🚘

تراثنا ـ العددان [ 77 و 78 ] - ج ٧٧ و ٧٨

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 77 و 78 ] - ج ٧٧ و ٧٨

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: ستاره
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٧٨
🚖 الجزء ١ 🚖 الجزء ٢ 🚖 الجزء ٣ 🚖 الجزء ٤ 🚖 الجزء ٥ 🚖 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧-٨ 🚘 الجزء ٩ 🚘 الجزء ١٠ 🚘 الجزء ١١ 🚘 الجزء ١٢ 🚘 الجزء ١٣ 🚘 الجزء ١٤ 🚘 الجزء ١٥ 🚘 الجزء ١٦ 🚘 الجزء ١٧ 🚘 الجزء ١٨ 🚘 الجزء ١٩ 🚘 الجزء ٢٠ 🚘 الجزء ٢١ 🚘 الجزء ٢٢ 🚘 الجزء ٢٣ 🚘 الجزء ٢٤ 🚘 الجزء ٢٥ 🚘 الجزء ٢٦ 🚘 الجزء ٢٧ 🚘 الجزء ٢٨ 🚘 الجزء ٢٩ 🚘 الجزء ٣٠-٣١ 🚘 الجزء ٣٤ 🚘 الجزء ٣٥-٣٦ 🚘 الجزء ٣٧ 🚘 الجزء ٣٨-٣٩ 🚘 الجزء ٤١ ـ ٤٢ 🚘 الجزء ٤٣-٤٤ 🚘 الجزء ٤٥ - ٤٦ 🚘 الجزء ٤٧ - ٤٨ 🚘 الجزء ٤٩ 🚘 الجزء ٥٠ - ٥١ 🚘 الجزء ٥٢ 🚘 الجزء ٥٣ و ٥٤ 🚘 الجزء ٥٥ و ٥٦ 🚘 الجزء ٥٧ 🚘 الجزء ٥٨ 🚘 الجزء ٥٩ و ٦٠ 🚘 الجزء ٦١ 🚘 الجزء ٦٢ 🚘 الجزء ٦٣ و ٦٤ 🚘 الجزء ٦٥ 🚘 الجزء ٦٦ و ٦٧ 🚘 الجزء ٦٨ 🚘 الجزء ٦٩ و ٧٠ 🚘 الجزء ٧١ و ٧٢ 🚘 الجزء ٧٣ و ٧٤ 🚘 الجزء ٧٥ و ٧٦ 🚘 الجزء ٧٧ و ٧٨ 🚘 الجزء ٧٩ و ٨٠ 🚘 الجزء ٨١ و ٨٢ 🚘 الجزء ٨٣ و ٨٤ 🚘 الجزء ٨٥ و ٨٦
🚘 نسخة غير مصححة

ومن الموارد الأُخرى المزايد بها بين عصمة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدالة الصحابة :

أُسارى بـدر

قال تعالى : (ما كانَ لِنَبِيّ أن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا والله يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (١).

قال القرطبي في تفسيره : «روى مسلم (٢) من حديث عمر بن الخطّاب ... قال أبو زميل : قال ابن عبّـاس : فلمّا أسروا الأُسارى ، قال رسول الله لأبي بكر وعمر : ما ترون في هؤلاء الأُسارى؟

فقال أبو بكر : يا نبيّ الله! هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكفّار ، فعسى الله أن يهديهم للإسلام.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما ترى يا ابن الخطّاب؟

قلت : لا والله! يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكنّي أرى أن تمكّنّا فنضرب أعناقهم ، فتمكّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكّنّي من فلان (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه ; فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر وصناديدها.

فهوى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قال أبو بكر ، ولم يهو ما قلت ، فلمّا كان من الغد جئت ، فإذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان ، قلت :

__________________

(١) سورة الأنفال ٨ : ٦٧.

(٢) صحيح مسلم : كتاب الجهاد ب ١٨ : باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.

١٢١

يا رسول الله! أخبرني من أيّ شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء ، لقد عرض عليّ عذابهم أدنى هذه الشجرة ، (شجرة قريبة من نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وأنزل الله عزّ وجلّ : (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ) ، إلى قوله : (فَكُلُوا مِمّا غَنِمتُم حَلالاً طيّباً) (١) ، فأحلّ الله الغنيمة لهم» (٢).

الرواية يرويها مسلم بإسناده عن ابن زميل ، عن عبـد الله بن عبّـاس ، عن عمر بن الخطّاب ; فالراوي للرواية هو عمر نفسه.

وروى مسلم أيضاً بإسناده عن ابن عمر ، قال : «قال عمر : وافقت ربّي في ثلاث : في مقام إبراهيم ، وفي الحجاب ، وفي أُسارى بدر» (٣).

قال القرطبي : «وروى يزيد بن هارون ، قال : أخبرنا يحيى ، قال : حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرّة ، عن أبي عبيدة ، عن عبـد الله ، قال : لمّا كان يوم بدر ، جيء بالأُسارى وفيهم العبّـاس ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله [وسلّم : ما ترون في هؤلاء الأُسارى؟

فقال أبو بكر : يا رسول الله! قومك وأهلك ، استبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم.

