أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

محلّ النزاع هناك صورة ثبوت المندوحة في طرف الأمر وكون مورده أعمّ من مورد النهي ، فيكون الفرد المجمع للعنوانين واجبا تخييريّا وحراما تعيينيّا من أنّه لا بدّ من ملاحظة أقوى الجهتين الداعيتين إلى الأمر والنهي وهما المصلحة والمفسدة وأهمها في نظر الشارع ، فاسد.

ووجه الفساد أنّه لا شكّ أنّ محلّ الكلام في ذلك الباب ليس هو ما إذا حصل الكسر والانكسار بين الجهتين بحسب مقام اللبّ بحيث اضمحلّت إحداهما في جنب الاخرى وبقيت المصلحة الخالصة أو المفسدة الخالصة ؛ ضرورة أنّ تقييد مورد النهي على الأوّل ومورد الأمر على الثاني إنّما يكون من قبل الآمر والشارع حينئذ ، بل محلّ الكلام ما إذا كان الجهتان موجودتين معا بأن يكون الفعل الواحد ذا مصلحة ومفسدة فعليتين من دون تزاحم بينهما أصلا ، كأن يكون نافعا للصفراء ومورثا للصداع ويكون التحيّر في مقام الإرادة والطلب فقط ، ويكون النزاع حينئذ صغرويّا ، فالقائل بالجواز يقول كما أنّ في مرحلة المصلحة والمفسدة لا اجتماع في البين ، لاختصاص كلّ منهما بمحلّ ، فكذلك في مرحلة الإرادة أيضا لا اجتماع حتّى يكون محالا ، والقائل بالامتناع يقول بأنّه وإن لم يكن في المرحلة الاولى تزاحم في البين ، لكن التزاحم ثابت في المرحلة الثانية لوحدة المحلّ بالنسبة إليها.

إذا عرفت ذلك فنقول : لا شكّ أنّ المفسدة المفروض وجودها فعلا مقتضية لتعلّق الإرادة بترك الفرد وحينئذ فالإرادة المنبعثة عن المصلحة لا يتعلّق بهذا الفرد قهرا ؛ لإمكان استيفاء المصلحة في غيره بالفرض وإن كان المصلحة أقوى من المفسدة بأضعاف كثيرة بحيث لو لم يمكن استيفاء المصلحة في غير هذا الفرد لاختار الآمر الفعل ، وهذا واضح في الغاية. فالصلاة في الدار المغصوبة بناء على عدم جواز اجتماع الأمر والنهي يجب الحكم بكونها محرّمة ، وتقييد مورد الصلاة بغير هذا الفرد وإن كانت الصلاة أهمّ من الغصب بمراتب.

ولو كان الواجب تخييريّا وكذلك الحرام فهل يمكن اجتماعهما في محلّ واحد بناء على عدم جواز اجتماعهما في غير هذا المورد أم لا؟ مثاله لو كان صبّ الماء على الوجه

١٢١

مقدورا وهكذا أخذه على تقدير الصبّ بحيث لا يقع في المحلّ المغصوب ، فهل يمكن أن يكون هذا الصبّ تركه واجبا بدلا ، لكونه ممّا يترتّب عليه ترك الحرام ، وكذلك فعله لكونه أحد أفراد غسل الوجه في الوضوء أم لا؟

قد يقال بالعدم ؛ لأنّ كون الشيء طرفا للوجوب التخييرى يقتضي أن يكون تركه مع ترك باقي الأفراد مبغوضا للمولى ، وكونه طرفا للحرمة التخييريّة يقتضي أن يكون الترك المفروض مطلوبا له ، والذي يقوي في النفس أن يقال : إنّ فعل ذلك الشيء المفروض على تقدير قصد ترك أحد الأطراف الذي هو بدل له في الحرمة لا مانع من تحقّق العبادة به ؛ لأنّه على هذا التقدير ليس قبيحا عقلا ، بل على تقدير عدم قصد التوصّل به إلى المحرّم.

نعم على غير هذين التقديرين وهو ما إذا كان الآتي بذلك الفعل قاصدا إلى إيجاد فعل الحرام فلا يمكن أن يكون ذلك الفعل عبادة ، فحينئذ نقول في المثال : إنّ صابّ الماء على الوجه إن لم يقصد به إيجاد فعل الغصب فلا مانع من صحّة وضوئه ، وإلّا فالحكم بالبطلان متّجه ، وستطّلع على زيادة توضيح لأمثال هذا المقام في مسألة اجتماع الأمر والنهي إن شاء الله تعالى ، وتمام الكلام في هذا المقام في ضمن امور :

الأوّل

الواجب تارة يلاحظ فيه إضافته إلى الفاعل ، واخرى لم يلحظ فيه ذلك بأن يكون الغرض متعلّقا بمجرّد وجوده وإن لم يستند إلى مكلّف أصلا كما في بعض التوصليّات كتطهير البدن والثوب للصلاة.

وعلى الأوّل قد يعتبر المباشرة ، وقد يكون المقصود اعمّ منها ومن التسبيب ، وكذا قد يعتبر الإيجاد ببدنه وإن كان بإيجاد السبب ، وقد يكون الغرض أعمّ منه ومن الإيجاد بنائبه ، وكذا قد يعتبر أن يكون الإيجاد بالاختيار والقصد وإن كان بنائبه وبإيجاد السبب ، وقد يكون المراد أعمّ منه ومن الإيجاد بدون التفات أصلا وعن غفلة.

ثمّ الإيجاد بالاختيار قد يحصل بأن يكون الداعي له هو هذا العنوان ، كما لو شرب

١٢٢

الخمر بداعي نفس هذا العنوان ، وقد يكون بمجرّد الالتفات إلى نفس العنوان مع كون الداعي له عنوانا آخر ، كما لو شرب الخمر مع العلم بكونه خمرا بداعي رفع العطش لا شرب الخمر ، فيمكن أن يكون المقصود خصوص القسم الأوّل من هذين القسمين وأن يكون هو الأعمّ منه ومن الثاني.

فالمقصود في هذا المقام هو البحث عن أنّ الأمر هل يكون له ظهور في تشخيص هذه الوجوه أولا ظهور له مطلقا أو يفصّل ، ثمّ على تقدير عدم الظهور فالأصل العملي الذي هو المرجع حينئذ ما ذا؟

فنقول وبالله الاستعانة : القيد على قسمين ، الأوّل : ما يحتاج إليه الطلب ولا يصحّ بدونه ، والثاني غيره ، وكلّ منهما إمّا مذكور في الكلام وإمّا غير مذكور ، والقسم الأوّل أعني ما يتوقّف عليه حسن الطلب إمّا أن يكون دخيلا في المطلوب والغرض الأصلي أيضا وإمّا لا ، فإن لم يكن مذكورا في القضيّة فالظاهر عدم دخل له في الغرض ، ويعبّر عن ذلك بإطلاق المادّة ، ولذا لمّا كان دليل وجوب الصلاة مطلقا يحكم بمطلوبيّتها في حقّ النائم مع عدم قدرته على الصلاة ، ومن هنا يجب عليه القضاء مع كونه تابعا للفوت الغير الصادق إلّا مع ثبوت المقتضي في حقّه.

