الاستدلال في طرفي العبادات والمعاملات في مقامين :

المقام الأوّل في العبادات ، فنقول وعلى الله الاتكال : هنا احتمالات في الفرق بين العبادة وغيرها بحسب التصوير الاولى.

الأوّل : أنّ العبادة ما يعتبر فيه داعي الأمر فلا يجزي بدونه بخلاف التوصّلي ،

الثاني : أنّه لا يلزم في العبادة داعي الأمر بل يلزم كونها على وجه يحصل القرب الفعلي بها فلا يجزي بدونه بخلاف التوصّلي.

فعلى كلّ من هذين الاحتمالين لا إشكال في أنّ النهي موجب لفسادها ؛ إذ بعد وجود النهي لا يمكن هنا وجود الأمر حتى على القول بالجواز ، كما مرّ وجهه سابقا ، وبعد وجود المبغوضيّة الفعليّة لا يمكن وجود الحسن الفعلي ، وإن كان الجهة موجودة ـ كما عرفت ـ فلا يمكن أن يكون مقرّبا فعليّا.

الثالث : أنّه لا يلزم الداعي المذكور ولا القرب الفعلي ، بل يكفي في العباديّة مجرّد التواضع والخضوع والخشوع وإظهار العبوديّة والتعظيم للمولى ، وهذا غير ملازم للقرب الفعلي؛ لإمكان اجتماعه مع المانع عنه كما هو المشاهد في الموالي الظاهريّة ؛ فإنّ بعض التواضعات غير موجب للقرب عندهم ، فعلى هذا الاحتمال يمكن حفظ عنوان العبادة مع وجود النهي ، فيكون مجزيا كالتوصّلي بمعنى كونه مسقطا للأمر المتعلّق لغيره مع كون نفسه محرّما ؛ لحصول الغرض به ؛ إذا الفرض عدم دخل شيء في الغرض سوى عنوان التواضع ، هذا في مقام التصوير.

٢٤٦

وظاهر كلمات العلماء رضوان الله عليهم في باب النيّة في العبادات ثبوت الإجماع على اعتبار قصد القربة في العبادة ، لا على وجه يكون المقصود نفس القربة ، بل بأن يكون المقصود أحد العناوين المقرّبة ، وعلى هذا أيضا يكون النهي موجبا للفساد بلا إشكال ؛ إذ بعد وجود النهي والالتفات إليه لا يمكن قصد القربة.

ومن هنا ظهر أنّ النهي المتعلّق بالعبادة الفعليّة لا موضوع له على الاحتمالين الأوّلين وعلى الاحتمال الأخير وإن كان له موضوع ، ولكنّه خلاف ظاهر استدلالهم على الفساد بأنّ الفعل المنهيّ عنه لا يمكن أن يكون مقرّبا ، فلا بدّ من حمل لفظ العبادة في العنوان على أحد الاحتمالين الأوّلين ، ومعه لا بدّ من أن يراد به ما كان عبادة لو لا النهي ، وإذن فلا فرق بين أمثال السجود لله تعالى في حقّ الحائض وبين صوم العيدين ، فكما أنّ الأوّل عبادة لو لا النهي وليس بعبادة فعليّة فكذا الثاني وإن فرّق بينهما في الكفاية.

فإن قلت : إنّ الاستدلال على الفساد في العبادة بأنّ النهي يفيد التحريم الذاتي وهو مناف للصحّة والعباديّة والمقربيّة مخدوش ، بأنّ المكلّف عند إتيانه بالعبادة المنهيّ عنها لا بدّ وأن يأتي بالعمل بقصد القربة حتّى يصير عبادة وداخلا في موضوع البحث ، وحيث إنّ قصد القربة على وجه الحقيقة غير ممكن لمنافاته مع وجود النهي ، وجب قصدها على وجه التشريع، وهو موجب لثبوت الحرمة التشريعيّة ، وثبوتها موجب لانتفاء الحرمة الذاتية ؛ لامتناع اجتماع المثلين.

قلت أوّلا : لا نسلّم تقوّم موضوع البحث بقصد القربة ، بل الموضوع نفس العمل ، فالمنهيّ عنه في حقّ الحائض هو صورة الصلاة وإن لم تأت بها بقصد القربة.

وثانيا : سلّمنا تقوّمه بذلك ، ولكنّه لا منافاة بين الحرمة التشريعيّة والحرمة الذاتيّة ؛ فإنّ متعلّق الاولى ما هو من فعل القلب وهو العقد والبناء على العباديّة ، ومتعلّق الثانية هو الفعل الخارجي ، فهذا نظير التجرّي ؛ فإنّ الفعل فيه باق على ما هو عليه واقعا ، والحرمة متعلّقة بسوء السريرة.

وثالثا : اللازم من اجتماع الحرمتين حصول الحرمة الواحدة المؤكّدة المستتبعة

٢٤٧

للعقاب الأشدّ ، فإتيان الحرام الذاتي بانيا على حلّيته محرّم آكد من إتيانه لا كذلك ، وعقاب الأوّل أشدّ من الثاني ، وبالجملة ، الممتنع إنّما هو اجتماع المتماثلين في موضوع واحد مع محفوظيّة تعدّدهما لا بدونها.

