🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

وتصرفه لطف آخر وعدم حصول الثاني لمانع لا يقتضي عدم الأول ، وهنا وجه آخر وهو ان نقول ان الفائدة في نصب الامام مطلقا قيام حجة الله به على المكلفين بحيث لا يستطيع المكلف العاصي ان يقول لم اجد من يرشدني الى الحق ، فانه يقال لهم عن الله اني نصبت لكم من يرشدكم الى سبيلي ، ويوضح لكم ما اختلفتم فيه من ديني ، فلم عصيتموه واخفتموه؟ ولم لا اطعتم امره وقبلتم قوله ووازرتموه؟ فلا تكون لهم على الله حجة وقد نصب لهم منهم من يهديهم الى مراشدهم وازاح علّتهم بتعيين من يدلهم على سبيل مراضيه ، بل تكون لله عليهم الحجة البالغة والى هذا يشير قوله تعالى : (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) (١) ويصرح به قول امير المؤمنين (عليه‌السلام) (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة) الى قوله : (لئلا تبطل حجج الله وبيناته) (٢) وهذه كما ترى فائدة عظيمة فاندفع الايراد وزالت الشبهة وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون.

ولنذكر جملة من الأحاديث الواردة في حق الخلف المنتظر عجل الله فرجه من طرق الخصوم زيادة على ما مضى.

اخرج الطبراني عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (المهدي منا يختم الدين به كما فتح بنا).

واخرج احمد ومسلم عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (يكون في آخر الزمان خليفة يحثوا المال حثوا) (٣).

واخرج الطبراني مرفوعا إليه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (يلتفت المهدي وقد نزل عيسى (عليه‌السلام) كأنما يقطر من شعره الماء فيقول

__________________

(١) الأنعام ١٤٩.

(٢) نهج البلاغة من الحكمة ١٤٧.

(٣) صحيح مسلم ٦ / ٣ كتاب الفتن من عدة طرق.

٦٤١

المهدي تقدم فصل بالناس فيقول عيسى انما اقيمت الصلاة لك فيصلي خلف رجل من ولدي) (١) وفي صحيح ابن حبان في إمامة المهدي نحوه قال في اسعاف الراغبين وصح مرفوعا : (ينزل عيسى بن مريم فيقول اميرهم المهدي تعال صل بنا فيقول لا انما بعضكم ائمة بعض تكرمة الله لهذه الأمة) (٢) وهذا يبطل ما قاله ابن عربي ان عيسى يتقدم فيصلي بالناس على سنة نبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم).

وروى ابن ماجه عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه قال : (لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من اهل بيتي يملك جبل الديلم والقسطنطينية) (٣) زاد في روايات (ورومية ومروية).

قلت : وهذه الأخبار وما قبلها تنطق نطقا فصيحا بان المهدي من ولد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعترته ومن ذريته ومن نسل فاطمة البتول وهي كثيرة متظافرة ، ومنها يعلم فساد ما افتعله بعض الخصوم انه لا مهدي الا عيسى ، وما زوره بعض آخر المهدي من ولد العباس عمي.

قال ابن حجر في الصواعق الأظهر ان خروج المهدي قبل نزول عيسى (عليه‌السلام) ، وقيل بعده وقد تواترت الروايات عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بخروجه وانه من اهل بيته ، وانه يملأ الأرض عدلا وانه يساعد عيسى على قتل الدجال ، بباب لد بأرض فلسطين ، وانه يؤم هذه الأمة ، ويصلي عيسى خلفه ، واكثر الروايات متفقة على تحقق ملكه سبع سنين ـ الى

__________________

(١) اسعاف الراغبين ص ١٣٥.

(٢) نقل ذلك عن الفتوحات المكية الصبان في اسعاف الراغبين ص ١٤٣.

(٣) سنن ابن ماجه ابواب الجهاد باب ذكر الديلم ونقل هذه الرواية عن ابن ماجه الصبان في اسعاف الراغبين ص ١٣٦ وقال بعدها : «زاد في رواية : ورومية ومروية» كما في المتن.

٦٤٢

ان قال ـ : وانه بعد ان تعقد له البيعة بمكة يسير منها الى الكوفة ، ثم يفرق الجنود الى الأمصار ، وان السنة من سنيه تكون مقدار عشر سنين وانه يبلغ سلطانه المشرق والمغرب وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الأرض خراب الا يعمره (١).

قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسرين في قوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) (٢) : إنها نزلت في المهدي.

وقال ابن عربى بعد ذكر ما نقلناه أولا عنه في نسب المهدي وبيعة المسلمين له بين الركن والمقام ، قال : يشبه رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في الخلق بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضمها اذ لا يكون احد مثل رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في اخلاقه اسعد الناس به اهل الكوفة ، يقسم المال بالسوية ، ويعدل به في الرعية يمشي الخضر بين يديه ، يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا يقفوا اثر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لا يخطئ له ملك يسدده من حيث لا يراه ، يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين الفا من المسلمين ، يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا ، يعز الله به الاسلام بعد ذله ، ويحييه بعد موته ، ويضع الجزية ويدعو الى الله بالسيف فمن ابى قتل ، ومن نازعه خذل ، يحكم بالدين الخالص عن الرأي ـ الى ان قال ـ : واعلم ان المهدي اذا خرج يفرح به جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم ، وله رجال الهيون يقيمون دعوته وينصرونه هم الوزراء له ، يتحملون اثقال المملكة عنه ، ويعينونه على ما قلده الله الى آخر ما قال (٣).