وقال عمر : كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك ، قدّمهم واضرب أعناقهم.

وقال عبـد الله بن رواحة : انظر وادياً كثير الحطب فأضرمه عليهم.

__________________

(١) سورة الأنفال ٨ : ٦٩.

(٢) الجامع لأحكام القرآن ـ للقرطبي ـ ٨ / ٤٦.

(٣) صحيح مسلم : كتاب فضائل الصحابة ب ٢ ح ٢٥.

١٢٢

فقال أُناس : يُأخذ بقول أبي بكر. وقال أُناس : يُأخذ بقول عمر. وقال أُناس : يُأخذ بقول عبـد الله.

فخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : ... ومثلك يا عمر! لمثل نوح عليه‌السلام ، إذ قال : (رَّبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الْكافِرينَ دَيَّاراً) (١) ، ومثلك يا عمر! مثل موسـى عليه‌السلام ، إذ قال : (رَبَّـنا اطْمِسْ عَلى أمْوَالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الاْليمَ) (٢) ، أنتم عالة ، فلا ينفلتنّ أحد إلاّ بفداء أو ضربة عنق ...

وفي رواية : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن كادَ ليصيبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب ، ولو نزل عذاب ما أفلت إلاّ عمر.

وروى أبو داود عن عمر ، قال : لمّا كان يوم بدر ، وأخذ ـ يعني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ الفداء ، أنزل الله عزّ وجلّ : (ما كانَ لِنَبِيّ أَن يَكونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ) ، إلى قوله : (لَمَسَّكُمْ فيما أَخَذْتُمْ ـ من الفداء ـ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٣) ، ثمّ أحلّ الغنائم» (٤).

إلى أن قال القرطبي : «فأعلم الله سبحانه وتعالى أنّ قتل الأسرى الّذين فودوا ببدر كان أوْلى من فدائهم» (٥).

ثمّ حكى القرطبي عن ابن عبّـاس : أنّ قوله تعالى : (فَإمَّا مَنّاً بَعْدُ وإمّا فِدَاءً) (٦) ، نزلت لمّا كثر المسلمون واشتدّ سلطانهم ، لكنّه أشكل

__________________

(١) سورة نُوح ٧١ : ٢٦.

(٢) سورة يونس ١٠ : ٨٨.

(٣) سورة الأنفال ٨ : ٦٨.

(٤) الجامع لأحكام القرآن ٨ / ٤٦ ـ ٤٧.

(٥) الجامع لأحكام القرآن ٨ / ٤٨.

(٦) سورة محمّـد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ٤٧ : ٤.

١٢٣

على ذلك ـ بعدما روى عن الطبري أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال للناس بالتخيير في الأسرى بين الفداء والقتل ، بعد نزول جبرئيل عليه بذلك ـ بقوله : إذا كان التخيير ، فكيف وقع التوبيخ بقوله : (لَمَسَّكُمْ)؟ وأجاب : أنّ التوبيخ وقع أوّلا لحرصهم على أخذ الفداء ثمّ وقع التخيير بعد ذلك (١).

أقـول :

مضافاً إلى ما سيأتي من بيان التحريف في هذه الروايات في عموم الأحداث في هذه الواقعة ، كما هو ديدنهم في أسباب النزول :

أوّلاً :

ما ذكره القرطبي متدافع مع ظاهر الآيات ، ومع كلامه في مواضع من تفسيرها ; فإنّ ظاهر مفاد الآية : أنّ الحكم تعييني لا تخييري ، أي أنّ الحرمة لأخذ الأُسارى واستبقائهم متعيّنة ، ولسان التوبيخ لسان تهديد بِعقوبة ، كما هو مفاد قوله تعالى : (لَوْلاَ كِتابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فيما أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ; فكيف يجري استحقاق العقوبة مع الحرص على خصلة من التخيير؟!

ثانياً :

اعترف القرطبي في بداية تفسيره للآية : أنّ قول أكثر المفسّرين عندهم ولا يصحّ غيره : أنّ هذه الآية نزلت عتاباً من الله عزّ وجلّ لأصحاب نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمعنى : ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب

__________________

(١) الجامع لأحكام القرآن ٨ / ٤٨.

١٢٤

أن يكون للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسرى قبل الإثخان ، ولهم هذا الإخبار بقوله : (تُريدُونَ عَرَضَ الدُّنيا) ـ أي أنّ الخطاب للأصحاب لا للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ، ولا أراد قطّ عرض الدنيا ، وإنّما فعله جمهور مباشري الحرب ، فالتوبيخ والعتاب إنّما كان متوجّهاً بسبب مَنْ أشار على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأخذ الفدية (١).

