🚘

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٣٤

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام - ج ٣٤

المؤلف:

شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي


المحقق: الدكتور عمر عبدالسلام تدمري
الموضوع : التاريخ والجغرافيا
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٤٣
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦ 🚘 الجزء ٧ 🚘 الجزء ٨ 🚘 الجزء ٩ 🚘 الجزء ١٠ 🚘 الجزء ١١ 🚘 الجزء ١٢ 🚘 الجزء ١٣ 🚘 الجزء ١٤ 🚘 الجزء ١٥ 🚘 الجزء ١٦ 🚘 الجزء ١٧ 🚘 الجزء ١٨ 🚘 الجزء ١٩ 🚘 الجزء ٢٠ 🚘 الجزء ٢١ 🚘 الجزء ٢٢ 🚘 الجزء ٢٣ 🚘 الجزء ٢٤ 🚘 الجزء ٢٥ 🚘 الجزء ٢٦ 🚘 الجزء ٢٧ 🚘 الجزء ٢٨ 🚘 الجزء ٢٩ 🚘 الجزء ٣٠ 🚘 الجزء ٣١ 🚘 الجزء ٣٢ 🚘 الجزء ٣٣ 🚘 الجزء ٣٤ 🚘 الجزء ٣٥ 🚘 الجزء ٣٦ 🚘 الجزء ٣٧ 🚘 الجزء ٣٨ 🚘 الجزء ٣٩ 🚘 الجزء ٤٠ 🚘 الجزء ٤١ 🚘 الجزء ٤٢ 🚘 الجزء ٤٣ 🚘 الجزء ٤٤ 🚘 الجزء ٤٥ 🚘 الجزء ٤٦ 🚘 الجزء ٤٧ 🚘 الجزء ٤٨ 🚘 الجزء ٤٩ 🚘 الجزء ٥٠ 🚘 الجزء ٥١ 🚘 الجزء ٥٢
🚘 نسخة غير مصححة

الفاميّ (١) الفارسيّ ، أبو محمد ، الفقيه الشّافعيّ.

قدم بغداد سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة على تدريس النّظاميّة ، وكان مدرّسها يومئذ الحسين بن محمد الطّبريّ ، فتقرّر أن يدرّس كلّ واحد منهما يوما. فبقيا على ذلك سنة وعزلا. فأملى أبو محمد بجامع القصر.

عن : أبي بكر أحمد بن الحسن بن اللّيث ، الشّيرازيّ الحافظ ، ومحمد بن أحمد بن حمدان بن عبدك ، وعليّ بن بندار الحنفيّ ، وجماعة من شيراز.

قال أبو عليّ بن سكّرة : قدم عبد الوهّاب الفاميّ وأنا ببغداد ، وخرج كافّة العلماء والقضاة لتلقّيه. وكان يوم قرئ منشورة يوما مشهودا. سمعت عليه كثيرا ، وسمعته يقول : صنّفت سبعين تأليفا في ثمانية عشر عاما. ولي كتاب في التّفسير ضمّنته مائة ألف بيت شاهدا.

أملى بجامع القصر ، وحفظ عليه تصحيف شنيع. ثمّ أجلب عليه وطولب ، ثمّ رمي بالاعتزال حتّى فرّ بنفسه.

وقال السّمعانيّ : نا أبو العلاء أحمد بن محمد بن الفضل الحافظ : سمعت أحمد بن ثابت الطّرقيّ (٢) الحافظ يقول : سمعت غير واحد ممّن أثق به ، أنّ عبد الوهّاب الشّيرازيّ أملى ببغداد حديثا متنه : «صلاة في أثر صلاة كتاب في علّيّين» (٣) ،

فصحّف وقال : كنار في علّيّين. وكان الإمام محمد بن ثابت

__________________

= التواريخ (مخطوط) ١٣ / ١٧٦ ، ١٧٧ ، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٥ / ٢٢٩ ، ٢٣٠ ، وطبقات الشافعية للإسنويّ ٢ / ٢٧٣ ، ٢٧٤ ، والبداية والنهاية ١٢ / ١٦٨ ، ١٦٩ ، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١ / ٢٧٤ ، ٢٧٥ رقم ٢٣٣ ، ولسان الميزان ٤ / ٩٠ ، ٩١ ، رقم ١٧٠ ، وكشف الظنون ٤٥١ ، ١١٠٠ ، وشذرات الذهب ٣ / ٤١٣ ، وهدية العارفين ١ / ٦٣٧ ، والأعلام ٤ / ٣٣٦ ، ومعجم المؤلفين ٦ / ٢٢٩.

(١) الفاميّ : بفتح الفاء وفي آخرها الميم. هذه النسبة إلى الحرفة وهي لمن يبيع الأشياء من الفواكه اليابسة ، ويقال له البقّال. (الأنساب ٩ / ٢٣٤).

(٢) في الأصل : «الطرفي» ، والتصحيح من : الأنساب ٨ / ٢٣٥ وفيه : الطّرقيّ : بفتح الطاء المهملة ، وسكون الراء ، وفي آخرها القاف. هذه النسبة إلى طرق وهي قرية كبيرة مثل البليدة من أصبهان ، على عشرين فرسخا منها. وذكر منها : أحمد بن ثابت الطرقي ، وهو توفى بعد سنة ٥٢٠ ه‍.

(٣) الحديث حسن ، أخرجه أبو داود في الصلاة (٥٥٥٨) باب : ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة. وأخرجه أحمد من طريقين في مسندة ٢ / ٢٦٣ و ٥ / ٢٦٨.

٣٢١

الخجنديّ (١) حاضرا فقال : ما معناه؟ فقال : النّار في الغلس يكون أضوأ.

قال الطّرقيّ : وسأله بعض أصدقائي عن «جامع» أبي عيسى التّرمذيّ : هل لك به سماع؟ فقال : ما «الجامع» ، ومن أبو عيسى؟ ما سمعت بهذا قطّ. ثمّ رأيته بعد ذلك بعده في مسموعاته.

قال الطّرقيّ : ولمّا أراد أن يملي بجامع القصر قلت له : لو استعنت بحافظ ما ، ينتقي الأحاديث ، ويرتّبها على ما جرت به عادتهم ، فقال : إنّما يفعل ذلك من قلّت معرفته بالحديث ، أنا حفظي يغنيني ، وامتحنت بالاستملاء. فأوّل ما حدّث رأيته يسقط من الإسناد رجلا ، ويبدّل رجلا برجل ، ويجعل الواحد رجلين ، وفضائح أعجز عن ذكرها. ففي غير موضع : نا الحسن بن سفيان ، عن يزيد بن زريع ، فأمسك أهل المجلس ، وأشاروا إليّ ، فقلت : سقط إمّا محمد بن منهال ، أو أميّة بن بسطام. فقال : اكتبوا كما في أصلي.

وأورد : أنا سهل بن بحر أنا سألته ، فقال : إننا سالبة (٢) ، وأمّا تبديل عمرو بعمر ، وكذا جميل بجميل ، وقال في سعيد بن عمرو الأشعثيّ : سعيد بن عمر ، والأشعثيّ ، فجعل واو عمرو واو العطف ، فقلت : إنّما نسبه ، فقال : لا. فقلت :فمن الأشعثيّ؟ قال : فضول منك.

وقال في الطّور : الطّود.

وقال السّمعانيّ : كانت له يد في المذهب. وحدّث عن عبد الواحد بن يوسف الخرّاز ، وأبي زرعة أحمد بن يحيى الخطيب ، والحسن بن محمد بن عثمان بن كرامة ، وجماعة من الفارسيّين. روى لنا عنه : عبد الوهّاب الأنماطيّ ، والحسين بن عبد الملك الخلّال ، ومحمود بن ماشاذة.

