🚘

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

الشيخ علي البحراني

منار الهدى في النصّ على إمامة الأئمّة الإثني عشر

المؤلف:

الشيخ علي البحراني


المحقق: السيد عبدالزهراء الخطيب
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: دار المنتظر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٢٠
🚘 نسخة غير مصححة

عبد الله وزيد بن ثابت وعبد الله بن العباس في اضرابهم واشباههم وقد روى الخصم حديث : (العلماء ورثة الأنبياء) (١) فاي مزية لأهل بيت النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وأية خصوصية لهم في شيء شاركهم فيه جمع كثير من الناس وساهمهم فيه جم غفير من الأمة حتى يقال لهم وراثة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) دون غيرهم ، والحال ان غيرهم قد قاسمهم اياها واخذ نصيبه منها ، فوجب لهذا حمل الوراثة على المنزلة والعلم معا ليثبت الاختصاص وعلى المال أيضا لبطلان رواية (لا نورث) كما سبق بيانه فتبين ان منزلة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ميراث لهم كما ان جميع ماله وعلمه لهم فهم خلفاؤه واولياؤه وسفراؤه ويصدق هذا قول الله تعالى : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ) (٢) على انا لو قبلنا قول ابن ابي الحديد لم يكن الكلام خارجا عن الدلالة على ما نقول ، لأن اهل البيت اذا كانوا وارثين على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وجب ان يكونوا خلفاؤه لوجوب الرجوع إليهم في الحلال والحرام والقضايا والأحكام لأن علم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عندهم وغيرهم خلو منه ، واذا وجب الاقتداء بهم في احكام الدين وجب ان يكونوا هم الأئمة لأن المقتدى به عندنا هو الامام ، ومن ليست له هذه المنزلة اذا ادعى الامامة فهو ظالم غاصب ومتقول كاذب ولاشتراط الأعلميّة عندنا في الامامة كما بين من قبل ويثبت المقصود ، وليس لأحد ان يترك الاقتداء بهم ويعدل عنهم الى غيرهم لأنه يكون تاركا للعمل بقول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) تعمدا لأن علمه عندهم فمن اخذ يقول من خالفهم فقد خالف النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يقينا ، فتثبت لهم بذلك الامامة قطعا والله الهادي وقوله (عليه‌السلام) : (الآن اذ

__________________

(١) رواه البخاري في صحيحه ١ / ٢٤ كتاب العلم باب العلم قبل القول والعلم.

(٢) الأنفال : ٧٥.

٦٠١

رجع الحق الى اهله) الخ صريح في ان الخلافة قبل ان يملك هو امرها ظاهرا كانت في غير اهلها فهي مغصوبة منهوبة وهو نص مذهبنا وبالله المستعان.

ومما ورد في المعنى قول امير المؤمنين في بعض خطبة في النهج : (نحن شجرة النبوة ، ومحط الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومعادن العلم ، وينابيع الحكم ، ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة ، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة) (١) وهذه الخطبة ظاهرة في ان اهل البيت وارثو منزلة الرسول وعلمه وحكمه لأن قوله : (نحن شجرة النبوة) يشير به الى ان ميراث النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قد صار لهم لأنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) منهم اذ ليس يجوز ان يريد انهم انبياء لأن النبوة قد ختمت بنبينا (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وكذلك قوله : (ومحط الرسالة) فان مقام رسالة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) صار لهم فهم المؤدون عنه الى الأمة احكام الدين التي بعث بها ، والحافظون لها الا تسمع الى قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (لا يؤدي عني الا انا او رجل مني) وفي حديث مضى قبل انه قال لعلي (عليه‌السلام : (وانت تؤدي عني) وقوله في حديث رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن جيش بن جنادة قال قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (علي مني وانا من علي ولا يؤدي عني الا علي) (٢) فهم خلفاؤه وأمناؤه وخلصاؤه وسفراؤه وليس يريد انهم رسل لأن الرسالة كملت برسولنا محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واما قوله : (ومختلف الملائكة) فلأن الأئمة (عليه‌السلام) تنزل عليهم الملائكة وتخاطبهم وليس ذلك ببدع فقد خاطبت الملائكة مريم بما حكاه الله تعالى : (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ) الآية وقول جبرئيل لها : (إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً

__________________

(١) نهج البلاغة من الخطبة ١٠٧.

(٢) رواه الترمذي ٢ / ٢٢٩ وفيه (ولا يؤدي عني الا انا او علي).