وهذا التسالم عندهم ، الذي لا يصحّ غيره ، متناقض مع مضمون تلك الروايات التي روى غالبها عمر ، من أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان هواه في الفداء ، وأنّ العذاب لو نزل لَما نجا منه إلاّ عمر ، ولشمل رسول الله والعياذ بالله تعالى من هذا القول ، وفي ذلك بيان لفوقيّة عصمة عمر على عصمة الرسـول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ثالثاً :

إذا كان العتاب ـ المتسالم عليه عندهم ـ هو للصحابة الّذين حرصوا على الغنيمة والفداء ، لا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكيف يجعلون مورد وسبب نزول الآية من الشواهد على اجتهاد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ونزول الكتاب بتخطئة ذلك الاجتهاد وتصويب اجتهاد بعض الصحابة ، كـ : عمر؟!

رابعاً :

إنّ في رواياتهم المتقدّمة : أنّ عبـد الله بن رواحة أيضاً أمر بقتل الأسرى ; فلماذا يخصّ النجاة من العذاب بعمر دون غيره؟!

ولماذا يكون التصويب لرأيه فقط مع أنّ عبـد الله بن رواحة كان ذلك

__________________

(١) الجامع لأحكام القرآن ٨ / ٤٥ ـ ٤٦.

١٢٥

رأيه أيضاً ، بل قد رووا أنّ سعد بن معاذ كان ذلك رأيه أيضاً (١)؟!

خامساً :

قول عمر لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأُسارى : إنّ هؤلاء أئمّة الكفر وصناديدها ، أو : إنّ هؤلاء كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك ، ثمّ إشارته بقتل العبّـاس وعقيل ، قول مريب الاستهداف ; فأئمّة الكفر قد قُتلوا في بدر ، وما بقي من الأُسارى ليسوا من صناديد الكفر ; كيف وهم قد رووا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقرّ للعبّـاس بأنّه كان مسلماً في الخفاء ، وأنّه أُخرج كُرهاً ، وكذلك بقيّة مَن كان من بني هاشـم (٢)؟!

وهل أنّ ذلك البعض من بني هاشم ، والعبّـاس وعقيل ، هم الّذين أخرجوا رسـول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مكّة ، أم أنّهم كانوا المدافعين عنه ; إذ كان عقيل وإخوته يتناوبون للنوم في فراش النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، في بيت أبي طالب ; لئلاّ تقتله قريش غيلة (٣)؟!

أم أنّ وراء كلام عمر استهدافاً لبني هاشم ، وقد أكرهتهم قريش على الحرب ، إلاّ أنّهم رغم ذلك لم يخوضوا المعترك الأمامي في المواجهة؟!

سادساً :

الظاهر من كلّ ما مرّ أنّ حقيقة الحال هي : إنّ النهي الإلهي عن اتّخاذ الأسرى حتّى يُثخَن في الأرض ، هو ما دامت الحرب قائمة ولم تضع

__________________

(١) الجامع لأحكام القرآن ٨ / ٤٧.

(٢) الجامع لأحكام القرآن ٨ / ٤٩ ـ ٥٢.

(٣) بحار الأنوار ١٩ / ١.

١٢٦

أوزارها ، كما سيأتي بيانه والدلائل عليه ، إلاّ أنّ موقف عمر من التحريض على قتل بعض بني هاشم المكرَهين على الخروج للحرب قد انكشفت أهدافه ; إذ اتّخذ ما نزل من الآية الناهية غطاءً لذلك ، تخيّلا منه أنّه بإمكانه استغلال مفاد الآية لهذا الهدف ، وبالتالي إلحاق الإزراء ببني هاشم بذلك.

ولكن لمّا فشلت تلك المحاولة وانفضح الهدف من وراء هذا التحامل على بني هاشم استمرّ هو في تغطية هذه الواقعة وتبديلها إلى منقبة رياديّة له يتطاول بها على مقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واصطناع مقاماً له في الدين ومنازل الوحي ..

نظير الواقعة السابقة : الصلاة على المنافقين ; كيف حوّرها محاولا تغطية تجرّيه على مقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتذرّع بمفاد الآية : (ولا تُصَلِّ على أحَد مِنهُم ...) ، واستمرّ في تغطية ما جرى بتبديلها إلى منقبة دينيّة يشيد الوحي بها ، وأنّه أقرب إصابة للوحي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

سابعاً :

إنّ أهل سُـنّة الخلافة حيث تابعوا الخليفة الثاني في تغطية حقيقة ما حدث من تحامله على رهط النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّ مفاد الآية هو شامل لِما بعد الحرب ، وقعوا في تدافع فقهي وتفسيري وتاريخي في السيرة ..

فهم قد قرّروا أنّ مفاد الآية قد نسخ قبل العمل به بقوله تعالى : (فَكُلوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا الله ...).

وبعضهم ذهب إلى نسخها بقوله تعالى : (فإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَروا فَضَرْبَ الرِقَابِ حَتَّى إذا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فإمَّا مَنّاً بَعْدُ وإمّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ الله ...).

