🚘

تراثنا ـ العددان [ 77 و 78 ] - ج ٧٧ و ٧٨

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 77 و 78 ] - ج ٧٧ و ٧٨

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٧٨
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢ 🚖 الجزء ٣ 🚖 الجزء ٤ 🚖 الجزء ٥ 🚖 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧-٨ 🚘 الجزء ٩ 🚘 الجزء ١٠ 🚘 الجزء ١١ 🚘 الجزء ١٢ 🚘 الجزء ١٣ 🚘 الجزء ١٤ 🚘 الجزء ١٥ 🚘 الجزء ١٦ 🚘 الجزء ١٧ 🚘 الجزء ١٨ 🚘 الجزء ١٩ 🚘 الجزء ٢٠ 🚘 الجزء ٢١ 🚘 الجزء ٢٢ 🚘 الجزء ٢٣ 🚘 الجزء ٢٤ 🚘 الجزء ٢٥ 🚘 الجزء ٢٦ 🚘 الجزء ٢٧ 🚘 الجزء ٢٨ 🚘 الجزء ٢٩ 🚘 الجزء ٣٠-٣١ 🚘 الجزء ٣٤ 🚘 الجزء ٣٥-٣٦ 🚘 الجزء ٣٧ 🚘 الجزء ٣٨-٣٩ 🚘 الجزء ٤١ ـ ٤٢ 🚘 الجزء ٤٣-٤٤ 🚘 الجزء ٤٥ - ٤٦ 🚘 الجزء ٤٧ - ٤٨ 🚘 الجزء ٤٩ 🚘 الجزء ٥٠ - ٥١ 🚘 الجزء ٥٢ 🚘 الجزء ٥٣ و ٥٤ 🚘 الجزء ٥٥ و ٥٦ 🚘 الجزء ٥٧ 🚘 الجزء ٥٨ 🚘 الجزء ٥٩ و ٦٠ 🚘 الجزء ٦١ 🚘 الجزء ٦٢ 🚘 الجزء ٦٣ و ٦٤ 🚘 الجزء ٦٥ 🚘 الجزء ٦٦ و ٦٧ 🚘 الجزء ٦٨ 🚘 الجزء ٦٩ و ٧٠ 🚘 الجزء ٧١ و ٧٢ 🚘 الجزء ٧٣ و ٧٤ 🚘 الجزء ٧٥ و ٧٦ 🚘 الجزء ٧٧ و ٧٨
🚘 نسخة غير مصححة

وآله وسلّم ـ يعني حينئذ ـ ألف باب ، كلّ باب يفتح ألف باب (١).

* وكان عمر بن الخطّاب إذا سُئل عن شيء يتعلّق ببعض هذه الشـؤون لا يقول غير : سلوا عليّاً ; لكونه هو القائم بها ; فعن جابر بن عبـد الله الأنصاري : إنّ كعـب الأحبار سأل عمر فقال : ما كان آخر ما تكلّم به رسـول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟

فقال عمر : سل عليّاً.

فسأله كعب ، فقال عليّ : أسندت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى صـدري ، فوضع رأسه على منكبي فقال : الصلاة الصلاة.

قال كعب : كذلك آخر عهد الأنبياء ، وبه أُمروا ، وعليه يبعثون ..

قال كعب : فمَن غسّله يا أمير المؤمنين؟

فقال عمر : سل عليّاً.

فسأله ، فقال : كنت أنا أُغسّله .. الحديث (٢).

* وقيل لابن عبّـاس : أرأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توفّي ورأسه في حجر أحد؟!

قال : نعم ، توفّي وإنّه لمستند إلى صدر عليّ.

فقيل له : إنّ عروة يحدّث عن عائشة أنّها قالت : توفّي بين سحـري ونحـري.

فأنكر ابن عبّـاس ذلك قائلاً للسائل : أتعقل؟! والله لتوفّي رسول الله

__________________

(١) هذا هو الحديث ٦٠٠٩ من الكنز في آخر ص ٣٩٢ ج ٦.

(٢) أخرجه ابن سعد في ص ٥١ من القسم ٢ ج ٢ من الطبقات المتقدّم ذكرها ، وهذا الحديث ١١٠٦ من أحاديث الكنز في ص ٥٥ ج ٤.

٨١

وإنّه لمستند إلى صدر عليّ ، وهو الذي غسّله .. الحديث (١).

* وأخـرج ابن سـعد (٢) ، بسـنده إلى الإمام أبي محمّـد عليّ بن الحسين زين العابدين ، قال : قُبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأسـه في حجر عليّ. انتهى.

قلت : والأخبار في ذلك متواترة عن سائر أئمّة العترة الطاهرة ، وإنّ كثيراً من المنحرفين عنهم ليعترفون بهذا ، حتّى أنّ ابن سعد أخرج (٣) بسنده إلى الشعبي ، قال : توفّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورأسه في حجر عليّ ، وغسّله عليّ. انتهى.

* وكان أمير المؤمنين عليه‌السلاميخطب بذلك على رؤوس الأشهاد ، وحسبك قوله من خطبة له (٤) عليه‌السلام: ولقد علم المستحفظون من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّي لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعة قطّ ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال ، وتتأخّر فيها الأقدام ، نجدة أكرمني الله بها ..