٦٠٢

زَكِيًّا) (١) وخاطبت سارة بما قصه الله قالوا : (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) (٢) فلا يمتنع في خلفاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ما جاز في حق سارة ومريم ، وقد قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لعلي (عليه‌السلام) في حديث مر ذكره : (انك ترى ما ارى وتسمع ما اسمع الا انك لست بنبي) وهو صريح في المطلب ويدل عليه أيضا قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ) (٣) الآيتين فهم اولئك اذ لا غيرهم من الأمة هكذا ، وباقي الخطبة ظاهر المعنى وهو ينادي بنجاة متبعهم وهلاك معاديهم ، ويصرح بانهم وارثوا منازل الرسول ومراتبه وذلك هو المراد.

ومما ورد بانهم اوتوا من فضل الله ما حسدهم الناس عليه قوله تعالى : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) (٤) فقد ذكر ابن ابي الحديد ان الآية نزلت في علي (عليه‌السلام) (٥) وذكر في اسعاف الراغبين عن بعضهم في الآية عن الباقر انه قال : (اهل البيت هم الناس) (٦) وهذه الآية صريحة في إمامة اهل البيت ، وانها هي الشيء الذي اتاهم الله اياه من فضله وحسدهم الناس عليه ، لأن الناس لم يحسدوهم على مال اوتوه ولا ثروة حصلوها ولا جواهر اختزنوها ، وانما حسدوهم على الخلافة ونازعوهم في الامامة ، فالآية دالة على ان الله آتاهم الامامة وجعلها فيهم وذلك ظاهر.

__________________

(١) مريم : ١٩.

(٢) هود : ٧٣.

(٣) فصلت : ٣٠ ـ ٣١.

(٤) النساء : ٥٤.

(٥) نهج البلاغة من الخطبة القاصعة ١٩٠.

(٦) اسعاف الراغبين ص ١٠٩.

٦٠٣

وأما الأقوال والأفعال الدالة على تعظيم اهل البيت وجلالة شأنهم ، ورفعة قدرهم ، والمشيرة الى انهم خلفاء النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الراشدون ، والمومية الى انهم الأئمة المرضيون ، فكثيرة نذكر منها جملة وافرة.

فمنها قوله تعالى : (إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً) الى قوله تعالى : (إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً) (١) فقد صح في الرواية ان هذه السورة نزلت في حق علي وفاطمة والحسن والحسين حين جادوا بقوتهم ثلاث ليال على المسكين واليتيم والأسير وهم مع ذلك يصومون النهار ، قال ابن ابي الحديد مشيرا الى علي (عليه‌السلام) وفيه انزل قوله تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً) (٢) انتهى فانظر الى ما وصفهم الله تعالى به في هذه الآيات من الأوصاف الجليلة ، والى ما مدحهم به من الخصال الجميلة من كونهم ابرارا وانهم يوفون بالنذر ، ويخافون يوم القيامة وخوف الآخرة من وصف اهل الايمان الكامل كما ان عدم خوفها من وصف اهل الكفران قال تعالى : (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ) (٣) ووصفهم بالسخاء والجود ، وهو اطعام الطعام على حبه اي في وقت حاجتهم إليه وذلك غاية الجود ، ووصفهم بصفاء النية وصدق الطوية وانهم لم يقصدوا بفعلهم الا وجهه الكريم ورجاء ما عنده من الثواب الجسيم ، ولم يريدوا بما فعلوا جزاء ولا محمدة من المسكين والأسير واليتيم ، ثم انظر الى ما وعدهم الله من الثواب الجزيل وما اعد لهم من العطاء العميم بقوله : (فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً

__________________

(١) الدهر : ٩ و ١٠.

(٢) شرح نهج البلاغة ١ / ٢١.

(٣) الشورى : ١٨.

٦٠٤

وَسُرُوراً وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) (١) الى آخر الآيات المشتملة على ذكر ما اعد لهم من افضل الهبات ، فهل رأيت وليا من الأولياء غيرهم جمعت له في القرآن هذه الصفات ، او صفيا من الأصفياء سواهم حين اعدت لهم هذه العطيات ، وهل هذه الأوصاف الا اوصاف النبيين والمرسلين؟ فانهم وان لم يكونوا انبياء ورسلا فانهم كانوا من سبلهم سالكين ، ولمآثرهم ولمراتبهم ومنازلهم وارثين أفليس في ذلك كله اشارة الى إمامتهم ، وايماء الى خلافتهم ، ان لم تكن دلالة واضحة وعلامة لائحة.