١٢٧

هذا وقد تكثّرت أقوالهم في النسبة بين الآيتين ; فجملة منهم جعلوا آية التخيير منسوخة بـ : (فاقْتُلوا الْمُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدتُّموهُمْ) (١) ، و (وقاتِلوا الْمُشْرِكينَ كَافَّةً) (٢) ، وبعضهم على أنّ كِلا الآيتين محكمتين ، وغيرها من أقوالهم المضطربة الكثيرة في المقام ، وهي لا ترسوا على التسليم بالمفاد الذي زعمه الخليفة للآية : (ما كانَ لِنَبِيّ ...).

للبحـث صلة.

__________________

(١) سورة التوبة ٩ : ٥.

(٢) سورة التوبة ٩ : ٣٦.

١٢٨

زواج أُمّ كلثوم

قراءة في نصـوص

زواج عمر من أُمّ كلثوم بنت علي عليه‌السلام

السـيّد علي الشهرستاني

البحث الفقهي

أخبار في كتب السُـنّة :

ذكرنا ـ في الحلقة السابقة ـ بأنّ أهل السُـنّة ذهبوا إلى وقوع الزواج من أُمّ كلثوم ، مستدلّين بنصوص من التاريخ ، وفروع من الفقه ، وقد ناقشنا بعض النصوص التاريخية منها ، وإليك الآن بعض الفروع الفقهيّة :

١ ـ كيفيّة الصلاة على جنازة امرأة وطفل.

قال الزيلعي في نصب الراية : «أخرج أبو داود والنسائي عن عمّار بن أبي عمّار ، قال : شهدت جنازة أُمّ كلثوم وابنها ، فجُعل الغلام ممّا يلي الإمام ، فأنكرت ذلك ، وفي القـوم ابن عبّـاس وأبو سـعيد وأبو قتادة وأبو هريرة ، فقالوا : هذه السُـنّة.

قال النووي رحمه‌الله : وسنده صحيح.

وفي روايـة البيهقي : وكان في القوم الحسن والحسين وأبو هريرة

١٢٩

وابن عمر ، ونحو من ثمانين من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم» (١).

قال النووي ـ شرحاً لكلام صـاحب المهذّب : والسُـنّة أن يقف الإمام فيها عند رأس الرجل ، وعند عجيزة المرأة ... ـ : «وروى عمّار بن أبي عمّار : أنّ زيد بن عمر بن الخطّاب ، وأُمّه أُمّ كلثوم بنت عليّ رضي الله عنهم ماتا ، فصلّى عليهما سعيد بن العاص ، فجعل زيداً ممّا يليه ، وأُمّه ممّا تلي القبلة ، وفي القوم الحسن والحسين و...» (٢).

وفي سُـنن أبي داود ، عن عمّار مولى الحارث بن نوفل : «أنّه شهد جنازة أُمّ كلثوم وابنها ، فجعل الغلام ممّا يلي الإمام ، فأنكرت ذلك ، وفي القوم ابن عبّـاس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة ، فقالوا : هذه السُـنّة» (٣).

وفي سُـنن النسائي عن نافع قريب من ذلك (٤).

٢ ـ التكبير على الجنازة.

روى البيهقي بسنده عن الشعبي ، قال : «صلّى ابن عمر على زيد بن عمر وأُمّه أُمّ كلثوم بنت عليّ ، فجعل الرجل ممّا يلي الإمام ، والمرأة من

__________________

(١) نصب الراية ٢ / ٣١٧.

(٢) المجموع ٥ / ٢٢٤.

(٣) سنن أبي داود ٢ / ٧٧ باب ٥٦ ح ٣١٩٣ ، مسند ابن الجعد ١ / ٩٨ و ١١٤ ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن عمّار مولى بني هاشم في مصنّفه ٣ / ١٩٧ باب ١٠٤ : في جنائز الرجال والنساء ، ح ٨.

(٤) سنن النسائي ٤ / ٧١ ، السنن الكبرى ـ للنسائي ـ ١ / ٦٤١ ح ٢١٠٥ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٤ / ٣٣ ، المصنّف ـ لعبـد الرزّاق ـ ٣ / ٤٦٥ ح ٦٣٣٧ ، المنتقى من السنن المسندة ـ لابن الجارود ـ : ١٤٢ ح ٥٤٥ ، سنن الدارقطني ٢ / ٦٦.

١٣٠

خلفه ، فصلّى عليهما أربعاً ، وخلفه ابن الحنفيّة والحسين بن عليّ وابن عبّـاس ...» (١).

وفي نصّ عن عامر ، قال : «مات زيد بن عمر وأُمّ كلثوم بنت عليّ ، فصلّى عليهما ابن عمر ، فجعل زيداً ممّا يليه ، وأُمّ كلثوم ممّا يلي القبلة ، وكبّر عليهما أربعاً» ..

وفي آخر ، عن ابن عمر : «أنّه صلّى على أُمّ كلثوم بنت عليّ وابنها زيد ، وجعله ممّا يليه ، وكبّر عليهما أربعاً» (٢).

٣ ـ ميراث الغرقى.