ولقد قُبض صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّ رأسـه لعلى صدري ، ولقد سالت نفسه في كفّي ، فأمررتها على وجهي ، ولقد وليت غسله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والملائكة أعواني ، فضجّـت الدار والأفنية ، ملأ يهبط وملأ

__________________

(١) أخرجه ابن سعد في الصفحة المتقدّم ذكرها ، وهو الحديث ١١٠٨ من أحاديث الكنز في ص ٥٥ ج ٤.

(٢) في ص ٥١ المتقدّمة الذكر من الطبقات.

(٣) في الصفحة المتقدّم ذكرها من الطبقات.

(٤) تجدها في آخر ص ١٩٦ ج ٢ من نهج البلاغة ، وفي ص ٥٦١ ج ٢ من شرح ابن أبي الحديد.

٨٢

يعرج ، وما فارقت سمعي هينمة منهم ، يصلّون عليه ، حتّى واريناه في ضريحـه ; فمن ذا أحقّ به منّي حيّاً وميّتاً؟!

* ومثله : قوله (١) ـ من كلام له عند دفنه سيّدة النساء عليهما‌السلام ـ : السلام عليك يا رسول الله ، عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة اللحاق بك ، قَلّ يا رسـول الله عن صـفيّتك صـبري ، ورقّ عنها تجلّدي ، إلاّ أنّ لي في التأسّـي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزّ ; فلقد وسّدتك في ملحـودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصـدري نفسك ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ... إلى آخر كلامه.

* وصـحّ عن أُمّ سلمة أنّها قالت : والذي أحلف به ، أن كان عليّ لأقـرب الناس عهـداً برسـول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، عدناه غداة وهو يقول : جاء عليّ؟ جاء عليّ؟ مراراً ، فقالت فاطمة : كأنّك بعثته في حاجة؟!

قالت : فجاء بعد ، فظننت أنّ له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب ..

قالت أُمّ سلمة : وكنت من أدناهم إلى الباب ، فأكبّ عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجعل يسارّه ويناجيه ، ثمّ قُبض صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من يومـه ذلك ; فكان عليّ أقرب الناس به عهداً (٢).

__________________

(١) هذا الكلام موجود في آخر ص ٢٠٧ ج ٢ من النهج ، وفي ص ٥٩٠ ج ٢ من شرح ابن أبي الحديد.

(٢) هذا الحديث أخرجه الحاكم في أوّل ص ١٣٩ ج ٣ من صحيحه المستدرك ، ثمّ قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

قلت : واعترف بصحّـته الذهبي ; إذ أورده في التلخيص.

٨٣

* وعن عبـد الله بن عمرو (١) : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في مرضـه : ادعوا لي أخي ، فجاء أبو بكر فأعرض عنه ، ثمّ قال : ادعوا لي أخي ، فجاء عثمان فأعرض عنه ، ثمّ دُعي له عليّ ، فستره بثوبه وأكبّ عليه ، فلمّا خرج من عنده قيل له : ما قال لك؟

قال : علّمني ألف باب ، كلّ باب يفتح له ألف باب.

وأنت تعلم أنّه هو الذي يناسب حال الأنبياء ، وذاك إنّما يناسب أزيار (٢) النساء.

ولو أنّ راعي غنم مات ورأسـه بين سحر زوجته ونحرها ، أو بين حاقنتها وذاقنتها ، أو على فخذها ، ولم يعهد برعاية غنمه ، لكان مضيّعاً مسـوّفاً.

__________________

وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في السُـنن ، وهو الحديث ٦٠٩٦ من الكنز في آخر ص ٤٠٠ ج ٦.

(١) في ما أخرجه أبو يعلى عن كامل بن طلحة ، عن ابن لهيعة ، عن حي بن عبـد المغافري ، عن أبي عبـد الرحمن الحبلي ، عن عبـد الله بن عمرو ، مرفوعاً.

وأخرجه أبو نعيم في حليته ، وأبو أحمد الفرضي في نسخته ، كما في ص ٣٩٢ ج ٦ من كنز العمّال.

وأخـرج الطبراني في الكبير : أنّه لمّا كانت غزوة الطائف قام النبيّ مع عليّ (يناجيه) مليّاً ، ثمّ مرّ فقال له أبو بكر : يا رسول الله! لقد طالت مناجاتك عليّاً منذ اليوم ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أنا انتجيته ، ولكن الله انتجاه ; هذا الحديث هو الحديث ٦٠٧٥ من أحاديث الكنز في ص ٣٩٩ ج ٦.

وكان كثيراً ما يخلو بعليّ يناجيه ، وقد دخلت عائشة عليهما وهما يتناجيان ، فقالت : يا عليّ! ليس لي إلاّ يوم من تسعة أيّام ، أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي؟!

فأقبل رسول الله عليها وهو محمرّ الوجه غضباً .. الحديث ; راجعه أوّل ص ٧٨ ج ٢ من شرح نهج البلاغة الحميدي.