ومنها ما رواه ابن ابي الحديد عن ابن ديزيل في كتاب صفين عن بعل بن بعيد الحنفي عن اسماعيل السدى عن زيد بن ارقم قال : كنا مع رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهو في الحجرة يوحى إليه ونحن ننتظره حتى اشتد الحر فجاء علي بن أبي طالب ومعه فاطمة والحسن والحسين (عليه‌السلام) فقعدوا في ظل حائط ينتظرونه ، فلما خرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) رآهم فاتاهم ووقفنا نحن مكاننا ثم جاء إلينا وهو يظلهم بثوبه ممسكا بطرف الثوب وعلي ممسك بطرفه الآخر ، وهو يقول : (اللهم اني احبهم فاحبهم اللهم اني سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم) (٢) قال : فقال ذلك ثلاث مرات ورواه الحاكم في مستدركه أيضا وهو شاهد بان مقام الرسول لهم حيث جعل سلمهم سلمه وحربهم حربه.

ومنها ما رواه احمد بن حنبل عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (اذا ذهب النجوم ذهب اهل السماء واذا ذهب اهل بيتي ذهب أهل الأرض) وفي رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين : (النجوم امان لأهل الأرض

__________________

(١) الدهر : ٨ فما بعدها.

(٢) شرح نهج البلاغة ٣ / ٢٠٧ ومستدرك الحاكم ٣ / ١٤٩.

٦٠٥

من الغرق واهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف).

واخرج جماعة عنه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه قال : (النجوم امان لأهل السماء واهل بيتي أمان لأمتي) وفي اخرى : (اهل بيتي امان لأهل الأرض فاذا هلك اهل بيتي جاء اهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون) (١).

قال في الاسعاف : وقد يشير الى هذا المعنى قوله تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (٢) اقيم اهل بيته مقامه في الامان لأنهم منه وهو منهم كما ورد في بعض الطرق انتهى (٣) وهذا دال على انهم خلفاؤه والقائمون مقامه وتدل أيضا ، على وجود امام منهم في كل زمان قائم مقام النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ليحصل به الأمان لأهل الأرض من الذهاب والاختلاف ، وهو عين ما نقول وقد تقدم ذكر هذه الأخبار وتمام تحقيقها في مقدمة الكتاب.

ومنها ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) انه قال في حسن وحسين : (اللهم اني احبهما واحب من يحبهما) (٤) وروى الترمذي عن اسامة انه (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) اجلس الحسن والحسين يوما على فخذيه وقال : (هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم اني احبهما فاحبهما) (٥) وروى عن انس بن مالك ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(١) نقله المحب في ذخائر العقبى ص ١٧ عن فضائل احمد ومستدرك الحاكم ٣ / ١٤٩.

(٢) الأنفال : ٣٣.

(٣) اسعاف الراغبين ص ١٣٠.

(٤) الترمذي ٢ / ٢٤٠ وفيه «وركية» مكان «فخذيه» وفيه «فاحبهما واحب من يحبهما».

(٥) المصدر السابق ٢ / ٣٠٦.

٦٠٦

وسلم) سئل أي اهل بيتك احب أليك؟ فقال : (الحسن والحسين) (١).

وروى الطبراني وابن ابي شيبة ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال فيهما : (اللهم اني احبهما فاحبهما وابغض من ابغضهما) (٢).

وروى ابن عساكر وابن مندة عن انس ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا) (٣) ومثله في الصحيحين عن ابن عمر ، ومن هذا الباب كثير من الأحاديث المروية في صحاح القوم مما لا ينكر روايتهم ابن ابي الحديد ولا غيره ، ولا يرتاب فيها ، وليسوا من الشيعة الذين قال انه لا يحفل بروايتهم ولا يلتفت إليها وكلها دالة على تفضيل الحسن والحسين لأن محبّة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لهما يلزم منها محبة الله لهما اذ لا يحب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الا من يحبه الله ومحبة الله لهما يلزم منها كثرة ثوابهما ، وذلك هو الفضل فيجب لهما الامامة اذ لا يجوز تقديم المفضول على الأفضل ، وأيضا ان تلك الأقوال من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) تقتضي وجوب محبتهما على الأمة وولايتهما وتشير الى عدم رضاه بتقدم غيرهما عليهما.

ومنها ما رواه ابن عساكر وابن مندة ان فاطمة اتت بابنيها فقالت : (يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئا) فقال : (اما حسن فله هيبتي وسؤددي واما حسين فله جرأتي وجودي) وفي رواته : (اما الحسن فقد نحلته حلمي وهيبتي واما الحسين فقد نحلته نجدتي وجودي) (٤) فهذا الحديث يصرح بان

__________________

(١) كنز العمال ٦ / ٢٢١ وقال : «اخرجه الطبراني وابن ابي شيبة».

(٢) كنز العمال ٦ / ٢٢٠ وقال : «اخرجه ابن عساكر».