المقام الثاني في المعاملات ، والتكلّم فيها في مقامين :

الأوّل : أنّ مقتضى القاعدة هل هو الملازمة بين حرمتها وفسادها ، فالإطلاقات والعمومات مقيّدة ومخصّصة بحكم العقل ، أو عدمها فلا مانع من الأخذ بها؟.

فنقول : النهي الوارد في هذا الباب إمّا متعلّق بالسبب بأن يكون إنشاء عقد البيع الفلاني مثلا حراما ، أو بالمسبّب بأن يكون نفس النقل والانتقال حراما ، أو بالتسبيب أي جعل فعل سببا لأمر كالملكيّة والزوجيّة ونحوهما ، إمّا بمعنى عقد القلب على أنّه مؤثّر فيه ، أو بمعنى تطبيق العمل الخارجي على مؤثريته والمعاملة معه معاملة السبب وترتيب الآثار على سببيّته ، وبعبارة اخرى بناء العمل الخارجي على مؤثريّته نظير ما هو المراد في قوله عليه‌السلام : «صدّق العادل» ، فهذه أربع صور لتعلّق النهي بالمعاملة.

وأمّا حكمها فربّما يقال : إنّ الصورتين الاوليين مشتركتان في أنّ النهي فيهما غير ملازم للفساد ، إلّا أنّه في الاولى منهما غير مقتض لشيء من الصحّة والفساد ؛ لوضوح إمكان أن يكون إيجاد سبب مبغوضا ، ويكون على تقدير إيجاده عصيانا مؤثّرا واقعا ، كما يمكن أن يكون غير مؤثّر حينئذ.

وأمّا الثانية فالنهي فيها مضافا إلى عدم اقتضائه للفساد مقتض للصحّة ؛ وذلك لأنّ النهي عن المسبّب دليل على مقدوريّته للمكلّف ، ومقدوريّته ملازمة للصّحة ولا يجتمع مع الفساد كما هو واضح.

كما أنّ الصورتين الأخيرتين مشتركتان في كون النهي فيهما مقتضيا للفساد ، ووجه ذلك أنّه وإن كان لا منافاة عقلا بين حرمة عقد القلب على التأثير وحرمة ترتيب الأثر الخارجي على السببيّة وبين التأثير الواقعي ، إلّا أنّه يمكن دعوى ظهور كلّ من التحريمين في عدم التأثير عرفا ، وكذا يمكن دعوى القطع بعدم منع الشارع

٢٤٨

عن عقد القلب على أمر له النفس الأمريّة والثبوت الواقعي أو عن ترتيب الأثر الخارجي على المعاملة الصحيحة مع قطع النظر عن أمر خارجي كالجنون والسفه ونحوهما ، فيكون النهي عن عقد القلب على تأثير المعاملة الخاصّة أو عن ترتيب الأثر عليها كما في قوله : «ثمن العذرة سحت» كاشفا عن فسادها أصلا وعدم تأثيرها رأسا بمقتضى الظهور والقطع المذكورين.

هذا كلّه في النهي التكليفي المفيد للتحريم ، وأمّا الوضعي المرشد إلى الفساد فخارج عن محلّ الكلام ، ولا يبعد دعوى ظهور النهي في العقود والإيقاعات في الإرشاد إلى الفساد.

اقول : قد مرّ سابقا أنّ وجه احتياج المعاملة إلى إمضاء الشرع إمّا كونه دخيلا في التأثير لكون الشارع مالكا حقيقيا ، وإمّا كونه تصديقا للعرف بمعنى عدم خطاء نظره في رؤية السببيّة ، فما ذكر إنّما يتمّ على الثاني ، وأمّا على الأوّل فيمكن أن يقال : إنّ مبغوضيّة المسبّب مستلزمة لعدم إمضاء الشرع الموجب للفساد ؛ إذ بعد فرض توقّف تحقّق المسبّب على إمضاء الشرع وكون وجوده مبغوضا فلو أمضاه الشرع فقد أوجد مبغوضه.

وعلى هذا فلا يمكن تعلّق النهي بالنقل والانتقال الفعلي ؛ لعدم مقدوريّته للمكلّف ، فلا بدّ من إرجاع النهي المتعلّق به ظاهرا إلى النقل والانتقال لو لا عدم الإمضاء الذي هو راجع إلى السبب ، نظير ما قلنا في العبادة من لزوم إرجاع نهيها عقلا إلى العبادة لو لا النهي.

وأمّا مبغوضيّة السبب فمعناها مبغوضيّة إنشاء العقد بقصد ترتّب الأثر ؛ إذ معنى السبب ذلك ، ولا ريب أنّ المبغوضيّة بهذا الوجه في الحقيقة راجعة إلى المسبّب ، مثلا مبغوضيّة نصب السلّم بقصد ترتّب الكون على سطح الغير علّته في الحقيقة راجعة إلى مبغوضيّة نفس الكون ، فيكون حال هذا القسم حال سابقه ، فظهر أنّه يمكن دعوى الجزم بالفساد في السابق ، وكذا في اللاحق بعد رجوعه إلى السابق ، اللهم إلّا أن يقال : إنّ للشارع حيثيتين ، فمن حيث إنّه شارع يكون ناهيا ، ومن حيث إنّه

٢٤٩

مالك يكون مجيزا ، كما أنّه قد يريد شيئا بالإرادة التشريعيّة ومن حيث إنّه شارع ، ويريد خلافه بالإرادة التكوينية ومن حيث إنّه خالق ، ولهذا يوجد أسباب خلافه ومقدّماته.