(٢) جمع زير ، وهو الرجل يحبّ محادثة النساء لغير سوء.

٨٤

عفا الله عن أُمّ المؤمنين ، ليتها ـ إذ حاولت صرف هذه الفضيلة عن عليّ ـ نَسَبتها إلى أبيها ; فإنّ ذاك أوْلى بمقام النبيّ ممّا ادّعت ، لكنّ أباها كان يومئذ ممّن عبّأهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيده الشريفة في جيش أُسامـة ، وكان حينئذ معسكراً في الجرف.

وعلى كلّ حال ، فإنّ القول بوفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في حجرها لم يسند إلاّ إليها ، والقول بوفاته ـ بأبي وأُمّي ـ وهو في حجر عليّ مسند إلى كلّ من : عليّ ، وابن عبّـاس ، وأُمّ سلمة ، وعبـد الله بن عمرو ، والشعبي ، وعليّ بن الحسين ، وسائر أئمّة أهل البيت ; فهو أرجح سنداً وألْيَق برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ولو لم يعارض حديث عائشة إلاّ حديث أُمّ سلمة وحده ، لكان حديث أُمّ سلمة هو المقدّم ; لوجوه كثيرة غير التي ذكرناها ..

الأسباب المرجّحـة لحديث أُم سلمة :

إنّ السـيّدة أُمّ سلمة لم يصـغ قلبها بنصّ الفرقان العظيم ، ولم تؤمر بالتوبة في محكم الذكر الحكيم (١).

ولا نزل القرآن بتظاهرها على النبيّ ، ولا تظاهرت من بعده على الوصـيّ (٢) ، ولا تأهّب الله لنصـرة نبيّه عليها وجبريل وصالح المؤمنين

__________________

(١) إشارة إلى قوله تعالى في سـورة التحريم] ٦٦ : ٤ [: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما).

(٢) تظاهرها على الوصيّ كان بإنكارها الوصيّة إليه وبتحاملها عليه مدّة حياته بعد النبيّ ، أمّا تظاهرها على النبيّ ، وتأهّب الله لنصرة نبيّه عليها ، فمدلول عليهما بقوله تعالى : (وإن تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير). [سورة التحريم ٦٦ : ٤].

٨٥

والملائكة بعد ذلك ظهـير.

ولا توعّدها الله بالطلاق ، ولا هدّدها بأن يبدله خيراً منها (١).

ولا ضرب امرأة نوح وامرأة لوط لها مثلاً (٢).

ولا حاولت من رسـول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يحرّم على نفسـه ما أحـلّ الله له (٣).

ولا قام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطيباً على منبره فأشار نحو مسكنها قائلاً : ها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة ، ها هنا الفتنة ، حيث يطلع قرن الشيطان (٤).

ولا بلغت في آدابها أن تمدّ رجلها في قبلة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يصلّي ـ احتراماً له ولصلاته ـ لا ترفعها عن محلّ سجوده حتّى يغمزها فإذا غمزها رفعتها حتّى يقوم فتمدّها ثانية (٥) ، وهكذا كانت.

ولا أرجفت بعثمان ، ولا ألّبت عليه ، ولا نبزته : (نعثلاً) ، ولا قالت :

__________________

(١) هذا والذي قبله إشارة إلى قوله تعالى : (عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات) .. الآية. [سورة التحريم ٦٦ : ٥].

(٢) إشارة إلى قوله تعالى : (ضرب الله مثلاً للّذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوطإلى آخر السورة). [سورة التحريم ٦٦ : ١٠].

(٣) إشارة إلى قوله تعالى : (يا أيّها النبيّ لمَ تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضات أزواجك). [سورة التحريم ٦٦ : ١].

(٤) أخرجه البخاري في باب : ما جاء في بيوت أزواج النبيّ ، من كتاب الجهاد والسير من صحيحه ، وهو في ص ١٢٥ ج ٢ بعد باب : فرض الخمس ، وباب : أداء الخمس بيسير ..

ولفظه في صحيح مسلم : خرج رسول الله من بيت عائشة فقال : رأس الكفر من ها هنا ، حيث يطلع قرن الشيطان ; فراجع ص ٥٠٢ ج ٢.

(٥) راجع من صحيح البخاري باب : ما يجوز من العمل في الصلاة ، وهو في ص ١٤٣ ج ١.

٨٦

اقتلوا نعثلاً فقد كفر (١).

ولا خرجت من بيتها الذي أمرها الله عزّ وجلّ أن تقرّ فيه (٢).

ولا ركبت العسكر (٣) قعوداً من الإبل تهبط وادياً وتعلو جبلاً حتّى نبحتها كلاب الحوأب ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنذرها (٤) بذلك ، فلم ترعـوِ ولم تلتوِ عن قيادة جيشها اللهام ، الذي حشّدته على الإمام.

