أصول الفقه - ج ١

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي

أصول الفقه - ج ١

المؤلف:

آية الله الشيخ محمد علي الأراكي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسه در راه حق
الطبعة: ٠
الصفحات: ٧٠٤
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

وهنا يحتاج إلى بيانها من الشرع ، فالأمر المتعلّق بالأفراد إرشادي مسوق لبيانها ، والملزم أمر آخر متعلّق بالجامع مكشوف بهذا الأمر ، وذلك لضرورة استحالة استناد المصلحة الواحدة التي يريد الآمر تحصيلها من كلّ واحد على البدل إلى المتعدّد ، فإذا قال : أكرم زيدا أو عمروا فلا بدّ أن يكون بينهما جامع كانت المصلحة مترتّبة على إكرامه كالأبنية للبكر.

ويمكن أن يقال : إنّ البرهان وإن كان مسلّما لا محيص عنه ، لكنّ المدّعى وهو تعلّق الأمر بالجامع قابل للمنع ، فالغرض والداعي أعني : المصلحة لا بدّ أن يتعلّق بعنوان واحد ولا يلزم أن يكون هذا العنوان متعلّقا للأمر ، بل يمكن أن يكون متعلّق الأمر عنوانات أخر متعدّدة.

والأصل في ذلك أنّه متى تعلّق غرض الآمر بعنوان فلا يلزم عليه توجيه الخطاب نحو هذا العنوان ، بل يمكن توجيهه نحو عنوان مغاير له إمّا لعدم إمكان توجّهه للعنوان الأوّل ، كما إذا كان مقيّدا بداعي الأمر كما مرّ ، وإمّا لحكمة يقتضي ذلك مثل أن يكون البعث نحو العنوان الأوّل موجبا لخطاء المخاطب في مقام تعيين مصاديقه ، فلا جرم يختار الآمر من بين المصاديق عنوانا لا يشتبه على المخاطب مصاديقه فيأمره به.

مثلا : لو تعلّق الغرض بعنوان النافع للصفراء فلو أمر به وقيل : اشرب النافع للصفراء ربّما يعيّنه المخاطب في مصداق الضار ؛ فلهذا يؤمر بشرب السكنجبين ، فالحق ـ بعد وضوح فساد كون المتعلّق ما هو المعلوم عند الله إتيان العبد به ، وإلّا لزم أن لا يكون واجب في حقّه على تقدير العصيان وعدم الإتيان ، أو كونه أمرا مبهما مردّدا بين الشيئين أو الأشياء واقعا ـ أي عند الأمر ـ لعدم معقوليّة تعلّق الإرادة بالأمر المبهم ، وبعد شهادة الوجدان بأنّ قول المولى : أكرم زيدا أو عمروا أمر بعنوان إكرام الزيد وعنوان إكرام العمر ولا بعنوان آخر جامع لهما ـ أن

١٠١

يقال (١) : إنّ الطلب التخييري سنخ مستقل من الطلب وهو طلب واحد له قرنان أو ثلاثة قرون أو أربعة فصاعدا قد تعلّق كلّ قرن منه بخاص.

فحاله حال الشكّ ؛ فإنّه متقوّم بطرفي الوجود والعدم بحيث يرتفع بارتفاع أحدهما ، وكذا الطلب المتقوّم بالقرنين أيضا يرتفع بكسر أحد قرنيه بإتيان متعلّقه وكذا المقوّم بالثلاثة فصاعدا ، فبقولنا : طلب واحد ، خرج الطلب الاستغراقي كأكرم كلّ واحد من هذين ، فإنّه ينحلّ إلى طلبات متعدّدة غير مرتبط بعضها بالبعض ، وبقولنا : قد تعلّق كلّ قرن منه بخاص خرج الطلب المجموعي ؛ فإنّ كلّ واحد من الشيئين أو الأشياء قد لوحظ فيه على نحو الجزئيّة لا على نحو الاستقلال.

وبعبارة اخرى الإرادة علّقت أوّلا بإكرام زيد مثلا ، ثمّ غضّ النظر عنه كأنّه لم يكن في البين أصلا وجيء في محلّه بآخر ثمّ غضّ النظر عنه أيضا وجيء بثالث وهكذا ، لا أنّها علّقت بعنوان واحد اخذ مرآتا للإكرامات ، ولا بالمجموع المركّب منها الملحوظ شيئا واحدا ، وهذا النسخ من الطلب لا بدّ من تصويره ، افرض أنّ التخيير الشرعي راجع إلى طلب واحد متعلّق بالجامع ؛ إذ ننقل الكلام حينئذ إلى التخيير العقلي فيما إذا وقعت الطبيعة موردا للأمر ، فإنّ الحاكم باجراء كلّ فرد هو العقل فلا يمكن تصحيح هذا الطلب الإرشادي للعقل إلّا بهذا الوجه.

فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الوجوب التخييري يحتاج إلى مئونة زائدة ليست في التعييني وهو العدل ، وكذا الوجوب الكفائي ؛ فإنّه يحتاج في التحقّق إلى العدل في طرف المكلّف ، وكذا الوجوب الغيري فإنّه عبارة عن وجوب شيء بملاحظة الوصلة به إلى واجب آخر ، فهذه الملاحظة مئونة زائدة وليست في الوجوب النفسي ، ولا شكّ أنّ ما وضع له الصيغة في جميع هذه المقامات الثلاثة هو المعنى الأعمّ الجامع بين القسمين بشهادة الوجدان بأنّ الصيغة عند إرادة الوجوب التخييري أو الكفائي أو الغيري قد استعملت في معناه عند إرادة الوجوب التعييني أو العيني أو النفسي لا في معني آخر مجازي.

__________________

(١) متعلّق بكلمة فالحق الواقعة قبل الشارحتين ، أي فالحق أن يقال ...

١٠٢

فعلى هذا لو شكّ في أنّ المراد بالصيغة أيّ القسمين في جميع هذه المقامات أو بعضها وفرض كون المتكلّم بصدد البيان ، أمكن نفي ذي المئونة منهما وإثبات غيره بمقدّمات الحكمة ، وليس إعمال هذه المقدّمات لإجراء الإطلاق مقصورا على ما إذا كان نتيجته التوسعة ، بل يصحّ ولو كانت هي التضييق كما في ما نحن فيه ؛ فإنّ دائرة الوجوب التعييني أضيق من التخييري ، وكذا العيني والنفسي بالنسبة إلى قسيميهما ؛ ضرورة عدم الفرق في ذلك بين المقامين أصلا.

إنّما الكلام في أنّ حملها على غير ذي المئونة في هذه المقامات موقوف على هذه المقدّمات بحيث لولاها حصل التحيّر أو لا ، بل ينصرف منها غير ذي المئونة عند عدم القرينة على شيء آخر؟ الحق هو الثاني ، وحينئذ فلا حاجة إلى إحراز كون المتكلّم بصدد البيان ؛ فإنّ هذا المقدار من البيان أعني بيان مفاد اللفظ وتفهيمه موجود في جميع الألفاظ حتّى ما كان مفاده الطبيعة المهملة ، والألفاظ التي مفادها هذه الطبيعة يحتاج إلى وجود بيان في البين أزيد من هذا المقدار.