والثاني : أنّ النهي في المعاملة وإن قلنا بعدم ملازمته للفساد عقلا هل هو ملازم له شرعا أولا؟ فنقول : يمكن الاستدلال على الملازمة شرعا بعموم التعليل الواقع في خبر تزويج العبد بغير إذن سيّده المرويّ في الكافي والفقيه عن زرارة عن الباقر عليه‌السلام «سأله عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده؟ فقال : ذلك إلى سيّده إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما ، قلت : أصلحك الله تعالى إنّ حكم بن عتبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون : إنّ أصل النكاح فاسد ولا يحلّ إجازة السيّد له؟ فقال أبو جعفر عليه‌السلام : إنّه لم يعص الله ، إنّما عصى سيّده ، فإذا أجاز فهو له جائز».

فإنّ ظاهر الفقرة الأخيرة أنّ كلّ معاملة كانت معصية لله ومخالفة للنهي التكليفي بعنوانه الأوّلي فهي غير قابلة للصّحة ، وتزويج العبد وإن كان محرّما لكونه معصية السيّد ، إلّا أنّ الحرمة متعلّقة بعنوان مخالفة السيّد لا بعنوان التزويج.

فإن قلت : المراد بالمعصية المنفيّة مخالفة النهي الوضعي دون التكليفي ؛ إذ المراد بمعصية السيد بقرينة الصدر هو مجرّد الفعل بدون رضاه وإذنه وإمضائه ، فيكون المراد بالمعصية المنفيّة أيضا بقرينة السياق هو مجرّد الفعل الذي لم يمضه الله ولم يشرّعه بل نهى عنه وضعيّا ، بمعنى فقدانه شرطا شرعيّا ، وهذا لا كلام في فساده.

قلت : حمل المعصية على مخالفة النهي الوضعي خلاف الظاهر في الغاية ، بل الظاهر منها مخالفة النهي التحريمي ، وأمّا عدم الإذن الواقع في صدر الرواية فمحمول على الكراهة وإطلاقه عليها شايع في العرف ، ألا ترى أنّه يقال : فلان غير راض بكذا فيما إذا كان كارها له ، مع أنّ عدم الرضى أعمّ بحسب اللغة من الكراهة ، وبالجملة ، فإبقاء المعصية على ظاهرها ورفع اليد عن ظهور عدم الإذن فيما هو أعمّ من الكراهة أولى من العكس ؛ لأقوائيّة ظهور الأوّل من الثاني ، فيتمّ بذلك الاستدلال بالرواية على المطلوب.

٢٥٠

«المقصد الثالث في المفاهيم»

مقدّمة : المفهوم ما يكون غير المنطوق والمدلول الأوّلي للفظ ويكون لازما للكيفيّة الخاصة الثابتة للمدلول الأوّلي ، ويجب أن يكون الدلالة عليه دلالة لفظية مستندة إلى اللفظ ليصحّ عدّ هذا المبحث من مباحث الألفاظ ، وذلك بأن يكون الانتقال إلى خصوصيّة المعنى الأوّلي موجبا للانتقال إلى المعنى الآخر عرفا لكون المعنى الآخر لازما بيّنا بالمعنى الأخصّ لتلك الخصوصيّة ، فلو انتفى هذا الانتقال في مقام لزم الحكم بعدم المفهوم فيه ، فالنزاع في ثبوت المفهوم وعدمه في الحقيقة راجع إلى أنّه هل يكون للفظ مدلول خاص يلزم من الانتقال إلى خصوصيته الانتقال إلى معنى آخر أولا؟.

«فصل»

المعروف ثبوت المفهوم للقضيّة الشرطيّة ، فقولنا : إن جاءك زيد فأكرمه ، مشتمل على كيفيّة خاصّة مستلزمة لقضيّة سالبة هي قولنا : إن لم يجئك فلا يجب إكرامه ، ومرجع هذا القول إلى دعوى الظهور الوضعي أو العرفي الثانوي أو الظهور المستند إلى مقدّمات ، مثل ظهور الأمر في الطلب التعييني بمعونة احتياج غيره إلى المئونة الزائدة ، لا مثل الظهور المستند إلى مقدّمات الحكمة في المطلقات ؛ لانفكاكه عن اللفظ في مورد عدم ثبوت تلك المقدّمات ، والمدّعى في المقام هو الظهور الغير القابل للانفكاك من اللفظ ، فلا بدّ أن يكون مستندا إلى مقدّمات غير منفكّة عنه ، نظير ما قلنا في كلمة «كلّ» من كونها قرينة على إرادة الإطلاق من مدخولها.