__________________

(١) إرجافها بعثمان ، وإنكارها كثيراً من أفعاله ، ونبزها إيّاه ، وقولها : اقتلوا نعثلاً فقد كفر ، ممّا لا يخلو منه كتاب يشتمل على تلك الحوادث والشؤون ، وحسبك ما في تاريخ ابن جرير وابن الأثير وغيرهما ، وقد أنّبها جماعة من معاصريها وشافهها بالتنديد بها إذ قال لها :

فمنكِ البداء ومنكِ الغير

ومنكِ الرياح ومنكِ المطرْ

وأنـتِ أمرتِ بقتل الإمام

وقلـتِ لـه إنّـه قد كفـرْ

إلى آخر الأبيات ، وهي في ص ٨٠ ج ٣ من الكامل ـ لابن الأثير ـ حيث ذكر ابتداء أمر وقعة الجمل.

(٢) حيث قال عزّ من قائل : (وقرْنَ في بيوتكنّ ولا تبرجنّ تبرّج الجاهليّة). [سورة الأحزاب ٣٣ : ٣٣].

(٣) كان الجمل الذي ركبته عائشة يوم البصرة يُدعى : العسكر ، جاءها به يعلى بن أُميّة ، وكان عظيم الخلق شديداً ، فلمّا رأته أعجبها ، فلمّا عرفت أنّ اسمه : عسكر ، استرجعت وقالت : ردّوه لا حاجة لي فيه ، وذكرت أنّ رسول الله ذكر لها هذا الاسم ونهاها عن ركوبه ، فغيّروه لها بجِلال غير جِلاله ، وقالوا لها : أصبنا لكِ أعظم منه وأشـدّ قوّة ، فرضـيت به.

وقد ذكر هذه القضـيّة جماعة من أهل الأخبار والسـير ; فراجع ص ٨٠ ج ٢ من شرح نهج البلاغة لعلاّمة المعتزلة.

(٤) والحديث في ذلك مشهور ، وهو من أعلام النبوّة وآيات الإسلام ، وقد اختصره الإمام أحـمد بن حنبل ; إذ أخرجه من حديث عائشة في مسنده ص ٥٢ وص ٩٧ ج ٦.

وكذلك فعل الحاكم إذ أخرجه في ص ١٢٠ ج ٣ من صحيحه المستدرك ، واعترف الذهبي بصحّته ; إذ أورده في تلخيص المستدرك.

٨٧

فقولها : مات رسول الله بين سحري ونحري ، معطوف على قولها : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى السودان يلعبون في مسجده بدرقهم وحرابهم ، فقال لها : أتشتهين تنظرين إليهم؟ قالت : نعم ..

قالت : فأقامـني وراءه وخدّي على خدّه وهو يقـول : دونكم يا بني أرفدة ـ إغراء لهم باللعب لتأنس السـيّدة ـ ..

قالت : حتّى إذا مللت قال : حسبك؟ قلت : نعم. قال : فاذهبي (١).

وإن شئت فاعطفه على قولها : دخل عليّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعندي جاريتان تغنيّان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش ، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمارة الشيطان عند رسول الله؟!

قالت : فأقبل عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : دعهما .. الحديث (٢).

واعطفه إن شئت على قولها (٣) : سابقني النبيّ فسبقته ، فلبثناه حتّى رهقني اللحم ، سابقني فسبقني ، فقال : هذه بتيك.

أو على قولها (٤) : كنت ألعب بالبنات ويجيء صواحبي فيلعبن معي ، وكان رسول الله يدخلهنّ عليّ فيلعبن معي .. الحديث.

__________________

(١) هذا الحديث ثابت عنها ، أخرجه الشيخان في صحيحيهما ; فراجع من صحيح البخاري : أوائل كتاب العيدين ص ١١٦ ج ١ ..

وراجع من صحيح مسلم : باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيّام العيد ص ٣٢٧ ج ١.

وراجع من مسند أحمد : ص ٥٧ ج ٦.

(٢) أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد من حديث عائشة في المواضع التي أشرنا إليها من كتبهم في التعليقة السابقة.

(٣) في ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة في ص ٣٩ ج ٦ من مسنده.

(٤) في ما أخرجه أحمد عن عائشة ص ٧٥ ج ٦ من مسنده.

٨٨

أو عـلى قولـها (١) : خِـلال فيّ سـبع لم تـكن في أحـد مـن الناس إلاّ ما آتى الله مريم بنت عمران : نزل الملك بصورتي ، وتزوّجني رسول الله بكراً لم يشركه فيّ أحد من الناس ، وأتاه الوحي وأنا وإيّاه في لحاف واحد ، وكنت من أحبَّ النساء إليه ، ونزل فيّ آيات من القرآن كادت الأُمّة تهلك فيهنّ ، ورأيت جبرائيل ولم يره من نسائه أحد غيري ، وقُبض في بيتي لم يله أحد غيري (٢) أنا والملك. انتهى.

إلى آخر ما كانت تسترسل فيه من خصائصها ، وكلّه من هذا القبيل.

أمّا أُمّ سلمـة ، فحسبها الموالاة لوليّها ووصيّ نبيّها ، وكانت موصوفة بالرأي الصائب والعقل البالغ والدين المتين ، وإشارتها على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الحديبيّة ، تدلّ على وفور عقلها وصواب رأيها وسمو مقامها ، رحمة الله وبركاته عليها».