وقال يحيى بن مندة : أبو محمد الفاميّ أحفظ من رأيناه لمذهب الشّافعيّ.

صنّف كتاب «تاريخ الفقهاء» ، وقال فيه : مات جدّي أبو الفرج عبد الوهّاب سنة

__________________

(١) الخجنديّ : بضم الخاء المعجمة وفتح الجيم وسكون النون ، وفي آخرها الدال. هذه النسبة إلى خجند ، وهي بلدة كبيرة كثيرة الخير على طرف سيحون من بلاد المشرق ، ويقال لها بزيادة التاء خجندة أيضا. (الأنساب ٥ / ٥٢).

(٢) في الأصل : «سألته».

٣٢٢

أربع عشرة وأربعمائة ، وفيها ولدت.

وقال غيره : توفّي في الرابع والعشرين من رمضان بشيراز.

٣٦٣ ـ عليّ بن طاهر بن جعفر (١).

أبو الحسن الدّمشقيّ ، النّحويّ.

سمع : أبا عبد الله بن سلوان ، وأبا نصر الكفرطابيّ ، وعليّ بن الخضر السّلميّ ، وأبا القاسم الحنّائيّ ، وأبا القاسم السّميساطيّ.

روى عنه : جمال الإسلام أبو الحسن ، وأبو المعالي محمد بن يحيى القرشيّ ، وجميل بن تمّام ، وحفّاظ (٢) بن الحسن ، والخضر بن هبة الله بن طاوس ، وأبو المعالي بن صابر.

قال ابن عساكر : كان ثقة. وكان له حلقة في الجامع وقف عندها كتبه. توفّي في ربيع [الأول] (٣).

ـ حرف الميم ـ

٣٦٤ ـ [محمد (٤) بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن خذاداذا] (٥).

أبو غالب الباقلّاني (٦) ، البقال ، الفاميّ ، البغداديّ ، الشيخ الصالح المحدّث.

__________________

(١) انظر عن (علي بن طاهر) في : مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ١٨ / ٩٩ رقم ٢ ، وورد في الأصل : «ظاهر» بالظاء المعجمة ، وإنباه الرواة ٢ / ١٧ ، ٢٨٣ رقم ٤٦٢ ، وبغية الوعاة ٢ / ١٧٠ رقم ١٧١٤.

(٢) في الأصل : «حباظ».

(٣) ومولده في سنة ٤٣١ ه‍. وما بين الحاصرتين من (بغية الوعاة). وقد روى عنه : غيث بن علي الصوري.

(٤) هذه الترجمة كلّها منقولة من (سير أعلام النبلاء) فهي ساقطة من أصل نسختنا.

(٥) انظر عن (محمد بن الحسن) في : المنتظم ٩ / ١٥٣ ، ١٥٤ رقم ٢٤٧ ، (١٧ / ١٠٥ رقم ٣٧٦٩) ، والعبر ٣ / ٣٥٦ ، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ٢٣٥ ، ٢٣٦ رقم ١٤٤ ، ودول الإسلام ٢ / ٢٩ ، وعيون التواريخ (مخطوط) ١٣ / ١٩٥ ، والنجوم الزاهرة ٥ / ١٩٥ ، وشذرات الذهب ٣ / ٤١٢.

(٦) في المنتظم : «الباقلّاوي».

٣٢٣

سمع من أبي عليّ بن شاذان ، وأبي بكر البرقانيّ ، وأحمد بن عبد الله بن المحاملي ، وطائفة.

روى عنه أبو بكر السمعاني ، وإسماعيل بن محمد التّيميّ ، وابن ناصر ، والسّلفيّ ، وخطيب الموصل ، وشهدة ، وخلق. أثنى عليه عبد الوهّاب الأنماطيّ.

وقال ابن ناصر : كان كثير البكاء من خشية الله.

قلت : عاش ثمانين سنة أو أزيد ، وتوفّي في شهر ربيع الآخر سنة خمس مائة (١).

وهو أخو الشيخ أبي طاهر أحمد بن الحسن الكرخي المذكور].

٣٦٥ ـ [المبارك (٢) بن عبد الجبّار بن أحمد بن القاسم بن أحمد بن عبد الله (٣).

الشيخ الإمام ، المحدّث ، العالم المفيد ، بقيّة النّقلة المكثرين ، أبو الحسين البغداديّ ، الصّيرفيّ ابن الطّيوريّ.

ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة.

سمع : أبا القاسم الحرفيّ ، وأبا عليّ بن شاذان ، ثم أبا الفرج

__________________

(١) وقال ابن الجوزي : ولد سنة إحدى وأربعمائة. وقال : حدّثنا عنه أشياخنا ، وهو من بيت الحديث ، وكان شيخا صالحا كثير البكاء من خشية الله تعالى ، صبورا على إسماع الحديث. (المنتظم).

(٢) من هنا ساقط من الأصل ، والمستدرك بين الحاصرتين من (سير أعلام النبلاء ١٩ / ٢١٣ ، ٢١٤).

(٣) انظر عن (المبارك بن عبد الجبّار) في : الإكمال ٣ / ٢٨٧ ، والأنساب ٤ / ٢٠٩ ، وتاريخ دمشق (مخطوطة التيمورية) ٣٨ / ٣٥٢ ـ ٣٥٧ ، والمنتظم ٩ / ١٥٤ رقم ٢٤٨ (١٧ / ١٠٥ ، ١٠٦ رقم ٣٧٧٠) ، والتقييد لابن نقطة ٤٣٨ ، ٤٣٩ رقم ٥٨٣ ، والكامل في التاريخ ١٠ / ٤٣٩ ، وصلة الخلف بموصول السلف للروداني (نشر في مجلّة معهد المخطوطات العربية) المجلد ٢٩ ج ١ / ١٠ و ٢ / ٥٠٠ ، وميزان الاعتدال ٣ / ٤٣١ ، والعبر ٣ / ٣٦٥ ، ودول الإسلام ٢ / ٢٩ ، والإعلام بوفيات الأعلام ٢٠٦ ، والمعين في طبقات المحدّثين ١٤٧ رقم ١٦٠١ ، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ٢١٣ ـ ٢١٦ رقم ١٣٢ ، والمستفاد من ذيل تاريخ بغداد للدمياطي ٢٢٣ ـ ٢٢٦ ، ٣ / ٤١٢ ، والرسالة المستطرفة ٦٩ ، وموسوعة علماء المسلمين في تاريخ لبنان الإسلامي (القسم الثاني) ج ٣ / ١٧٠ ، ١٧١ رقم ٨٦١ ، وانظر كتاب : الفوائد العوالي المؤرّخة من الصحاح والغرائب للتنوخي (بتحقيقنا) ٣٢ ، ٣٣ (في ترجمة محمد بن علي الصوري) ، والأعلام ٦ / ١٥١ ، ومعجم المؤلفين ٨ / ١٧٢.

٣٢٤

الطّناجيريّ ، وأبا محمد الخلّال ، وابن غيلان ، وأبا الحسن العتيقيّ ، ومحمد بن علي الصّوريّ ، وعليّ بن أحمد الغاليّ ، وأبا طالب العشاريّ ، وعددا كثيرا.

وارتحل فسمع] (١) بالبصرة أبا عليّ بن الشّاموخيّ (٢) ، وغيره.

قال السّمعانيّ : أكثر عنه والدي ، وثنا عنه أبو طاهر السّنجيّ ، وأبو المعالي الحلوانيّ بمرو ، وإسماعيل بن محمد بأصبهان ، وخلق يطول ذكرهم.