والدليل على الانصراف المذكور أنه لو قال المولى : أكرم زيدا فأكرم العبد عمروا واعتذر بأنّ : مفاد الصيغة بحسب الوضع ليس إلّا المعنى الأعمّ ، واحتملت أن يكون مرادك وجوب إكرام زيد أو عمرو على سبيل التخيير ، ولم أحرز كونك بصدد البيان ، وحكم عقلي بأنّه كلّما دار الأمر بين الأقلّ والأكثر فالأخذ بالأقلّ مجز ، والأقلّ بحسب التكليف هو التخييري ، ليس ذلك منه مسموعا أبدا ، ولو لم يكن الانصراف موجودا لكان مسموعا ، وكذا لو اكتفى عقيب قوله : أكرم زيدا بإكرام عمرو إيّاه باحتمال أن يكون المراد هو الوجوب الكفائي ، واعتذر بعدم إحراز كون المولى بصدد البيان ، وكذا الكلام في الوجوب النفسي.

«فصل»

هل الصيغة بنفسها تدلّ على المرّة أو التكرار وعلى الفور أو التراخي أو لا يدّل على شيء منها؟ توضيح الحال في هذا المجال يحصل بذكر مقدّمة واحدة فنقول :

١٠٣

لا شكّ أنّ للصيغة وضعين مادّيا وهيئيّا ، فالمادّة أعني الحروف الأصليّة الجارية في هيئات المشتقات موضوعة بحكم الوجدان للجامع المقسمي وهو معنى معرّى عن كلّ قيد من المرّة والتكرار والفور والتراخي بل الوجود والعدم ؛ ولهذا يصحّ أن يقال : هذه الطبيعة موجودة أو معدومة وهو المقسم لغير الآبي عن الحمل الذي هو معنى الأوصاف ، وللأبي عنه الذي هو معنى سائر المشتقّات من المصادر وغيرها.

وأمّا الهيئة فهي موضوعة للإرادة إمّا الفعليّة القائمة بالنفس وإمّا الإيقاعيّة ، فلا محالة يكون المعنى عند انضمام الهيئة بالمادّة إرادة الطبيعة ، ولا شكّ أنّ الطبيعة بنفسها غير قابلة لتعلّق الإرادة بها ؛ لأنّها ليست إلّا هي ، فلا بدّ بحكم العقل من لحاظ الوجود معها أعني جامع الوجودات الخارجيّة الذي هو بنفسه متحقّق في الخارج كما في الذهن ، غاية الأمر أنّه في الأوّل موصوف بالتكثر ، وفي الثاني بالوحدة ، فبانضمام القيد العقلي إلى المفاد اللفظي يصير المتحصّل إرادة وجود الطبيعة.

وتعلّق الطلب بالطبيعة بلحاظ الوجود يتصوّر على أربعة أنحاء :

الأوّل : أن يتعلّق بها بلحاظ الوجود الساري بحيث صار عند التحليل كلّ وجود موضوعا مستقلا لطلب مستقلّ كما في «تواضع للعالم».

الثاني : أن يتعلّق بلحاظ مجموع الوجودات من حيث المجموع.

الثالث : أن يتعلّق بها بلحاظ إحدى الوجودات على نحو مدلول النكرة فيكون المطلوب ساريا إلى تمام الوجودات على البدل

فإن قلت : الطلب في هذه الثلاثة متعلّق بالفرد ؛ لأنّ وجود الطبيعة عين الفرد فهي خارجة عن الفرض من تعلّقه بالطبيعة.

قلت : للوجود إضافتان : واحدة إلى الفرد واخرى إلى الطبيعة ، والمراد في المقام هو بلحاظ إضافته إلى الطبيعة ، وهو وإن كان ينطبق في الخارج على الفرد لا محالة ، لكن سهم الصيغة ليس إلّا صرف وجود الطبيعة بأحد هذه الأنحاء الذي هو منفكّ في الذهن عن جميع الخصوصيّات الفرديّة ، فإفهامها محتاج إلى دالّ زائد.

الرابع : أن يتعلّق بلحاظ صرف الوجود الذي هو نقض العدم الأزلي ، وهو

١٠٤

ينطبق قهرا على الوجود الأوّل ؛ لا أنّ الأوّلية مأخوذة فيه وبعد ذلك لا ينطبق على الأفراد المتأخّرة ؛ إذ نقض العدم الأزلي للطبيعة لا يعقل فيه التكرار ، والوجود بأيّ نحو من هذه الأنحاء كان لا يمتنع العقل من أخذه في متعلّق الإرادة ، فإن كان في البين قرينة على إرادة أحدها فلا كلام ، وإلّا فحيث لا انصراف في البين فقضيّة مقدّمات الحكمة لو كان المتكلّم بصدد البيان إرادة الأقلّ مئونة الذي هو الوجه الأخير ، فجزؤه العدمي أعني : عدم المئونة الزائدة يحرز بهذه المقدّمات ، وجزئه الأخير أعني أصل الوجود محرز بحكم العقل ، فيصير المتحصّل من مجموع القيد العقلي ومفاد الصيغة إرادة صرف وجود الطبيعة.

وهذا معنى معرّى عن المرّة والتكرار والفور والتراخي ، نعم له انطباق قهريّ على المرّة ، وعلى هذا فيمتنع الامتثال بالفرد الثاني وما بعده ؛ إذ لا يعقل سلب الانطباق عن الفرد الأوّل ؛ ولهذا قيل : الامتثال عقيب الامتثال محال.

لكنّهم ذكروا هنا شيئا وهو أنّ الغرض والنتيجة الداعية إلى الأمر تارة يحصل بمجرّد الإتيان بالمأمور به كما لو قال : اضرب زيدا ، فبحصول الضرب يحصل الغرض وهو التشفّي، وحينئذ يكون الفرد الثاني وما بعده لغوا لا محالة ، واخرى لا يحصل بمجرّد إتيانه كما لو قال المولى لعبده : اسقني شربة من الماء فأتى بالماء ووضعه في جنبه ولكن لم يشربه المولى بعد ، وحينئذ لو وجد العبد ماء أعذب وأبرد من الأوّل فبادر وأتى به إلى المولى قبل شرب الأوّل ليرفع عطشه بالثاني فهو كأنّه بدّل فرد الامتثال بفرد آخر وجعل ما أتى به ثانيا عوضا عمّا أتى به أوّلا ، ويعدّ فعله مستحسنا عند العقلاء ويصير نفسه ممدوحا ؛ لأنّه فعل فعلا نافعا لغرض المولى ، وهذا الفعل الثاني وإن لم يكن امتثالا للأمر وخروجا عن عهدته ولهذا ليس للمولى إلزام العبد به ، لكنّه يحسب بدلا عن الفعل الأوّل بمعنى أنّ المولى يستعمله في محلّ الأوّل ويحصل منه فائدة الأوّل وثمرته.