ذكر الترمذي في باب ميراث الغرقى ، عن نعيم بن خالد ، عن عبـد العزيز بن محمّـد ، حدّثنا جعفر ، عن أبيه : «أنّ أُمّ كلثوم وابنها زيداً ماتا في يوم واحد ، فالتقـت الصائحتان في الطريق ، فلم يرث كلّ واحد منهما من صاحبه ...» (٣).

٤ ـ عدّة المتوفّى عنها زوجها.

عن أبي حنيفة ، عن حـمّاد ، عن إبراهيم ، أنّه قال : «إنّما نقل عـليّ عليه‌السلام أُمّ كلثـوم حـين قتل عـمر ; لأنّـها كانـت مـع عمر في دار

__________________

(١) السنن الكبرى ٤ / ٣٨ ، تاريخ دمشق ١٩ / ٤٩٢ ، الإصابة ٨ / ٤٦٦ رقم ١٢٢٣٧.

(٢) انظر : الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ ٨ / ٤٦٤.

(٣) سنن الدارمي ٢ / ٣٧٩ ، ومثله في المستدرك على الصحيحين ٤ / ٣٤٦ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٦ / ٢٢٢ ، سنن الدارقطني ٤ / ٤٠ و ٤٥ من كتاب : الفرائض والسير ، بسنديه : عن عبـد الله بن عمر بن حفص ، وجعفر بن محمّـد ، عن أبيه عليهما‌السلام.

١٣١

الإمارة (١).

وعن الشعبي ، قال : نقل عليّ عليه‌السلام أُمّ كلثوم بعد قتل عمر بن الخطّاب بسبع ليال. ورواه سفيان الثوري في جامعه ، وقال : لأنّها كانت في دار الإمارة (٢).

٥ ـ الوكالة في التزويج.

روى الطبراني في الأوسط ، بسنده عن الحسن بن الحسن بن عليّ عليه‌السلام : أنّ عمر بن الخطّاب خطب إلى عليّ أُمّ كلثوم ، فقال : إنّها تصغر عن ذاك.

فقال عمر : إنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : كلّ سبب ونسب منقطع يوم القيامة ، إلاّ سببي ونسبي ، فأحببت أن يكون لي من رسول الله سبب ونسب.

فقال عليّ للحسن والحسين : زوّجا عمّكما.

فقالا : هي امرأة من النساء ، تختار لنفسها.

فقام عليٌّ وهو مغضب ، فأمسك الحسـن بثوبه وقال : لا صبر على هجرانك يا أبتاه.

لم يروِ هذا الحديث عن ابن جريج إلاّ روح بن عبادة ، تفرّد به سفيان

__________________

(١) الآثار ـ لأبي يوسف ـ ١ / ١٤٣ ، وانظر : المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ٤ / ١٣٣ عن الحكم ، والمصنّف ـ لعبـد الرزّاق ـ ٧ / ٣٠ رواه بسند آخر عن معمر ، عن أيوب أو غيره : أنّ عليّاً ... ، ومثله في النوادر ـ للراوندي ـ : ١٨٦ ; عن جعفر ، عن أبيه عليهما‌السلام.

(٢) الأُمّ ٧ / ١٨٢ ، السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٤٣٦ ، المصنّف ـ لابن أبي شيبة ـ ٤ / ١٣٣ ، الباب ١٧٥ ح ٥.

١٣٢

عن وكيع (١).

وهناك مسائل أُخرى في الشريعة ، كجمع الرجل بين زوجة الرجل وابنته (٢) ، والهديّة (٣) ، والصداق (٤) ، وغيرها ، سنتعرّض إليها ضمن بياننا لهذه الفروع الخمسة إن شاء الله تعالى.

أخبارٌ في كتب الشـيعة :

هناك أخبار في كتب الشيعة تشابه ما نقلته كتب أهل السُـنّة ، فلنبحث معاً عن ملابسات تلك الأخبار ، وهل أنّها أخبار معتمدة شيعيّة ، أم أنّها كانت لأهل السُـنّة وقد دخلت في المصادر الحديثيّة الشيعيّة ثمّ منها إلى الفقه؟

١ و ٢ ـ صلاة الجنائز وكيفيّة التكبير على الميّت.

قال الشيخ الطوسي في الخلاف : «مسألة ٥٤١ : إذا اجتمع جنازة رجل وصبي وخنثى وامرأة ، وكان الصبي ممّن يُصلّى عليه ، قُدّمت المرأة إلى القبلة ، ثمّ الخنثى ، ثمّ الصبي ...

إلى أن يقول : ـ دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم.

__________________

(١) المعجم الأوسط ٦ / ٣٥٧ ; وعنه في مجمع الزوائد ٤ / ٢٧٢ ، السنن الكبرى ٧ / ٦٤.

(٢) مرّت مصادره في القول الخامس في ص ١١٣ من الحلقة السابقة المنشورة في العدد (٧٥ ـ ٧٦) من تراثـنا.

(٣) صحيح البخاري ٣ / ٢٢٢ كتاب الجهاد والسير ـ باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو ، وكذا في كتاب المغازي ٥ / ٣٦ باب ذكر أُمّ سليط ، كنز العمّال ١٣ / ٦٢٣ ، شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد ـ ١٢ / ٧٦.