وكان المؤتمن السّاجيّ سيّئ الرأي فيه ، وكان يرميه بالكذب ويصرّح بذلك. وما رأيت أحدا من مشايخنا الثّقات يوافقه ، فإنّي سألت جماعة مثل عبد الوهّاب الأنماطيّ ، وابن ناصر ، وغيرهما ، فأثنوا عليه ثناء حسنا ، وشهدوا له بالطّلب والصّدق والأمانة ، وكثرة السّماع.

وسمعت سلمان بن مسعود الشّحّام يقول : قدم علينا أبو الغنائم بن النّرسيّ ، فانقطعنا عن مجلس ابن الطّيوريّ أيّاما ، واشتغلنا بالسّماع منه. فلمّا مضينا إلى ابن الطّيوريّ قال لنا : لم انقطعتم عنّي هذه الأيام؟ قلنا : قدم شيخ من الكوفة كنّا نسمع منه. قال : فانشرا عليّ ما عنده. قلنا : حدّث عليّ بن عبد الرحمن البكّائيّ. فقال الشّيخ أبو الحسين ، وأخرج لنا شدّة من حديث البكّائيّ ، وقال : هذا من حديثه ، سماعي من أبي الفرج بن الطّناجيريّ.

قال السّمعانيّ : وأظنّ أنّ هذه الحكاية سمعها من الحافظ ابن ناصر.

ولد ابن الطّيوريّ في سنة إحدى عشرة وأربعمائة. وقد روى عنه :السّلفيّ ، وشهدة ، وعبد الحقّ اليوسفيّ ، وخطيب الموصل ، وأبو السّعادات.

وذكره أبو عليّ بن سكّرة فقال : الشّيخ الصّالح الثّقة. كان ثبتا فهما ، عفيفا ، متفنّنا ، صحب الحفّاظ ودرّب معهم.

وسمعت أبا بكر ابن الخاضبة يقول : شيخنا أبو الحسين ممّن يستشفى بحديثه.

__________________

(١) حتى هنا تنتهي الإضافة على الأصل من (سير أعلام النبلاء).

(٢) في الأصل : «الشاذلوحي». و «الشّاموخي» : بفتح الشين المعجمة ، وضم الميم ، وفي آخرها الخاء المعجمة. هذه النسبة إلى (شاموخ) وهي قرية بنواحي البصرة. (الأنساب ٧ / ٢٦٤).

٣٢٥

وقال ابن ناصر في أماليه : ثنا الثّبت الصّدوق أبو الحسين.

وقال السّلفيّ : ابن الطّيوريّ محدّث كبير ، مفيد ، ورع ، لم يشتغل قطّ بغير الحديث ، وحصّل ما لم يحصّله أحد من التّفاسير ، والقراءات ، وعلوم القرآن ، والمسانيد ، والتّواريخ ، والعلل ، والكتب المصنّفة ، والأدبيّات في الشّعر.

رافق الصّوريّ ، واستفاد منه ، والنّخشبيّ ، وطاهر النّيسابوريّ. وكتب عنه مسعود السّجزيّ ، والحميديّ ، وجعفر بن الحكّاك ، فأكثروا عنه.

ثمّ طوّل السّلفيّ الثّناء عليه.

وذكره أبو نصر بن ماكولا (١) فقال : صديقنا أبو الحسين ابن الحماميّ مخفّفا ، سمع : أبا عليّ بن شاذان ، وخلقا كثيرا بعده ، وهو من أهل الخير والعفاف والصّلاح.

قال ابن سكّرة : ذكر لي شيخنا أبو الحسين أنّ عنده نحو ألف جزء بخطّ الدّارقطنيّ ، أو أخبرت عنه بمثل ذلك. وأخبرني أنّ عنده لابن أبي الدّنيا أربعة وثمانين مصنّفا.

وقال عليّ بن أحمد النّهروانيّ (٢) : توفّي في نصف ذي القعدة (٣).

__________________

(١) في الإكمال ٣ / ٢٨٧.

(٢) النّهرواني : بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء المهملة والواو ، وفي آخرها نون أخرى. هذه النسبة إلى بليدة قديمة على أربعة فراسخ من الدجلة يقال لها النّهروان ، وقد خرب أكثرها. (الأنساب ١٢ / ١٧٤).

(٣) وقال ابن الجوزي : وكان مكثرا صالحا أمينا صدوقا متيقّظا ، صحيح الأصول ، صيّنا ورعا ، حسن السّمت ، كثير الصلاة ، سمع الكثير ونسخ بخطه ومتّعه الله بما سمع حتى انتشرت عنه الرواية. حدّثنا عنه أشياخنا ، وكلّهم أثنوا عليه ثناء حسنا ، وشهدوا له بالصدق والأمانة مثل عبد الوهاب ، وابن ناصر وغيرهما. (المنتظم).

وقال محمد بن علي بن فولاذ الطبري : سألت أبا غالب الذهلي عن ابن الطيوري ، فقال : لا أقول إلّا خيرا ، اعفني عن هذا! فألححت عليه ، وقلت له : رأينا سماعه ـ أنا والسمعاني ـ بكتاب الناسخ والمنسوخ لابن عبيد ملحقا على رقعة ملصقا بالكتاب ، وكتاب «الفصل» لداود بن المجبر ، كان سماعه إلى البلاغ بخط ابن خيرون ، فأتمّ هو السماع للجميع بخطّه؟

فقال : نعم! وغير ذا؟! وذكر المجلس عن الحرفي ، فقال : قطّ لم يسمع منه ، وأخرجه في جزازة له بخطّه ، قالوا له : فأين كان إلى الساعة؟ قال : كان قد ضاع ، وجدته الآن. وقال=

٣٢٦

٣٦٦ ـ المبارك (١) بن فاخر بن محمد بن يعقوب بن فاخر بن محمد بن يعقوب (٢).

أبو الكرم ابن الدّبّاس ، النّحويّ.

من كبار أئمّة العربيّة واللّغة ، له فيهما باع طويل.

ولد سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. وقيل : سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة (٣) ، وهو أصحّ ، والأوّل غلط.

أخذ عن : أبي القاسم عبد الواحد بن برهان الأسديّ (٤).

__________________

= الأسدي أيضا قريبا منه.

وذكره السلفي وأثنى عليه ، ثم قال بعد كلام له : كتبت عنه فأكثرت ، وأخرج لي في جملة ما أخرج في سنة أربع وتسعين جزءا من حديث ما روى الخطابي كان يرويه عن أبي بكر بن النمط المقرّر فنظر فيه فرأى الإلحاق ، فقال لي : رأيت هذا التسميع؟ قلت : نعم ، والشيخ ثقة ، جلى القدر ، ربّما نقله من نسخة أخرى وما ذكره ولا أحال عليه ، فقال : نعم ، يحتمل منه لأنه ثقة كبير. ثم رأيت بعد ذلك من هذا الخط غير جزء ابن النمط ، أراني المؤتمن ومحمد بن منصور السمعاني ، وكان أبو نصر محمود الأصبهاني حاضرا ، فذكر أنه وقف على مثل هذا ، قال : والعلّة فيه أنه صاحب كتب كثيرة تنقل من نسخة إلى نسخة أخرى ولا يذكر الطبعة ، وكذا التسميع اتّكالا على ثقته ، وحلف أبو نصر بالله أنه رأى مثل ذلك في أجزائه ، ثم وجد في كتبه الأصول التي نقل منها ، وأنا بعد وقفت على مثل ما ذكره أبو نصر ، فالله أعلم. (المستفاد من ذيل تاريخ بغداد).