وبالجملة فعدم لغويّة الفرد الثاني بل استحسانه واقامته مقام الفرد الأوّل في تحصيل الغرض فيما إذا كان الغرض متأخّر الحصول عن المأمور به لا امتناع فيه عقلا قطعا.

١٠٥

وحيث اشكل عليهم الأمر في باب الصلاة المعادة جماعة من حيث إنّ قضيّة كون مطلوبيّة الصلاة بلحاظ صرف الوجود وامتناع الامتثال عقيب الامتثال بطلانها ، ومع ذلك ورد النص الصريح بصحّتها كقوله عليه‌السلام : «يختار الله أحبّهما إليه» جعلوا هذا محملا للصحّة ، ببيان أنّ ما هو المطلوب في حدّ ذاته غير المطلوب من المكلّف ، فرفع العطش في المثال مطلوب للآمر وليس مطلوبا إيجاده من المأمور ، بل يحصل بفعله ، وفعل الأمر مفاد المطلوب منه إنّما هو إتيان الماء فقط ، ولا شكّ أنّه يحصل ويسقط بالفرد الأوّل ، فيمكن أن يأتي المأمور بداعي المطلوب الذاتي الذي لم يسقط بعد بالفرد الثاني ويصرفه الآمر في مصرف الفرد الأوّل ، وكما يمكن ذلك في حقّ البشر فكذا في حقّه تعالى ، غاية الأمر أنّ المطلوب الذاتي له تعالى أبدا ينفع بحال العبد ويعود إليه ، وللبشر قد يكون كذلك وقد يعود إلى نفسه.

لكن لهم شبهة اخرى في باب صحة صلاة من جهر في صلاته مقام الإخفات أو عكس ناسيا أو جاهلا ولو جهلا لا يعذر فيه ، كما هو قضيّة إطلاق لفظ «لا يدري» في الخبر وعدم لزوم الإعادة عليه لا في الوقت ولا في خارجه كما هو قضيّة قوله عليه‌السلام فيه : «تمّت صلاته» وهي : أنّ الجاهل المقصّر كيف يحكم عليه المولى إذا علم بالمسألة في الوقت بأنّه لا يلزم عليك الإعادة بل صلاتك مجزية ومع ذلك اعاقبك على ترك كيفيّة الصلاة من الجهر أو الإخفات ، مع أنّ العقل حاكم بأنّ اللازم حينئذ إلزامه بالإعادة ورفع العقاب عنه لفرض بقاء الوقت.

وأجابوا عنها بأنّه يمكن أن يكون للمولى غرض أقصى متعلّق بالصلاة بالجهر أو الإخفات ، لكنّه إذا انعدمت الكيفيّة فنفس الصلاة أيضا مشتملة على مقدار مصلحة واجب ، فالصلاة مع الكيفيّة ذات مصلحتين ملزمتين إحداهما قائمة بنفسها والاخرى بكيفيتها ، وعلى هذا يصير الحكم بصحّة الصلاة وعقوبة المكلّف كلاهما صحيحا.

أمّا الأوّل فلأنّه قضيّة قيام المصلحة الملزمة بنفس الصلاة ، وأمّا الثاني فلأنّه يلزم من صحّة الصلاة وسقوطها عن المكلّف فوات محلّ المصلحة الملزمة القائمة بالكيفيّة و

١٠٦

سقوطه عن القابليّة ، فلا يمكن إدراكها بعد ذلك ؛ لعدم المحلّ لها ، فيعاقب المكلّف على ذلك لاستناده إليه.

وأنت خبير بأنّه بناء على ما ذكروه في تصوير صحّة الصلاة المعادة جماعة يلزم أن لا يفوت محلّ هذه المصلحة لإمكان إدراكها بالصلاة المعادة جماعة التي هي أفضل من الصلاة مع الكيفيّة ، فيعود الإشكال من أنّه يلزم حينئذ الحكم بلزوم إعادتها كذلك ورفع العقاب ، لا عدم اللزوم والعقاب.

واجيب عن هذا بوجهين :

الأوّل : أنّ الأخبار الواردة باستحباب الإعادة جماعة لا يشمل المقام ؛ إذ مورد السؤال فيها هو ما إذا وقعت الصلاة المنفردة كاملة.

فإن قلت : كيف ذلك ولا مخصّص لها لا عقلا ولا شرعا؟.

قلت : لا عموم ولا إطلاق لهذه الأخبار بالنسبة إلى المقام حتى يسأل عن المخصّص ؛ وذلك لأنّ خصوصيّة السؤال ربّما يوجب عدم ظهور الجواب في العموم أو ظهوره في الخصوص ، فالثاني كقوله عليه‌السلام في الجواب عن السؤال من الشرب من الإناء المفضّض : «اشرب منه واعزل فمك عن موضع الفضّة» فإنّ اللام في لفظ الفضّة بقرينة السؤال عهديّة وإشارة إلى الفضّة المتّصلة بالإناء ولا يشمل غيرها وإن كان لو قيل ابتداء : اعزل فمك عن موضع الفضّة كان اللام ظاهرا في الجنس والأوّل كما في أخبار الباب ؛ فإنّ الجواب فيها بالنسبة إلى غير مورد السؤال ، وهو ما إذا وقعت الصلاة المنفردة كاملة مجمل ، وإحراز الإطلاق بمقدّمات الحكمة غير ممكن ، أمّا بناء على اشتراط اعمالها بعدم وجود القدر المتيقّن في البين فواضح ، وأمّا بناء على عدم الاشتراط فلأنّ الإمام ليس في مقام البيان بالنسبة إلى غير هذا المورد.

نعم ربّما يكون عدم ملحوظيّة الخصوصيّة للمخاطبين وملغائيّتها في نظرهما مستفادا من الخارج ، كما لو سئل عن موت الفارة في القربة أو الحبّ هل موجب للنجاسة أو لا؟ فقيل: موجب لها ؛ فإنّ من المعلوم أنّ نظرهما ليس إلى خصوص

١٠٧

الفأرة والقربة أو الحبّ بل يعمّ كلّ نجس إذا لاقى الماء القليل.

ولكنّ الإنصاف أنّه مع ذلك لا يمكن القطع بهذا الوجه أعني : اختصاص الاستحباب بصورة كامليّة الصلاة المنفردة ، فالأولى في الجواب هو الوجه الثاني.