والدليل على ذلك أنّ المولى لمّا صار بصدد بيان محبوبه وغرضه ، فكلّما كان له دخل في غرضه دلّ عليه ، فما لم يدّل عليه يستكشف عدم دخل له في هذا المقام وإن كان له دخل في تعلّق الطلب ، وعلى هذا فلو قال انقذ الغريق من دون التقييد بالقدرة يلزم الحكم بشمول المحبوبيّة لجميع الأفراد حتّى فيما لو اجتمع غريقان ولم يتمكّن المكلّف إلّا من إنقاذ أحدهما ، وأمّا لو كان هذا القيد مذكورا في الكلام كما لو قال : اضرب زيدا إن قدرت عليه ، فلا يمكن الحكم بتقييد المادّة ولا بإطلاقها ، بل يحكم بإجمالها ، وذلك لعدم العلم بأنّ ذكر القيد يكون لأجل مدخليّة له في المطلوب أو لتوقّف الطلب عليه ، فالمانع عن الأخذ بأصالة الإطلاق في طرف المادّة موجود ؛ إذ من موانع الأخذ بأصالة الإطلاق وجود ما يصلح للقيديّة في الكلام ، كما أنّ من موانع الأخذ بأصالة الحقيقة وجود ما يصلح للقرينيّة فيه ، فيعمل بمقتضى الاصول.

١٢٣

وأمّا القسم الثاني وهو ما لا يتوقّف حسن الطلب وصحّته عليه كوصف الإيمان في الرقبة المأمور بعتقها ، فإن لم يكن مذكورا في الكلام فلا شكّ أنّه لا وجه حينئذ للتقييد بل يحكم بالإطلاق لو وجدت هناك شرائط الأخذ بالإطلاق ، وإلّا فبمقتضى الاصول ، كما لا إشكال في أنّه متى كان مذكورا كان الظاهر هو التقييد ما لم يستظهر إلغاء القيد من الخارج.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لو شكّ في أنّ الشارع لاحظ إضافة الفعل المأمور به إلى المكلّف بحيث لو صدر عن غيره ولو بتسبيب منه لم يحصل الغرض ، أو أنّه لم يلحظ ذلك ، بل الغرض متعلّق بالأعمّ من المباشرة والتسبيب؟ فظاهر صيغة الأمر طلب وقوع الفعل من المخاطب على وجه ينسب إليه ، ولا ينسب إليه العمل إلّا إذا كان مباشرا له ، وأمّا إذا كان سببا فنسبته إليه مجاز.

لكن لو أمكن دعوى أنّ المعلوم من حال الشارع في غالب خطاباته التوصّلية توسعة الغرض وتعلّقه بالأعمّ فيحكم بذلك في مورد الشكّ إلحاقا له بالأعم الأغلب ، أو لم يمكن دعوى ذلك في الشرعيّات وأمكن دعواه في العرفيّات فيحكم بذلك في مورد الشكّ أيضا ؛ إذ الخطابات الشرعيّة منزّلة على طبق فهم العرف ما لم يعلم تخطئته من الشرع فلا كلام.

وأمّا إن لم يمكن شيء من هاتين الدعويين فحيث إنّ القيد المشكوك هنا وهو المباشرة من القيود التي لا يتوقّف حسن التكليف عليها ، كما هو واضح ، وعرفت أنّها لو كانت مذكورة في الكلام فالظاهر تقييد المادّة بها ، فالحكم هنا هو التقييد ؛ إذ ظاهر اللفظ يعطي اختصاص المطلوبيّة بصورة المباشرة كما عرفت ، فلو كان الغرض أعمّ لكان الواجب الإتيان بعبارة مؤدّاها أعمّ.

ولو شكّ في اعتبار قيد الاختيار بمعنى لزوم وقوع الفعل من الفاعل بالتفاته وشعوره وعدم كفاية صدوره عنه لا كذلك كما في حال النوم ، أو شكّ بعد الفراغ عن اعتبار هذا القيد في اعتبار قصد العنوان وعدمه ، فملخّص الكلام في هذين الشكّين أنّه لا إشكال في عدم معقوليّة تعلّق الطلب بخصوص ما يصدر عن المكلّف بغير

١٢٤

التفاته ، وكذا لا إشكال في عدم معقوليّة تعلّقه بخصوص ما يصدر عنه بالتفاته لكن لا بقصد عنوانه ، بل بقصد عنوان آخر.

أمّا الأوّل فواضح ،

وأمّا الثاني فلأنّ شأن الأمر الداعويّة إلى المتعلّق ، والمتعلّق هنا ضرب زيد مثلا ، ولا يعقل أنّ الأمر صار داعيا ومحرّكا إلى ضرب زيد ، ومع ذلك لم يكن الضرب بعنوانه مقصودا.

إذا عرفت ذلك فبناء على عدم إمكان تعلّق الطلب بالجامع ولزوم تعديته إلى الأفراد نقول : الجامع بين الفرد الغير الاختياري والفرد الاختياري الغير المقصود عنوانه والفرد الاختياري المقصود عنوانه هو ضرب زيد مثلا ، فالطلب لا بدّ وأن يسري منه إلى تلك الأفراد ، وعرفت أنّ فردين منها غير قابلين لتعلّق الطلب ، فينحصر متعلّق الطلب في فرد واحد وهو الاختياري المقصود عنوانه ، فيكون الاختياريّة وقصد العنوان على هذا من القيود التي يتوقّف حسن التكليف عليها ، فما دامت القضيّة اللفظيّة خاليه عن ذكرهما كما في قوله : اضرب زيدا ، يحكم بإطلاق المادّة بالنسبة إليهما على ما مرّ في الضابط ، فيكون الفردان الآخران مسقطين للأمر وإن لم يكونا متعلّقين له.

وأمّا بناء على صحّة تعلّق الطلب بالجامع بلحاظ صرف الوجود وعدم تعديته إلى الأفراد وإن كان متّحدا معها فنقول : للجامع هنا فرد مقدور وهو ما يصدر بالتفات ، وفرد غير مقدور وهو ما يصدر بغيره وبمجرّد كون فرد واحد منه مقدورا يصحّ توجّه الطلب إليه ؛ إذ القدرة على الفرد الواحد قدرة على أصل الطبيعة ، وعلى هذا فميزان صحّة الطلب مقدوريّة أصل الطبيعة الحاصلة بمقدوريّة فرد واحد منها ، بخلاف المبنى السابق ؛ فإنّ الميزان هناك هو الاختياريّة وقصد العنوان الملحوظان بالنسبة إلى الفرد ، فهنا لو لم يكن القدرة على أصل الطبيعة مذكورة حكم بإطلاق المادّة وإلّا بإجمالها ، وأمّا الاختياريّة وقصد العنوان فعلى هذا من القيود التي لا يتوقّف حسن الطلب عليها ، فإذا ذكرا حكم بتقييد المادّة ، وإذا لم يذكرا حكم

١٢٥

بإطلاقها مع وجود الشرائط ، وإلّا فالمرجع الاصول.