(١) هذه الترجمة وردت في الأصل بعد ترجمة (يوسف بن تاشفين) الآتية برقم (٣٦٩) ، فقدّمتها إلى هنا مراعاة لترتيب الحروف.

(٢) انظر عن (المبارك بن فاخر) في : نزهة الألبّاء ٢٦٠ (و ٢٨١ ـ ٢٨٣) و ٢٩٨ ، والمنتظم ٩ / ١٥٤ رقم ٢٤٩ (١٧ / ١٠٦ رقم ٣٧٧١) ، ومعجم الأدباء ١٧ / ٥٤ ـ ٥٦ رقم ٢٠ ، والكامل في التاريخ ١٠ / ٤٣٩ ، وإنباه الرواة ٣ / ٢٥٦ ، ٢٥٧ ، والعبر ٣ / ٣٥٦ ، وميزان الاعتدال ٣ / ٤٣١ رقم ٧٠٤٧ ، والمغني في الضعفاء ٢ / ٥٤٠ رقم ٥١٦٣ ، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ٣٠٢ ، ٣٠٣ رقم ١٩٢ ، وتخليص ابن مكتوم ٢٤١ ، وعيون التواريخ (مخطوط) ١٣ / ١٩٥ ، ومرآة الجنان ٣ / ١٦٢ ، وطبقات النحاة لابن قاضي شهبة (مخطوط) ورقة ٢٤٩ ، ولسان الميزان ٥ / ١١ رقم ٣٧ ، والنجوم الزاهرة ٥ / ١٩٥ ، وبغية الوعاة ٢ / ٢٧٢ ، ٢٧٣ ، وكشف الظنون ٤٨ ، ١٧٤١ ، وشذرات الذهب ٣ / ٤١٢ ، ومعجم المؤلفين ٨ / ١٧٢ ، ١٧٣.

(٣) نزهة الألبّاء ٢٨٢.

(٤) وهو العكبريّ النحويّ المتوفى سنة ٤٥٠ ه‍. (نزهة الألباء ٢٦٠).

وقال ياقوت : وجدت بخط السمعاني مولده على ما تقدّم ، فإن صحّ ذلك لا يصحّ أخذه النحو عن ابن برهان ، لأنّ ابن برهان مات سنة ست وخمسين وأربعمائة ، بل إن كان سمع منه شيئا جاز ذلك ، ثم لما وردت إلى مرو نظرت في كتاب «المذيّل» للسمعاني وقد ألحق بخطّه في =

٣٢٧

وسمع الحديث من : أبي الطّيّب الطّبريّ ، وأبي محمد الجوهريّ.

أخذ عنه : الشّيخ أبو محمد سبط الحنّاط.

وروى عنه : أبو المعمّر الأنصاريّ ، وجماعة.

وله كتاب «المعلّم» في النّحو ، وكتاب «نحو العرف» ، وكتاب «شرح خطبة أدب الكاتب».

وكان ابن ناصر يرميه بالكذب ، ويقول : كان يدّعي سماع ما لم يسمعه (١).

وقال أبو منصور بن خيرون : كانوا يقولون إنّه كذّاب.

توفّي في ذي القعدة (٢).

٣٦٧ ـ مطهّر بن أحمد بن عمر بن صالح (٣).

__________________

= تضاعيف السطور بخط دقيق : قرأت بخط والدي رحمه‌الله : سألت المبارك بن الفاخر عن مولده فقال : ولدت في سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. قلت : فإذا صحّت هذه الرواية فقد صحّ أخذه عن ابن برهان ، وكان والد السمعاني قد لقي ابن الفاخر وأخذ عنه ، وحكى عنه شيئا من النحو واللغة.

رأيت بخط الشيخ أبي محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشّاب رحمه‌الله : حكى لي محمد بن محمد بن قزما الإسكافي ، عن شيخنا أبي الكرم المبارك بن فاخر بن يعقوب النحويّ المعروف بابن الدبّاس أنه كان يكرم المتردّدين إليه لطلب العلم بالقيام لهم في مجلسه ، وكان الشيخ أبو زكريا يحيى بن علي يأبى ذلك وينكره عليه وعلى غيره ممّن يعتمده وينشد :

قصّر بالعلم وأزرى به

من قام في الدرس لأصحابه

قال الشيخ أبو محمد : ولعمري إنّ حرمة العلم آكد من حرمة طالبه ، وإعزاز العلم أبعث لطلبه ، وبحسب الصبر على مرارة طلبه تحلو ثمرة مكتسبه. وكان الشيخ أبو الكرم بن الدبّاس رحمه‌الله يجمع إلى هذا ، التساهل في الخطاب إذا أخذ خطّه على ظهر كتاب ، ويقصد بذلك اجتذاب الطلّاب ، لأن النفوس تميل إلى هذا الباب. (معجم الأدباء).

(١) المنتظم ، (معجم الأدباء).

(٢) وقال ابن السمعاني : وأخبرني أبو محمد ابن بنت الشيخ أبي منصور المقرئ النحويّ أنه قرأ عليه «شرح كتاب سيبويه» للسيرافي ، في مدّة آخرها مستهلّ رجب سنة أربع وخمسمائة ، والله أعلم. (نزهة الألبّاء ٢٨٣).

ووقع في (معجم الأدباء ١٧ / ٥٤) أنه مات سنة خمسين وخمسمائة. وهذا غلط.

(٣) وردت هذه الترجمة في الأصل بعد ترجمتي (يوسف بن تاشفين) و (المبارك بن فاخر) فقدّمتها إلى هنا مراعاة للترتيب.

ولم أجد مصدرا للترجمة.

٣٢٨

أبو الفرج الهمذانيّ.

روى عن : أبي طالب بن الصّبّاح ، وهارون بن طاهر ، وأبي الفتح بن الضّرّاب ، وابن غزو ، وعامّة مشايخ همذان الّذين أدركهم.

قال شيرويه : كان صدوقا ، حسن السّيرة ، ليّن الجانب ، فاضلا.

مات في جمادى الآخرة.

ـ حرف الياء ـ

٣٦٨ ـ يحيى بن سعيد بن حبيب (١).

أبو زكريا المحاربيّ الجيّانيّ.

قرأ بالسّبع على : أبي عبد الله محمد بن أحمد الفرّاء الزّاهد.

وسمع من : محمد بن عتّاب الفقيه ، وسراج القاضي.

وأقرأ النّاس بقرطبة ، ثمّ استقضي بجيّان ، وخطب بها (٢).

[قال عياض : شيخ صالح مسنّ ، أندلسيّ ، سكن فاس ، وقدم سبتة مرارا ، وحجّ. وكان مباركا في الأصول ، مائلا إلى النّظر ، لكن لم يكن يستعمل] (٣) (...) (٤).

٣٦٩ ـ يوسف بن تاشفين (٥).

__________________

(١) انظر عن (يحيى بن سعيد) في : الصلة لابن بشكوال ٢ / ٦٧١ ، ٦٧٢ رقم ١٤٨٠.

(٢) زاد ابن بشكوال : «ثم صرف عن ذلك واستمرّ على الخطبة». «وتوفّي بجيّان وسط سنة خمسمائة وقد نيّف على الثمانين».

(٣) ما بين الحاصرتين كتب في هامش الأصل.

(٤) في الأصل بياض.