الثاني : أنّه وإن كان الإعادة جماعة مستحبّة هنا إلّا أنّه لا يمكن إدراك تلك المصلحة الفائتة بها ، غاية الأمر أنّه يدرك بها فضيلة الجماعة علاوة على المصلحة الملزمة القائمة بنفس الصلاة ، فمفاد قوله : «يختار الله أحبّهما» أنّ الصلاة الثانية أحبّ بالنسبة إلى الاولى ، فإن كان الاولى كاملة كانت الثانية أحبّ بالنسبة إلى الكامل ، وإن كانت ناقصة كانت الثانية أحبّ بالنسبة إلى الناقص.

«فصل»

هل الصيغة الواردة عقيب الحظر ظاهرة في الوجوب أو في رفع الحظر؟ هنا تفصيل وهو أن يقال : إن كان معلوما من الخارج أنّ نظر المتكلّم إلى المنع السابق وغرضه رفعه ، أو إلى رفع توهّم المخاطب المنع ، فحينئذ لا إشكال في محموليّة الصيغة على الإباحة ورفع الحظر لا على الوجوب ، كما أنّه لو علم من الخارج عدم اعتماد المتكلّم إلى قرينة المنع السابق وتوهّمه وأنّ حاله في هذه الصيغة كحاله في سائر الصيغ الخالية عن القرينة في كونه مستأنفا في الكلام فلا إشكال في حملها على الوجوب.

إنّما الكلام فيما لو شكّ في نظره وكان مردّدا بين هذين النظرين ، فنقول : هذا من جزئيات ما لو كان للفظ ظاهر ، وكان متّصلا بالكلام ما يصلح للقرينيّة من حال أو مقال وشكّ في اعتماد المتكلّم على هذه القرينة وعدم اعتماده ، وبنى شيخنا العلّامة قدس‌سره الكلام في ذلك على اعتبار أصالة عدم القرينة عند العقلاء أو أصالة الحقيقة.

توضيح هذا الترديد أنّه تارة يقسّم اللفظ إلى ما لا قرينة ، معه وما معه قرينة ويقال بأنّ الأوّل ظاهر عند العقلاء في المعني الحقيقي ، والثاني في المعنى المجازي ، وأمّا نفس اللفظ الذي هو المقسم فلا ظهور له عندهم أصلا ، واخرى يقال بأنّ نفس

١٠٨

اللفظ حجّة عند العقلاء ومقتض لحمله على معناه الحقيقي ويعملون به إلى أن يثبت المانع أعني : القرينة ، فموارد ثبوت القرينة من باب تعارض الحجّتين وتقديم القرينة لكونها أقوى حجّة.

فعلى الأوّل لا يحرز المقتضي والحجّة إلّا بعد إحراز عدم القرينة إمّا بالعلم أو بالأصل، ولا يكفى مجرّد اللفظ ، فلا محالة يكون اللفظ المذكور مجملا ؛ إذ لا علم بعدم القرينة بالفرض ، وأصالة عدمها إنّما يكون حجّة عند العقلاء عند الشكّ في وجود القرينة لا في قرينيّة الموجود الذي هو المفروض هنا.

وعلى الثاني لا يتوقّف إحرازه على إحراز عدم القرينة بل يكفي عدم إحرازه سواء كان من جهة الشكّ في أصل حدوثها أو في قرينيّة الموجود ، فحينئذ يكون اللفظ المذكور حجّة بلا معارض ؛ إذ مجرّد الاحتمال لا يعارضها.

وتظهر ثمرة الوجهين أيضا في المخصّص المجمل ، فعلى الأوّل لا بدّ أن يفرق بين ما إذا كان منفصلا كما إذا ورد : أكرم العلماء ، ثمّ بعد مدّة : لا تكرم الفساق من العلماء ، وتردّد مفهوم الفاسق بين مطلق المذنب وخصوص مرتكب الكبيرة ، فيخصّص العام بالنسبة إلى الفرد المتيقّن الدخول تحت المخصّص وهو مرتكب الكبيرة ، ويرجع إليه في الفرد المشكوك وهو مرتكب الصغيرة ، ووجهه أنّ العامّ مستقرّ الظهور في العموم ، فلا يرفع اليد عنه إلّا بحجّة أقوى منه ، والمخصّص المذكور بالنسبة إلى الفرد الأوّل كذلك ، وأمّا بالنسبة إلى الفرد الثاني فالعامّ سليم عن المعارض ، وبين ما إذا كان متّصلا كما لو ورد أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم ، فيسري الإجمال منه إلى العام ؛ إذ المفروض أنّ استقرار ظهور العامّ في شموله للفرد المشكوك متوقّف على عدم قرينة معه على خروجه وهو غير محرز هنا ؛ لإجمال المخصّص ، وإحرازه بالأصل غير ممكن ؛ لما عرفت من أنّ الشكّ في قرينيّة الموجود.

وعلى الثاني لا فرق بين الصورتين في الرجوع في الفرد المشكوك إلى العام ؛ إذ المفروض أنّ المقتضي هو نفس العام وهو محرز في كلتا الصورتين مع عدم إحراز المانع في كلتيهما أيضا.

١٠٩

والظاهر من هذين الوجهين هو الأوّل ، والدليل عليه أنّا نقطع بأنّ العقلاء ما دام للمتكلّم أن يضمّ اللواحق بكلامه الواحد لا يحكمون بشيء ، بل إذا انقضى هذا الزمان يتأمّلون أوّلا في أنّ المستفاد من مجموع أجزاء الكلام ما ذا ثمّ يحكمون بأنّه مراد المتكلّم ، وهذا كاشف عن أنّ المقتضي عندهم ليس هو ذات اللفظ بل هو بوصف التجرّد عن القرينة.

فصل في الإجزاء

الإتيان بالمأمور به على وجهه وبلا زيادة ونقيصة موجب لسقوط الأمر ، ولا يعقل مع ذلك بقائه ؛ لكونه طلبا لتحصيل الحاصل من دون فرق في ذلك بين التوصّلي والتعبّدى ، وأمّا وجوب الإتيان ثانيا في التعبّديّات لو أخلّ بقصد القربة فإمّا من جهة اعتبار ذلك في المأمور به ، وإمّا من جهة تعلّق الأمر بالإتيان بالفعل ثانيا بعد سقوط الأمر الأوّل ؛ لعدم حصول الغرض الأصلي ، وقد عرفت تفصيل ذلك فيما تقدّم.

ولا بين العناوين الأوّليّة للمكلّف والثانويّة ، ولا في الثانية بين ما يكون من قبيل الاضطرار كفقدان الماء بالنسبة إلى الأمر بالتيمّم وما يكون من قبيل الشكّ ، كالشكّ في وجوب السورة بالنسبة إلى الأمر بالصلاة بلا سورة ، ويسمّى الأوامر المتعلّقة بالاولى بالواقعيّة الثانوية ، لكون موضوعها هو العاجز عن الإتيان بالواقع الأوّلي ، والأوامر المتعلّقة بالثانية بالظاهريّة ؛ لكون موضوعها هو الجاهل بالواقع والشاك فيه.