(٣) صحيح البخاري ط المنيرية ٧ / ١١ كتاب الأدب ، و ٥ / ١٠٠ كتاب بد الخلق باب مناقب الحسن والحسين ، وصحيح مسلم.

(٤) كنز العمال ٦ / ٢٢٠ وقال : «أخرجه ابن مندة» وابن عساكر والوجه الثاني في ص

٦٠٧

الحسن والحسين قد ورثا خصال النبي الحميدة فيكونان وارثي مقامه كما ورثا اخلاقه.

ومنها ما رواه ابن ابي شيبة واحمد وجماعة من اصحاب الصحاح عن بريدة قال : كان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يخطب اذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان احمران يمشيان ويعثران ويقومان فنزل (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وحملهما واحدا من ذا الشق وواحد من ذا الشق ثم صعد المنبر فقال : (صدق الله : انما اموالكم واولادكم فتنة اني نظرت الى هذين الغلامين يمشيان ويعثران فلم اصبر فقطعت كلامي ونزلت إليهما) (١).

واخرج الحاكم عن ابن عباس قال اقبل النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل فقال : نعم المركب ركبت يا غلام ، فقال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (ونعم الراكب) (٢).

وروى الترمذي عن يعلى بن مرة قال قال رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (حسين مني وانا من حسين احب الله من احب حسينا حسين سبط من الأسباط) (٣).

وعن زيد بن ابي زياد قال خرج رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) من بيت عائشة فمر على بيت فاطمة فسمع حسينا يبكي فقال : (ألم تعلمي

__________________

٢٢١ وقال : «أخرجه ابن عساكر».

(١) هذا الحديث خرجه جماعة من المحدثين والمفسرين كابن جرير في تفسيره ٢٨ / ٨١ والسيوطي في الدر المنثور في تفسير سورة التغابن والترمذي ٥ / ٣٥٤ والحاكم في المستدرك ١ / ٢٨٧ وابن الأثير في اسد الغابة ٢ / ١٢ الخ ...

(٢) مستدرك الحاكم ٣ / ١٧٠.

(٣) الترمذي ٢ / ٣٠٧.

٦٠٨

ان بكاءه يؤذيني) (١) عن البراء بن عازب قال رأيت رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حامل الحسين على عاتقه وهو يقول : (اللهم اني احبه فاحبه) ومثل ذلك روى في الحسن (٢).

وروى النسائي بسنده عن عبد الله بن شداد عن ابيه قال : خرج علينا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) لصلاة العشاء وهو حامل الحسين فتقدم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) للصلاة فوضعه ثم كبر وصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة فاطالها قال فرفعت رأسي فاذا الصبي على ظهر رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهو ساجد فرجعت الى سجودي فلما قضى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) صلاته قال : الناس يا رسول الله سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة اطلتها حتى ظننا انه قد حدث امر ، وانه يوحى أليك فقال (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (كل ذلك لم يكن ولكني ارتحلني الحسن فكرهت ان اعجله حتى ينزل) (٣) وقريب (٤) منه رواه ابن سعد عن عبد الله بن الزبير وزاد فيه ولقد رأيته يعني النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وهو راكع يفرج له يعني الحسن بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر (٥) فانظر الى هذا التعظيم الجليل من النبي (صلى الله عليه

__________________

(١) رواه المحب في ذخائر العقبى ص ١٤٣.

(٢) صحيح البخاري ٥ / ١٠٠ ط المنيرية كتاب المناقب باب مناقب الحسن والحسين اخرجه عن البراء وفيه «والحسن بن علي على عاتقه» بدل «حامل الحسين» ولكن في مستدرك الحاكم ٣ / ١٧٧ عن ابي هريرة «وهو حامل الحسن والحسين».

(٣) سنن النسائي ١ / ١٧٠ وفيه «وهو حامل حسنا وحسينا» وفيه «ولكن ابني ارتحلني».

(٤) ذخائر العقبى ص ١٣٢.

(٥) رواه في اسعاف الراغبين ص ١٣٠ عن تفسير الثعلبي وفي الصواعق ص ٥٦ والرياض النضرة ٢ / ٢٠٩ رواه الزمخشري في الكشاف كما في المتن.

٦٠٩

وآله وسلم) للحسن والحسين ، أتراه يرضى ان يكونا سوقه يتأمر عليهما غيرهما أو ما في هذا التبجيل منه لهما اشعار بإرادته تقديمهما وتنبيه للأمة على تعظيمهما وتفخيمهما وتسليم الأمر إليهما وانقياد الناس الى حكمهما بلى والله فيه دليل ظاهر وبيان واضح زاهر.