(٥) انظر عن (يوسف بن تاشفين) في :

الكامل في التاريخ ١٠ / ٤١٧ ، ٤١٨ ، والمعجب ١٦٢ ، ووفيات الأعيان ٧ / ١١٢ ـ ١٣٠ ، والحلّة السيراء لابن الأبّار ١ / ١٩٣ و ٢ / ٥١ ، ٥٥ ، ٦٢ ، ٦٦ ، ٧٠ ، ٨٥ ، ٨٦ ، ٨٨ ـ ٩٠ ، ٩٨ ـ ١٠٢ ، ١١٠ ، ١١٤ ، ١٧٤ ، ١٧٥ ، ١٨٦ ، ٢٠٥ ، ٢١٢ ، ٢٤٨ ، ٢٤٩ ، والعبر ٣ / ٣٥٦ ، ٣٥٧ ، وسير أعلام النبلاء ١٩ / ٢٥٢ ـ ٢٥٤ رقم ١٥٦ ، ودول الإسلام ٢ / ٢٨ ، ٢٩ ، والإعلام بوفيات الأعلام ٢٠٦ ، وتاريخ ابن الوردي ٢ / ٢٩ ، ٣٠ ، وعيون التواريخ (مخطوط) ١٣ / ١٨١ ـ ١٩٤ ، والحلل الموشّية ١٢ ـ ٦٠ ، وبغية الرواد ١ / ٨٦ ، ومرآة الجنان ٣ / ١٦٣ ـ ١٦٧ ، والروض المعطار ٢٨٨ ، ٢٨٩ ، والبيان المغرب ٣ / ٢٣٩ ، ٢٤٣ ، و ٤ / ١٨ ـ =

٣٢٩

السّلطان أبو يعقوب اللّمتونيّ المغربيّ البربريّ ، الملقّب بأمير المسلمين ، وبأمير المرابطين ، وبأمير الملثّمين. والأوّل هو الّذي استقرّ.

كان أحد من ملك البلاد ، ودانت بطاعته العباد ، واتّسعت ممالكه ، وطال عمره. وقلّ أن عمّر أحد من ملوك الإسلام ما عمّر.

هو الّذي بنى مدينة مرّاكش (١) ، وهو الّذي أخذ الأندلس من المعتمد بن عبّاد وأسره.

فمن أخباره أنّ برّ البربر الجنوبيّ كان لزناتة ، فخرج عليهم من جنوبيّ المغرب من البلاد الّتي تتاخم أرض السّودان الملثّمون عليهم أبو بكر بن عمر ، وكان رجلا خيّرا ساذجا ، فأخذت الملثّمة البلاد من زناتة من تلمسان إلى البحر الأكبر. فسمع أبو بكر أنّ امرأة ذهبت ناقتها في غارة ، فبكت وقالت : ضيّعنا أبو بكر بدخوله إلى المغرب. فتألّم واستعمل على المغرب يوسف بن تاشفين هذا ، ورجع أبو بكر إلى بلاد الجنوب (٢).

وكان ابن تاشفين بطلا شجاعا ، عادلا ، اختطّ مرّاكش ، وكان مكمنا للّصوص مأوى الحراميّة ، فكان المارّون به يقول بعضهم لبعض : مرّاكش.

وكان بناء مدينة مرّاكش في سنة خمس وستّين وأربعمائة ، اشتراها يوسف بماله الّذي خرج به من الصّحراء. وكان في موضعها غابة من الشّجر وقرية ، فيها جماعة من البربر ، فاختطّها ، وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة. وهي في مرج

__________________

= ٣٣ و ٤٣ ـ ٤٧ و ١١١ ـ ١١٦ ، وانظر فهرس الأعلام ص ١٧٠ ، وشرح رقم الحلل ١٧٥ ، ١٧٦ ، ١٨٠ ، ١٨١ ، ١٨٤ ـ ١٨٦ ، وآثار الأول للعباسي ١٢٦ ، والدرّة المضيّة ٤٦٥ ، وصبح الأعشى ١ / ٣٦٣ ، ومآثر الإنافة ٢ / ٨ ، ٩ ، ٢٣ ، ٢٤ ، والنجوم الزاهرة ٥ / ١٩١ ، ١٩٥ ، ونفح الطيب ٤ / ٣٥٤ ، وشذرات الذهب ٣ / ٤١٢ ، ٤١٣ ، والاستقصاء ١ / ٢٢٤ ، وأخبار الدول ٢ / ٤٠٥ ـ ٤٠٧ ، ٤٠٩ ، ٤١٠ ، ومعجم الأنساب والأسرات الحاكمة ١١٣ ، وتراجم إسلامية ٢٢٥ ـ ٢٣٤.

(١) وقيل إن موضعها كان اسمه مراكش ، معناه : امش مسرعا بلغة المصامدة. (وفيات الأعيان ٧ / ١٢٤).

(٢) وفيات الأعيان ٧ / ١١٣.

٣٣٠

فسيح ، وحولها جبال على فراسخ منها ، وبالقرب منها جبل عليه الثّلج (١) ، وهو الّذي يعدّل مزاجها (٢).

وقيل : كانت لعجوز مصموديّة (٣). فأسكن مرّاكش الخلق ، وكثرت جيوشه وبعد صيته ، وخافته ملوك الأندلس ، وكذلك خافته ملوك الفرنج لأنّها علمت أنّه ينجد الأندلسيّين عليهم.

وكان قد ظهر للملثّمين في الحروب ضربات بالسّيوف تقدّ الفارس ، وطعنات تنظم الكلى (٤) ، فكتب إليه المعتمد يتلطّف به ، ويسأله أن يعرض عن بلاده لمّا رأى همّته على قصد الأندلس ، وأنّه تحت طاعته. فيقال كان في الكتاب : «فإنّك إن أعرضت عنّا نسبت إلى كرم ، ولم تنسب إلى عجز ، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ، ولم ننسب إلى وهن ، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا (٥). وإنّ في استبقائك ذوي البيوت دواما (٦) لأمرك وثبوت» (٧).

وأرسل له تحفا وهدايا.

وكان بربريّا لا يكاد يفهم ، ففسّر له كاتبه تلك الكلمات ، وأحسن في المشورة عليه (٨) ، فأجاب إلى السّلم. وكتب كاتبه ، على لسانه : «من يوسف بن تاشفين ، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحيّة من سالمكم ، وسلّم إليكم ، حكّمه (٩) التّأييد والنّصر فيما حكم عليكم ، وإنّكم في أوسع إباحة ممّا بأيديكم

__________________

(١) في الأصل : «البلح».

(٢) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٤.

(٣) وفيات الأعيان ٧ / ١١٣.

(٤) في الأصل : «الكلا». والخبر في : وفيات الأعيان ٧ / ١١٣.

(٥) زاد في وفيات الأعيان : «فاختر لنفسك أكرم نسبتيك ، فإنّك بالمحلّ الّذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة».

(٦) في الوفيات : «ذوي البيوت ما شئت من دوام».

(٧) وفيات الأعيان ٧ / ١١٤.

(٨) انظر : وفيات الأعيان ٧ / ١١٤.

(٩) في الأصل : «حكمة». وفي وفيات الأعيان : «وحكّمه».

٣٣١

من الملك ، وأنتم مخصوصون منّا بأكرم إيثار (١) ، فاستديموا وفاءنا بوفائكم (٢) ، واستصلحوا إخاءنا بإصلاح إخائكم ، والله [وليّ] (٣) التّوفيق لنا ولكم ، والسلام» (٤).

ففرح بكتابه ابن عبّاد وملوك الأندلس ، وقويت نفوسهم على دفع الفرنج ، ونووا إن رأوا من ملك الفرنج ما يريبهم أن يستنجدوا بابن تاشفين. وصارت لابن تاشفين بفعله محبّة في نفوس أهل الأندلس (٥).