وقد ذكروا من علامات ظهوره انكساف القمر في اوّل ليلة من شهر

__________________

(١) الصواعق ٩٨.

(٢) الزخرف : ٦١.

(٣) نقله عن الفتوحات المكية في اسعاف الراغبين ص ١٤٢ فما بعدها.

٦٤٣

رمضان ، والشمس يوم النصف منه ، وقريب منه مروي من طرقنا عن اهل البيت (١).

ومن علامات ظهوره (عليه‌السلام) خروج الدجال والسفياني ولا يخفى عليك ان اخبار ظهور المهدي وعلاماته وتفصيل الأمور التي تجري من حين ظهوره الى حين وفاته كثيرة ، وهي مذكورة في محالها كغيبة الصدوق وغيبة النعماني وغيبة شيخ الطائفة وغيرها من كتب اصحابنا المصنفة في هذا الشأن ، من ارادها لم تفته والغرض هنا اثبات إمامة الخلف المنتظر وتصحيح خروجه من روايات المخالفين واقوالهم ، وقد أوردنا ما فيه بل في بعض الكفاية لمن تدبر وانصف ولله الحمد والمنة على التوفيق.

المسألة الثالثة في بيان ثبوت عصمة الأئمة (عليهم‌السلام) وقد علمت في مسألة شروط الامام معنى العصمة وان حقيقتها لطف يفعله الله بالمكلف بحيث يؤمن بسببه من ارتكاب الذنوب واقتراف المعاصي كبائرها وصغائرها ، ومن الخطأ في الأحكام عمدا وسهوا وتأويلا ، ويحكم باصابته الحق في جميع افعاله واقواله ، واصحابنا جازمون بعصمة ائمتنا الاثني عشر (عليه‌السلام) كجزمهم بعصمة الأنبياء ، واما المخالفون فمنهم من وافقنا على عصمة امير المؤمنين (عليه‌السلام) ، وليس من حيث اشتراط العصمة في الامام وهذا قول ابي محمد الحسن بن متّويه من المعتزلة قال ابن ابي الحديد : نص ابو محمد بن متّويه في كتاب الكفاية على ان عليا (عليه‌السلام) معصوم وان لم يكن واجب العصمة ، ولا العصمة شرطا في الامامة ، لكن ادلة النصوص قد دلت على عصمته والقطع على باطنه ومغيبه وان ذلك امر اختص هو به دون غيره من الصحابة انتهى (٢) ووافقنا على عصمة المهدي محيي الدين

__________________

(١) اسعاف الراغبين ص ١٤٦ عن السيرة الحلبية.

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ٨.

٦٤٤

مسافر بن عربي قال في الفتوحات المكية نقلا عنه : انه يعني المهدي يحكم بما القى إليه ملك الالهام من الشريعة ، وذلك انه يلهم الشرع المحمدي فيحكم به كما اشار إليه حديث (المهدي يقفوا أثري لا يخطئ) فاخبرنا (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه متبع لا مبتدع ، وانه معصوم في حكمه فعلم انه يحرم عليه القياس مع وجود النصوص التي منحه الله اياها على لسان ملك الالهام ، بل حرم بعض المحققين القياس على جميع اهل الله لكون رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) مشهودا لهم فاذا شكوا في صحة حديث او حكم رجعوا إليه في ذلك فاخبرهم بالأمر الحق يقظة ومشافهة (١).

اقول وهذا الكلام يعطي عصمة باقي ائمتنا عنده أيضا ، لأن اهل الله عنده كما ترى معصومون عن الخطأ في الأحكام وهو يقربان ائمتنا من افضل اهل الله على الوجه الذي ينحو إليه بهذا اللفظ ويعلم ذلك من قوله في ذكر نسب المهدي : انه ابن الامام الحسن العسكري بن الامام علي النقي (٢) الخ ، وقد مر ذكره وبعصمة الاثني عشر صرح حجة الاسلام الغزالي في بعض كتبه كما ذكره عنه بعض اصحابنا من اهل الاطلاع والتثبت في النقل ، وقد وضح من ذلك ان القول بعصمة هؤلاء الأصفياء ليس مما اختص به اصحابنا ، بل بعض مخالفينا يقول به وان كان لغير الوجه الذي يقول به اصحابنا ، واما سائرهم فينكرون عصمة ائمتنا الكرام ، والعجب من ابن ابي الحديد حيث انكر عصمة امير المؤمنين (عليه‌السلام) وقال في مواضع انه عنه غير معصوم مع حكمه في كثير من المواضع بان عليا (عليه‌السلام) مع الحق (٣) دائما ، وهل العصمة الا ذلك ، وليس هذا التناقض

__________________

(١) نقله عن الفتوحات المكية في اسعاف الراغبين ص ١٤٥.

(٢) كذلك ص ١٤٥.