(٤) سنذكر مصادر الصداق لاحقاً.

١٣٣

وروى عمّار بن ياسر ، قال : أُخرجت جنازة أُمّ كلثوم بنت عليّ عليه‌السلاموابنها زيد بن عمر ، وفي الجنازة الحسن والحسين عليهما‌السلام ، وعبـد الله بن عمر وعبـد الله بن عبّاس وأبو هريرة ، فوضعوا جنازة الغلام ممّا يلي الإمام ، والمرأة وراءَهُ ، وقالوا : هذا هو السُـنّة» (١).

وقد اسـتدلّ بعض علماء أهل السُـنّة بهذه المـسألة وما يليها ـ إلزاماً لنا ـ ; للدلالة على وقوع التزويج من أُمّ كلثوم.

ولنا فيه مسائل :

* الأُولى :

إنّ ما رواه الشيخ عن عمّار بن ياسر مرسل ; إذ ليس له طريق إليه ، وبتتبّعنا في كتب الحديث عند الشيعة والعامّة ، لم نحصل على خبر يروى بهذا المضمون عن عمّار بن ياسر ، إلاّ ما حكاه الشيخ في هذه المسألة.

بل كلّ ما في الأمر هو وجودها عند العامّة عن عمّار بن أبي عمّار.

فنتساءل : هل هذا هو عمّار بن ياسر ، أم غيره؟ وهذا ما سنوضّحه لك بعد قليل.

بل كيف يكون المعنيّ به عمّار بن ياسر ، ذلك الصحابي الجليل الملازم عليّاً ; إذ لو كان ذلك صحيحاً لاحتُمل أن يكون الإمام عليّ عليه‌السلامحاضراً جنازة ابنته أُمّ كلثوم كذلك! لكنّا نرى الخبر يقول : «في الجنازة الحسن والحسين» وليس فيه ذكر الإمام عليّ عليه‌السلام.

مع العلم بأنّ عمّار بن ياسر كان قد استشهد تحت لواء عليّ بن

__________________

(١) الخلاف ١ / ٧٢٢ ، كتاب الجنائز مسألة ٥٤١.

١٣٤

أبي طالب عليه‌السلام في صفّين ، فلا يُعقل أن يروي واقعة قد حدثت في خلافة بعض بني أُميّة؟!

* الثانية :

إنّ الخبر ـ آنف الذكر ـ يخالف ما نقل عن زواج عبـد الله بن جعفر من أُمّ كلثوم بعد زينب بنت عليّ عليه‌السلام ; لأنّ النصّ يقول في زوجته زينب : «فماتت عنده» (١).

ومن المـعلوم أنّ وفاة السـيّدة زينب كان إمّا في سنة ٦٢ (٢) ، أو ٦٥ (٣) ، أو ٦٧ (٤) ، في حين أنّ خبر الصلاة على أُمّ كلثوم كان قبل السنة الرابعة والخمسين من الهجرة يقيناً (٥).

* الثالثة :

من الثابت المعلوم ، أنّ الشيخ الطوسي أتى بهذا الخبر في كتابه الخلاف استشهاداً وإلزاماً للآخرين ، لا استدلالاً به ; لأنّه كان قد قال ـ بعد ذكره للمسألة ـ : «دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم ، وروى عمّار بـن ياسر ، قال : أُخرجت ...».

وهذا يُفهِم بأنّ دليل الشيخ كان إجماع الطائفة وأخبارهم الواردة عن

__________________

(١) السنن الكبرى ـ للبيهقي ـ ٧ / ٧٠ و ٧١.

(٢) وفاة زينب الكبرى ـ للشيخ جعفر النقدي ـ : ١٤٢.

(٣) معالي السبطين : ٦٨٩ ، مع بطلة كربلاء ـ لمغنية ـ : ٩٠ ، أعلام النساء ١ / ٥٠٨.

(٤) نزهة الأنام في محاسـن الشام ٢ / ٣٤٧ و ٣٨١ ، وشرح نهج البلاغة ـ لابن ميثم ـ كما في معالي السبطين : ٦٩٠.

(٥) للمزيد ; انظر : أعيان الشيعة ١٣ / ١٢.

١٣٥

الحلبي (١) ، وابن بكير (٢) ، وعمّار الساباطي (٣) ، و... لا خبر عمّار بن ياسر حتّى يرد الإشكال.

مضافاً إلى ذلك ، أنّا نعلم أنّ الكتب الفقهيّة عند الشيعة الإماميّة كتبت على نحوين :

أوّلهما : وفق الأُصول الحديثية والرجالية الشيعية ; فلا يُتعرّض فيها إلى آراء المذاهب الأُخرى.

وثانيهما : بملاحظة آراء أهل السُـنّة والجماعة ، مع ما للشيعة من أدلّة ; وهذا ما يسمّى بالفقه المقارن ، أو فقه الخلاف.