وليعلم أوّلا أنّه لا نزاع في الحكم الشخصي بمعنى أنّ انتفائه عند انتفاء موضوعه عقلي لا يقبل النزاع ، فإذا قيل : إذا جاء زيد فأكرمه فعند عدم تحقّق المجيء عدم تحقّق وجوب الإكرام المسبّب عن المجيء عقليّ ، وبالجملة ، فانتفاء الموضوع الشخصي موجب لانتفاء الحكم الشخصي المتعلّق بذاك الموضوع عقلا ، وانّما النزاع

٢٥١

في انتفاء سنخ الحكم المذكور في القضيّة الشرطيّة أو الوصفيّة عند انتفاء الموضوع ، كأن يكون انتفاء المجيء في قولنا : إذا جاء زيد فأكرمه أو العلم في قولنا : أكرم زيد العالم موجبا لانتفاء وجوب الإكرام رأسا ، ولو كان مسبّبا من جهة اخرى فلو احتملنا حينئذ وجوبه مستندا إلى جهة اخرى ككونه محسنا أو مسنّا أو نحوهما كان هذا الاحتمال مدفوعا بمقتضى ظاهر القضيّة.

فنقول : هنا أشياء يمكن القطع بظهور القضيّة الشرطيّة في بعضها ولا يمكن في بعض آخر ، فمجرّد المقارنة الاتّفاقيّة بين شيئين لا يرتبط أحدهما بالآخر بجهة من الجهات أصلا يمكن دعوى الجزم بعدم كونها معنى القضيّة المذكورة ولو استعملت فيها أحيانا كما لو قيل : إن أكلت في اليوم طعاما فأنت تموت في آخر عمرك إمّا في الليل أو النهار فمحمول على الهزل والمزاح.

وبالجملة ، فمجرّد المقارنة الاتفاقيّة بين مثل الثلج والباب غير محقّق لمعنى «إن» وأمثالها ، بل يمكن الترقّي من هذا والقول بعدم كفاية مجرّد التلازم أيضا ، فالمعلولان لعلّة ثالثة وإن كان بينهما ربط لكونهما متلازمين في الوجود ويصحّ استعمال القضيّة فيهما ، إلّا أنّ التلازم بهذا النحو خلاف الظاهر الأوّلي للقضيّة ، بل الظاهر الأوّلي منها هو التلازم بنحو ترتّب الثاني على الأوّل وكونه في طوله لا في عرضه ، وكذا الكلام فيما إذا كان في البين ترتّب لكن على العكس ، بأن كان الأوّل معلولا للثاني ومترتّبا عليه.

فتحصّل أنّ المستفاد من القضيّة الشرطية شيئان ، أحدهما اللزوم في قبال مجرّد المقارنة الاتفاقيّة ، والثاني ترتّب الجزاء على الشرط في قبال عدم الترتّب رأسا وترتّب الأوّل على الثاني ، كما يشهد به صحّة إتيان «الفاء» في صدر الجزاء.

وهنا دعويان اخريان :

إحداهما : دعوى العليّة التامّة المستقلّة لتالي «إن» وأمثالها بالنسبة إلى الجزاء ، وهذه الدعوى إنّما هي مثمرة لباب الأسباب بتقريب نقلناه هناك عن الشيخ الجليل المرتضى قدس‌سره وقد مرّ دفعهما هناك أيضا بأنّا لا نفهم من كلمة «إن» ونحوها إلّا مجرّد أنّه متى وجد الشرط وجد الجزاء عقيبه ، نعم لا بدّ أن لا يكونا غير مرتبطين

٢٥٢

أصلا بل يستفاد أنّ بينهما ربطا ما بنحو ترتّب الثاني على الأوّل أعمّ من العليّة الناقصة والتامّة ، وفرّعنا على هذا أنّه لو تحقّق أسباب شرعيّة متعدّدة على التعاقب أو دفعة يكفي وجود مسبّب واحد عقيبها ؛ إذ بصدق عليه أنّه مرتّب على هذا وذاك وأنّ هذا وذاك مؤثران فيه على وجه الشركة ، وليس على الزائد من هذا المقدار دليل إلّا في صورة التخلّل.

والثانية : دعوى الانحصار ، والقول بالمفهوم فيما نحن فيه مبنيّ على هذه الدعوى فقط ؛ ضرورة أنّه كما يصحّ أخذ المفهوم في صورة كون الشرط علّة تامّة منحصرة ، كذلك يصحّ في صورة كونه جزاء أخيرا للعلّة المنحصرة ، فالمهمّ في المقام إنّما هو إثبات ذلك ، وأقوى ما يدلّ عليه ـ لو كان ـ هو حكم الوجدان بتقريب أنّ من المسلّم فيما بينهم دلالة كلمة «لو» على امتناع الجزاء لأجل دلالتها على امتناع الشرط ، ولا شبهة في أنّ انتفاء الشرط إنّما يوجب انتفاء الجزاء لو كان السبب منحصرا فيه ، ضرورة أنّه لو لم يكن منحصرا فيه أمكن قيام سبب آخر مقامه ، فلا يدلّ انتفائه على امتناع الجزاء ، فدلالة هذه الكلمة على امتناع الجزاء لو سلّمنا كما يتوقّف على دلالتها على امتناع الشرط كذلك يتوقّف على دلالة اخرى لها على انحصار السبب فيه ، ثمّ بعد ذلك نقول : لا فرق بين هذه الكلمة وبين كلمتي «إن» و «إذا» إلّا في مجرد دلالة الاولى على امتناع وقوع الشرط ، والثانية على احتمال وقوعه وعدم وقوعه ، والثالثة على تحقّق وقوعه ، وفي غير هذه الجهة لا فرق بينها حتى في الدلالة على الانحصار بحكم الوجدان ، ولكن لم يحصل لنا الجزم بذلك إلى الآن في غير كلمة «لو».