(٣) شرح نهج البلاغة. ٩ / ٨٨ و ١٠ / ٢٧٠ و ١٨ / ٧٢.

٦٤٥

بغريب في كلامه فانه قد اشتمل على الجم الغفير من ذلك ، وقد نبهنا على كثير منه سابقا.

اذا عرفت هذا فاعلم ان الدليل على عصمة ائمتنا (عليهم‌السلام) من وجوه ثلاثة.

الأول دليل اللزوم وبيانه انا قد دللنا أولا في مسألة شروط الامام على ان العصمة شرط في الامام ، ودللنا في مسألتي النص على ان هؤلاء هم المنصوص عليهم بالامامة ، فلزم من ذلك ان يكونوا معصومين اذ لا شيء من الامام غير معصوم ، وهؤلاء ائمة بالنص فيكونون معصومين ، وحاصل هذا الدليل ان العصمة شرط في الامام والاثنى عشر المذكورون هم الأئمة بالنص فتجب لهم العصمة.

الثاني دليل الكتاب وهو قوله تعالى : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (١) والرجس هنا الذنب بالاتفاق ونحن نبين وجه استفادة العصمة من الآية ثم نبين من المعنى بها اما الأول فلأن إرادة الله اذهاب الرجس عن اهل البيت وتطهيرهم من الذنوب اما ان يكون المراد بها الإرادة التي يتعقبها الفعل ويصدر عنها اذهاب الرجس والتطهير منه ، واما ان يكون المراد إرادة الله منهم ان يطهروا انفسهم من الرجس التي هي بمعنى الأمر التكليفي ، والثاني غير مراد من الآية لوجهين.

الأول ان المقصود من الآية كما هو ظاهر اختصاص اهل البيت بهذا الأمر دون الناس ، واذا كان المراد منها امر لا بتطهير انفسهم من الذنوب زال الاختصاص ، فان اجتناب الذنوب مطلوب من جميع المكلفين فلا خصوصية في هذا لأهل البيت فوجب لموضع الاختصاص ان يكون المراد هو الأول ومنه

__________________

(١) الأحزاب : ٣٣.

٦٤٦

تثبت العصمة.

الثاني ان الآية وردت مورد المدح ولا مدح في مطلوبية اجتناب الذنوب وانما المدح في اذهابها عن المكلف وتطهيره من مقارفتها وهو المعنى الأول فوجب ان يكون هو المراد لئلا يخرج ما هو مدح عن كونه مدحا فيثبت بذلك العصمة لمن عناهم الله بهذه الآية.

واما اهل البيت المعنيّون بهذه الآية فهم بالأصل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ويدخل باقي الأئمة فيهم بالتبعية كما ارشدت إليه الأخبار الواردة في المهدي ، وقول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فيه تارة (انه من عترتي) وتارة (من اهل بيتي) اذ لا يصح ان يكون المهدي من اهل بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعترته وابوه وآباؤه ليسوا من العترة ولا من اهل البيت ، ونسبه انما اتصل بالنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من جهتهم ، بل يجب ان يثبت لهم من قرب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ما ثبت له وزيادة لما لهم من قرب الولادة من الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، واقل الأمور المساواة فصح من ذلك دخول الأئمة (عليهم‌السلام) في اهل البيت المعنيين بهذه الآية ونزول الآية فيمن ذكرنا مما اشتهر بين اهل العلم ، وصح عند اعيان المفسرين ، وشاع عند الأمة ، وصرح به المعتزلي فيما نقلناه عنه في بيان معنى العترة ، وتظافرت به الروايات من الفريقين وتواترت به الأخبار من الطرفين ، ولم ينكره محقق ولا ارتاب فيه فاضل ولم يدخل معهم غيرهم في هذه الآية الا شاذ من متعصبي الخصوم ، وهو ابن حجر في الصواعق حيث زعم ان المراد بالبيت في الآية ما يشتمل بيت نسب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وبيت سكناه فتشمل الآية ازواجه ، ونقل هذا بعضهم عن الزمخشري والبيضاوي (١) وهو قول

__________________

(١) نقله الصبان في الاسعاف ص ١٠٨ عن الكشاف وتفسير البيضاوي بواسطة الصواعق

٦٤٧

فاسد من وجوه.

الأول مخالفته الشهرة العظيمة التي كادت تكون اجماعا من الأمة مع قلة القائل به من ذوي التحقيق فيكون باطلا.

الثاني ان الآية صريحة في عصمة المعنيين بها كما قررناه واعترف به الخصوم ، ونقله في الاسعاف عن البيضاوي حيث قال المراد بالرجس الذنب ، وبالتطهير التطهير من المعاصي (١) ومن الواضح البين انه لم يقل احد من الأمة بعصمة ازواج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فيخرجن من مدلول الآية على هذا الوجه بالاجماع حتى من القائل بدخولهن لاعترافه بدلالتها على العصمة كما سمعت عن البيضاوي ، وهذا من ابين الوجوه على خروج الأزواج من الآية وعدم شمولها لهن.