فمن كان تكليفه الصلاة قاعدا إذا أتى بها كذلك فلا شكّ في سقوط الأمر بالصلاة قاعدا عنه ، ولا إشكال لأحد في ذلك كلّه ، سوى ما مرّ من تصوير عدم السقوط في التعبّدي لكون الغرض متعلّقا بالأخصّ ، وعرفت دفعه وأنّه لا محيص عن الإشكال إلّا بالالتزام بتعدّد الأمر أو بتقيّد متعلّقه بأحد الوجهين السابقين.

١١٠

وإنّما الكلام في أنّ امتثال الأوامر المتعلّقة بالعناوين الثانويّة أعمّ من الواقعيّة الثانويّة والظاهريّة مسقط للأوامر الواقعيّة ومجز عنها أولا؟

فمن فقد الماء وتيمّم ثمّ وجده إمّا في الوقت بناء على عدم اعتبار استيعاب الفقدان لتمام الوقت أو في خارجه مطلقا ، فهل يقتضي دليل وجوب الوضوء أداء أو قضاء أدائه على الأوّل وقضائه على الثاني أو لا؟ تحقيق ذلك يقتضي الكلام في موضعين :

الأوّل : في إجزاء الامتثال للأوامر المتعلّقة بالقسم الأوّل من العناوين الثانوية عن الواقع وعدمه وهو يتمّ بالبحث في مقامين :

الأوّل : في تصوير أنحاء تعلّق الأمر بهذا القسم من العناوين بحسب مقام اللبّ والثبوت اللازم من بعضها الإجزاء ومن البعض الآخر عدمه

والثاني في أنّ الأوامر الشرعيّة المتعلّقة بهذه العناوين يكون على أيّ نحو من هذه الأنحاء بحسب ما يستفاد من أدلّتها.

المقام الأوّل : اعلم أنّه يتصوّر تعلّق الأمر بهذه العناوين على أنحاء.

الأوّل : أن تكون المصلحة التي تحصل من الفعل التام بالنسبة إلى الفاعل المختار حاصلة بعينها من الفعل الناقص بالنسبة إلى الفاعل العاجز.

الثاني : أن يكون المصلحة التي تحصل من الأوّل والتي تحصل من الثاني متغايرتين بالسنخ.

الثالث : أن يكونا متّحدتين بالسنخ ، لكن كانت الاولى مرتبة شديدة كاملة منه ، والثانية مرتبة ضعيفة ناقصة وهذا يتصوّر على نحوين :

الأوّل : أن تكون زيادة المصلحة الاولى على الثانية لازم الاستيفاء ، وإنّما لم يستوفها الآمر من العاجز لعجزه عمّا يحصل هذه الزيادة به من الفعل التامّ.

الثاني : أن تكون راجح الاستيفاء بحيث لو أمكن للمختار تحصيل الأصل على حدة وتحصيل الفرع على حده كان الأوّل عليه واجبا والثاني مستحبّا ، لكن حيث انحصر في حقّه تحصيل الأصل فيما يحصل بسببه الفرع أيضا كان هو الواجب

١١١

عليه ، وصورة كون الزيادة لازم الاستيفاء أيضا يكون على نحوين :

الأوّل : أن تكون الزيادة ممكن الاستيفاء بعد إتيان المكلّف بما يحصل بسببه الأصل من الفعل الناقص.

والثاني : أن تكون غير ممكن الاستيفاء بعد ذلك.

فلا شكّ على النحو الأوّل من هذه الأنحاء في حصول الإجزاء وعدم لزوم الإعادة عند زوال العذر ؛ إذ لا وجه للزومها بعد إدراك عين المصلحة الحاصلة بالفعل التام بتمامها وكما لها ، بل طلب الإعادة حينئذ لغو ، بل يجوز حينئذ أن يزيل المختار القدرة والاختيار عن نفسه ، وكذا يجوز البدار بأن يبادر الفاعل عند عدم التمكّن إلى الفعل الناقص مع العلم بحصول التمكّن في آخر الوقت أو رجاء حصوله ، أو يبادر الآمر إلى الأمر به مع ذلك.

ولازم النحو الثاني أنّه متى تبدّل العنوان وصار المكلّف متمكّنا بعد الإتيان بالفعل الناقص وجب عليه الفعل التام ؛ لأنّ المصلحة القائمة به مغايرة للمصلحة الاولى وملزمة ، إلّا أن يكون إيجاد الفعل الناقص في حال عدم التمكّن مفنيا لموضوع هذه المصلحة.

ولازم النحو الثالث ـ وهو أن يكون المصلحتان من باب الزائد والناقص وكانت الزيادة لازم الاستيفاء وممكنة ـ عدم حصول الإجزاء بمعنى أنّه يجب عند التمكّن الإتيان بالفعل التام لتحصيل هذه الزيادة ، بل يجوز حينئذ البدار للمكلّف إلى الإتيان وإن كان يرجو زوال عذره ، بل وإن كان يقطع بذلك ، وكذا الآمر إلى الإيجاب على المكلّف وإن كان ممّن يزول عذره في علم الله في الوقت ، لعدم استلزامه لتفويت مصلحة لزوميّة بل لتفكيك مصلحتين لزوميّتين في التحصيل ، هذا إذا كانت المصلحة مرتّبة على الاضطرار الفعلي ، وأمّا لو كانت مرتبة على الاضطرار المستوعب في الوقت ، فلا يتعلّق التكليف بالفعل الاضطراري إلّا على من كان في علم الله مضطرّا في تمام الوقت ، فلو أتى بالفعل في أوّل الوقت ثمّ انقطع عذره في الأثناء يكشف عن عدم كون ما أتى به مأمورا به ، وكذا الكلام في النحو الخامس.

١١٢

ولازم النحو الرابع ـ وهو أن تكون الزيادة واجب الاستيفاء وغير ممكنة ـ حصول الإجزاء وعدم وجوب الإتيان بالفعل التام عند عود التمكّن ؛ للغويّته بعد عدم إمكان إحراز المصلحة الفائتة به ، وعلى هذا لا يجوز للآمر الأمر بالناقص بمجرّد حصول العجز في بعض الوقت مع العلم بزواله في آخره أو رجاء ذلك ، ولا للمكلّف سلب التمكّن من نفسه لمنافاة جوازهما ، للزوم الزيادة وعدم إمكان استيفائها.

ولازم النحو الخامس وهو أن تكون الزيادة غير لازم الاستيفاء واضح أنّه الإجزاء وجواز البدار ؛ لعدم لزوم استيفاء الزيادة.