وبعبارة اخرى : إنّا نفهم من قول القائل : إذا جاء زيد فأكرمه ، أنّ السبب الموجب للإكرام غير موجود في نفس زيد ، وأنّه أمر خارجيّ ، وأنّ وجود المجيء سبب له ، وأمّا أنّه لو لم يتحقّق المجيء وتحقّق شيء آخر احتملنا كونه سببا لوجوب إكرامه أيضا ، فهذه القضيّة متعرّضة لنفي هذا الاحتمال ، فلم يحصل الجزم به إلى الآن.

ثمّ إنّه ربّما يستدل للانحصار بوجوه آخر ضعيفة.

٢٥٣

منها : أنّه لا شكّ في دلالة أداة الشرط على اللزوم كما مرّ وله أنحاء أكملها اللزوم الثابت بين العلّة المنحصرة ومعلولها ، والمطلق منصرف إلى الفرد الأكمل عند الإطلاق.

وفيه أوّلا : أنّ مجرّد عدم وجود الشريك في التأثير لا يوجب أكمليّة المؤثّر ، مثلا لو فرض كون شخص واجدا لمرتبة خاصّة من صناعة فلا يعقل حدوث تفاوت في حاله بوجود الشريك له في تلك المرتبة وعدمه ، فلا يحدث بالأوّل نقصان لهذا الشخص ولا بالثاني كمال له ، نعم عدم الشريك موجب للكمال فيما إذا كان وجوده موجبا للنقص كما في الشركة في مالكيّة الدار ، ومن الواضح أنّ ما نحن فيه ليس من هذا القبيل.

وثانيا أنّ الأكمليّة على فرض تسليمها لا يوجب الانصراف وإنّما المنشأ للانصراف هو الانس الذهني للفظ بالمعنى الناشئ من شيوع الاستعمال أو المناسبة ؛ ولهذا لا ينصرف لفظ الإنسان إلى أكمل أفراده.

فإن قلت : سلّمنا منع الانصراف لنفس اللفظ ، ولكن يمكن بضمّ مقدّمات الحكمة حمل مطلق التعليق واللزوم المستفاد من الأداة على خصوص التعليق على العلّة المنحصرة كما يحمل مطلق الوجوب على الوجوب النفسي بضمّها.

قلت : ربّما يجاب عن هذا بأنّ التمسّك بتلك المقدّمات فرع إمكان جريانها وليس بممكن ، لكونه منافيا لكون التعليق معنى الحرف ، وفيه أنّ هذا إنّما يتمّ على القول بجزئيّة معنى الحرف ؛ إذ الأخذ بتلك المقدّمات إنّما يصحّ فيما إذا كان في البين جامع حتى يحكم بتعيينه في فرد خاص بضمّها ، وأمّا الجزئي الحقيقي فليس إلّا نفسه ، وأمّا على القول بكونه كلّيا كما هو مذاق هذا القائل فحاله حال سائر الكليّات ، فكما يمكن في سائر الكليّات تعيينها في فرد خاص بمقتضى الانصراف أو بضمّ تلك المقدّمات فكذا فيه بلا فرق ، ومسألة عدم استقلال معنى الحرف باللحاظ غير مضرّة ، وبيانه أنّه لا إشكال في احتياج الواضع في وضع الحرف إلى ملاحظة الإجمال المنتزع من المعنى الذي هو حالة للغير ، مثلا في وضع «من» يحتاج إلى

٢٥٤

ملاحظة الابتداء الملحوظ حالة للغير وهذا الإجمال يحمل عليه بالحمل الشائع الصناعي أنّه مستقلّ باللحاظ ومعنى اسميّ ، وبالحمل الذاتي أنّه غير مستقلّ فيه ومعنى حرفي ، وهو إجمال وعنوان تفصيله ومعنونه نفس المعنى الحرفي ، والوضع إنّما يكون بإزاء واقعه ونفس معنونه.

فنقول : حال المستعمل في ذلك حال الواضع بعينه ؛ ضرورة أنّ مستعمل الحرف يلتفت إلى أنّه يستعمله في ما ذا ، والفرض أنّ الالتفات التفصيلى يخرج المعنى عن كونه حرفيا ، فلا بدّ أن يتعلّق لحاظه والتفاته إلى عين ما تعلّق به لحاظ الواضع وهو المعنى الاسمي الذي هو عنوان للمعنى الحرفي ، لا بمعنى أنّه يحتاج في مقام الاستعمال إلى لحاظين : لحاظ العنوان ولحاظ المعنون ، بل يكفي لحاظ العنوان وحده ، ويصير الحرف مستعملا في نفس المعنون قهرا ، فلو كان لهذا المعنى الاسمي الملحوظ منصرف إليه أو أمكن تعيينه في فرد خاص بضميمة المقدّمات يسري ذلك إلى معنى الحرف قهرا.