الثالث ان المعروف من العرب الذين نزل القرآن بلسانهم ان مرادهم من قولهم اهل بيت فلان قرابته النسبية لا من كان منه بسبب منقطع ووصلة مستعارة كالزوجة والعبد والأمة ، قال في المصباح المنير : والاهل اهل البيت والأصل فيه القرابة انتهى ومن مارس كلام العرب عرف صحة ما قلناه فان شواهده في كلامهم كثير قال الفرزدق.

ان الذي سمك السماء بني لنا

بيتا دعائمه اعز واطول

بيت زرارة محتب بفنائه

ومجاشع وابو الفوارس نهشل

لا يحتبى بفناء بيتك مثلهم

ابدا اذا عد الفعال الأكمل

ومن البين انه لم يرد بيت السكنى وانما اراد بيت النسب ، وقال بعض ولد ابي لهب.

__________________

المحرقة.

(١) اسعاف الراغبين ص ١٠٥ عن تفسير البيضاوي.

٦٤٨

وانا الأخضر (١) من يعرفني

اخضر الجلدة في بيت العرب

من يساجلني يساجل ماجدا

يملأ الدلو الى عقد الكرب

برسول الله وابني بنته

وبعباس بن عبد المطلب (٢)

ومن اليقين انه لم يرد ببيت العرب بيت سكناهم وانما اراد بيت نسبهم ، وقال لبيد العامري.

فبنى لنا بيتا رفيعا سمكه

فسما إليه كهلها وغلامها

ولا شبهة في انه لا يريد بيت السكنى وانما يريد بيت الشرف والحسب ، وقال آخر.

ألا يا بيت بالعلياء بيت

ولو لا حب اهلك ما اتيت

الا يا بيت اهله واعدوني

كاني كل ذنبهم جنيت

اراد بيت النسب كما ذكره بعض الأفاضل وقال عبيد الله بن كثير السهمي.

لعن الله من يسب عليا

وحسينا من سوقة وامام

أيسب المطهرون جدودا

وكرام الآباء والأعمام

يأمن الطير والحمام ولا يأ

من آل الرسول عند المقام

__________________

(١) الأخضر : الأسمر وكانت العرب تفتخر بالسمرة.

(٢) الشعر للفضل بن عتبة بن أبي لهب كما في شرح نهج البلاغة ٥ / ٥٥ وفيه : «وابني عمه» وفي الأغاني ١٤ / ١٧١ واصلها من السجل وهو الدلو المليء كان الرجلان يستقيان فايهما غلب صاحبه كان الفوز له ، والكرب حبل يشد به عراقي الدلو ، يقال : إن الفرزدق مر بالفضل وهو ينشد هذه الأبيات فقال : انا اساجلك فلما قال :

برسول الله وابني عمه البيت ...

قال الفرزدق اعضّ الله من يساجلك بما أبقت المواسي من بظر أمه وفي رواية : «بما القت المواسي الخ.

٦٤٩

طبت بيتا وطاب اهلك اهلا

اهل بيت النبي والاسلام

رحمة الله والسلام عليهم

كلما قام قائم بسلام (١)

وهو مصرح بان آل النبي واهل بيته قرابته النسبية وان بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بيت نسبه لا بيت سكناه وقال طارق بن عبد الله النهدي وهو يذكر عليا (عليه‌السلام) عند معاوية وكان معاوية قد نال من علي (عليه‌السلام) عند دخول طارق هذا عليه فاجابه طارق بكلام منه قوله : اما بعد فان ما كنا نوضع فيما اوضعنا فيه بين يدي امام تقي عادل ، مع رجال من اصحاب رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اتقياء مرشدين ما زالوا منارا للهدى ومعالم للدين خلفا عن سلف ، مهتدين اهل دين لا دنيا كل الخير فيهم ، واتبعهم من الناس ملوك واقيال واهل بيوتات وشرف ليسوا بناكثين ولا قاسطين الى آخر ما قال رواه في كتاب الغارات (٢) فقوله اهل بيوتات ، يريد الأنساب الجليلة لا بيوت السكنى وهذا كثير في كلامهم شعرا ونثرا ، فصح منه ان اهل بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قرابته لا ازواجه ، نعم انا لا ننكر اطلاق لفظ الأهل على الاتباع فتدخل فيهم الأزواج والموالي على جهة التجوز والقلة دون الحقيقة ، لكن الأكثر والأصل ورود الأهل في القرابة ومنه في القرآن كثير قال الله تعالى : (احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) وزوجته ليست معهم لانها من المغرقين وقال تعالى حكاية عن نوح : (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) (٣) وهو صريح في المدعى اذ ليس يجوز ان يكون المراد ان ابني من ازواجي او مماليكي ، بل

__________________

(١) معجم الشعراء للمرزباني ص ٣٤٨ ، وشرح نهج البلاغة ١٥ / ٢٥٦ قال ذلك وقد سمع خالد بن عبد الله القسري يسب عليا والحسنين (عليهم‌السلام).

(٢) الغارات ص ٥٤١ في قصة مفارقة النجاشي الشاعر لعلي (عليه‌السلام) وقد نقلها في شرح نهج البلاغة ٤ / ٨٧ ـ ٩٢ عن الغارات أيضا.

(٣) هود : ٤٥.