ثمّ إنّ الأذفونش ألحّ على بلاد ابن عبّاد ، فقال ابن عبّاد في نفسه : إن دهينا من مداخلة الأضداد ، فأهون الأمرين أمر الملثّمين ، ورعاية أولادنا جمالهم أهون من أن يرعوا خنازير الفرنج. وبقي هذا الرّأي نصب عينيه (٦) ، فقصده الأذفونش في جيش عرمرم ، وجفل النّاس ، فطلب من ابن تاشفين النّجدة ، والجهاد. وكان ابن تاشفين على أتمّ أهبة ، فشرع في عبور جيشه. فلمّا رأى ملوك الأندلس عبور البربر للجهاد ، استعدّوا أيضا للنجدة ، وبلغ ذلك الأذفونش ، فاستنفر دين النّصرانيّة ، واجتمع له جنود لا يحصيهم إلّا الله.

ودخل مع ابن تاشفين شيء عظيم من الجمال ، ولم يكن أهل جزيرة الأندلس يكادون يعرفون الجمال ، ولا تعوّدتها خيلهم ، فتجافلت منها ومن رغائها وأصواتها.

وكان ابن تاشفين يحدق بها عسكره ، ويحضرها الحروب ، فتنفر خيل الفرنج عنها.

وكان الأذفونش نازلا بالزّلّاقة (٧) بالقرب من بطليوس ، فقصده حزب الله ،

__________________

(١) في الوفيات «وإنكم مما بأيديكم من الملك في أوسع إباحة ، مخصوصون منّا بأكرم إيثار وسماحة».

(٢) في الأصل تقرأ : «يوفا بكم».

(٣) إضافة على الأصل.

(٤) وفيات الأعيان ٧ / ١١٥.

(٥) وفيات الأعيان ٧ / ١١٥.

(٦) وفيات الأعيان ٧ / ١١٥ ، الروض المعطار ٢٨٨ ، البيان المغرب ٤ / ١٣٢.

(٧) قال الحميريّ في «الزّلّاقة» : بطحاء الزّلّاقة من إقليم بطليوس من غرب الأندلس فيها كانت

٣٣٢

وقدّم ابن تاشفين بين يديه كتابا إلى الفرنج يدعوهم إلى الإسلام ، أو الحرب ، أو الجزية.

ثمّ أقبلت الجيوش ، ونزلت تجاه الفرنج ، فاختار ابن عبّاد أن يكون هو المصادم للفرنج أوّلا ، وأن يكون ابن تاشفين ردفا له. ففعلوا ذلك ، فخذل الفرنج ، استمرّ القتل فيهم ، فقيل : إنّه لم يفلت منهم إلّا الأذفونش في أقلّ من ثلاثين. وغنم المسلمون غنيمة عظيمة. وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة.

وعفّ يوسف عن الغنائم ، وآثر بها ملوك الأندلس ليتمّ له الأجر ، فأحبّوه وشكروا له. وكانت ملحمة عظيمة قلّ أن وقع في الإسلام مثلها (١).

وجرح فيها ملك الفرنج ، وجمعت رءوس الفرنج ، فكانت كالتّلّ العظيم (٢).

__________________

= الوقيعة الشهيرة للمسلمين على الطاغية عظيم الجلالقة اذفونش بن فرذلند ، بحميد سعي المعتمد محمد بن عبّاد ، وكان ذلك في الموفي عشرين من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة. وكان السبب في ذلك فساد الصلح المنعقد بين المعتمد وبين الطاغية المذكور بسبب إفناء هذه الضريبة ما في أيدي المسلمين من كور ، فإنّ المعتمد اشتغل عن أداء الضريبة في الوقت الّذي جرت عادته يؤدّيها فيه بغزو ابن صمادح صاحب المريّة واستنقاذه ما في يديه بسبب ذلك ، فتأخّر لأجل ذلك أداء الإتاوة عن وقتها ، فاستشاط الطاغية غضبا وتشطط فطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة ، وأمعن في التجنّي ، فسأل في دخول امرأته القمطيجة إلى جامع قرطبة لتلد فيه من حمل كان بها حين أشار عليه بذلك القسّيسون والأساقفة ، لمكان كنيسة كانت في الجانب الغربي منه معظّمة عندهم عمل عليها المسلمون المسجد الأعظم ، وسأل أن تنزل امرأته المذكورة بالمدينة الزهراء ، غربي مدينة قرطبة ، تنزل بها فتختلف منها إلى الجامع المذكور حتى تكون تلك الولادة بين طيب نسيم الزهراء وفضيلة ذلك الموضع الموصوف من الجامع ، وزعم أنّ الأطبّاء أشاروا عليه بالولادة في الزهراء كما أشار عليه القسّيسون بالجامع ، وسفر بذلك بينهما يهوديّ كان وزيرا لابن فرذلند ، فتكلّم بين يدي المعتمد ببعض ما جاء به من عند صاحبه فأيأسه ابن عبّاد من جميع ذلك ، فأغلظ له اليهودي في القول وشافهه بما لم يحتمله ، فأخذ ابن عبّاد محبرة كانت بين يديه ، فأنزلها على رأس اليهودي فألقى دماغه في حلقه وأمر به فصلب منكوسا بقرطبة ، واستفتى ابن عبّاد الفقهاء لما سكت عنه الغضب عن حكم ما فعله باليهودي ، فبدره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدّي الرسول حدود الرسالة إلى ما يستوجب به القتل إذ ليس له أن يفعل ما فعل ، وقال للفقهاء حين خرجوا : إنما بدرت بالفتوى خوفا أن يكسل الرجل عمّا عزم عليه من منابذة العدوّ ، عسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجا.

(١) راجع خبر الزّلّاقة في حوادث سنة ٤٧٩ ه‍. في الطبقة الأسبق من هذا الكتاب.

(٢) وفيات الأعيان ٧ / ١١٨.

٣٣٣

ثمّ عزم ابن عبّاد على أمير المسلمين يوسف ، ورام أن ينزل في ضيافته ، فأجابه ، فأنزله في قصوره على نهر إشبيلية. فرأى أماكن نزهة ، كثيرة الخير والحسن والرّزق. وبالغ المعتمد بن عبّاد وأولاده في خدمة أمير المسلمين ، وكان رجلا بربريّا ، قليل التّنعّم والتّلذّذ والرّفاهيّة ، فرأى ما هاله من الحشمة والعرش والأطعمة الفاخرة ، فأقبل خواصّه عليه ينبّهونه على تلك الهيئة ويحسّنونها ، ويقولون : ينبغي أن تتّخذ ببلادك نحو هذا. فأنكر عليهم ، وكان قد دخل في الشّيخوخة ، وفنيت إرادته ، وأدمن على عيش بلاده. ثمّ أخذ يعيب طريقة المعتمد وتنعّمه المفرط ، وقال : من يتعانى هذه اللّذات لا يمكن أن يعدل كما ينبغي أبدا. ومن كان هذا همّته في حفظ بلاده ورعيّته.

ثمّ سأل يوسف : هل يفعل المعتمد هذا التّنعّم في كلّ أوقاته؟ فقيل له :بل كلّ زمانه على هذا.

فسكت ، وأقام عنده أيّاما ، فأتى المعتمد رجل عاقل ناصح ، فخوّفه من غائلة ابن تاشفين ، وأشار عليه بأن يقبض عليه ، وأن لا يطلقه حتّى يأمر كلّ من بالأندلس من عسكره أن يرجع من حيث جاء : ثمّ تتّفق أنت وملوك الأندلس على حراسة البحر من سفينة تجري له ، ثمّ تتوثّق منه بالأيمان أن لا يغدر ، ثمّ تطلقه ، وتأخذ منه على ذلك رهائن.