ولهذا يرى أنّه مع صحّة استعمال كلمة «في» في ربط اللباس باللابس كما يقال : الصلاة في لباس كذا حكمه كذا ، وصحّة استعمالها في ربط المحمول بالحامل كما يقال : الصلاة في محمول كذا حكمه كذا ، لو قيل : الصلاة في الشيء النجس باطلة ، يحمل على اللباس دون المحمول ؛ لتحقّق الظرفيّة على وجه الحقيقة في الأوّل دون الثاني ، هذا مع أنّ كلام المجيب منقوض بما اعترف هو به من حمل معنى هيئة الأمر ـ وهو الوجوب المطلق ـ على الوجوب النفسي بمقدّمات الحكمة مع كونه معنى حرفيّا.

فالحقّ في الجواب أن يقال : إنّ فائدة تلك المقدّمات تعيين المطلق في الفرد الأخفّ مئونة ، مثلا الوجوب التعييني يتحقّق بمجرّد جعل الوجوب متعلّقا بموضوع وإبقائه بحاله من دون ضمّ عدل إلى هذا الموضوع ، بخلاف التخييري فإنّه يحتاج مع ذلك إلى ضمّ العدل ، فلو قال : أكرم زيدا وسكت عن قوله : أو عمروا ـ مثلا ـ يستكشف من عدم ذكر هذا مع كونه بصدد البيان أنّ مراده جعل الوجوب على نحو التعيين دون التخيير ؛ إذ لو لم يرد أحد النحوين لأراد المهملة وهو خلف ؛ إذ المفروض كونه في مقام البيان ، ولو أراد التخييري لذكر العدل ، والمفروض عدم

٢٥٥

ذكره ، فتعيّن أن يكون المراد هو التعييني.

وكذا الوجوب النفسي يتحقّق بمجرّد تصوّر نفس الموضوع مع إيجابه ، ولا يحتاج إلى أزيد من ذاك ، بخلاف الغيري فإنّه يحتاج إلى ثلاثة تصورات : تصوّر نفس الموضوع ، وتصوّر إيجابه ، وتصوّر وجوب آخر ، فلو قال : انصب السلّم يستكشف بمقدّمات الحكمة أنّه لم يوجد في نفس القائل سوى التصوّران الأوّلان ؛ إذ لو وجد التصوّر الأخير أيضا لقيّد بقوله : للكون على السطح.

وأمّا ما في الكفاية من تقرير أخفيّة مئونة النفسي من الغيري بأنّ النفسي واجب على كلّ حال والغيري واجب على تقدير دون تقدير ، ففي غير محلّه ؛ إذ الغيري أيضا واجب على كلّ حال ، هذا.

بل وكذا حال الوجوب بالنسبة إلى الندب ، فيمكن أن يقال بأنّ هيئة الأمر عند القائل بوضعها لمطلق الطلب محمولة على الوجوب بمقدّمات الحكمة ؛ فإنّ الوجوب وإن كان أشدّ مئونة على الفاعل من الندب إلّا أنّه أخفّ مئونة منه في إنشاء المنشئ ، بمعنى أنّ الإرادة المتوجّهة نحو الفعل بنفسها مقتضية للإيجاد وطاردة للعدم ، فبمجرّد إنشاء الإرادة نحو الفعل يتحقّق الوجوب من دون حاجة إلى ضمّ إنشاء آخر ، بخلاف الندب ، فإنّه يحتاج إلى إنشاء الإذن في الترك في جنب الإرادة التشريعيّة.

ومن هنا انقدح أنّ الفرق بينهما ليس بالشدّة والضعف ؛ ولهذا لا يتّصف بهما الإرادة الفاعليّة ؛ إذ لا يعقل أن يرى الفاعل نفسه مخيّرا بين الفعل والترك ومع ذلك كان واجدا للإرادة ، وما نحن فيه ليس من هذا القبيل ، بمعنى أنّ تعليق حكم على موضوع وتأثير موضوع في حكم لا يتفاوت حاله بوجود سبب آخر لهذا الحكم وعدمه ، ولا يصير أخفّ مئونة في الصورة الثانية منه في الصورة الاولى ، بل حاله في الصورتين على السواء ، فهو في كليهما محتاج إلى القرينة ، فقياس ما نحن فيه وهو نفس التعليق واللزوم المستفاد من الأداة على ما ذكر من الوجوب النفسي قياس مع الفارق.

ومنها : التمسّك بإطلاق التعليق على شيء خاص ، لا بإطلاق نفس التعليق ،

٢٥٦

بتقريب أنّ قول القائل : إن جاءك زيد فأكرمه ، معناه أنّ وجوب الإكرام معلّق على المجيء ومسبّب عنه مطلقا سواء سبقه شيء أو قارنه أم لا ، وهذا الإطلاق ملازم للحصر ؛ إذ لو كان في البين سبب آخر وسبق المجيء لم يستند وجوب الإكرام إلى المجيء ، أو قارنه لم يستند إلّا إلى المجموع.

وجوابه مضافا إلى احتياجه كسابقه ولا حقه إلى مقدّمات الحكمة ـ وهي غير جارية على وجه الكليّة ـ أنّ التمسّك بهذا الإطلاق غير منتج ؛ إذ لنا أن نأخذ به مع عدم كونه ملازما للحصر ومنافيا للتعدّد ؛ إذ لو قلنا بتعدّد المسبّبات عند تعدّد الأسباب فكلّ سبب يقتضي مسبّبا مستقلا من دون أن يرتبط مسبّب هذا بذاك ولا مسبّب ذاك بهذا ، فيكون الإطلاق صحيحا على أىّ حال.