للبحـث صلة ...

__________________

(١) أخرجه ابن أبي شيبة ، وهو الحديث ١٠١٧ من أحاديث الجزء ٧ من كنز العمّال.

(٢) وقـع الاتّفاق على أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مات وعليّ حاضـر لموته ، وهو الذي كان يقلّبه ويمرّضـه ، وكيف يصحّ أنّه قبض ولم يله أحد غيرها وغير الملك؟ فأين كان عليّ والعبّـاس؟ وأين كانت فاطمـة وصـفيّة؟ وأين كان أزواج النبيّ وبنو هاشـم كافّة؟ وكيف يتركونه كلّهم لعائشة وحدها؟!

ثمّ لا يخفى أنّ مريم عليها السلام لم يكن فيها شيء من الخِلال السبع التي ذكرتها أُمّ المؤمنين ; فما الوجه في استثنائها إيّاها؟!

٨٩

عـدالة الصـحابة

(١٣)

الشـيخ محمّـد السـند

قريش وسياسـة الاخـتراق

عندما بدأ نجم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في البزوغ في أوائل البعثة ، وبدأت قريش في المواجهة والصدام مع الدعوة الجديدة ، احتملت قريش بل تشاءمت عبر الكهنة أن تكون هي الخاسرة ، وأنّه سيكون للنبيّ الهاشميّ قدرة استيلاء على قبائل العرب والبلدان ، وتدين لقدرته الأقوام ، فبدأت تخطّط للتغلغل والنفوذ في القدرة الجديدة ; كيما تستولي على مقدّرات الأُمور ولا تفقد سيطرتها السابقة.

فاتّخذت أُسلوب حرب جديدة خفيّة اختراقيّة تسلّليّة عبر صفوف المسلمين ، موازية للحرب العلنيّة ، وقد أنبأ تعالى نبيّه بأنّ قريشاً حقّ القول عليها أنّ أكثرهم لن يؤمن بقلبه ; قال تعالى : (إنّك لمن المرسلين ... لتنذر قوماً ما أُنذر آباؤهم فهم غافلون * لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون) (١) ، أي : بقلوبهم وإن أقرّوا بلسانهم.

__________________

(١) سورة يس ٣٦ : ١ ـ ٧.

٩٠

في حين أنّه تعالى كشف عن وجود مخطّطهم الجديد في رابع سورة نزلت على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي سورة المدثّر ـ كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك في أوائل حلقات هذا البحث ـ وهو قوله تعالى : (وما جعلنا أصحاب النار إلاّ ملائكة وما جعلنا عدّتهم إلاّ فتنةً للّذين كفروا ليستيقن الّذين أُوتوا الكتاب ويزداد الّذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الّذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الّذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً كذلك يضلّ الله مَن يشاء ويهدي مَن يشاء ...) (١) ..

فذكر تعالى أنّ هناك في أوائل البعثة أربعة أصناف وطوائف : الّذين آمنوا ، والّذين أُوتوا الكتاب ، والّذين في قلوبهم مرض ، والكافرون.

وجعل الّذين في قلوبهم مرض في مصاف الكافرين ، وتعبير القرآن بأنّ في قلوبهم مرض أي يبطنون المرض ولا يظهرونه ، ومن ثمّ لم يندرجوا بحسب الظاهر في طائفة الكافرين ، كما لا يندرجون في طائفة الّذين آمنوا بقلوبهم.

وهذا الأُسلوب الجديد الذي اعتمدته قريش في الحرب والمواجهة مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لضمان الوصول إلى مركز القدرة ، ويشير إلى ذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام في ما روي بسند متّصل عن ابن عبّـاس ، قال : «كنت أتتبّع غضب أمير المؤمنين عليه‌السلام إذا ذكر شيئاً أو هاجه خبر ، فلمّا كان ذات يوم كتب إليه بعض شيعته من الشام ، يذكر في كتابه : أنّ معاوية وعمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة ومروان ، اجتمعوا عند معاوية ، فذكروا أمير المؤمنين فعابوه ، وألقوا في أفواه الناس أنّه ينتقص أصحاب رسـول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويذكر كلّ واحد منهم ما هو أهله.

__________________

(١) سورة المدثّر ٧٤ : ٣١.

٩١

فقلت : ما لك يا أمير المؤمنين الليلة؟

فقال : ... ها أنا ذا ـ كما ترى ـ مذ أوّل الليل اعتراني الفكر والسهر لما تقدّم من نقض عهد أوّل هذه الأُمّة المقدّر عليها نقض عهدها ، إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر مَن أمر من أصحابه بالسلام علَيّ في حياته بإمرة المؤمنين ، فكنت أُؤكّد أن أكون كذلك بعد وفاته ...

فمضى مَن مضى قال علَيّ بضغن القلوب ، وأورثها الحقد علَيّ ، وما ذاك إلاّ من أجل طاعته في قتل الأقارب مشركين ، فامتلوا غيظاً واعتراضاً ، ولو صبروا في ذات الله لكان خيراً لهم ...