فأصغى المعتمد إلى مقالته واستصوبها ، وبقي يفكّر في انتهاز الفرصة ، وكان له ندماء قد انهمكوا معه في اللّذّات ، فقال أحدهم لهذا الرجل : ما كان أمير المؤمنين ، وهو إمام أهل المكرمات ممّن يعامل بالحيف ويغدر بالضّيف.

قال : إنّما الغدر أخذ الحقّ ممّن هو له ، لا دفع المرء عن نفسه.

قال النّديم : بل كظم مع وفاء ، خير من حزم مع جفاء.

ثمّ إنّ ذلك النّاصح استدرك الأمر وتلافاه ، وشكر له المعتمد ، وأجازه ، فبلغ الخبر ابن تاشفين ، فأصبح غاديا. فقدّم له المعتمد هدايا عظيمة ، فقبلها وعبر إلى سبتة. وبقي جلّ عسكره بالجزيرة يستريحون (١).

__________________

(١) وفيات الأعيان ٧ / ١١٩ ـ ١٢٢.

٣٣٤

وأمّا الأذفونش ، فقدم إلى بلده بأسوإ حال ، فسأل عن أبطاله وبطاركته ، فوجد أكثرهم قد قتلوا ، وسمع نوح الثّكالى عليهم ، فلم يأكل ولا التذّ بعيش حتّى مات غمّا ، وخلّف بنتا ، فتحصّنت بطليطلة (١).

ثمّ أخذ عسكر ابن تاشفين يغيرون ، حتّى كسبوا من الفرنج ما تجاوز الحدّ ، وبعثوا بالمغانم إلى مرّاكش. واستأذن مقدّمهم سير بن أبي بكر لابن تاشفين في المقام بالأندلس ، وأعلمه أنّه قد افتتح حصونا ، ورتّب فيها ، وأنّه لا يستقيم الأمر إلّا بإقامته. فكتب إليه ابن تاشفين يأمره بإخراج ملوك الأندلس من بلادهم وإيجافهم في العدوة ، فإن أبوا عليه حاربهم. وليبدأ بالثّغور : ولا تتعرّض للمعتمد.

فابتدأ سير بملوك بني هود يستنزلهم من قلعة روطة ، وهي منيعة إلى الغاية ، وماؤها (٢) ينبوع في أعلاها ، وبها من الذّخائر المختلفة ما لا يوصف. فلم يقدر عليها ، فرحل عنها. ثمّ جنّد أجنادا على زيّ الفرنج ، وأمرهم أن يقصدوها كالمغيرين ، وكمن هو والعسكر ، ففعلوا ذلك.

فرآهم ابن هود ، فاستضعفهم ، ونزل في طلبهم ، فخرج عليه سير ، فأسره وتسلّم القلعة (٣).

ثمّ نازل بني ظاهر بشرق الأندلس ، فسلّموا إليه ، ولحقوا بالعدوة.

ثمّ نازل بني صمادح بالمريّة ، فمات ملكهم في الحصار ، فسلّموا المدينة.

ثمّ نازلوا المتوكّل عمر بن الأفطس ببطليوس ، فخامر عليه أصحابه ، فقبضوا عليه ، ثمّ قتل صبرا (٤).

ثمّ إنّ سير كتب إلى ابن تاشفين أنّه لم يبق بالجزيرة غير المعتمد فأمره أن

__________________

(١) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٢.

(٢) في الأصل : «ومائها».

(٣) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٢.

(٤) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٢ ، ١٢٣.

٣٣٥

يعرض عليه التّحوّل إلى العدوة بأهله وماله ، فإن أبى فنازله. فلمّا عرض عليه سير ذلك لم يجب ، فسار وحاصره أشهرا ، ثمّ دخل عليه البلد قهرا ، وظفر به ، وبعثه إلى العدوة مقيّدا ، فحبس بأغمات إلى أن مات. وتسلّم سير الجزيرة كلّها (١).

وقال ابن دحية أو غيره : نزل يوسف على مدينة فاس في سنة أربع وستّين وأربعمائة وحاصرها. ثمّ أخذها ، فأقرّ العامّة ، ونفى البربر والجند عنها ، بعد أن حبس رءوسهم ، وقتل منهم ، وكان مؤثرا لأهل العلم والدّين ، كثير المشورة لهم (٢).

وكان معتدل القامة ، أسمر ، نحيفا ، خفيف العارضين ، دقيق الصّوت ، حازما ، سائسا. وكان يخطب لبني العبّاس. وهو أوّل من سمّي بأمير المسلمين (٣).

وكان يحبّ العفو والصّفح ، وفيه خير وعدل (٤).

وقال أبو الحجّاج يوسف البيّاسيّ في كتاب «تذكير الغافل» (٥) : إنّ يوسف بن تاشفين جاز البحر مرّة ثالثة ، وقصد قرطبة ، وهي لابن عبّاد ، فوصلها سنة ثلاث وثمانين ، فخرج إليه المعتمد بالضّيافة ، وجرى معه على عادته (٦).

ثمّ إنّ ابن تاشفين أخذ غرناطة من عبد الله بن بلقين (٧) بن باديس ، وحبسه ،

__________________

(١) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٣.

(٢) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٤ ، ١٢٥.

(٣) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٥.

(٤) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٥ ، وقال ابن الأثير : «فمن ذلك أنّ ثلاثة نفر اجتمعوا ، فتمنّى أحدهم ألف دينار يتّجر بها ، وتمنّى الآخر عملا يعمل فيه لأمير المسلمين ، وتمنّى الآخر زوجته النّفزاويّة ، وكانت من أحسن النساء ، ولها الحكم في بلاده ، فبلغه الخبر ، فأحضرهم ، وأعطى متمنّي المال ألف دينار ، واستعمل الآخر ، وقال للذي تمنّى زوجته : يا جاهل! ما حملك على هذا الّذي لا تصل إليه؟ ثم أرسله إليها ، فتركته في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه كل يوم طعاما واحدا ، ثم أحضرته ، وقالت له : ما أكلت هذه الأيام؟ قال : طعاما واحدا ، فقالت : كل النساء شيء واحد. وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته». (الكامل في التاريخ ١٠ / ٤١٧ ، ٤١٨).

(٥) في وفيات الأعيان ٧ / ١٢٧ «تذكير العاقل».

(٦) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٧ ، ١٢٨.

(٧) في وفيات الأعيان : «بلكين».

٣٣٦

فطمع ابن عبّاد في غرناطة ، وأن يعطيه ابن تاشفين إيّاها ، فعرض له بذلك ، فأعرض عنه ابن تاشفين إلى مرّاكش في رمضان من السّنة. فلمّا دخلت سنة أربع عزم على العبور إلى الأندلس لمنازلة المعتمد بن عبّاد ، فاستعدّ له ابن عبّاد (١) ، ونازلته البربر ، فاستغاث بالأذفونش ، فلم يلتفت إليه.

وكانت إمرة يوسف بن تاشفين عند موت أبي بكر بن عمر أمير المسلمين سنة اثنتين وستّين وأربعمائة. وكانت الدّولة قبلهما لزناتة ، وكانت دولة «ظالمة» فاجرة.

وكان ابن تاشفين وعسكره فيهم يبس وديانة وجهاد ، فافتتح البلاد ، وأحبّته الرّعيّة. وضيّق لثامه هو وجماعته. فقيل : إنّهم كانوا يتلثّمون في الصّحراء كعادة العرب ، فلمّا تملّك ضيّق ذلك اللّثام (٢).