وأمّا لو قلنا بوحدة المسبّب وعدم قبوله للتكرار فكذلك على القول بكون المسبّب هو الوجوب ؛ إذ كلّ سبب يقتضي وجوبا مستقلا ، غاية الأمر صيرورة الوجوبات وجوبا واحدا متأكّدا ، وعلى القول بكونه هو الوجود أيضا يبتنى صحّة التمسّك بالإطلاق المذكور على القول بظهور القضية الشرطيّة في السببيّة المستقلّة ؛ إذ على هذا ينتفي وصف الاستقلال عند سبق سبب آخر أو مقارنته.

وأمّا على ما اخترناه من عدم ظهور القضيّة في ذلك فلا ؛ لإمكان حفظ الإطلاق على كلّ حال أيضا ، وذلك لثبوت أصل السببيّة في صورتي السبق والمقارنة ، غاية الأمر كونها على نحو الشركة.

فتحصّل أنّ التمسّك بهذا الإطلاق لإثبات الحصر مبنيّ على ثلاث مقدّمات كلّها قابلة للمنع : كون المسبّب غير قابل للتكرار ، وكونه هو الوجود ، وكون الظاهر من القضيّة الشرطيّة هو السببيّة المستقلّة.

ومنها : التمسّك بإطلاق نفس الشرط بتقريب أنّه لو لم يكن السبب منحصرا بل كان أحد الأمرين احتاج إلى ذكر العدل ، بخلاف ما إذا كان منحصرا ، فإنّه لا يحتاج إلى سوى ذكر السبب الواحد ، فإذا قال : إن جاءك زيد فأكرمه ولم يقل : أو أحسن إليك عقيب قوله : إن جاءك مثلا مع كونه بصدد البيان ، كان هذا دليلا

٢٥٧

على الانحصار والتعيّن ، كما يحمل الوجوب على التعييني بقرينة عدم ذكر العدل.

وفيه أنّ الغالب في القضيّة الشرطيّة كون وجه الكلام إلى أنّ حكما كذا مرتّب على موضوع كذا ، فيؤخذ بمقام البيان في هذه الجهة بلا إشكال ، ففي قوله : إن جاء زيد فأكرمه يصحّ دفع احتمال أنّ الواجب إكرام خاص أو الدخيل مجيئي خاص بمقدّمات الحكمة ، وأمّا كيفيّة الشرطيّة وأنّها يكون على وجه الانحصار والتعيّن أولا ، فليس المتكلّم بهذه القضيّة بصدد بيانها غالبا.

نعم لو كان في مقام بصدد تعداد شروط وجوب الإكرام وقال في هذا المقام : إن جاءك زيد فأكرمه يؤخذ بمقدّمات الحكمة لإثبات التعيّن والوحدة ، وليس هذا مختصّا بالقضيّة المذكورة ، بل هو جار في كلّ قضيّة ، مثلا لو كان في مقام تعداد القائم أو الواجب الإكرام في العالم وقال في هذا المقام : زيد هو القائم أو الواجب الإكرام كان الأخذ بمقدّمات الإطلاق مقتضيا لانحصار الوصفين في زيد ، وهذا بخلاف إنشاء الوجوب ؛ فإنّ المتكلّم فيه يكون بصدد جعل الإيجاب وفي مقام إنشائه ، والمفروض أنّ جعله ممكن على نحوين مع العدل وبدونه ، فالأخذ بالمقدّمات المذكورة لإثبات الثاني بلا مانع.

ومن هنا يظهر أنّه لو أثبت الشرطيّة لشيء بأداة الشرط وعطف عليه شيئا آخر بكلمة «أو» فلعلّ القول بظهور القضيّة حينئذ في انحصار السبب في هذين الشيئين كان أقرب من القول بظهورها في الانحصار في السبب الواحد في صورة عدم العطف ، ووجهه أنّ المتكلّم في الصورة الاولى قد تعرّض لبيان كميّة الشرط.

وقال في الكفاية ما حاصله أنّه لو فرضنا كون المتكلّم بصدد بيان كيفيّة الشرطيّة أيضا لا يفيد التمسّك بهذا الإطلاق لإثبات الانحصار ، وذلك لأنّ الوحدة والتعدّد خارجان عن كيفيّات الشرطيّة ؛ ضرورة أنّ الشرط واحدا كان أم متعدّدا فكيفيّة شرطيّته واحدة لا تتفاوت ، كما أنّ وجود زيد لا يتفاوت نحوه وكيفيّته بوجود عمرو في العالم وعدمه ، وهذا بخلاف الوجوب فإنّ نحوه يتفاوت بوجود العدل وعدمه.

ولكن لا إشكال في أنّ وجود سبب آخر يصير منشئا لانتزاع وصف لهذا

٢٥٨

الشرط ، وعدمه يصير منشئا لانتزاع وصف آخر له وهو كونه مع الغير على الأوّل ووحده على الثاني ، فهذان وإن لم يكونا من الكيفيّات الخارجيّة لكن يكونان من الأوصاف والحالات الاعتباريّة.