٦٥٠

يتعين ان يكون المراد ان ابني من قرابتي واولادي فيكون الأهل هم القرابة التي اخصها الأولاد ، وقوله تعالى في حق أيوب (عليه‌السلام) : (وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) (١) وفي آية اخرى (وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) (٢) نص في المطلوب لأن المردود على أيوب اولاده لا زوجته باتفاق المفسرين واهل السيرة والتواريخ واما قوله تعالى : (فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ) (٣) فلا حجة فيه لجواز ان يكون الاستثناء فيه منقطعا مثله في (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ) (٤) والزوجة داخلة في الأهل مجازا لعلاقة المجاورة كما يحتمل أيضا في دخول ابليس في الملائكة وهذا ما لا ننكره لكن لا يحتمل عليه اللفظ عند الاطلاق وعدم القرنية واما قوله تعالى في حكاية خطاب الملائكة لسارة (رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) فلا حجة فيه أيضا لأن الخطاب ليس لسارة وحدها بل المعنى ابراهيم واهل بيته ودخول سارة فيهم لم يكن من جهة الزوجية خاصة بل جاز أن يكون دخولها فيهم من جهة النسب فان سارة لها قرابة قريبة بابراهيم (عليه‌السلام) لأنها ابنة عمه وتذكير الضمير يدل على المدعى فاتضح من هذا البيان ان الأزواج لسن داخلات في اهل البيت المذكورين في الآية لاختصاصها ببيت النسب دون بيت السكنى.

الرابع تذكير الضمير العائد الى اهل البيت في (عَنْكُمُ) و (يُطَهِّرَكُمْ) فانه قرينة على ان المراد اقرباء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) دون ازواجه والا لقال عليكن ويطهركن اجراء له مجرى سابقه من الكلام ولاحقه فان الضمائر فيه كلها مؤنثة واذا لم يؤنث الضمير وجب ان يفصل الكلام عما قبله وعما بعده ولا اعتراض علينا بقوله تعالى : (إِذْ رَأى

__________________

(١) الأنبياء : ٨٤.

(٢) ص : ٤٣.

(٣) النمل : ٥٧.

(٤) هود : ٧٣.

٦٥١

ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا) (١) والخطاب لزوجته لأن ذلك تجوز محض من وجهين الأول تذكير المؤنث الثاني خطاب الواحد بخطاب الجمع ولو لا قيام القرنية على إرادة المجاز دون الحقيقة لوجب حمل اللفظ على الجمع المذكر وصرفه الى الأقرباء لأنه المتبادر منه والتبادر علامة الحقيقة لكن صرفتنا عن ذلك القرنية وهي اتفاق اهل التفسير واهل السيرة والتاريخ على انه لم يكن مع موسى (عليه‌السلام) حين الخطاب الا زوجته فتعين كون الخطاب لها وحمل على المجاز لتعينه فيه من الوجهين المذكورين فاحرى ان يكون كذلك في الوجه الثالث وليس الأمر في المقام كهذا فان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حين نزول الآية معه اقاربه وازواجه واللفظ في الأول حقيقة وفي الآخر مجازا ولا قرينة تعين المجاز فوجب صرفه الى الحقيقة والسياق ليس بقرينة لمعارضته بتذكير الضمير وهو من الأدلة الظاهرية وذاك ليس من الأدلة وان كان فهو من ادلة الاشارات ودلالة الظواهر اقوى فيجب تقديمها عليها باتفاق الأصوليين وأيضا ان قوله تعالى : (فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا) ليس فيه اشتباه لعدم تقدم مؤنث في اللفظ وتأخره حتى يشتبه الحال في ان المراد بهذا المذكر هو ذلك المؤنث أم غيره فجاز فيه التجوز لعدم الاشتباه وفي آية التطهير اشتباه لتقدم مؤنث عليها وتأخره عنها ، واحتمال اللفظ اذا ذكر لارادة المتقدم وغيره فلو اراد بها المتقدم لأنث الضمير لرفع الاشتباه ولم يأت بالمجاز ، لأن التجوز لا يجوز عند الاشتباه لعدم القرينة الصارفة عن الحقيقة لما فيه من التعمية والأغراء بالجهل الممتنعين على الحكيم جلا وعلا وحيث ذكّر والمقام يقتضي ان لو اراد الأزواج لأنث عرفنا يقينا انه لا يريدهن من الخطاب فخرجن من الآية جزما وهذا مبطل للسياق الذي ادعوه وقالع لأساس التعلق به في المقام.

__________________

(١) طه : ١٠.

٦٥٢

قال بعض اصحابنا : ومتى قيل ان صدر الآية وما بعدها في الأزواج فالقول فيه ان هذا الأمر لا ينكره من عرف عادة الفصحاء في كلامهم فانهم يذهبون من خطاب الى غيره ويعودون إليه والقرآن من ذلك مملوء وكذلك كلام العرب واشعارهم.