وأمّا الشكّ في اعتبار المباشرة بالبدن فلا تكفي النيابة وعدمه فالكلام فيه في مقامين:

الأوّل : في تصوير النيابة وإمكانها عقلا في العبادات

والثاني : بعد الفراغ عن إمكانها في الاصول اللفظيّة أو العلميّة الجارية عند الشكّ في إجزائها.

أمّا المقام الأوّل

فنقول : لا إشكال في أنّ وصف المقربيّة من أعظم أركان العبادة فلا يسقط الأمر العبادي بدونه ، وحينئذ فكيف يعقل قبولها للنيابة وبأن يصير سعي النائب مقرّبا للمنوب فيما إذا فرض عدم حصول إعمال اختيار من المنوب أصلا حتّى مثل الاستدعاء للنيابة والاستيجار عليها ، بل وعدم حصول اطلاع له على أصل النيابة ، كما لو فرض كون شخص متبرّعا من جانبه وهو غير مطّلع.

وبالجملة ، فالقرب لا بدّ وأن يكون ناشئا من كمال في نفس العبد وهو في الفرض المذكور معدوم ، ومجرّد التنزيل لو كان مؤثّرا في القرب لكان مؤثّرا في التعبّد أيضا ؛ لوضوح عدم تفاوت بينهما مع أنّه غير مؤثّر في الثاني قطعا ، فلو فرض أنّ أحدا عمل عملا سيّئا ونزّل نفسه منزلة غيره لا يرجع تبعته إلّا إلى نفسه.

وهنا إشكال آخر وهو أنّ الأمر المتوجّه إلى المنوب كيف يمكن أن يصير داعيا للنائب؟

وفيه أنّه يمكن أن يكون الأمر متوجّها إلى شخص المنوب ، ومع ذلك كان الغرض متعلّقا بذات الفعل سواء صدر منه أم من غيره ، وكان وجه تخصيص المنوب بالأمر عدم إمكان توجيهه إلى غيره ، مثال ذلك أنّ من كان غرضه اشتراء اللحم وكان له خادم فهو مع كون مطلوبه ذات شراء اللحم من أيّ شخص صدر لا يأمر به إلّا خادمه ؛ إذ لا حقّ له على غير الخادم حتّى يأمره ، فعدم أمر غير الخادم لأجل

١٢٦

قبحه لا لأخصّية الغرض ، وحينئذ فلو كان للخادم صديق فيمكن أن يدعو الأمر المتوجّه إلى الخادم ذلك الصديق إلى الشراء لأجل أن يحصل بسبب ذلك غرض المولى فيسقط أمره فيستخلص بسبب ذلك الخادم من تبعات الأمر.

لكن هذا الجواب إنّما يجري في التوصليّات ، وأمّا في التعبديّات فبعد ما عرفته في الإشكال الأوّل من أنّ القرب لا يحصل لأحد بفعل غيره لا يمكن داعويّة الأمر للغير أيضا ؛ إذ بعد ما يعلم الغير أنّ فعله لا ينفع بحال المنوب ولا يخلصه من تبعات الأمر لعدم حصول القرب له بسببه فلا ينبعث إلى العمل لا محالة ، وعلى هذا فالإشكال الثاني متفرّع على الأوّل وجوابه جوابه.

وكيف كان فللفحول أجوبة عن الإشكال الأوّل لا يسمن ولا يغني شيء منها من جوع.

الأوّل : أنّ العمل وإن كان للنائب لكنّ المنوب راض به ومتشكّر منه ، فالقرب والثواب بواسطة هذا الرضى والتشكّر ؛ إذ الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم.

وفيه أنّه مستلزم للدور ؛ لأنّ رضى المنوب وحبّه لعمل النائب متوقّف على كونه موجبا لقربه ؛ إذ لا يعقل رضى الإنسان وحبّه لعمل الغير مع عدم عود نفع منه إليه ؛ فإنّ الحبّ والبغض من الصفات التي لا يمكن إيجادها لمصلحة في نفسها كالعلم ، بل لا بدّ وأن يكونا منبعثين من المصلحة والمفسدة في متعلّقهما وقد فرض أنّ حصول القرب للمنوب متوقّف على رضاه بفعل النائب وحبّه له.

الثاني : أنّه ليس المراد بالقرب حصول الشأن العظيم والجاه الرفيع عند المولى للعبد بواسطة عمله ، بل المراد ما هو أعمّ من ذلك وهو أن يكون العبد الذي تنسب إليه العبادة ممتازا في نظر المولى عن غيره الذي لم تنسب إليه ، ويتفرّع على هذا كون العامل لخوف النار أو لطمع الجنّة متقرّبا ؛ إذ هو ممتاز عن التارك بالمرّة قطعا.

وحينئذ فنقول : رجلان ماتا جميعا ، فتبرّع من أحدهما متبرّع فقضى عنه العبادات المتروكة ، ولم يتبرّع من الآخر أحد ، ليسا على حدّ سواء في نظر المولى.

الثالث : أنّ العامل يسلّم العمل إلى المنوب ، وهو يضعه في طبق الإخلاص و

١٢٧

يسلّمه إلى المولى.

ويمكن أن يقال : إنّ الأفعال مختلفة ، فبعضها لا ينسب إلّا إلى فاعله كالأكل والشرب ونحوهما. وبعضها ينسب إلى المباشر وإلى السبب كالقتل والإتلاف والضرب وشبهها، وبعضها ينسب إلى الغير مع عدم كونه مباشرا ولا سببا وهو كلّ فعل كان تقوّمه بالقصد فجيء به بقصد الغير مع رضى هذا الغير وتقبّل المولى ، ففي هذه الأفعال لا بدّ من الالتزام بأنّ الفاعل يوجد القصد بالاختيار لملاحظة المصالح والفوائد التي يراها في نفسه لا لملاحظتها في المتعلّق.

ولهذا يكون الحقّ مع من قال بأنّ الإرادة صفة نفسانيّة وراء العلم بالصلاح ؛ إذ لا يمكن إيجاد العلم اختيارا ولو كان فيه ألف مصلحة ، بل يلزم التناقض فيما لو كان شاكّا في صلاح وفساد أصل الفعل ، وإيراد التسلسل بأنّ الإرادة لو كانت اختياريّة لزم أن يكون مسبوقة بإرادة اخرى وهكذا ، مدفوع كما عرفت في أوائل الكتاب بأنّ الإرادة الثانية موجودة لمصلحة في المتعلّق وهو الإرادة الاولى ، وهي موجودة بالإرادة الثانية.