فكتاب الشيخ الطوسي الخلاف ، هو من القسم الثاني ; إذ لم نره يذكر خبر عمّار بن ياسر في كتابه المبسوط ، أو النهاية ، أو التهذيب ، أو غيرها من كتبه الفقهية الحديثية الفتوائية ، بل ذكرهُ في كتابه الخلاف ، وهو المعني بفقه الخلاف ، وهذا يؤكّد بأنّه جاء بهذا الخبر إلزاماً للآخرين ، أو استشهاداً به على ما ذهب إليه.

وعليه ; فدليل الشيخ في هذه المسألة هو : إجماع الفرقة المحقّة ، والأخبار الواردة عن أهل بيت النبوّة عليهم‌السلام ، والتي وردت في صحاح أخبارهم ، لا ما ذكره عن عمّار ...!!

__________________

(١) تهذيب الأحكام ٣ / ٣٢٣ ح ١٠٠٠٦ وح ١٠٠٠٨ ، الاستبصار ١ / ٤٧١ ح ١٨٢٣ وح ١٨٢٥.

(٢) الكافي ٣ / ١٧٥ ح ٥ ، تهذيب الأحكام ٣ / ٣٢٣ ح ١٠٠٠٧ ، الاستبصار ١ / ٤٧٢ ح ١٨٢٤.

(٣) الكافي ٣ / ١٧٤ ح ٢ ، تهذيب الأحكام ٣ / ٣٢٢ ح ١٠٠٠٤ ، الاستبصار ١ / ٤٧٢ ح ١٨٢٧.

١٣٦

* الرابعة :

إنّ عمّاراً هذا ليس بابن ياسر ، بل هو عمّار بن أبي عمّار ، مولى بني هاشم ، وفي بعض النصوص مولى الحارث بن نوفل ، وعمّار بن أبي عمّار تابعي ، وليس بصحابي ، وقد روى عن أبي هريرة وابن عبّـاس ، وخرّج له أبو داود في سـننه (١) ، والبيهقي (٢) ، والنسائي ، وغيرهم.

وعليه ; فإنّ الشيخ الطوسي ذكر خبر عمّار في الخلاف بعد ذكره دليل الشيعة ، وذلك للاستشهاد به ، لا الاستدلال.

وبنظري : إنّ الخطأ والتصحيف الواقع في كتاب الخلاف جاء من قِبَل النسّاخ ، وقَبْلَ العلاّمة الحلّي ; إذ لا يُعقل أن لا يعرف الشيخ الطوسي ـ وهو الإمام الرجالي المحدّث ـ أنّ عمّار بن ياسر قد استشهد في صفّين ، وأنّه لا يُحدّث بأمر وقع في خلافة بعض بني أُميّة!!

نعم ، إنّ أوّل من توجّه إلى أنّ عمّاراً هذا ليس بابن ياسر هو العلاّمة الحلّي (ت ٧٢٦ هـ) ، في كتابه منتهى المطلب ، وهو من كتب فقه الخلاف ..

فقد قال العلاّمة الحلّي في مختلف الشيعة ـ والذي يختصّ بنقل أقوال علماء الشيعة الإماميّة ـ : «... واحتجّ الشيخ في الخلاف بالإجماع ، وبما روى عمّار بن ياسر ، قال : أُخرجت جنازة أُمّ كلثوم ...» (٣).

وقال في منتهى المطلب : «... لنا : رواه الجمهور عن عمّار بن أبي عمّار ، قال : شهدت جنازة أُمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ،

__________________

(١) سنن أبي داود ٣ / ٧٧ ح ٣١٩٣ ; وفيه : عمّار مولى الحارث بن نوفل.

(٢) السنن الكبرى ٤ / ٣٣.

(٣) مختلف الشيعة ٢ / ٣١٥.

١٣٧

وابنها زيد بن عمر ، فوضع الغلام بين يدي الإمام ،والمرأة خلفه ، وفي الجماعة الحسن والحسين عليهما‌السلام وابن عبّـاس وابن عمر ، وثمانون نفساً من الصحابة ، فقلت : ما هذا؟ فقالوا : هذه السُـنّة ..

ومن طريق الخاصّة : ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمّـد بن مسلم عن أحدهما ، قال ...» (١).

وقال في تذكرة الفقهاء ، وعند ذكره بعض الفروع : «ب / لو اجتمع الرجل والمرأة ، قال أصحابنا : يجعل رأس المرأة عند وسط الرجل ليقف الإمام موضع الفضيلة فيهما ، وكذا لو اجتمع ...

إلى أن يقول : ـ وفي أُخرى : يسوّى بين رؤوسهم كلّهم ; لأنّ أُمّ كلثوم بنت عليّ عليه‌السلام وزيداً ابنها توفّيا معاً ، فأُخرجت جنازتهما ، فصلّى عليهما أمير المدينة ، فسوّى بين رؤوسهما وأرجلهما. ولا حجّة في فعل غير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والإمام عليه‌السلام» (٢).