اقول : ويدل عليه صريحا قوله تعالى في سورة لقمان : (وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (١) ثم ذهب في الكلام الى معنى آخر فقال : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ) (٢) وساق القول الى ان استوفى المراد منه ثم عاد الى اتمام المعنى الأول وهو موعظة لقمان لابنه فقال : (يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) (٣) الى ان اتى بتمام الكلام المطلوب ، فتراه انتقل في القول من معنى الى غيره ثم عاد الى الأول بعد استكمال الثاني فهو كالآية التي يتكلم في دلالتها ، ومثل هذا في القرآن موجود من تأول فيه عرف مواضعه ، وذكرنا منه هذا الموضع لرفع استبعاد الجاهلين الذين يتعللون بسياق الآية وهم لا يفقهون ظواهر العربية فضلا عن دقائقها واسرارها.

الخامس وهو العمدة الروايات المتواترة من الفريقين على ان الآية نزلت في النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، وفي بعضها ذكر الأربعة خاصة ولا شك ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) هو الأصل في ذلك ولأجله شرف الأربعة وذريتهم ، والروايات في هذا المرام متكثرة نحن نذكر منها جملة يحصل بها اليقين للمتأمل المنصف.

روى جميع المفسرين واهل السيرة انه لما نزل قوله تعالى : (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ) (٤) الآية

__________________

(١) لقمان : ١٣.

(٢) لقمان : ١٤.

(٣) لقمان : ١٦.

(٤) آل عمران : ٦١.

٦٥٣

فدعا النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) نصارى نجران الى المباهلة فوعدوه في غد فلما اصبحوا جاءوا الى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهو محتضن الحسين اخذ بيد الحسن وفاطمة خلفه وعلي (عليه‌السلام) خلفهم وهو يقول : (اللهم هؤلاء اهلي اذا انا دعوت فأمّنوا) قال جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) (انفسنا) محمد رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعلي (وابنائنا) الحسن والحسين و (نسائنا) فاطمة صلوات الله عليهم اجمعين (١) ورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى عن الشعبي مرسلا ورواه عن ابن عباس وقال : صحيح على شرط مسلم ، ورواه ابو داود الطيالسي عن شعبة عن الشعبي مرسلا (٢).

وروى احمد بن حنبل والطبراني والثعلبي عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (انزلت هذه الآية في خمسة في وفي علي وحسن وحسين وفاطمة) يريد آية التطهير وروى ابن ابي شيبة واحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه ، عن انس ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كان يمر ببيت فاطمة اذا خرج الى صلاة الفجر يقول (الصلاة اهل البيت انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) (٣) وروى ابن مردويه عن ابي سعيد الخدري ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) جاء اربعين صباحا الى باب فاطمة يقول : (السلام عليكم اهل البيت ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمكم الله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) وفي

__________________

(١) رواه السيوطي في الدر المنثور عن جابر في تفسير الآية.

(٢) مستدرك الحاكم ٣ / ١٥٠.

(٣) رواه عن ابن ابي شيبة المتقي في كنز العمال ٧ / ١٠٣ ورواه احمد في المسند ٣ / ٢٥٣ والطبري في تفسيره ٢٢ / ٥ ، واخرجه عن ابن المنذر والطبراني السيوطي في الدر المنثور في تفسير آية التطهير.

٦٥٤

رواية له عن ابن عباس سبعة اشهر (١) وفي رواية لابن جرير وابن المنذر والطبراني ثمانية اشهر (٢).

وروى ابن خالويه النحوي في كتاب الآل وابو بكر الخوارزمي في كتاب المناقب عن بلال بن حمامة قال : طلع علينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ذات يوم متبسما ضاحكا ووجهه مشرق كدارة القمر فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال : يا رسول الله ما هذا النور؟ قال : (بشارة اتتني من ربي في اخي وابن عمي وابنتي ، فان الله زوج عليا فاطمة وامر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى فحملت رقاقا يعني صكاكا بعدد محبي اهل بيتي ، وانشأ تحتها ملائكة من نور ودفع الى كل ملك صكا فاذا استوت القيامة باهلها نادت الملائكة بالخلائق فلا يبقى محب لأهل البيت الا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار ، فصار اخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من امتي) وجه الدلالة من الخبر تفسير النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اهل البيت بعلي وفاطمة في آخر الحديث وهو قوله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (فصار اخي وابن عمي وابنتي) (٣) الخ فكانا هما المرادين بقوله (محبي اهل بيتي) وقوله (فلا يبقى محب لأهل البيت) والامر ظاهر.

وروى الحاكم عن ابن عباس قال سمعت رسول الله يقول باذني والا صمتا : (أنا شجرة وفاطمة حملها وعلي لقاحها والحسن والحسين ثمارها ومحبّو اهل البيت ورقها وكلنا في الجنة حقا حقا) وجه الدلالة ظاهر وغني عن البيان

__________________

(١) نقل الرواية الأولى عن ابن مردويه السيوطي في الدر المنثور عن ابي سعيد الخدري كما نقل عنه الرواية الثانية في تفسير آية التطهير عن ابن عباس ولكنه ذكر مكان «سبعة» ، «تسعة» والتصحيف بينهما قريب.

(٢) انظر الدر المنثور.

(٣) تاريخ بغداد ٤ / ٢١٠.

٦٥٥

لصراحته ان اهل البيت هم اهل تلك الشجرة الزكية ، وهذا الخبر ينصر ما قلناه أولا ان المراد باهل البيت اهل بيت النسب لا بيت السكنى فتأمل.