ومنها ما رواه الثعلبي عن علي (عليه‌السلام) قال شكوت الى رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حسد الناس فقال لي : (أما ترضى ان تكون رابع أربعة اوّل من يدخل الجنة انا وانت والحسن والحسين وازواجنا عن ايماننا وشمائلنا وذريتنا خلف ازواجنا).

وروى الطبراني عن ابي رافع ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال لعلي : (انا اوّل أربعة يدخلون الجنة انا وانت والحسن والحسين وازواجنا خلف ذرياتنا).

وروى أيضا عن علي (عليه‌السلام) ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (اوّل من يرد على الحوض اهل بيتي ومن أحبني من امتي) (١).

وروى الديلمي مرفوعا (من اراد التوسل وان تكون له عندي يد اشفع له بها يوم القيامة فليصل اهل بيتي ويدخل السرور عليهم) (٢) وهذه الأحاديث كما ترى ظاهرة في مشاركة اهل البيت للنبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في مزاياه وصريحة في اتصالهم به في آخرته كما انهم متصلون به في دنياه لا يزايلهم ، ولا يزايلونه ولا يفارقهم ولا يفارقونه فهم اوّل وارد عليه حوضه ، وهم الداخلون معه جنته ، والراقون على اثره درجته ، وان من

__________________

(١) كنز العمال ٦ / ٢١٨ وقال : «اخرجه الطبراني عن ابي رافع» ومثله في اسعاف الراغبين ص ١٣٠.

(٢) الصواعق ص ١٥٠ وقال : «اخرجه الديلمي».

٦١٠

وصلهم وادخل السرور عليهم كانت له يد على النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) يستحق بها شفاعته ويستوجب بها عنايته أفليس في هذا دلالة على انهم اولى بمقام الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) واشارة الى انهم احق بخلافته من كل احد والأحاديث في تبجيلهم وتفضيلهم كثيرة في كتب الخصوم استقصاؤها يوجب الأطناب والملال وليس هذا بكتاب حديث وانما هو كتاب استدلال فالاقتصار على ما ذكرنا اولى وفيه كفاية للعقلاء وسيأتي جملة من النصوص نذكرها في مقامات تليق بها فارتقب.

٦١١
٦١٢

تحقيق مقام وايراد كلام لبلوغ مرام

الأئمة اثنى عشر إماما لا يزيدون ولا ينقصون لما استفاض عند الخصوم من قول النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) : (لا يزال امر الناس ماضيا ما وليهم اثنى عشر إماما كلهم من قريش) وما روى عن عبد الله بن مسعود انه قال ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عهد إلينا انه يكون بعده اثنى عشر خليفة (١) ولتواتر النقل عندنا في ذلك عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعن علي (عليه‌السلام) ودعوى قوم من الخصوم ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا) (٢) باطلة وكثير منهم يبطل هذا الحديث الذي لا شك في بطلانه ، والمعتزلة كافة يبطلون هذه الدعوى ولا ريب ان هذا حديث موضوع ، ويكفي في رده حديث : (من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية) (٣) وهو متفق

__________________

(١) حديث الاثني عشر خليفة رواه كثير من المحدثين بطرقهم عن ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن سمرة باختلاف يسير في بعض الألفاظ كالبخاري في صحيحه ١ / ١٢٧ كتاب الأحكام ومسلم في صحيحه ٦ ص ٣ في كتاب الامارة باب الناس تبع لقريش ، والامام احمد في مسنده ١ / ٣٨٩ و ٤٠٦ و ٥ / ٨٩ و ٩٠ و ٩٢ و ٩٤ و ٩٩ و ١٠٦ و ١٠٨ وابو نعيم في الحلية ٤ / ٣٣٣ والترمذي ٢ / ٣٥ الخ ...

(٢) هذا الحديث موقوف على راويه وهو سفينة والعدد غير صحيح والخلل في كلام المعصوم محال.

(٣) هذا الحديث متواتر وقد تقدم في اوّل الكتاب.