قال عزيز : وممّا رأيته عيانا أنّه كان لي صديق منهم بدمشق ، وبيننا مودّة. فأتيته ، فدخلت وقد غسل عمامته ، وشدّ سرواله على رأسه ، وتلثّم به. هذا بعد أن انقضت دولتهم ، وتفرّقوا في البلاد.

__________________

(١) وفيات الأعيان ٧ / ١٢٨.

(٢) قال ابن خلّكان : وذلك سنّة لهم يتوارثونها خلفا عن سلف ، وسبب ذلك على ما قيل إنّ حمير كانت تتلثّم لشدّة الحرّ والبرد ، يفعله الخواصّ منهم ، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامّتهم.

وقيل : كان سببه أنّ قوما من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحيّ فيأخذون المال والحريم ، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية ويقعدوا هم في البيوت ملثّمين في زيّ النساء ، فإذا أتاهم العدو ظنّوهم النساء ، فيخرجون عليهم ، ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم ، فلزموا اللثام تبرّكا بما حصل لهم من الظفر بالعدوّ. (وفيات الأعيان ٧ / ١٢٩).

وقال ابن الأثير : وقيل إن سبب اللثام لهم أنّ طائفة من لمتونة خرجوا مغيرين على عدوّ لهم فخالفهم العدوّ إلى بيوتهم ، ولم يكن بها إلّا المشايخ والصبيان والنساء ، فلما تحقّق المشايخ أنه العدوّ أمروا النساء أن تلبس ثياب الرجال ويتلثّمن ويضيّقنه حتى لا يعرفن ، ويلبسن السلاح ، ففعلن ذلك ، وتقدّم المشايخ والصبيان أمامهنّ واستدار النساء بالبيوت ، فلما أشرف العدوّ رأى جمعا عظيما ، فظنّه رجالا وقالوا : هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهنّ قتال الموت ، والرأي أن نسوق النعم ونمضي ، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجا عن حريمهم فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال الحيّ ، فبقي العدوّ بينهم وبين النساء ، فقتلوا من العدوّ وأكثروا ، وكان من قبل النساء أكثر ، فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنّة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه ليلا ولا نهارا. (الكامل في التاريخ).

٣٣٧

وحكى لي ثقة أنّه رأى شيخا من الملثّمين بالمغرب متردّيا في نهر يغسل ثيابه وهو عريان ، وعورته بادية ، ويده اليمنى يغسل بها ، ويده اليسرى يستر بها وجهه.

وقد جعل هؤلاء اللّثام جنّة ، فلا يعرف الشّيخ منهم من الشّاب ، فلا يزيلونه ليلا ولا نهارا ، حتّى أنّ المقتول منهم في المعركة لا يكاد يعرفه أهله ، حتّى يجعلوا على وجهه لثاما.

ولبعضهم :

قوم لهم درك العلى (١) في حمير

وإن انتموا صنهاجة فهم هموا

لما حووا إحراز كلّ فضيلة

غلب الحياء عليهم ، فتلثّموا (٢)

وتزوّج ابن تاشفين بزينب زوجة أبي بكر بن عمر ، وكانت حاكمة عليه ، وكذلك جميع الملثّمين يكبرون نساءهم ، وينقادون لأمرهم ، وما يسمّون الرّجل منهم إلّا بأمّه.

وهنا حكاية ، وهي أنّ ابن خلوف القاضي الأديب كان له شعر ، فبلغ زينب هذه أنّه مدح حوّاء امرأة سير بن أبي بكر ، وفضّلها على جميع النّساء بالجمال ، فأمرت بعزله عن القضاء. فسار إلى أغمات ، واستأذن عليها ، فدخل البوّاب فأعلمها به ، فقالت : يمضي إلى الّتي مدحها تردّه إلى القضاء.

فأبلغه ، فعزّ عليه ، وبقي بالحضرة أيّاما حتّى فنيت نفقته ، فأتى خادمها فقال : قد أردت بيع هذا المهر ، فأعطني مثقالين أتزوّد بهما إلى أهلي ، وخذه فأنت أولى.

فسرّ الخادم وأعطاه ، ودخل مسرورا بالمهر ، وأخبر السّتّ ، فرقّت له ، وقالت : ائتني به. فأسرع وأدخله عليها ، فقالت : تمدح حوّاء وتسرف ، وزعمت أنّه ليس في النّساء أحسن منها ، وما هذه منزلة القضاة. فقال في الحال :

__________________

(١) في وفيات الأعيان : «علا».

(٢) وفيات الأعيان ٧ / ١٣٠.

٣٣٨

أنت بالشّمس لاحقه

وهي بالأرض لاصقه

فمتى ما مدحتها

فهي من سير طالقه

فقالت : يا قاضي طلّقتها؟!.

قال : نعم ، ثلاثة وثلاثة وثلاثة.

فضحكت حتّى افتضحت ، وكتبت إلى يوسف يردّه إلى القضاء.

قلت : ولا ريب أنّ يوسف ملك من الملوك ، بدت منه هنّات وزلّات ، ودخل في دهاء الملوك وغدرهم. ولمّا أخذ إشبيلية من المعتمد شنّ عسكر ابن تاشفين الغارة بإشبيليّة ، وخلّوا أهلها على برد الدّيار ، وخرج النّاس من بيوتهم يسترون عوراتهم بأيديهم ، وافتضّت الأبكار.

وتتابعت الفتوحات لابن تاشفين. وكانت فقهاء الأندلس قالوا له : لا تجب طاعتك حتّى يكون لك عهد من الخليفة.

فأرسل إلى العراق قوما من أهله بهدايا. وكتابا ، يذكر فيه ما فعل بالفرنج.

فجاءه أمر المستظهر بالله أحمد رسول بهديّة ، وتقليد وخلعة ، وراية.

وكان يقتدي بآراء العلماء ، ويعظّم أهل الدّين. ونشأ ولده عليّ في العفاف والدّين والعلم ، فولّاه العهد في سنة تسع وتسعين وأربعمائة.

وتوفّي يوسف في يوم الإثنين ثالث المحرّم سنة خمسمائة ، ورّخه ابن خلّكان ، وقبله عزّ الدين ابن الأثير ، وغيرهما.

وعاش تسعين سنة.

قال اليسع بن حزم : فمن فضله أنّه لمّا أراد بناء مرّاكش ادّعى قوم مصامدة فيها أرضا ، فأرضاهم بمال عظيم. وكان يلبس العباء ، ويؤثر الحياء ، ويقصد مقاصد العزّ في طرق المعالي ، ويكره السّفساف ، ويحبّ الأشرف المتعالي ، ويقلّد العلماء ، ويؤثر الحكماء ، يتدبّر مرضاتهم. وإذا دخل عليه من طوّل ثيابه وجرّها ... (١) إليه وجهه ، وأعرض عنه ، فإن كان ذا ولاية عزله. وكان كثير الصّدقة عظيم البرّ والصّلة للمساكين ، رحمه‌الله.

__________________

(١) في الأصل بياض.

٣٣٩

٣٧٠ ـ يوسف بن عليّ الزّنجانيّ (١).

أبو القاسم الشّافعيّ من كبار أصحاب أبي إسحاق الشّيرازيّ.

مات في صفر (٢).

__________________

(١) انظر عن (يوسف بن علي) في : المنتظم ٩ / ١٥٤ ، ١٥٥ رقم ٢٥٠ (١٧ / ١٠٦ رقم ٣٧٧٢) ، ومرآة الزمان ج ٨ ق ١ / ٢٢ ، والبداية والنهاية ١٢ / ١٦٩.

(٢) وصفه ابن الجوزي بالفقيه ، وقال : برع في الفقه ، وكان من أهل الدين.

٣٤٠