وبالجملة ، ففي هذا القسم من الأفعال لو رأى الفاعل النفع في أن يقصد العنوان لأجل الغير فقصده لأجله ، فلا يعقل بعد لحوق الإمضاء والتقبّل ممّن بيده ذلك وهو المولى عدم ترتّب أثر كان مترتّبا على الفعل الصادر من شخص الغير.

مثلا عنوان التعظيم لا شكّ في أنّه يحتاج في تحقّقه إلى القصد ، فحطّ الظهر مثلا في حدّ ذاته كما قد يكون تعظيما ، كذلك قد يكون توهينا ، وقد لا يكون هذا ولا ذاك ، فهو في مرتبة الذات خال عن جميع العناوين الثانويّة ، وإنّما يتمحّض لأحدها بالقصد ، فلا بدّ أن يوجد النفس القصد ويضمّه إلى الفعل حتّى يصير المجموع منشأ لعنوان التعظيم ، ولا بدّ وأن نلتزم بأنّ هذا القصد يوجدها النفس اختيارا لمصلحة في نفسه لا في المقصود ؛ إذ العمل في حدّ نفسه مردّد بين التعظيم والتوهين ، وهذه المصلحة هو القرب من المعظّم له.

إذا عرفت ذلك فنقول : لا شكّ في أنّ الأغراض مختلفة ، فكما أنّه قد يرى

١٢٨

المصلحة في أن يقصد بالعمل كونه تعظيم نفسه عمرا فكذا قد يراها في أن يقصد كونه تعظيم زيد عمرا ، والمفروض أنّ زمام القصد بيده ، فكما أنّه يقتدر على إيجاده في نفسه لمصلحة فيه فكذا في الصورة الثانية.

فإن قلت : نعم ولكنّ العمل لا يحسب تعظيما مضافا إلى زيد ما لم يكن صادرا من شخصه.

قلت : قد عرفت أنّ ذات العمل لا يكون تعظيما لا لنفس العامل ولا لزيد ، بل نسبتهما إليه على السواء ، وحينئذ فإذا كان ضمّ قصد تعظيم النفس إلى العمل مؤثّرا وجاعلا له تعظيما للنفس فلا بدّ أن يكون قصد كون التعظيم لزيد أيضا جاعلا له تعظيما لزيد ، ولا وجه للتفكيك بين هذين القصدين في التأثير.

نعم فرق بين الصورتين من حيث إنّه في الصورة الاولى ليس في البين سوى المعظّم والمعظّم له ، فلا يحتاج تحقّق التعظيم إلى أمر آخر سوى القصد ، وأمّا في الصورة الثانية ففي البين ثالث وهو من وقع التعظيم بنيابته ، فيعتبر رضاه بالنيابة وتقبّله لها ، فلو كان كارها لها لا يحصل التعظيم له ، وكذا يعتبر تقبّل المعظّم له من الثالث هذا التعظيم الذي أتى به نائبه ، فإذا اجتمع هذه الامور الثلاثة أعني : قصد العامل كون التعظيم للغير ، ورضى ذلك الغير ، وتقبّل المعظّم له فلازمه عقلا ترتّب كلّ أثر كان للتعظيم الحاصل من شخص ذلك الغير ، هذا وكذلك نقول في العبادات.

مثلا الهيئة الصلاتيّة من حيث إنّها مركّبة من تكبيرة وقيام وركوع وسجود قد تكون مقرّبة ، كما إذا قصد بها التقرّب ، وقد تكون مبعّدة كما إذا أتى بها رئاء ، وقد تكون لغوا كما إذ أتى بها لا عن شعور ، فحينئذ لا بدّ من ضمّ قصد التقرّب إليها حتّى يصير المجموع مقرّبا ، فهذا القصد ممّا يوجده النفس بالإرادة والاختيار لأجل كونه ذا مصلحة ، وكما أنّ قصد كونها مقرّبة للفاعل يكون فيه فائدة ، فكذا في قصد كونها مقرّبة لأبيه الميّت أيضا فائدة ، فكما يمكن الأوّل ويترتّب عليه الأثر فكذا الثاني أيضا ممكن بلا إشكال ، ويضاف العمل إلى الميّت ويوجب له القرب ، لكن بعد رضاه وتقبّل الشارع ، أمّا رضاه فهو حاصل بالقطع ، وأمّا الثاني فقد دلّ عليه الأخبار

١٢٩

الدالّة على صحّة النيابة عن الميّت.

فعلم أنّ للعامل قصدين طوليين ، أحدهما : قصد إيجاد الصلاة بقصد تقرّب الميّت ، والعمل بلحاظ هذا القصد يعبّر عنه بالنيابة ولا يضاف إلّا إلى العامل ، والثاني : قصد تقرّب الميّت بالأفعال المخصوصة والعمل بهذا الاعتبار صلاة يضاف إلى الميّت وهو متقرّب به.

ثمّ إنّه قد يترتّب الثواب على العمل باعتباره الأوّل أيضا كما لو كان متبرّعا فيكون له ثواب الإحسان ، وقد لا يترتّب ، فلا ينافي عدم ترتّب الثواب والقرب على العمل لنفس هذا العامل بهذا الاعتبار ترتّبهما عليه للميّت بالاعتبار الآخر ، ثمّ بعد ما ثبت بأخبار التبرّع أنّ أصل العمل نافع بحال الميّت ، غاية الأمر أنّ للتبرّع أيضا ثواب الإحسان ، وكان من القواعد المسلّمة أنّ ميزان صحّة الاستيجار كون العمل بحيث يرجع منه نفع إلى الغير ، كان الاستيجار في المقام بلا مانع ، لكن مع إحراز إمضاء الشرع للنيابة في خصوص كلّ عبادة كما في الحجّ.

وهنا وجه آخر لدفع الإشكال ولكن لا يستقيم معه صحّة الاستيجار على العبادة وهو أن يقال : إنّ مطلوب الشارع في العبادات وجود أصل العمل مع حصول قرب في الجملة في مقابل التوصّليّات ، حيث إنّ المطلوب فيها ليس إلّا صرف وجود العمل ، سواء حصل معه قرب لأحد أم لا ، وأمّا لزوم كون القرب المعتبر في العبادات حاصلا للمأمور فليس عليه دليل بل يكفي حصوله لغيره.

كما لو كان المطلوب في الصلاة أعمّ من مباشرة نفس المأمور ونائبه ، فيكفي حينئذ في سقوط الأمر العبادي عن المأمور صدور العبادة عن النائب على وجه أوجب القرب له ، فيندفع أصل الإشكال كما هو واضح ، وكذا إشكال عدم تعقّل داعويّة الأمر المتوجّه إلى المأمور لغيره ؛ لما فرض من كون الغرض أعمّ من مباشرة نفس المأمور.