٦١٣

عليه وصريحة ان لكل زمان إماما تجب معرفته ولا تجب معرفة ملك جائر البتة كما اوضحناه سابقا ، والأحاديث المتفق عليها في المهدي وانه خليفة رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) حقا ، وبالجملة بطلان تلك الدعوى ظاهر لا يحتاج الى تطويل القول فيه ما بيناه في المقدمة من وجوب استمرار الامامة وما اقمنا عليه من الأدلة واوّل الأئمة الاثني عشر وسيدهم امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه‌السلام) ، ثم ابنه الحسن ، ثم اخوه الحسين ، ثم ابنه علي بن الحسين زين العابدين ، ثم ابنه محمد بن علي الباقر ثم ابنه جعفر بن محمد الصادق ، ثم ابنه موسى بن جعفر الكاظم ، ثم ابنه علي بن موسى الرضا ، ثم ابنه محمد بن علي الجواد المعروف بالتقي ، ثم ابنه علي بن محمد الهادي الموصوف بالنقي ، ثم ابنه الحسن بن علي الزكي العسكري ، ثم ابنه المنتظر المهدي سمى جده النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وقد تواتر النقل عندنا عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) باسمائهم وانهم الأئمة من بعده ، ووصفهم لجماعة من اصحابه منهم جابر بن عبد الله الأنصاري ، واخبره انه يدرك محمد بن علي الباقر وامره ان يقرأه عنه السلام ففعل (١) والقصة مشهورة عند مخالفينا ، وفضل هؤلاء الأئمة عند خصومنا مشهور ، وفي مصنفاتهم مذكور ، قد ذكرهم ابن ابي الحديد في ذكره مفاضلة هاشم وعبد شمس بجميل الذكر واثنى عليهم باحسن الثناء وذكرهم ابو العباس الدمشقي في تاريخه ووصفهم بالامامة ومدحهم بالعلم والشهامة وذكر لهم جملة من الكرامات والأخبار عن المغيبات والكلام على اسرار القلوب

__________________

(١) نور الابصار ص ١٤٣ وقال ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٥ / ٢٧٧ : «هو سيد فقهاء الحجاز ومنه ومن ابنه جعفر تعلم الناس الفقه ، وهو الملقب بالباقر ، باقر العلم ، لقبه به رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ولم يخلق بعد ، وبشر به ، ووعد جابر بن عبد الله برؤيته ، وقال : (ستراه طفلا فاذا رأيته فابلغه عني السلام) فعاش جابر حتى رآه وقال له ما وصيّ به».

٦١٤

المضمرات وصنف محمد بن طلحة الشامي كتاب مطالب السئول في ذكرهم ونعتهم ، وصاحب كتاب الفصول المهمة صنفه في وجوب معرفتهم ، وعلي بن عيسى الأربلي جمع كتاب كشف الغمة في جمع مناقبهم وفضائلهم ، وذكرهم محمد بن علي الصبان الشافعي في اسعاف الراغبين ، ووصفهم بالأوصاف الجليلة مع شدة عداوته للشيعة وكثرة تعصبه عليهم كما يعرفه منه من رأى كتابه المشار إليه وذكرهم ابن خلكان في تاريخه بجميل الذكر وكم فاضل من مخالفينا صنف في فضائلهم ، وكم من مؤلف من خصومنا الف في جمع مناقبهم.

واما اصحابنا فقد صنفوا في ذلك وجمعوا منه الكثير الواسع ، وهذا يدلك على عظيم عناية الله بأئمتنا الطاهرين ، حيث اجرى مدحهم على السن أوليائهم واعدائهم ، وهذا أدل دليل على إمامتهم ، واوضح برهان على رئاستهم ، وانها من الله تعالى عند من تأمل وانصف ، وقد اشتهر من كراماتهم واستجابة دعائهم ومعاجزهم ، وعلمهم بالأسرار واخبارهم عن المغيبات ما هو مذكور في كتب التواريخ والسير وكتب الأخبار من الخاصة والعامة ، وليس هذا الكتاب مصنفا لذكر الفضائل ولا لجمع المناقب فمن ارادها فليطلبها من الكتب التي سميناها وغيرها فان هذا الكتاب انما هو مصنف لاثبات النص عليهم بالامامة واردنا من هذا الكلام بيان انهم معروفون بالفضل والعلم موصوفون بالجود والحلم عند الولي والخصم ، فليس من انكر إمامتهم انكرها لجهل بفضلهم ولا لعدم معرفته بشرفهم ومجدهم وقربهم من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وطيب اصلهم ، ولا لخفاء خصالهم الحميدة وجميل فعلهم ، وكيف يخفى فضل اهل البيت على القوم وهم قد رووا في حقهم عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ما مر عليك في هذا المصنف من الأخبار على كثرتها مع ما سيأتي ذكره منها ، وهذا كله جزء مما رووه في فضلهم ، ولا بأس بذكر بعض الأحاديث في هذا المقام ممّا

٦١٥

يستدل به على فضل ائمتنا الكرام.

روى ابن حجر في الصواعق ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (من احب ان ينسئ الله اجله وان يمتع بما خوله فليخلفني في اهلي خلافة حسنة فمن لم يخلفني فيهم بتر عمره وورد علي يوم القيامة مسودا وجهه) (١).