وروى الثعلبي في تفسيره بالاسناد عن أمّ سلمة ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) كان في بيتها فاتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة فقال لها (ادعى زوجك وابنيك) فجاءت بهم فطعموا ثم القى عليهم كساء له خيبريا فقال : (اللهم هؤلاء اهل بيتي وعترتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فانزل الله تعالى : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ) الآية قالت : فاخذ فضل الكساء فغشاهم به ، ثم اخرج يده والوى بها الى السماء وقال : (اللهم هؤلاء اهل بيتي وحامتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فادخلت رأسي البيت وقلت انا معكم يا رسول الله فقال انك الى خير انك الى خير (١).

وذكر ابو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني شهر بن حوشب عن أمّ سلمة قالت جاءت فاطمة الى النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) تحمل خزيرة لها فقال ادعى زوجك وابنيك فجاءت بهم فطعموا ثم القى عليهم كساء له خيبريا وقال : (اللهم هؤلاء اهل بيتي وعترتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فقلت يا رسول الله وانا معهم قال : (انت الى خير) (٢).

وروى الثعلبي في تفسيره أيضا باسناده عن مجمع قال دخلت مع امي على عائشة فسألتها امي أرأيت خروجك يوم الجمل قالت : انه كان قدرا من الله فسألتها عن علي (عليه‌السلام) فقالت تسأليني عن احب الناس كان الى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لقد رأيت عليا وفاطمة وحسنا وحسينا وجمع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بثوب عليهم ثم قال :

__________________

(١) نقله عن تفسير الثعلبي الطبرسي في مجمع البيان ٨ / ٣٥٧ والبرمة : القدر من الحجر.

(٢) نقله الطبرسي في المجمع ٨ / ٣٥٦ عن تفسير ابي حمزة.

٦٥٦

(اللهم هؤلاء اهل بيتي وحامتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) قالت فقلت : يا رسول الله انا من اهلك قال : (تنحي فانك الى خير) (١) قال ابو علي الطبرسي : اخبرنا السيد ابو الحمد قال حدثنا الحاكم ابو القاسم الحسكاني قال حدثونا عن ابي بكر السبيعي قال حدثنا ابو عروبة الحراني قال حدثنا ابن مصفى قال حدثنا عبد الرحمن بن واقد عن أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر عن جابر قال نزلت هذه الآية على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وليس في البيت الا فاطمة والحسن والحسين وعلي : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (اللهم هؤلاء اهلي) قال وحدثنا السيد ابو الحمد قال حدثنا الحاكم بقوله باسناده عن زاذان عن الحسن بن علي (عليه‌السلام) قال لما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واياه في كساء لأم سلمة خيبري ثم قال : (اللهم ان هؤلاء اهل بيتي وعترتي) (٢).

وعن ابي سعيد الخدري قال لما نزل قوله تعالى : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) الآية كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يأتي باب فاطمة وعلي تسعة اشهر عند كل صلاة فيقول : (الصلاة رحمكم الله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) (٣) ومثله روى عن ابي بردة وابي رافع (٤) وقال في اسعاف الراغبين ، روى من طرق عديدة صحيحة ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) جاء ومعه علي وفاطمة وحسن وحسين قد اخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل فادنى عليا وفاطمة واجلسهما بين يديه

__________________

(١) انظر مجمع البيان ٨ / ٣٥٨.

(٢) مجمع البيان ٨ / ٣٥٧.

(٣) رواه السيوطي في الدر المنثور ولكن روى «ثمانية اشهر» مكان «تسعة» نعم روى ذلك عن ابن عباس في تفسير آية التطهير.

(٤) مجمع الزوائد ٩ / ١٦٩ عن ابي برزة وقال : «رواه الطبراني».

٦٥٧

واجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم كساء ثم تلا هذه الآية : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) وقال : (اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قال : وفي رواية : (اللهم هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على ابراهيم انك حميد مجيد) قال وفي رواية أمّ سلمة قالت فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي فقلت وانا معكم يا رسول الله قال : (انك من ازواج النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (١).

اقول هذه الرواية والرواية المتقدمة عن عائشة من اوضح الأدلة على خروج الأزواج من الآية الشريفة بل من حقيقة مفهوم الأهل كما ترى وان كان كل الروايات المذكورة صريحة في ذلك وهي كثيرة وطرقها متعددة ويؤيدها قول امير المؤمنين (عليه‌السلام) في حديث السقيفة : (يا معشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته الى بيوتكم ودوركم ولا تدفعوا اهله عن مقامه في الناس فو الله يا معشر المهاجرين لنحن اهل البيت احق بهذا الأمر منكم) الخبر وقد مر ولم يقل احد من الصحابة لأمير المؤمنين (عليه‌السلام) حين ادعا ان الخلافة اذا كانت له كانت في دار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وبيته واذا خرجت عنه لم تكن في بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ولا داره ، وذكر انه ومن يئول إليه اهل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وانهم اهل البيت ان دارك غير دار النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، ولم يجبه منهم مجيب بان اهل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ازواجه وان اهل بيته نساؤه لا انتم ، بل سلموا له الدعوى

__________________

(١) اسعاف الراغبين : ١٣٧.