وربّما يستأنس لهذا أعني : عدم لزوم حصول القرب في العبادة لنفس المأمور في سقوط الأمر بها بما ذكروه في باب الزكاة التي هي من العبادات ، ويتوقّف إجزائها

١٣٠

على نيّة القربة من أنّه لو امتنع من عليه الزكاة من أدائها دفعها الحاكم من ماله ، ومن المعلوم أنّ القربة لا تتمشّى في هذا الفرض إلّا من الحاكم ، مع أنّ المأمور بالزكاة صاحب المال ، وبما ذكروه في غسل الميّت من أنّه لو انحصر الغاسل للإمرأة الميّتة في الامرأة الكافرة باشرت غسلها مع أنّ من المعلوم عدم تمشّي القربة من الكافرة ، والغسل أيضا من العبادات يتوقّف على القربة ، فلا بدّ أن يتولّى النيّة من تتمشّى منه من الرجال.

وبالجملة ، فيمكن أن يستكشف من ذلك أنّه ليس المعتبر في العبادة إلّا ضمّ قرب إلى أصل العمل ولو بأن يكون العمل من شخص والقرب لآخر ، أو يكون كلاهما لغير المأمور ، لكن مع كون الغرض متعلّقا بالأعمّ من المباشرة وعمل النائب.

وعلى هذا فيمكن أن يكون الغرض في العبادات المقرّرة في الشريعة متعلّقا بخصوص المباشرة ما دام الحياة وصار بعد الموت بحيث يحصل بعمل النائب ، لكن على هذا الوجه لا يصحّ الاستيجار لما فرضنا من كون العمل مقرّبا للنائب ، ومن الواضح عدم تمشّي القربة مع قصد الاجرة ، فلا يحصل الغرض ، فلا يسقط الأمر عن الميّت ، فيكون العمل لغوا.

اعلم أنّ دلالة الأخبار على كون النيابة نافعة بحال المنوب عنه ممّا لا شبهة فيها بمعنى أنّها مبرئة لذمّته ، كما أنّ أداء دين الغير تبرّعا مبرئ لذمّته ؛ فإنّ العبادة دين الله سبحانه على العبد.

نعم يبقى الكلام في أنّ عمل النائب مثل عمل المنوب يفيد القرب للمنوب ، أو أنّه يفيده للنائب ويسقط الأمر عن ذمّة المنوب ، ولا ثمرة لذلك في صورة التبرّع ، وإنّما تظهر الثمرة للاستيجار ، فعلى الأوّل يصح وعلى الثاني لا يصح ؛ إذ يعتبر في حصول القرب للفاعل أن يأتي بالعمل لغاية إلهيّة ولو كانت راجعة إلى الدنيا وإلى المشتهيات النفسانيّة مثل أن يعمل لأجل وسعة الرزق ؛ فإنّ صرف النظر عن الخلق وتوجيهه إلى الخالق مطلوب وإن كان لإنجاح مطلب دنيوي ، ومن المعلوم أنّ الداعي في صورة الاستيجار على العمل محض الدنيا.

١٣١

المقام الثاني

لو شكّ في قبول عبادة خاصّة للنيابة فمقتضى القاعدة عدمه ؛ إذ الظاهر من الصيغة هو المباشرة بالبدن فيكون المباشرة قيدا مذكورا في الكلام ، مع عدم توقّف حسن الطلب عليه ، فيكون ظاهرا في تقييد المادّة على ما مرّ.

الأمر الثاني

ينقسم الواجب باعتبار إلى مطلق ومشروط ، فالأوّل ما لا يتوقّف وجوبه على شيء ، والثاني بخلافه ، واورد على هذا التقسيم إشكالان ينبغي التعرّض لهما ولدفعهما أوّلا ثمّ التكلّم في ثمرات القسمين فهنا مقامان :

الأوّل

في التعرّض للإشكالين ودفعهما فنقول :

أمّا الإشكال الأوّل فهو أنّ الواجب المشروط عبارة عمّا لا يوجد وجوبه قبل وجود شرطه ، وهذا يستلزم أحد المحذورين ، إمّا كون اللفظ في مثل أكرم زيدا إن جاءك مهملا بأن لا يكون المتكلّم منشئا ، وإمّا كون الوجوب منفكّا عن الإيجاب وكلاهما واضح الفساد.

وأمّا الثاني فهو أنّ الوجوب الذي هو مفاد هيئة افعل معنى حرفي ، والمعنى الحرفي لا يقبل الإطلاق والتقييد ، والبرهان على ذلك أمران ، الأوّل : أنّ المعنى الحرفي ما لا يستقلّ باللحاظ ، بل حاله في الذهن حال العرض في الخارج ، فكما أنّ العرض تقوّمه بالغير وكيف لوجوده ، فكذا المعنى الحرفي تقوّمه بالمعنى الاسمي وكيف للحاظه ، ومن المعلوم أنّ الإطلاق والتقييد فرعان لملاحظة المعنى مستقلّا ، والثاني أنّ المعنى الحرفي جزئيّ حقيقي ، ومن المعلوم أنّ الصالح لهذين الوصفين ليس إلّا الكلّي ، ولكنّك عرفت فيما سبق كلّية المعاني الحرفيّة فلا مانع من إطلاقها وتقييدها من جهة جزئيتها.

١٣٢

وأمّا المانع الآخر أعني : عدم استقلالها في اللحاظ فيمكن إثبات عدم مانعّيته من وجوه :

الأوّل : أنّها وإن كانت غير مستقلّة باللحاظ ولا يمكن الإشارة إليها والحكم عليها وبها ، ولكن يمكن في اللحاظ الثاني ملاحظتها مستقلا على نحو الإجمال ، كما أنّ هذا هو طريقة وضع الألفاظ بإزائها ؛ إذ لا بدّ في مقام الوضع من لحاظ الطرفين مستقلا وعلى وجه أمكن الإشارة إليها ، فالواضع في وضع الحروف لا بدّ وأن يجعل المعنى الاسمي عنوانا ومرآتا للمعنى الحرفي ، ففي وضع «من» يلاحظ مفهوم الابتداء الملحوظ حالة للغير من حيث هو هذا المفهوم ويجعله عنوانا لنفس المعنى الحرفي الخاص ، وهكذا يمكن فيما نحن فيه ، فالمتكلّم بعد قوله : اضرب زيدا يمكن أن يلتفت إلى نفس ما جعله وأنشأه بنظرة ثانية بعنوان هذا الوجوب المنجعل الملحوظ حالة للضرب ، وبعد هذا الالتفات يقول : يوم الجمعة بجعله قيدا لنفس الوجوب.

الثاني : أن يعتبر الإطلاق والتقييد بالنسبة إلى المحلّ الذي قام به المعنى الحرفي باعتبار خصوصيّته القائمة به اعني المعنى الحرفي ، فيسريان منه إلى خصوصيّته لا محالة ، مثلا السير المتخصّص بكون مبدئه البصرة بوصف أنّه متخصّص لو خلّي ونفسه يكون مطلقا ، بمعنى أنّه صادق على السير من كلّ نقطة من نقاط البصرة ، كما أنّه لو قيّد بقيد كما في قولنا : سرت من البصرة مسجدها يصير مقيّدا ، بمعنى أنّه لا يشمل كلّ سير من البصرة لا يكون مبدأه المسجد ، فالتقييد في الحقيقة يرجع إلى الخصوصيّة المبدئيّة للسير المستفادة من كلمة «من».