وروى احمد بن حنبل عن العباس بن عبد المطلب ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) صعد المنبر فقال : (من انا) قالوا انت رسول الله قال : (انا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ان الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا) (٢) وروى احمد والمحاملي عن عائشة انها قالت قال النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) (قال جبرائيل قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد افضل من محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ، وقلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم اجد بني أب أفضل من بني هاشم) (٣) فبنوا هاشم أفضل الناس بمقتضى الخبر ، والأئمة صفوتهم فانهم اعلام بني هاشم ، ونجوم بني عبد المطلب ، فلهم الشرف الأعظم والمجد الأقدم ، ولقد اجاد ابو فراس الحمداني (٤) حيث يقول في خطاب بني العباس من قصيدة طويلة.

__________________

(١) الصواعق ص ١١١.

(٢) رواه الترمذي ٢ / ٦٩ والمظنون ان المؤلف رحمه‌الله نقله عن مناقب احمد.

(٣) رواه في فيض القدير / ٤٩٩ بحروف ما في المتن.

(٤) ابو فراس الحمداني : الحارث بن سعيد بن حمدان ابن عم سيف الدولة شاعر مبرز شهد له المتنبي بالتقدم ، وفيه يقول الصاحب بن عباد : «بدئ الشعر بملك ـ يعني امرئ القيس ـ وختم بملك ـ يعني أبا فراس» والبيت المذكور من قصيدته المعروفة بالشافية واولها :

٦١٦

ليس الرشيد كموسى في القياس ولا

مأمونكم كالرضا ان انصف الحكم

ولما قال معاوية لعبد الله بن العباس بعد موت الحسن انك اليوم زعيم بني هاشم قال : عبد الله اما والحسين فيهم فلا (١) ولما قال معاوية لعبد الله بن جعفر انك سيد بني هاشم ، قال له عبد الله ان الحسن والحسين هما سيدا بني هاشم لا يدافعان (٢) وقال مرة وقد قال له معاوية كلاما يفضله فيه وأباه جعفرا على الحسن والحسين وابيهما : هما خير مني وابوهما خير من ابي وامهما خير من امي.

وروى في اسعاف الراغبين ان النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : (يرد علي الحوض اهل بيتي ومن احبهم كهاتين) يعني السبابتين (٣).

وروى الطبراني ان عليا (عليه‌السلام) قال لمعاوية : (اياك وبغضنا فان رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) قال : لا يبغضنا ولا يحسدنا احد الا ذيد عن الحوض يوم القيامة بسياط من نار) (٤) قال : وقال في الاسعاف بعد ذكر جملة من الأخبار في محبة اهل البيت : علم من الأحاديث السابقة وجوب محبة اهل البيت ، وتحريم بغضهم التحريم الغليظ ، وبلزوم محبتهم صرح البيهقي والبغوي بل نص عليه الشافعي في ما حكى من قوله :

__________________

الحق مهتضم والدين مخترم

وفيء آل رسول الله مقتسم

يروى انه دخل معسكر الخليفة العباسي وشهر خلفه اكثر من خمسمائة سيف وانشد القصيدة وخرج ، له وقائع معلومة مع الروم ، واسر عدة مرات وله اشعار في اسره قتل سنة ٣٥٧ في واقعة جرت بينه وبين ابن اخته ابي المعالي بن سيف الدولة.

(١) في محاورة بين معاوية وعبد الله بن جعفر.

(٢) شرح نهج البلاغة ٦ / ٦٩٧.

(٣) اسعاف الراغبين ١١٣.

(٤) أيضا ص ١١٤ وقال : «رواه الطبراني في الأوسط».

٦١٧

يا آل بيت رسول الله حبكم

فرض من الله في القرآن انزله

يكفيكم من عظيم الفخر انكم

من لم يصل عليكم لا صلاة له (١)

وقال الفخر الرازي : «ان اهل بيته يعني النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ساووه في خمسة اشياء في الصلاة عليه وعليهم في التشهد وفي السلام يقال في التشهد السلام عليك ايها النبي وقال تعالى : (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) (٢) وفي الطهارة قال الله تعالى : (طه) اي يا طاهر وقال تعالى : (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (٣) وفي تحريم الصدقة وفي المحبة قال تعالى : (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) (٤) وقال تعالى (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (٥) انتهى (٦).

وقال محيي الدين ابن عربى.

ولائي إليكم آل طه فريضة

على رغم اهل البعد يورثني القربا

فما طلب المبعوث اجرا على الهدى

بتبليغه الا المودة في القربى

رواه عنه في الاسعاف (٧) ، فهذه شهادة الفضلاء من اهل السنة على فضل أئمتنا ووجوب محبتهم ، ومساواتهم النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) في الخصائص والمزايا ، وكفى بذلك لنا تصديقا.