يا ابن عبّـاس! ويل لمَن ظلمني ودفع حقّي وأذهب عظيم منزلتي ، أين كانوا أولئك وأنا أُصلّي مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صغيراً لم يكتب علَيّ صلاة ، وهم عبـدة الأوثان ، وعصاة الرحمن ، وبهم توقد النيران.

فلمّا قرب إصعار الخدود ، وإتعاس الجدود ، أسلموا كرهاً ، وأبطنوا غير ما أظهروا ; طمعاً في أن يطفئوا نور الله ، وتربّصوا انقضاء أمر الرسول وفناء مدّته ، لمّا أطمعوا أنفسهم في قتله ، ومشورتهم في دار ندوتهم ..

قال تعالى : (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) (١) ، وقال تعالى : (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون) (٢).

يا ابن عبّـاس! ندبهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حياته بوحي من الله ، يأمرهم بموالاتي ، فحمل القوم ما حملهم ممّا حقد على أبينا آدم من حسد اللعين له ، فخـرج من روح الله ورضـوانه ، وألزم اللعنة لحسده لولي الله ،

__________________

(١) سورة آل عمران ٣ : ٥٤.

(٢) سورة التوبة ٩ : ٣٢.

٩٢

وما ذاك بضارّي إن شاء الله شيئاً.

يا ابن عبّـاس! أراد كلّ امرئ أن يكون رأساً مطاعاً ، يميل إليه الدنيا وإلى أقاربه ، فحمله هواه ولذّة دنياه واتّباع الناس إليه أن يغصب ما جعل لي ، ولولا اتّقائي على الثقل الأصغر أن يُنبذ فينقطع ، شجرة العلم ، وزهرة الدنيا ، وحبل الله المتين ، وحصنه الأمين ، ولد رسول ربّ العالمين ، لكان طلب الموت والخروج إلى الله عزّ وجلّ ألذّ عندي من شربة ظمآن ، ونوم وسـنان» (١).

فبيّن عليه‌السلام أنّ قريشاً لمّا قرب إصعار الخدود وإتعاس الجدود ، أي علموا بهزيمتهم في حربهم ومواجهتهم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طمعوا في الاختراق والنفوذ ; للاستيلاء على مقدّرات الأُمور بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن ثمّ حاولوا عدّة مرّات قتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما في رجوعه من تبوك في العقبة وغيرها.

واتّخذت قريش أساليب متعدّدة للحرب الجديدة والأُسلوب المتطوّر مع الزيّ الحديث لبيئة الناس ، وهي المواجهة من خلال أدوات هذا الدين الجديد ; لضرب شخصيّة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبني هاشم ، وذلك عبر الإزراء بشخصيّة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والحطّ من قدره ، والتنزيل من عظمته ، وإثارة الشكوك حول عصمته ، والنيل من حكمته ، والطعن في هديه وسيرته ، وفي المقابل أخذوا يصنعون ويبنون لأنفسهم رموزاً ينسجون لها ألبسة يتطاولون فيها على مقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لكن عبر أُسلوب ملتو ولحن القول ، ورفع شعار الحمية للدين ، تقديماً على الله ورسوله.

واستمرّت السياسـة الجديدة لقريش بهذا الأُسلوب حتّى كتبت أقلام

__________________

(١) بحار الأنوار ٢٩ / ٥٥٢ ـ ٥٥٤ ; ورواه ابن طاووس في اليقين : ٣٢١ ـ ٣٢٢.

٩٣

بني أُميّة سيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كتابة بأقلام مأجورة ملؤها الإزراء بشخصيّة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتسافل بشؤون الوحي الإلهي ، والعبث بشأن الرسالة السماويّة ، وكذلك الحال في ما كتبوا من أسباب نزول الآيات من الوقائع التي صاغوها لموارد النزول للآي ، حسبما هي نظرتهم تجاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموأهل بيته ، من الازدراء المبطن ، والتعريض به وبهم عليهم‌السلام.

ولو أراد المتتبّع رصد جميع ذلك لطال به الأمر إلى مجلّدات ، بل موسوعات ، ولما أتى على كلّ ما حاكوه ونسجوه لتشويه الحقيقة وسدل الستار على النور النبويّ والضياء العلويّ.

أزمة كتب السيرة وأسباب النزول :

والغريب مع كلّ ذلك اعتماد أكثر المفسّرين ـ حتّى الخاصّة ـ على كتب السيرة هذه وأسباب النزول ، التي استقى أصحابها من رواة تربطهم المصلحة النفعيّة بالبلاط الأُموي والسلطة القرشيّة في السقيفة.

واللازم على كلّ باحث ـ يتحرّى الحقيقة في الدين وطريقة المذهب ـ أن يتيقّظ إلى ما رسمه الحزب القرشي من حياكة وضيعة لصورة سيرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما صاغوه من موارد أسباب النزول للآيات ، بزعم أنّها حقائق التنزيل للكتاب العزيز ، وما الكتاب الذي أسماه الجاحد المفتري سلمان رشدي بـ : (آيات شيطانيّة) ، إلاّ حصيلة ما هو موجود في صحيح البخاري وصحيح مسلم وبقيّة صحاح أهل سُـنّة جماعة الخلافة ، عن كيفيّة نزول الوحي وأحوال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقصّة الغرانيق في سورة الحجّ ، كما سلّط الضوء على خطورة صنائع عائشة ، بل إنّ في الصحاح من ذلك ما هو أدهى وأطمّ.