وأنت ترى نباهة العلاّمة الحلّي ، وعدم تخطّيه عن منهجه في كتابيه ; فإنّه حينما يذكر الخبر في مختلف الشيعة ـ وهو المعني بفقه الإماميّة واختلاف أعلام الطائفة فيه ـ يذكر خبر الخلاف عن عمّار بن ياسر ; أمانة منه في النقل ، لكنّه حينما يقارن المسألة مع كتب أهل السُـنّة ، نراه يشير إلى أنّ المحكيّ عن عمّار بن ياسر مرويّ في كتب الجمهور عن عمّار بن أبي عمّار التابعي ، مولى بني هاشم ، لا ابن ياسـر الصحابي.

وهذا يرشدنا إلى ضرورة الاعتناء بفقه الخلاف ، ودراسته في الحوزات العلمية ; لكي نضيف إلى فقهنا ما يؤيّدنا من فقه العامّة ، نأتي به

__________________

(١) منتهى المطلب ٧ / ٣٥٧.

(٢) تذكرة الفقهاء ٢ / ٦٦.

١٣٨

استشهاداً لا استدلالاً ، وهو يعمّق استدلالنا وحجّتنا ; لأنّ كثيراً من الفروع الفقهيّة لو قيست مع أمثالها في كتب العامّة ، لعُرفت من خلالها أُمور كثيرة خافية علينا اليوم ; لأنّ فقهنا مهيمن وناظر على فقه العامّة ، الذي تأثّر بالسلطة والسياسة و... بشكل كبير.

إذاً دراسة الأفكار والعقائد والآراء المطروحة في زمن صدور النصّ له الارتباط الكامل في فهم المسائل المختَلف فيها عند المسلمين اليوم.

وعليه ، فلا يمكن للخصم أن يستدلّ علينا بورود خبر عمّار بن ياسر وأمثاله في مسالك الأفهام ، أو مجمع الفائدة والبرهان ، أو جواهر الكلام ، وغيرها مثلاً ; لكونها مأخوذة من كتاب الخلاف ، وقد عرفت كيفيّة دخول هذا الخبر إلى التراث الشيعي.

وقفة مع خبر عمّار :

إنّ هناك عللاً خفيّة في خبر عمّار بن ياسر = عمّار بن أبي عمّار في محكيّ الخلاف ومروي العامّة ، يجب الإشارة إلى بعضها :

أحدها : الاختلاف في زيد بن عمر ; هل مات غلاماً أم رجلاً؟ وهل هناك فرق بينهما في الاستدلال؟

ثمّ هل مات وأُمّه في يوم واحد أم على التعاقب؟

الثاني : ما المراد من قول عمّار بن أبي عمّار : «قالوا : إنّها السُـنّة» ; هل يعني لزوم جعل المرأة قبلة الغلام ، والغلام قبلة الإمام؟ أم أنّهم أرادوا شيئاً آخر؟

وكيف كان التكبير في خبره؟ ولماذا لم يذكره؟

١٣٩

هل كان التكبير على الميّت أربعاً ـ كما صلّى ابن عمر عليهما ـ أم خمساً ـ كما عليه إجماع أهل البيت عليهم‌السلام ـ؟

وما هو حكم الصلاة على المرأة؟ هل السُـنّة في أن يكون الإمام عند رأسها ـ كما تقوله الشيعة (١) ـ؟ أم عند وسطها أو عجيزتها ـ كما تقوله العامّة (٢) ـ؟

وهل السُـنّة هي التسوية في الجنائز أم التدرّج فيها؟

بل مَن هو الأحقّ بالصلاة على الميّت؟ هل السُـنّة أن يصلّي عليه الإمام أم أولياء الميّت؟

إلى غيرها من الفروع الفقهيّة التي يمكن أن تُبحث ضمن هذه المسألة ..

جاء في مختصر تاريخ دمشق : «... كانت في زيد وأُمّه سُـنّتان : ماتا في ساعة واحدة لم يُعرف أيّهما مات قبل الآخر ، فلم يورث كلّ واحد منهما صاحبه ، ووضعا معاً في موضع الجنائز ، فأُخّرت أُمّه وقدّم هو ممّا يلي الإمام ، فجَرت السُـنّة في الرجل والمرأة بذلك بعد» (٣).

* أمّا الكلام عن الأمر الأوّل : هل أنّ زيداً مات رجلاً أم غلاماً؟

فقد عرّف الخليل في العين (٤) ، والصاحب بن عبّاد في المحيط (٥) ،

__________________

(١) انظر في ذلك : وسائل الشيعة ٣ / ٦١٨ باب ٢٧.

(٢) صحيح البخاري ٢ / ٩١ كتاب الجنائز ، باب : «أين يقوم من المرأة والرجل» ، سنن الترمذي ٢ / ٢٤٩ أبواب الجنائز ، باب ٤٤.

(٣) تاريخ دمشق ١٩ / ٤٨٨ ـ ٤٨٩.

(٤) العين ٤ / ٤٢٢ مادّة «غلم».

(٥) المحيط في اللغة ٥ / ٨٨.

١٤٠