٦٥٨

واعتذروا عن اخذ حقه بما اعتذروا مما هو مذكور هناك ومبين فيما مضى ، ويستفاد من هذا اتفاق الصحابة على ان اهل البيت في الآية المراد بهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين وان البيت فيها بيت النبوة والرسالة وانها مختصة بهم لا يشاركهم فيها غيرهم ، فبطل بذلك ما ادعاه قوم من مشاركة الأزواج لهم (١) وفسد ما ادعاه عكرمة من اختصاص الآية بالأزواج لمخالفته الاجماع (٢) سابقا ولاحقا ، وكذا ما ادعاه بعض الخصوم من دخول اقارب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وباقي بناته في الآية ، وروايتهم في العباس وبنيه لا تساعد على ذلك لأن فيها ستر العباس وبنيه بملاءة ودعا لهم بالستر من النار (٣) وهذا غير اذهاب الرجس والتطهير من الذنب وليست النجاة من النار مختصة باهل آية التطهير حتى يدخل فيها من دعا له النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بالستر من النار ، وانما اختصوا بالعصمة من الذنوب ، فالرواية على فرض صحتها لا تدل

__________________

(١) قال النيسابوري في غرائب القرآن ج ٢١ / ١٠ بعد ان ذكر اختصاصها باهل العباء بالاتفاق «يغلب على الظن دخولهن فيهم».

(٢) نقل ذلك الطبري في تفسيره ج ٢١ ص ٥ ـ ٧ عن عكرمة بعد ان روى بعدة طرق عن ابي سعيد الخدري وعائشة وانس وأمّ سلمة وابي الحمراء ، وواثلة بن الأصقع وابي هريرة وعمر بن ابي سلمة وسعد بن ابي وقاص ان المعنيين بهذه الآية رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم وروى أيضا ان أمّ سلمة لما رأت ان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) تجلل هو وهم بالكساء قالت : يا رسول الله ادخلني معهم ، او انا منهم قال : (مكانك انت على خير).

(٣) الظاهر ان الرواية وضعت تزلفا لبني العباس ليقابلوا بها حديث الكساء ليرغموا بذلك انوف ابناء عمهم من العلويين حيث لم يجدوا طريقا لرد حديث الكساء لتواتره واشتهاره وانتشاره وحيث ان الواضع لم يجد من يشهد له بالتصديق استشهد بالجمادات وهي ان النبي حيث وضع الملاءة على العباس وبنيه ودعا لهم بالستر من النار أمنت على دعائه اسكفة الباب وحوائط البيت ثلاثا (انظر اسعاف الراغبين ص ١٠٧).

٦٥٩

بشيء من الدلالات على دخول العباس وبنيه في الآية ، ولسنا نخرج العباس وبنيه وباقي بني عبد المطلب من اهل بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) بالمعنى العام ، لأن قرابتهم الى النبي ثابتة ، وانما نخرجهم من اهل البيت الذين نزلت فيهم الآية ، وقد تقدمت الرواية بهذا المضمون عن عبد الله بن العباس كما انا اخرجناهم من العترة بالمعنى الخاص كما شهدت به جملة من الأخبار المروية هنا مثل حديث أمّ سلمة وخبر زاذان عن الحسن (عليه‌السلام) مضافا الى ما سبق في محله وكذلك نخرجهم من الآل على هذا المعنى اي من الآل المختصين بخلافة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) والمشاركين له في خصائصه الا ما يختص بالنبوة ، وعلى المعنى العام في اهل البيت يخرج قول زيد بن ارقم اهل البيت من حرم الصدقة بعده يعني النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس في رواية مسلم والنسائي ان صحت الرواية والا ففيها اشكال من جهة ان من حرمت عليه الصدقة لا يختص بالمذكورين بل هو شامل لجميع بني هاشم فيدخل بنوا الحارث بن عبد المطلب وبنوا ابي لهب الا ان يريد بما ذكره التمثيل ، وعلى كل حال فلا معارضة بها لتلك الأخبار المتواترة فتعين ما قلنا فيها واندفع جميع الايرادات وتبين صحة الوجه في اختصاص الآية بمن ذكرنا ، ويعضده أيضا ما رواه ابو بكر الجوهري في كتاب السقيفة باسناده عن ابي كعب الحارثي في خبر طويل يذكر فيه كلاما جرى بين علي وعمار وعائشة وحفصة وسعد بن أبي وقاص وبين عثمان بن عفان وفيه فتقدم عثمان فصلى بهم فلما كبر قالت امرأة من حجرتها : «يا ايها الناس» ثم تكلمت وذكرت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وما بعثه الله به ثم قالت : «تركتم امر الله وخالفتم عهده» ونحو هذا ثم صمتت ، وتكلمت امرأة اخرى بمثل ذلك فاذا هما عائشة وحفصة ، قال فسلم عثمان ثم اقبل على الناس وقال : ان هاتين لفتانتان يحل لي سبهما ، وانا باصلهما عالم ، فقال له سعد بن ابي وقاص :

٦٦٠