ثمّ إنّه استدلّ المنكرون للمفهوم بوجوه ،

منها : ما عزّي إلى السيّد قدس‌سره ممّا حاصله أنّ المستفاد من الأداة ليس إلّا شرطيّة التالي والشرطيّة غير ملازمة لعدم البدل والقائم مقامه ؛ إذ الشرائط التي لها بدل لا تعدّ ولا تحصى ، مثلا شهادة العدلين شرط للقبول ، وقيام امرأتين يقوم مقام العدل الواحد ، وكذا اليمين وأربع نساء يقوم مقام العدلين وهكذا.

والجواب أنّ المقدّمة الاولى غير مفروغ عنها وذلك لأنّ مدّعي المفهوم لا يستند إلى ملازمة الشرطيّة لعدم البدل حتّى يرد عليه ما ذكر ، بل إلى ظهور القضيّة في الانحصار كما عرفت ، فالأولى منع هذا الظهور ومطالبة مدّعيه بإقامة البرهان.

ومنها : الاستدلال بآية (لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) ؛ إذ لازم القول بالمفهوم عدم حرمة الإكراه في صورة عدم إرادة التعفّف.

والجواب أنّ محلّ الكلام في القضيّة الشرطيّة هو ما إذا كان للقضيّة موضوع ومحمول وشرط ، وكان الموضوع ثابتا في صورتي وجود الشرط وعدمه ولم يكن لوجود الشرط وعدمه دخل في وجود الموضوع ، بل كان وجوده محفوظا في كلتا الحالتين ، ففي قولك : إن جاء زيد فأكرمه ، الموضوع زيد ، والمحمول وجوب الإكرام ، والشرط هو المجيء ، فالقائل بالمفهوم يقول بأنّ الحكم المحمول على زيد في صورة وجود المجيء وجوب الإكرام وفي صورة عدمه عدم وجوبه.

وأمّا ما إذا كان الشرط محقّقا لوجود الموضوع بحيث لزم من انتفائه انتفاء الموضوع فعدم الحكم حينئذ عند عدمه ليس من باب المفهوم ، بل لأجل ارتفاع الموضوع ، وقد عرفت أنّ ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه عقلي خارج عن محلّ الكلام ، فلو قال : إن رزقت ولدا فاختنه أو إن ركب الأمير فخذ ركابه ، فعدم وجوب الختان وأخذ الركاب عند عدم الشرط إنّما هو لأجل انتفاء الموضوع وهو

٢٥٩

الولد في الأوّل والركاب في الثاني ، والآية الشريفة من هذا القبيل ، إذ في صورة عدم إرادتهن التحفّظ والتعفّف لا يبقى موضوع للإكراه ، فعدم حرمة الإكراه حينئذ سالبة بانتفاء الموضوع، فيصحّ أن يقال : إنّ الإكراه في هذه الصورة ليس بحرام وتجب الممانعة.

بقي هاهنا امور :

الأوّل : أنّ من المسلّم فيما بين القائلين بالمفهوم في القضيّة الشرطيّة لزوم ثبوت الاتّفاق بين القضيّة المنطوقيّة والمفهوميّة في جميع الجهات وعدم الاختلاف بينهما إلّا في جهة السلب والإيجاب ، فلهذا ربّما توهّم أنّ القضايا الإنشائيّة التي يرتّب فيها حكم جزئي على موضوع كما في قولك : إن جاء زيد فأكرمه حيث إنّ الجزاء هو الوجوب الجزئي الحاصل بالإنشاء الخاص ، فإنّ المعاني الإنشائيّة حرفيّة ، فتكون جزئيات لا بدّ أن يكون المنفي في مفهومها هو هذا الحكم الجزئي بجزئيّته لا بسنخه للأصل المزبور ، وهو لا ينافي ثبوت جزئي آخر من هذا السنخ بأن يكون الزيد عند عدم مجيئه واجب الإكرام بوجوب آخر غير الوجوب المنشأ على تقدير المجيء ، وهذا بخلاف القضايا الإخباريّة الّتي يرتّب فيها الحكم الكلّي على الموضوع كما في قولك : إن جاء زيد يجيء عمرو حيث إنّ الجزاء هو كلّى المجيء ، فالمفهوم في هذه القضايا يفيد نفي كلّي الحكم وسنخه

وجوابه أوّلا بالنقص ، وبيانه أنّ المعلّق على الشرط في القضايا الإخباريّة لو كان هو نفس المخبريّة ، مثلا في قولنا : إن جاء زيد يجيء عمرو كان المعلّق على مجيء زيد نفس مجيء عمرو ، يلزم أن يكون المتكلّم قد أخبر بوقوع أمر معلّق ، وكذب هذا القسم من الإخبار كما يصدق بعدم حصول المعلّق فكذا بعدم حصول المعلّق عليه ، فيلزم أن يكون المتكلّم في المثال كاذبا عند عدم مجيء زيد ، ومن المعلوم خلافه ، فلا بدّ أن يكون المعلّق على الشرط في هذه القضايا هو نفس الإخبار بأن يكون المتكلّم بعد فرض حصول الشرط وتحقّقه قد أخبر بوقوع أمر ، وكذب هذا الإخبار

٢٦٠