ولو قال : أكرم زيدا إن جاءك فقد قيّد الإكرام بوصف أنّه واجب ببعد المجيء فيدلّ على انتفاء هذا الوصف قبله ، بخلاف ما لو قال : أكرم زيدا ؛ فإنّه يدّل على أنّ الإكرام مهما وقع سواء قبل المجيء أم بعده يكون بهذا الوصف ، فالإطلاق والتقييد في الحقيقة راجعان إلى الوجوب الذي تلبّس به الإكرام.

وهذان الوجهان جاريان في القيود المذكورة في القضايا الخبريّة مثل قولنا : ضربت زيدا يوم الجمعة ؛ فإنّ جعل الظرف في هذا المثال قيدا لكلّ من الضرب

١٣٣

والزيد لا يصيّره مرتبطا بالنسبة ؛ فإنّ معاني أجزاء الكلام يدخل في الذهن متدرّجا ، ولا شكّ أنّ النسبة هنا يتصوّر قبل تصوّر القيد ، فتصوّر القيد إنّما يكون بعد تماميّة النسبة ، وحينئذ فإن جعل القيد حين تصوّره مرتبطا بمفهوم الضرب من حيث هو هذا المفهوم أو بمفهوم زيد كذلك ، والمفروض أنّ ذلك بعد تماميّة النسبة ، فلا محالة يكون أجنبيّا عنها.

فارتباطه بالنسبة إنّما يحصل بأحد الوجهين ، إمّا بملاحظة أصل النسبة في اللحاظ الثاني مستقلا بعنوان هذه النسبة الموقعة بين الطرفين مثلا وجعل الظرف قيدا لها ، وإمّا بجعله قيدا للضرب بوصف كونه منسوبا إلى الضمير أو للزيد بوصف كونه من وقع عليه الضرب ، فيحصل تقييد النسبة على أيّ حال.

الثالث : أنّ القيد في القضيّة الطلبيّة على وجهين ، الأوّل : أن يكون بحيث يسري إليه الطلب ويقتضي إيجاده من المكلّف ، والثاني : أن لا يسري إليه الطلب ، مثلا الصلاة مع الطهارة تارة يكون مطلوبة بحيث يجب على المكلّف إيجاد الطهارة لو لم تكن موجودة ، واخرى يكون بحيث لو كانت الطهارة حاصلة وجبت الصلاة ، فالطلب في القسم الثاني متأخّر عن القيد.

وأمّا تصوير أنّه كيف يعقل إيجاد الطلب قبل وجود هذا القيد مع كونه قيدا له فبأن يقال : لا شكّ في أنّ وجود القيد في الخارج ليس مؤثّرا في وجود الطلب في النفس ؛ إذ لا يعقل تأثير الخارج البحت في إيجاد الطلب والإرادة وأمثالهما في النفس ، والشاهد على ذلك أنّا كثيرا ما نرى من علم بوجود القيد بالجهل المركّب يسعى في تحصيل مقدّمات مطلوبه ، وهذا بخلاف ما إذا وجد القيد في الخارج وهو لم يطّلع على ذلك ، فإنّه لا يسعى في تحصيلها ، وهذا يكشف عن عدم الدخل للخارج أصلا وكون تمام الدخل للصورة العلميّة النفسيّة.

وحينئذ نقول : كما أنّه لو حصل العلم الحقيقي بحصول القيد يوجب حصول الطلب في النفس ، كذلك لو فرض حصوله يكون لهذا الفرض أيضا ذاك التأثير ، وسرّه أنّ الفارض يرى بفرضه الخارج ويكون فرضه حاكيا عنه فهو علم جعليّ بحصول

١٣٤

القيد ، ألا ترى أنّ من يعلم أنّ ما في الإناء مثلا هو الماء لو فرض كونه خلّا فيكون لهذا الفرض تأثير العلم الحقيقي بالخليّة.

إذا عرفت ذلك فالمتكلّم بقوله : إن جاءك زيد يفرض حصول المجيء في الخارج ، فيكون قيد الطلب في هذا اللحاظ حاصلا فينشأ الطلب فعلا ، فلا يلزم تفكيك الإنشاء عن المنشأ ولا تقييد معنى الهيئة الذي هو معنى حرفيّ ؛ وذلك لما عرفت من أنّ قيده حاصل فلا يحتاج إلى التقييد.

نعم لمّا كان واقع هذا التصوّر فرضا ومجرّد خيال بحيث متى انتقل بالنظرة الثانية إلى ذلك يلتفت إلى عدم حصول القيد في الخارج فلا محالة يكون الطلب موجودا بلا تأثير ، أمّا وجوده فلما عرفت من حكاية الفرض عن الخارج ، وأمّا عدم التأثير فلكون واقع علمه وطريقه فرضا ، فلا جرم يكون التأثير والمحرّكية والباعثيّة للمأمور في الطلب وللفاعل في الإرادة الفاعليّة متوقّفا على حصول القيد في الخارج بالعلم الحقيقي ، وسرّه أنّ لازم كون الطلب في عالم النفس حاصلا بعد فرض القيد وعلى تقديره ومبتنيا عليه بحيث يدوم بدوامه ويزول بزواله أن يكون تحريكه نحو المطلوب في عالم الخارج حاصلا بعد وجود القيد في الخارج علما.

ومن الأمثلة التي يتّضح كون القيد فيها مصحّحا للطلب لا مقيّدا للمطلوب قولك : إن كنت عقلك أو إن كنت عاملا بأمري فاذهب إلى المكان الفلاني ؛ فإنّ من المعلوم أنّ صلاح الذهاب غير مقيّد بصورة كون المتكلّم عقلا للمخاطب ، أو كون المخاطب عاملا بأمر المتكلّم بل هو ذو مصلحة وإن كانا منتفيين ، وإنّما الطلب قبيح بدونهما وحسن معهما.

المقام الثاني

اعلم أنّ من المسلّم فيما بينهم أنّ مقدّمة الواجب المشروط لا يكون واجبا مطلقا ، ويظهر ذلك منهم في بحث المقدّمة حيث اعترض على عنوان الباب بقولنا : مقدّمة الواجب واجبة أم لا؟ بأنّ لفظ الواجب شامل للمشروط مع أنّ مقدّمته ليست

١٣٥

بواجبة على الإطلاق بالاتّفاق ، واعتذر عنه تارة بأنّ المنصرف إليه من هذا اللفظ هو الواجب المطلق ، واخرى بأنّه شامل للقسمين ، ومع ذلك لا محذور في البين ؛ إذ المراد أنّ وجوب المقدّمة على نحو وجوب ذيها ، إن مشروطا فمشروط وإن مطلقا فمطلق هل يلازمه وجوب ذيها أولا؟

ومن هنا أشكل عليهم الأمر في بعض الموارد مثل وجوب الغسل للصوم قبل طلوع الفجر ، ووجوب المشي إلى العرفات قبل الزوال للوقوف الواجب فيها من الزوال إلى الغروب، ومثل وجوب مقدّمات الحجّ قبل الموسم إلى غير ذلك.