٩٤

وفي قبال ذلك ، اصطنعوا صور وأحوال لشخصيّات الصحابة ، تفوق شخصية سـيّد الرسل صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصفات والفضائل ، من الغيرة والحميّة على الدين ، في قائمة يطول مسلسل تعداد الموارد فيها ..

بل هم يصيغون المشاققة والمحاددة لله ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أنّها غيرة وحميّة على الدين ، والتقديم بين يدي الله ورسوله على أنّه ثائرة لنصـرة الدين ، والتمـرّد والعصيان لرسـول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أنّه شدّة في ذات الله!!

وعلى هذا المنطق لا بدّ من احتساب إبليس من المتنمّرين في توحيد الله ، والمتصلّبين في دين الله وطاعته!

وعلى هذا المعدّل والمنهج ترى كلّ الكتب أُلّفت وجُمعت ; فاللازم على الباحث مراجعة آثار العترة الطاهرة من أهل بيت النبوّة ; إذ يجد المتتبّع أنّهم عليهم‌السلام يوضّحون الخطوط العامّة والبنى الأساسيّة في سيرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كما يطلعون المسترشد بهم على غوامض التنزيل للآيات القرآنيّة ، والأحداث المسطورة في الكتاب العزيز ، وما جرى من تلاعب بيد تيار الحزب القرشي في تزويرها ، وكتمان وتغيير حقائقها.

وفي الحقيقة إنّ هذه المحطّة ـ وهي البحث في السيرة وأسباب النزول ـ وإن لم يوليها كثير من الباحثين في التفسير والفقه والعقيدة عناية التمحيص والفحص والتتبّع ، واستقصاء الشواهد المزيلة لستار الإخفاء الممارس على حقائق مجرياتها ، إلاّ أنّها في غاية الخطورة والأهمّية ، لا سيّما وإنّ السيرة وأسباب النزول هي من العناصر الحسّاسـة في تفسير الآيات ، وبالتالي من مكوّنات دلائل العقيدة وقواعد المعرفة الدينية.

ألا ترى إلى ما سبق ـ في الحلقة السابقة ـ من استعراض جملة من

٩٥

كلمات أعلام أهل سُـنّة الجماعة ، كيف التزموا بأنّ أحكام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هي اجتهادات تخطئ وتصيب ، وأنّ المخالفة له صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع التأوّل والاجتهاد المخالف محتمل للصواب؟!

فتراهم يبنون قاعدة بالغة الخطورة إلى الدرجة القصوى في الدين والعقيدة ، على مكوّنات الكتب المزبورة للسيرة وأسباب النزول ، والتي تتناقض مع محكمات الكتاب ، وتتهافت رواياتها في ما بينها عند المتأمّل البصـير.

وهذه القاعدة تفتح لهم الطريق لتسـويغ وتبرير التمرّد على النصّ في الخلافة والوصـيّة.

ومن تلك الموارد التي خاضوا في مزايداتها بين عصمة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلموعدالة الصحابة :

الصلاة على موتى المنافقين

منها : قصّة الصلاة على جنائز المنافقين ، في قوله تعالى : (ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) (١).

قال السـيوطـي في الدرّ المنـثـور : «أخرج البخـاري ، ومسلـم ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عمر ، قال : لمّا توفّي عبـد الله بن أُبي بن سلول ، أتى ابنه

__________________

(١) سورة التوبة (براءة) ٩ : ٨٤.

٩٦

عبـد الله رسـول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقام عمر بن الخطّاب فأخذ بثوبه ، فقال : يا رسول الله! أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي على المنافقين؟!

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ ربّي خيّرني وقال : (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم) (١) ، وسأزيد على السبعين.

فقال : إنّه منافق.

فصلّى عليه ، فأنزل الله تعالى : (ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره) فترك الصلاة عليهم» (٢).

وأخرج أيضاً : «عن الطبراني ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عبّـاس : أنّ عبـد الله بن عبـد الله بن أُبي قال له أبوه : أي بني! اطلب لي ثوباً من ثياب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكفّنّي فيه ، ومره أن يصلّي علَيّ.

قال : فأتاه ، فقال : يا رسول الله! قد عرفت شرف عبـد الله ، وهو يطلب إليك ثوباً من ثيابك تكفّنه فيه ، وتصلّي عليه.

فقال عمر : يا رسـول الله! قد عرفت عبـد الله ونفاقه ، أتصلّي عليه وقد نهاك الله أن تصلّي عليه؟!

فقال : وأين؟!

فقال : (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم).

قال : فإنّي سأزيد على سبعين.

فأنزل الله عزّ وجلّ : (ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره) .. الآية ; فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك ، وأنزل الله : (سواءٌ

__________________

(١) سورة التوبة (براءة) ٩ : ٨٠.