فان قيل : لم قصرتم الامامة في ذرية الحسين دون ذرية الحسن وهما جميعا

__________________

(١) أيضا ص ١١٩.

(٢) الصافات : ١٣٠.

(٣) الأحزاب : ٣٣.

(٤) آل عمران : ٣١.

(٥) الشورى : ٢٣.

(٦) اسعاف الراغبين ص ١١٧ نقله عن الرازي.

(٧) أيضا ص ١١٧ والصواعق ص ٨٩.

٦١٨

سبطا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ولم خصصتم بها من ذكرتم ، دون باقي ذرية الحسين.

قلنا : اما جعلنا الامامة في ذرية الحسين دون ذرية الحسن وهما معا ابنا رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) فلنا عليه دليلان.

الأول ان الامامة لا شك انها منصب رسول الله ومقامه وميراثه فصارت بعده لعلي (عليه‌السلام) بنصه عليه ثم صارت بعد علي للحسن والحسين (عليه‌السلام) مشتركين فيها بنص رسول الله عليهما الا ان التقدمة للحسن لأنه الأكبر سنّا ثم صارت بعده للحسين خالصة لا يشركه فيها غيره فوجب ان تكون بعده للأقرب إليه لآية : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ) فمحال ترجع الى ولد الحسن ، وهي ميراث الحسين ، والامام يجب ان يكون اقرب الناس الى الامام الذي قبله ولو لا وجود النص على الحسين من النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) ومن علي (عليه‌السلام) لجعلناها بعد الحسن للأكبر من ولده ولم تصر للحسين ولا لأحد من ذريته ، ولكن النص عليه قد ورد فكان هو الامام بعد الحسن ، فالامامة يجب ان تكون في عقبة للآية.

الثاني تواتر الأخبار عندنا عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعلي والحسن والحسين (عليه‌السلام) ان الامامة بعد الحسين تكون في ذريته وكتب اصحابنا مملوءة من ذلك ، وبهذين الدليلين يبطل مذهب الزيدية والكيسانية ومن شابههم.

وأما تخصيص الامامة بمن ذكرناهم فلوجوه.

الأول تواتر الأخبار عندنا عن النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) وعن علي باسمائهم وانهم فلان بن فلان وفلان بن فلان الى آخرهم ، وتلك

٦١٩

الأخبار مودعة في كتب اصحابنا فوجب اتباع ما قاله النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم).

الثاني تواتر النص عندنا عن كل سابق على لاحقه ، وقد علمت ان الامامة عندنا دائرة مدار النص ، وقد اوضحنا بطلان الاختيار فيها في اوّل الكتاب فيجب الحكم بامامة من ذكرنا نصّ النبي (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) عليهم ونص بعضهم على بعض.

الثالث انك قد علمت فيما مضى انا اقمنا الدليل على اشتراط الأعلمية في الامام وانه لا يجوز ان يكون في رعيته من هو اعلم منه ولم نجد من ذرية الحسين ولا من ذرية الحسن اعلم من هؤلاء القوم ، فانهم ما سألوا عن شيء الا اجابوا فيه ، واستخرجوه من كتاب الله تعالى وبثوا من العلوم ما لم يحط به احد ومن اخبار الماضين ما لم يعلمه من قرأ كتب الأولين مع تصريحهم بانهم لم يجدوا لعلومهم حملة ، فلو انهم وجدوا من يحمل علومهم لبرز عنهم من العلم ما يكون الظاهر الآن من علومهم على كثرته عشر عشر عشره واستغفر الله من النقصان ، فان العبارة لا تؤدي عنه والعقول لا تحيط بكنهه ، فقولنا على جهة التقريب فقد قالوا لمن سألهم عن الألف باب التي علمها رسول الله امير المؤمنين (عليه‌السلام) فانفتح من كل باب الف باب (١) وانها صارت إليكم فكم نروي منها عنكم فقالوا : (انكم ترون منها

__________________

(١) في كنز العمال ٦ / ٣٩٢ عن علي قال : «علمني رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) الف باب كل باب يفتح الف باب) وقال : «اخرجه ابو احمد الفرمني في جزئه ، وفي رواية الثعلبي في قصص الأنبياء ص ٥٦٧ «علمني الف باب من العلم فتشعب لي من كل باب الف باب» ذكر ذلك في قصة اهل الكهف ، وفي كنز العمال ٦ / ٤٠٥ عن ابن عباس : «علمه الف الف كلمة كل كلمة تفتح الف كلمة».

٦٢٠