المقام الثاني : اعلم أنّه يمكن استظهار عدم وجوب إعادة الفعل كاملا على من أتى به ناقصا للعجز إذا تمكّن منه كاملا من قوله تعالى : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) الخ، وبيانه أنّه إذا توجّه من المولى الخطاب العام بالصلاة إلى جميع المكلّفين فقال : اقيموا الصلاة ثمّ قال بعد ذلك : إذا أردتم الصلاة فالواجد منكم للماء لا بدّ أن يتوّضأ والفاقد أن يتمّم والجنب أن يغتسل فلا شكّ أنّ الظاهر من هذا عرفا أنّ هذه الحقيقة الواحدة المطلوبة من الجميع يختلف كيفيّة امتثالها باختلاف الأشخاص ، وأنّ الفعل الناقص من الفاقد يقوم مقام الكامل من الواجد ويفيد فائدته من إسقاط ذاك الأمر العام ، وأنّ ذلك من باب قيام الركعتين من المسافر مقام الأربع ركعات من الحاضر ، لا من باب ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه.

وعلى هذا فأحد الحكمين ليس في طول الآخر بل كلاهما في عرض واحد ومرتبة واحدة ، وتوصيف أحدهما بالأوليّة والآخر بالثانويّة إنّما هو باعتبار حال متعلّقهما لا نفسهما ، حيث إنّ الاختيار والقدرة هو مقتضى الطبيعة الأوّلية لنوع المكلّفين ، فيكون الاضطرار عنوانا ثانويّا على خلاف الأصل.

فيعلم ممّا استفيد من الآية من الإجزاء أنّ فعل المضطرّ لا يخلو إمّا أن يكون محصّلا لعين مصلحة فعل المختار كما هو النحو الأوّل ، أو مع زيادة في الثاني غير لازم الاستيفاء كما هو النحو الخامس ، أو مع زيادة فيه لازم الاستيفاء وغير ممكنة كما هو النحو الثالث.

١١٣

وربّما يتمسّك لتعيّن أحد الأوّلين بأنّ مفاد الآية الشريفة بإطلاقها أنّ المكلّف لو لم يجد الماء سواء كان في تمام الوقت أم في أوّله يتيمّم ، فيدلّ على جواز البدار عند عدم الوجدان في أوّل الوقت ، ومن المعلوم أنّه لو كان في فعل الوضوء زيادة مصلحة غير ممكن الاستيفاء لما جاز ذلك ، بل وجب الصبر إلى آخر الوقت.

ولكنّك خبير بأنّه لا إطلاق في الآية حتّى يتمسّك به على جواز البدار ، وذلك لأنّ عدم الوجدان إذ اخذ في مقابل وقت موسّع كوقت الصلاة فلا شكّ أنّه لا يتحقّق إلّا بعدم الوجدان في تمام أجزاء هذا الوقت ، ولا إطلاق به بالنسبة إلى عدم الوجدان في بعضه فقط وإن كان يصدق عليه عدم الوجدان لغة.

ثمّ على تقدير عدم الدليل على الإجزاء يتعيّن الرجوع إلى الأصل وهو هنا البراءة ؛ لأنّ الشكّ في حدوث التكليف بعمل المختار عند حدوث الاختيار بعد العلم بعدمه في حال الاضطرار ، بل يمكن استصحاب عدمه الثابت في تلك الحال بناء على ما سيأتي في محلّه إن شاء الله تعالى ، ولا فرق في ذلك بين الإعادة والقضاء.

لا يقال : مقتضى وجوب قضاء ما فات وجوب العمل التام عليه لصدق فوت العمل التام عنه

لأنّا نقول : يعتبر في صدق الفوت اشتمال العمل على المصلحة المقتضية للإيجاب عليه ولم يستوفها المكلّف ، والمفروض احتمال استيفاء المكلّف العاجز تلك المصلحة بإتيان الناقص ومع هذا الاحتمال نشكّ في صدق الفوت الذي هو موضوع ادلّة القضاء.

الموضع الثاني : في أنّ الأحكام الظاهريّة المجعولة للشاكّ في الواقع هل هي مجزية عن الواقع لو انكشف للمكلّف في الوقت أو في خارجه أولا؟ مثلا لو قام على وجوب صلاة الجمعة أمارة وعمل بها المكلّف ثمّ صار في الوقت عالما بخطائها وأنّ الواجب هي الظهر فهل يجب عليه حينئذ الإتيان بالظهر؟ وكذا لو علم بذلك في خارج الوقت أولا؟

الكلام في ذلك مبنيّ على الوجهين في كيفيّة جعل الأمارات والتعبّد بها :

الأوّل وهو المنسوب إلى الشيخ قدس‌سره أن يكون على وجه السببية وهي أن

١١٤

يكون قيام الأمارة سببا لحدوث مصلحة في مؤدّاها ؛ فإنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها وهي تختلف باختلاف الوجوه والاعتبارات ، وكوننا ظانّين بصدق الراوي صفة من صفاتنا كالاضطرار ، وكون الفعل ممّا أخبر بوجوبه الثقة مثلا صفة من صفاته ، فيمكن أن يحدث فيه بواسطة هذه الصفة مصلحة تكون هي أقوى من مصلحة الواقع في نظر الشارع على تقدير مخالفته للواقع.

الثاني : أن يكون على وجه الطريقيّة بأن يكون المتعلّق للحكم والمصلحة أبدا هو الواقع من دون أن يكون في نفس سلوك الأمارة مصلحة ، إلّا أنّه لمّا اقتضت الحكمة تسهيل الأمر على المكلّفين ونصب الطرق الموصلة إلى الواقع لهم جعل الشارع هذه الطرق طريقا إليه ، فإن عمل بها المكلّف وكانت مؤدّية إلى الواقع فهو ، وإن كانت مؤدّية إلى خلافه فالمكلّف صفر اليد عن المصلحة أصلا لكنّه معذور كالجاهل المركّب ، وبناء العلماء في هذه الأزمنة على هذه الوجه كما يأتي إنشاء الله في جواب ابن قبة.

فعلى الأوّل الكلام هنا هو الكلام في الأحكام الواقعيّة الثانويّة بحسب مقام الثبوت ، فيجري الأنحاء الخمسة السابقة هنا ، والفرق بينهما في ثبوت الدليل هناك في مقام الإثبات وعدمه هنا ؛ فإنّ الأصل أعني السببية لا دليل عليه والتكلّم فيه إنّما هو على وجه البناء ، فالفرع وهو كونها على وجه يوجب الإجزاء وعدمه كذلك بطريق أولى ، فيتعيّن الرجوع في مقام العمل إلى الأصل ، وأمّا أنّه البراءة أو الاشتغال فسيأتي بيانه.

وأمّا على الثاني فلا وجه لسقوط الأمر الواقعي بموافقة الأمر الظاهري مع انكشاف المخالفة في الوقت ؛ لوضوح أنّ سقوط الأمر إمّا أن يكون من جهة الإطاعة وهي مفروض الانتفاء في المقام وإمّا أن يكون من جهة العصيان وانقضاء الوقت وهو أيضا مفروض العدم هنا ، وإمّا أن يكون من جهة عدم بقاء المحلّ للأمر الواقعي مع موافقة الأمر الظاهري ، وهذا وإن كان محتملا ، لكنّ الأصل وحكم العقل هو الاشتغال.