ولهم في التفصّي عن ذلك وجهان :

الأوّل : أنّ ما توهّم كونه مقدّميّا في تلك الموارد واجب نفسي وإن كان الغرض والحكمة في أنحائها هو التوصّل بها إلى واجب آخر ؛ فإنّ ذلك ليس مناط الوجوب المقدّمي، وإنّما مناطه كون وجوب الواجب معلوما لوجوب واجب آخر ومستفادا منه.

الثاني : أنّ للواجب ثلاثة اقسام ، الأوّل : الواجب المشروط ، والثاني : الواجب المطلق وهو منجّز إن كان ظرف الوجوب والواجب متّحدا ، ومعلّق إن كانا منفكّين ، وعلى هذا فالصوم مثلا يتعلّق وجوبه بالمكلّف من أوّل الليل وإن كان ظرف حصوله من أوّل النهار.

نعم هو بالنسبة إلى اليوم السابق مشروط ، ولهذا لا يجب الغسل في اليوم السابق للصوم في اليوم اللاحق ، ولكن يجب في الليل للصوم في النهار ، وذكر في توضيح هذا الوجه ما حاصله : إنّ الزمان كالمكان ، فكما أنّه يمكن اعتبار الثاني في القضيّة على نحوين الأوّل : أن يكون الطلب بالنسبة إليه مطلقا بأن يكون الصلاة في المسجد مثلا واجبة ، بحيث وجب على المكلّف أوّلا دخول المسجد ثمّ الصلاة فيه ، الثاني : أن يكون مشروطا بالنسبة إليه يعنى تكون الصلاة واجبة على تقدير دخول المسجد ، وفي مقام الإثبات يكون العبارة الحاكية عن النحو الأوّل : «صل في المسجد» والعبارة الحاكية عن الثاني : «إذا دخلت المسجد فصلّ فيه» فكذلك يمكن اعتبار الأوّل أيضا على الوجهين ، فتكون الحكمة داعية تارة إلى إيجاب الفعل مطلقا بالنسبة

١٣٦

إلى زمانه بأن يوجب حين الخطاب الفعل في الزمان المستقبل ، واخرى إلى إيجابه مقيّدا بالنسبة إليه بأن يكون إذا دخل الوقت وجب الفعل من هذا الحين ، والعبارة الحاكية عن الأوّل أن يقال : افعل كذا في الغد ، والعبارة الحاكية عن الثاني : إذا دخل الغد فافعل كذا.

ثمّ اورد على هذا إشكالين :

الأوّل : أنّه إذا كان واجبا في الحال الفعل في الغد ـ مثلا ـ فربّما لا يبقى المكلّف إلى الغد فيلزم أن يكون التكليف لغوا

الثاني : أنّ الفعل في الغد لا يكون مقدورا للمكلّف في الحال فكيف يصير متعلّقا للطلب في الحال؟

واجيب عن الأوّل بالحلّ وهو : أنّ الإشكال يرتفع بتعليق الطلب على العنوان المنتزع من المكلّف الباقي إلى الغد ، بأن يكون الطلب متوجّها إلى عنوان من يكون حيّا في الغد ، وهذا وصف ينتزع من المكلّف في الحال إذا كان حيّا في الغد ، فيكون الطلب بالنسبة إليه مشروطا ، فبقائه حيّا إلى الغد يكشف عن سبق الطلب ، وعدمه يكشف عن عدم توجّه الطلب إليه أصلا.

وعن الثاني أوّلا بالنقض بامور ثلاثة تكون بالمآل واحدا :

الأوّل : بالصوم ؛ فإنّه لا شكّ في أنّ وجوب الإمساك الممتدّ فيه من الفجر إلى الغروب يتعلّق بالمكلّف في أوّل جزء من الفجر ، مع أنّ الإمساك في الأجزاء اللاحقة غير مقدور للمكلّف في هذا الجزء.

الثاني : بما إذا امر بالكون في مكان تكون المسافة بينه وبين المكلّف خمسة فراسخ مثلا ؛ فإنّه يتوقّف الكون في هذا المكان على طيّ هذه المسافة في خمس ساعات مثلا ، فيكون الكون المذكور قبل مضيّ هذه المدّة غير مقدور للمكلّف.

الثالث : بكلّ فعل متدرّج الأجزاء في الوجود كالصلاة ؛ فإنّ المكلّف في حال إتيان أوّل جزء منه غير قادر على إتيان بقيّة الأجزاء مع أنّه مكلّف بالإتمام.

وثانيا بالحلّ وهو : أنّ المعتبر إنّما هو القدرة في حال العمل ، ولا قبح في الأمر

١٣٧

بفعل لا يقدر المكلّف عليه في حال الخطاب ، ولكن يعلم الآمر أنّه يصير قادرا عليه في الوقت المضروب لأجله بالوجدان.

أقول : الإرادة بحسب مقام اللبّ يتصوّر على وجهين :

الأوّل : أن يتعلّق بالفعل بتمام قيوده بحيث وقع القيد في حيّزها ، كما لو كان المراد إكرام الضيف على وجه كانت الإرادة محيطة بمجموع المقيد والقيد ، ولا فرق في ذلك بين الإرادة الفاعليّة والإرادة الآمريّة ، غاية الأمر أنّ الاولى توجب تحرّك عضلات المريد نحو إيجاد المجموع ، والثاني توجب تحرّك عضلات المأمور نحوه.

الثاني : أن يتعلّق على تقدير حصول القيد وبعد فرضه بالمقيّد ، فيكون القيد على هذا خارجا من حيّزها ، كما لو كان الإكرام على تقدير ورود الضيف مرادا من دون فرق بين الإرادتين أيضا ، وكذلك يتصوّر هذان الوجهان في منشأ الإرادة أعني المصلحة ؛ فإنّه قد تكون المصلحة التامّة الفعليّة في إيجاد المجموع من المقيّد وقيده ، وقد لا تكون كذلك ، يعني لا يكون المجموع موردا للمصلحة ، بل ربّما يكون القيد موردا للمفسدة ، ولكن على تقدير حصوله تكون المصلحة في المقيّد وهذا واضح ، ولا يتصوّر أكثر من هذين القسمين في الإرادة بقسميها بحسب مقام اللبّ ، فإن شئت فسمّ الأوّل بالمطلق والثاني بالمشروط أو غير ذلك.