(٢) الدرّ المنثور ٣ / ٢٦٦.

٩٧

عليهم أستغفرتَ لهم أم لم تستغفر لهم) (١)» (٢).

وأخرج رواية أُخرى : «أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفّنه في قميصه ; فنزلت الآية ، قال : فذكروا القميص ، قال : وما يغني عنه قميصي؟ والله إنّي لأرجو أن يسلم به ألف من بني الخزرج ; فأنزل الله : (ولا تعجبْك أموالُهم وأولادُهم) (٣) .. الآية» (٤).

وأخرج السيوطي في ذيل الآيات السابقة على آية : (لا تصلِّ على أحد) في قوله تعالى : (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنّهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين) : «عن أحمد ، والبخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وابن أبي حاتم ، والنحّاس ، وابن حبّان ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في الحلية ، عن ابن عبّـاس ، قال : سمعت عمر يقول : لمّا توفّي عبـد الله بن أُبي دُعي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للصلاة عليه ، فقام عليه ، فلمّا وقف قلت : أعلى عدوّ الله عبـد الله بن أُبي القائل كذا وكذا ، والقائل كذا وكذا؟! أُعدّد أيّامه ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبتسم ..

حتّى إذا أكثرت قال : يا عمر! أخّر عنّي ، إنّي قد خيّرت ; قد قيل لي : (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة) ، فلو أعلم أنّي إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها.

ثمّ صلّى عليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومشى معه حتّى قام على قبره ، حتّى

__________________

(١) سورة المنافقون ٦٣ : ٦.

(٢) الدرّ المنثور ٣ / ٢٦٦ ، الطبعة القديمة.

(٣) سورة التوبة (براءة) ٩ : ٨٥.

(٤) الدرّ المنثور ٣ / ٢٦٦ ، الطبعة القديمة.

٩٨

فرغ منه ، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والله ورسوله أعلم.

فوالله ما كان يسيراً حتّى نزلت هاتان الآيتان : (ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره) فما صلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على منافق بعده حتّى قبضـه الله عزّ وجلّ» (١).

وأخرج السيوطي أيضاً : «عن ابن أبي حاتم ، عن الشعبي : أنّ عمر ابن الخطّاب قال : لقد أصبت في الإسلام هفوة ما أصبت مثلها قطّ ، أراد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يصلّي على عبـد الله بن أُبي فأخذت بثوبه فقلت : والله ما أمرك الله بهذا ، لقد قال الله : (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم).

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد خيّرني ربّي.

فقعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على شفير القبر ، فجعل الناس يقولون لابنه : يا حبّاب! افعل كذا ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحبّاب اسم شيطان ، أنت عبـد الله» (٢).

وحكى السيوطي عن السدي : أنّ الآية نسخت الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم (٣).

تدافع مضامين رواياتهم :

والروايات المزبورة لا تخلو من تقاطعات داخلية في المضمون ، بغضّ النظر عن عرضها على محكمات الكتاب والسُـنّة :

__________________

(١) الدرّ المنثور ، في ذيل الآيات المذكورة.

(٢) الدرّ المنثور ٣ / ٢٦٦.

(٣) الدرّ المنثور ، في ذيل الآيات المذكورة في المتن.

٩٩

* الأوّل :

دعوى عمر سبق النهي الإلهي عن الصلاة على المنافقين جهالةٌ ممّن تمسّك بمتشابه ; ليعترض به على ما هو برهان بيّن ومحكم مبين ; لأنّ دلالة التسوية بين الاستغفار وعدمه ـ في الآية ـ على الحرمة ، ثمّ على انطباقها على فعل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، تتوقّف على مقدّمات ، وهذه المقد ّمات كلّها غير تامّة ، بل ظنّية متشابـهة ..

١ ـ استفادة الحرمة من مجرّد التسوية محلّ نظر ومنع ; فإنّه إخبار عن اللَغويّة وعدم الثمرة ، لا ثبوت المفسدة والحزازة.

نعم ، قد جاءت في آيات أُخرى وردت في النهي عن الاستغفار للكافرين المعادين لله تعالى ، نزلت في ما بعد ذلك.

٢ ـ إنّما تتحقّق اللَغويّة وعدم الجدوائيّة من الاستغفار فيما إذا كان الاستغفار مراداً بجدّية من الكلام ، وليس إذا كان مجرّد استعمال لفظي لا يراد معناه بالإرادة الجدّية ، بل يراد منه أمراً آخر ، كما في بعض تلك الروايات المتضـمّنة : «وما يُغني عنه قميصي ، والله إنّي لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج» ; فهو ليس باستغفار حقيقي ، بل صوري يراد به أمراً آخر ..

ومضمون هذه الرواية يناقض ويكذّب دعوى نزول النهي عن الصلاة على موتى المنافقين لنسخ ما كان يفعله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ; لأنّ الاستغفار الصوري ليس صلاةً عليهم.

٣ ـ إنّ إيقاع هيئـة الصلاة على المنافـق لا تستلزم الدعاء لـه والاستغفار ، بل بالإمكان تضمّنها الدعاء على المنافق ولعنه في تلك

١٠٠