١١٥

وذلك لأنّ العقل كما أنّه مستقلّ فيما إذا علم العبد بتوجّه الخطاب إليه في زمان علمه ثمّ شكّ في الزمان البعد في حصول المبرئ وعدمه بوجوب تحصيل اليقين بالبراءة وعدم صلاحيّة احتمال خصوص المبرئ حجّة له عند مولاه على تقدير عدم حصوله واقعا ، فكذلك هو مستقلّ بهذا الحكم فيما إذا علم في الزمان اللاحق بتوجّه الخطاب إليه في الزمان السابق ، وشكّ في هذا الحال في بقاء الخطاب لاحتمال حصول المسقط قبل ذلك اتّفاقا بلا فرق ، مثلا لو علم في أوّل الظهر بتوجّه خطاب توصّلي إليه قبل ذلك ممتدّ من أوّل الطلوع إلى الغروب ولكن احتمل أن يكون قد تبرّع بالفعل متبرّع فيكون التكليف عنه ساقطا ، فهو وإن كان في زمان علمه شاكّا في فعليّة التكليف وبقائه ، وفي زمان فعليّته وهو زمان ما قبل الظهر غير عالم به ، لكنّ العقل يحكم عليه بوجوب الإتيان وعدم قبح العقاب على تقدير عدمه وعدم حصول التبرّع من الغير.

وبالجملة ، فيكفي في حكم العقل بالاشتغال العلم بثبوت التكليف الفعلي في زمان ما وإن لم يكن هذا الزمان ظرفا للعلم.

ومن هنا يظهر أنّه على القول بكون العلم الإجمالي منجّزا للتكليف لا فرق بين أن يكون العلم بنجاسة أحد الإنائين مثلا حاصلا قبل خروج أحدهما عن مورد الابتلاء ، وبين أن يكون حاصلا بعده في وجوب الاجتناب عن الإناء الآخر ؛ لحصول العلم بتوجّه خطاب «اجتنب عن النجس» في كلتا الصورتين وإن كان هذا العلم في الصورة الثانية حاصلا في زمان الشكّ في بقاء الخطاب.

هذا فيما إذا انكشف خطاء الأمارة بعد العمل في الوقت ، وكذا لو انكشف في خارجه ؛ فإنّ المكلّف قد فاته حينئذ مصلحة الواقع من دون تداركه بشيء بالفرض ، فيشمله قوله : اقض ما فات ، فإنّ القضاء ليس تابعا لترك الفعل في الوقت عصيانا ، بل تابع لفوت المصلحة ولهذا يجب على النائم في تمام الوقت.

فعلم أنّ القاعدة الأوّليّة بناء على الطريقيّة هو عدم الإجزاء لو انكشف الخطاء بعد العمل ، فإن لزم من ذلك في بعض الموارد العسر الشديد والحرج الأكيد ـ كما لو

١١٦

علم بخطاء الأمارة القائمة على طهارة ماء الغسالة بعد عدم الاحتراز عنه والصلاة مع الثوب الملاقي له في مدّة طويلة واريد رفع ذلك بأدّلة رفع الحرج ـ يصير ذلك قاعدة ثانويّة ، ولو دلّ دليل خاص في مورد خاص على الإجزاء فلا بدّ من حمله على كون موافقة الأمر الظاهري مفوّتا لموضوع الأمر الواقعي ؛ إذ الجمع بين الإجزاء والطريقيّة لا يحصل إلّا بهذا. ولا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون مورد الأحكام الظاهريّة الشبهات الموضوعيّة أو الحكميّة.

وحاصل الكلام أنّ الغرض الموجب للحكم حدوثا موجب له بقاء ما لم يحصل ، وبعد ما فرضنا أنّ متعلّقات الأحكام الظاهريّة ليست مشتملة على مصالح حتّى يتوّهم حصول تلك الأغراض الموجبة للتكليف بالواقعيّات بإتيانها وإنّما فائدتها رفع تنجيز الواقعيّات في مورد ثبوتها وكونها عذرا عنها في صورة التخلّف فلا وجه لتوهّم الإجزاء ؛ لأنّه إن كان المراد سقوط الأمر بالواقعيّات بمجرّد امتثال الأمر الظاهري فلا يعقل مع بقاء الغرض الذي أوجب الأمر ، وإن كان المراد كونها معذورا فيها مع بقاء الأمر بها وارتفاع الشكّ فلا يعقل أيضا ؛ لاستقلال العقل بعدم معذوريّة من علم بتكليف المولى.

نعم يمكن أن يوجب امتثال الأمر الظاهري عدم القابليّة لاستدراك المصلحة القائمة بالواقع ، فيسقط الأمر به من هذه الجهة ، وهذا الاحتمال مع كونه بعيدا في حدّ نفسه لا يصير منشأ للتوقّف ؛ إذ غايته الشكّ في السقوط وهو بعد العلم بالثبوت مورد للاشتغال.

هذا إذا علم أنّ جعل الأحكام الظاهريّة من باب الطريقيّة ، ولو شكّ في أنّه كذلك أو من باب السببيّة ، أو علم أنّه من باب السببيّة ، ولكن شكّ في أنّ الإتيان بالمشكوك هل هو واف بتمام الغرض الموجب للأمر بالواقع أو بمقدار يجب استيفائه أو لم يكن كذلك ، فهل الأصل في تمام ما ذكرنا يقتضي الإجزاء أو عدمه ، أو التفصيل بين ما إذا كان منشأ الشكّ في الإجزاء وعدمه الشكّ في أنّ جعل الأحكام الظاهريّة من باب السببيّة أو الطريقيّة، وما إذا كان منشأ الشكّ فيه الشكّ في كيفيّة

١١٧

المصلحة القائمة بالفعل المشكوك المتعلّق للأمر بعد إحراز أنّ الجعل من باب السببيّة؟.

والحقّ أن يقال بأنّ مقتضى الأصل عدم الاجزاء مطلقا ، بيان ذلك أنّ الأحكام الواردة على الشكّ سواء قلنا بأنّها جعلت لمصلحة في متعلّقاتها أو قلنا بأنّها جعلت من جهة الطريقيّة إنّما جعلت في طول الأحكام الواقعيّة ؛ لأنّ موضوعها الشكّ في الواقعيّات بعد الفراغ عن جعلها ، فلا يمكن أن تكون رافعة لها ، غاية الأمر أنّ الإتيان بمتعلّقاتها إن قلنا بأنّ الجعل فيها من باب السببية وأنّها وافية بمصالح الواقعيّات مجز عنها ، وهذا غير ارتفاع الأحكام الواقعيّة وانحصار الحكم الفعلي بمؤدّي الطريق.