وأمّا ما تقدّم من قياس الزمان بالمكان في أنّه كما يتصوّر أن يقع مجموع الفعل المقيّد بالوقوع في مكان خاص متعلّقا للإرادة ، وأن يقع نفس الفعل على تقدير وجود المكان الخاص ، كذلك يتصوّر هذان في الزمان.

ففيه : أنّ المكان لكونه اختياريّا يمكن القسمان فيه ، وأمّا الزمان فحيث إنّه خارج عن تحت قدرة الإنسان واختياره فلا جرم لا يمكن أن يقع الفعل المقيّد بالوقوع في زمان خاص مرادا على وجه وقع القيد تحت الإرادة ، فلا بدّ أن يكون متعلّق الإرادة نفس الفعل على تقدير وجود الزمان الخاص وفي فرضه ، وعلى هذا فجميع الموارد التي توهّم الوجوب المعلّق فيها فالمطلوب فيها نفس العمل على تقدير وجود القيد أعني الزمان المخصوص.

١٣٨

وأمّا الإشكال بأنّه كيف وجبت المقدّمة قسبل حصول القيد الذي يكون الطلب على تقديره فكيف وجب الصوم مثلا بالوجوب المطلق ، وعلى ما ذكرت من أنّ الوجوب بالنسبة إلى القيود الغير الاختياريّة لا بدّ وأن يكون مشروطا ، يلزم أن يكون وجوب الصوم مشروطا حتّى بعد دخول الوقت ؛ ضرورة عدم قدرة المكلّف على الإمساك في الجزء الأخير من الوقت، فمتى يصير خطاب الصوم مطلقا؟

فجوابه بعد الالتزام بعدم صيرورة الخطاب مطلقا أنّ هذا الإشكال مبتن على ما هو المسلّم فيما بينهم من كون الوجوب في الواجب المشروط معدوما قبل حصول الشرط ، ونحن نقول : الحقّ خلاف ذلك ، بل الوجوب موجود فعلا ، غاية الأمر أنّ تأثيره في المقدّمة المفروضة غير معقول ؛ لأنّ الشيء الذي حصل الطلب على تقدير حصوله لا يمكن أن يقتضي هذا الطلب حصوله ؛ لكونه طلبا للحاصل.

ولكن متى علم بأنّ هذه المقدّمة متحقّق الوقوع بعد ذلك فيكون حال الإرادة الحاصلة على تقديرها حال الإرادة المطلقة بلا فرق ، فيحرّك الفاعل أو المأمور نحو المقدّمات الأخر التي محلّها قبل وقوع ذي المقدّمة ؛ ولهذا لو لم يفعلها إلى زمان حصول المقدّمة المفروضة فتعذر العمل لأجل تركها ، كان مذموما على الترك.

وأمّا ذو المقدّمة فإنّما لا تحرّك إليه مع هذا العلم ؛ لأجل أنّها تعلّقت بوقوعه بعد وقوع القيد ، ولازم ذلك أن لا يتحقّق التحريك إليه إلّا بعد وقوع ذاك القيد ؛ ولهذا لو كان وقوع ذي المقدّمة مقارنا لوقوع القيد أو سابقا عليه مطلوبا ، تحرّك هذه الإرادة عند العلم بتحقّق القيد نحو إيقاعه مقارنا لوقوع القيد أو سابقا عليه.

مثال الأوّل ما إذا كان المطلوب هو العدو مع زيد مثلا ؛ فإنّه لا شبهة في أنّ هذا المفهوم بتمامه لا يمكن أن يتعلّق به الإرادة ؛ لخروج عدو زيد عن تحت قدرة المريد أو المأمور ، فلا بدّ أن يكون تعلّقها على تقدير حصول العدو من زيد وفرضه بالعدو الحاصل منهما مقارنا له ، فإذا علم بأنّ عدو زيد سيتحقّق فلا بدّ أن يترقّب زمان شروعه بالعدو حتّى يجعل أوّل عدو نفسه مقارنا لأوّل عدوه.

مثال الثاني مطلوبيّة استقبال زيد على تقدير كونه قادما ؛ فإنّه إذا علم بأنّه سيقدم

١٣٩

فلا بدّ أن يحصّل مقدّمات الاستقبال ويوقعه قبل وقوع القدوم.

وبالجملة ، فالدليل الأسدّ الانصّ من أدلة وجوب المقدّمة فيما إذا كانت الإرادة مطلقة وهو شهادة الوجدان عليه ، بعينه موجود في الإرادة المشروطة بعد العلم بأنّ الشرط سيتحقّق ، وحينئذ فإن كانت المقدّمة ممكن التحقّق قبل وجود الشرط وبعده كما في بعض أسباب الضيافة ـ حيث إنّ الوجدان لا يفرق في ملاك المقدّميّة بين تحصيلها قبل مجيء الضيف وبينه بعده مع معلوميّة مجيئه ـ فنسبة الوجوب إلى الفرد الواقع قبل الشرط والفرد الواقع بعده على السواء ، فتكون المقدّمة واجبا موسّعا مخيّرا بين أفرادها ، وإن كانت لا بدّ وأن يتحقّق قبل الشرط بحيث لو أخّر يصير متعذرا كان الوجوب بالنسبة إلى ما قبل الشرط مضيّقا ، فلو تركها فصار ذو المقدّمة ممتنعا عند حضور وقته بامتناع مقدّمته صحّ مؤاخذته على ذلك ، هذا.

ولكن يشكل الحال في مسألة فقهيّة وهي : أنّه لو تيقّن المكلّف قبل دخول وقت الصلاة بعدم وجدان الماء بعده للوضوء فلا يجب عليه الوضوء قبل الوقت على حسب ما أفتى به القوم ، وكذلك أفتوا بعدم وجوب الغسل للصوم في النهار السابق مع القول بوجوبه في الليل ، ومقتضى القاعدة المذكورة الوجوب المضيّق في مسألة الوضوء ، والوجوب الموسّع في مسألة الغسل ، وحيث إنّ القاعدة وجدانيّة عقليّة غير قابلة للتخلّف فإن ثبت الحكم في هذا الفرع بنصّ أو إجماع فلا بدّ من توجيهه على وجه لم يخالف القاعدة.

وهو بأن يقال : إنّه إن كان الغرض في الإرادات المشروطة متعلّقا بعد حصول الشرط بصرف الوجود من غير تقييد بالقدرة في زمان مخصوص فصارت القدرة شرطا عقليّا ، فالعقل حاكم بأنّ القدرة في زمان ولو كان قبل الشرط مع العلم بحصوله كافية في صحّة المؤاخذة لو ترك المقدّمة في هذا الزمان فصارت ممتنعا بعده وإن كان لا يصحّ تكليفه بها بعد الامتناع.

لكن لو اعتبر الشارع القدرة الخاصّة بأن كان غرضه مقيّدا بالقدرة في زمان خاص ، فلازم ذلك أنّه لو سلبت هذه القدرة ولو باختيار المكلّف لم يلزم فوت

١٤٠