إذا عرفت ذلك فنقول : لو أتى المكلّف بما يؤدّي إليه الطريق ، فإن قطع باشتمال ما أتى به على المصلحة المتحقّقة في الواقع فهو ، وإلّا فبعد انكشاف الخلاف يجب عليه إتيان الواقع سواء كان الشكّ في السقوط وعدمه مستندا إلى الشكّ في جهة الحكم الظاهري ، أو في وفاء المصلحة المتحقّقة في متعلّق الحكم الظاهري لإدراك ما في الواقع ، بعد إحراز أنّ الجعل إنّما يكون من جهة المصلحة الموجودة في المتعلّق ؛ إذ يشترك الجميع في أنّ المكلّف يعلم حين انكشاف الخلاف بثبوت تكليف عنه في الجملة ويشكّ في سقوطه عنه ، وهذا الشكّ مورد للاشتغال العقلي.

وممّا ذكرنا يظهر لك الفرق بين المقام والمقام السابق الذي قلنا فيه بالبراءة من الإعادة والقضاء بعد إتيان ما اقتضاه التكليف في حال الاضطرار.

توضيح الفرق أنّ المكلّف في حال الاضطرار ليس عليه إلّا الفعل الناقص الذي اقتضاه تكليفه في ذلك الحال ، فلو كلّف بعد ارتفاع العذر بالفعل التامّ فهو تكليف ابتدائي جديد والشكّ فيه مورد للبراءة بخلاف حال الشكّ ؛ فإنّ ما وراء هذا التكليف الذي اقتضاه الدليل في حال الشكّ واقع محفوظ ، فإذا ارتفع الشكّ يتبيّن له ذلك الواقع الثابت ويشكّ في سقوطه عنه ، هذا ما أدّى إليه نظري القاصر في المقام وعليك بالتأمّل التام.

* * *

١١٨

فصل في مقدّمة الواجب

لو جعل العنوان في هذا المبحث الإرادة الحتميّة المتعلّقة بالفعل الواجب فلا بدّ أن نذكر الكلام في الإرادة الحتميّة المتعلّقة بالترك الواجب في مبحث مستقلّ ، وحيث إنّ الملاك وهو الملازمة وعدمها في كلا المقامين واحد ؛ لكونه عقليّا ، فالاولى أن يقرّر النزاع هكذا : الإرادة الحتميّة المتعلّقة بالشيء من حيث الفعل أو الترك هل هي موجبة للإرادة الحتميّة المتعلّقة بمقدّمته أولا؟

ثمّ لو قلنا بثبوت الملازمة فالواجب في طرف الفعل هو جميع المقدّمات الوجوديّة له من غير فرق بين السبب والشرط والمعدّ وغيرها كما هو واضح ، وفي جانب الترك ترك أحد هذه المقدّمات لا بعينه ؛ ضرورة أنّ الفعل يصير منتركا بترك أحدها ، فالواجب المقدّمي للترك المطلوب تخييري وخصاله التروك.

ويكون كذلك ما دام قدرة المكلّف على جميع التروك باقية ، فإذا انحصرت بواحد منها يصير هذا الواحد واجبا تعيينيّا ، كما هو الحال في كلّ واجب تخييري عند زوال القدرة عن سائر أبدا له ، وذلك كما لو أتى المكلّف بغير واحد من المقدّمات الوجوديّة للفعل الحرام أو كان مضطرّا إلى إتيان غير الواحد منها ، فإنّ المقدور حينئذ منحصر في ترك هذا الواحد فيكون واجبا تعيينيّا توصّلا إلى ترك ذاك الحرام.

ومن هنا يظهر وجه ما ذكره سيّدنا العلّامة الميرزا الشيرازي قدس‌سره في حاشيته على رسالة نجاة العباد عند تفصيل الماتن في المصبّ الغصبي لماء الوضوء بين صورتي الانحصار وعدمه ، فحكم ببطلان الوضوء في الأوّل وبصحّته في الثاني.

ومحصّل ما ذكره قدس‌سره في تلك الحاشية هو التفصيل في صورة عدم الانحصار بين ما إذا أمكن بعد صبّ الماء على العضو إمساك الماء عن الانصباب في المحلّ الغصبي ، وبين ما إذا لم يمكن ذلك بل كان الصبّ متى حصل مستلزما للتصرّف في الغصب وعلّة تامّة له ، فحكم بالصحّة في الأوّل وبالبطلان في الثاني.

١١٩

ووجه ذلك أنّه على الأوّل لا ينحصر مقدّمة الواجب أعني ترك التصرّف في المصبّ في ترك الصبّ ، فيكون تركه واجبا تخييريّا ، بمعنى أنّ للمكلّف أن يفعل الصبّ ويتوصّل إلى الترك الواجب بفعل الإمساك ويكون هو الواجب التعييني حينئذ ، وبالجملة ففعل الصبّ خال عن النهي ، فلا يمتنع أن يمتثل به الأمر الوضوئي.

نعم لو كان حين الصبّ عازما على ترك الإمساك بعده كان متجرّيا وبطل وضوئه ، لا من جهة قبح نفس الصبّ ، بل لأنّ الفاعل يصير حينئذ قبيحا في نظر المولى ، والعبادة لا بدّ أن يجعل فاعلها حسنا في نظره ، وهذا بخلاف الصورة الثانية ؛ فإنّ ترك الصبّ هناك يكون واجبا تعيينيّا لفرض عدم وجود مقدّمة اخرى بعد فعل الصبّ حتّى تصير هي المتعيّن بعده ، فلهذا يمتنع أن يكون فعل الصبّ مأمورا به ومقرّبا.

فلا يرد عليه قدس‌سره أنّ صبّ الماء ليس علّة تامّة للغصب حتى يحرم بحرمته بل هو من المقدّمات ، وما هو كذلك لا يجب تركه شخصا حتّى ينافي الوجوب ، وحاصل الجواب أنّ صبّ الماء وان لم يكن علّة إلّا أنّه بعد انحصار المقدّمات المقدورة فيه كما هو المفروض يجب تركه عينا.

فإن قلت : ليس المقدور منحصرا في الصبّ ، بل الكون في المكان المخصوص أيضا من المقدّمات وهو باق تحت قدرة المكلّف ، فلم يثبت حرمة صبّ الماء عينا.

قلت : ليس الكون المذكور من مقدّمات تحقّق الغصب في عوض صبّ الماء ، بل هو مقدّمة لتحقّق الصبّ الخاص الذي هو مقدّمة تحقّق الغصب ، والنهي عن الشيء يقتضي النهي عن أحد الأفعال التي هي بمجموعها علّة لذلك الشيء ؛ فإذا انحصر المقدور من هذه الأفعال في واحد يقتضي حرمته عينا.

ثمّ لو عرض على واحد من التروك التى أحدها مقدّمة للترك المطلوب حرمة تعيينيّة زال الوجوب التخييري عنه ويعيّن في الباقي ، كما هو الحال فيما لو كان الواجبات التخييريّة أفعالا وعرض على واحد منها الحرمة التعيينيّة.

فما ربّما يتوهّم في باب اجتماع الأمر والنهي بناء على عدم جواز اجتماعهما مع كون

١٢٠